إبحث عن:    
القائمة الرئيسيه
صفحة البداية
القصة القصيرة
القصص والروايات
دراسات و ابحاث
المقالات والترجمات
الكاتب يوسف العيلة
معرض الصور
شاركنا رأيك
English Site

تسجيل الدخول
إسم المستخدم:

كلمة المرور:


تسجيل
هل نسيت كلمة المرور

المقالات الأكثر قرائة
1 من الممات إلى البعث .... نظرة إسلامية تقليدية
2 تأملات - الفصل الخامس : موروثات
3 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المصادر والمراجع)
4 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المقدمة)
5 الإسلام دين الفطرة الإنسانية

الكاتب يوسف العيلة


جديد الروايات

 

صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في رام الله دراسة بحثية بعنوان " لسانيات الخطاب الشعري المعاصر ، ليليان بشارة - منصور نمرذجاً " للروائي يوسف العيلة . تضئ الدراسة بعضاً من واقع اللغة العربية في الداخل الفلسطيني . ويقع هذا الإصدار في مئة وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، وهو السابع عشر في سلسلة إصدارات يوسف العيلة النقدية والروائية .


قراءة المقاله



امرأة لا تغار
كتبت بواسطة: يوسف العيلة - el 28/03/2005 - 1608 زوار        


في لـــيلةِ شــتاءٍ عاصفٍ من ليالي كانون الثاني , انهمر مطرُ غزيرُ على بيوت بلدة وادعة تقع على منحنى هـضبة تلفها خضرة من كل جال .

في لـــيلةِ شــتاءٍ عاصفٍ من ليالي كانون الثاني , انهمر مطرُ غزيرُ على بيوت بلدة وادعة تقع على منحنى هـضبة تلفها خضرة من كل جال . كان ذاك اليوم الغارق حتى أذنيه بماء السماء يوماً مشهوداً من أيام أهلها الذين اعتبروه محطة لا تنــسى في ســجل ذاكرتهم الشفوية . فقد غرقت بيوت عديدة في الحارة التحتا ومات أطفال وحوامل وشيوخ كثيرون . اجتاحت العواصف بيوت وحواكيرومآذن , أما السيول فقد جرفت كل ما صادفته في وجهها من عربات وأشجارومعّرشات . قال شيوخ البلدة أن مطر تلك الليلة جاء نقمة حلت بهم لسوء أفعالهم ونــواياهم . وثنّى إمـام المسجد في خطبة جمعة على قولهم :
--- تستحقون أكـــثر من كارثــة ! كفوا عن نهش لحم بعضكم الآخر , تـسامحوا ولا تتدابروا, غضوا أبصاركم عما ُحرم عليكم , لا تفــسدوا فيما بـينكم , أحّــبوا صغاركم واحترموا كباركم . كنتــم دائما تهزؤون ! خذوا جزاء ما اقترفت أيديكـم وحصدت ألسنتكـم ! لا تلوموا إلا أنفسكـم ! هل تذكرون ما فــعلتم ونسجتم ! أستغفر الله العظيــم من كل ذنب كبـير . تعرفون ما أقصد ! أليس كذالك !
طأطؤوا رؤوسـهم , اعترفوا من غير كــلام : كلهم ساهم في الحاق الأذى ببعضهم . رفع الهـمشري صوته إحتجاجاً على توبيخه لهم :
---لم نكن الوحـــيدين الذين فــعلوا ســوءاً حتى تنتقم السماء منا على هذا النحو القاسـي ؟ ما زلنا مؤمنين , طائعين , عابدين ! وغيرنا من ملة كفر ولا يعانون ما نعاني !
--- اســتغفر الله العظيم ! هل تعــترض على مشيئة الله يا رجل ؟ اسكت ولا تكمل ! هذه هرطقة لا يقبل بها عقل سليم .
--- إني أســــأل ! هل نــحن الوحــيدون الـذين نهشنا لحم امرأة لا تغار ؟ أجيبوني ؟ لم تسكتون ؟ لا تخافوا من عودة طوفان المطر ! سيأتي إن لم تجيبوا على ســـؤال يأسر قلوبكم قبل عقولكم ! لا تكونوا كمن سبقوكـم : جبناء , رعاديد لا تحسنون غير نهش لحم نيء .
في ذلك اليوم , وضــــعت خضرة العيسى ثلاثة توائم : ولدين وبنت , أسموهم : عاصـــفاً ومثـــلجاً ومــطيرةً . كان ثلاثتـهم في غـاية الجمال والوداعة , ارتسمت على وجــــوههم في أول يــوم من خـروجهم للحياة ابتسامة واحدة متماثلة . كانـــت تلك وجوه ثلاثة ابتسمت للحياة في وجه طوفان هادر . كأنهم الوحيدون الذين اســــتهواهم حــديث الجمعة , تبدوا عليهم فرحة رد اعتبار لمقام أم عانت على مدارعقدين من ألسنة حادة .
وفي اليوم التالي , هب في كل أرجـــاء القرية المنكوبة خبر مقدمهم مثل عاصفة أخرى عاتية جاءت كي تجتث من بعض نفوس أهلها بقايا قصة إفك تلاشت في ليل بهيم بفعل هدير سيل جارف . قالــــت شموص وهي تنظر بعين حسد مر إلى خضرة التي لم تغادر بعد فراشها :
--- ولدت وجــه الـشؤم ! يا ريتــها ما ولدت ولا كان اللي كان ! يا ريت السيل أخذها مثل ماأخذ كل أهلها في الحارة التحتا ! على رأي من قال : مثل القطط , بسبع أرواح طوال . سأجعله يطلقها ولو أنجبت منه ثلاثين ولد . لست خــدامه لبــنات النســوان : أخوها ينساني , وبعدين اشتغل لها خدامه !
نـظرت خضرة إليها بشيء من عدم الدهشة , فقد تعودت منذ سنين طوال سماع مناكفاتها كلما تزوجت فتاة أو ولدت امرأة من نساء القرية . كانت ُتسمعها كلاماً جارحاً , لا تــسكت عليه امرأة غــيرها . خضرة , فتاة من أحاسيس متوازنة لا يجود بمثلها إلا زمن مثل زمنها , ولا يأتي بها إلا زمن معطاء . طيبة المعشر , واسعة الصدر , تنكسر للأشرار كأنها من فرط تسامحها تغبطهم على عدوانيتهم . لم يقدروا خاصية تقبلها للعدوان في نفوسهم منذ أن أقاموها علىعتو ونفور . كانوا يزعــمون أنها حنونة أكثر من اللزوم , حبابة تهوى ذكورتهم , وأنـها امرأة لا تغار على شيء غير مسكوت عنه في ناموسهم . وأن الأخريات اللواتي تعوزهن الكياسة في العلاقات الإنسانية يعــتبرن أنفسهن عــفيفات ذوات حشمةٍ ووقار . كانت تلك قناعات ٍ وأعرافا ً توارثها خلف عن سلف بدون مناقشة .
بعد ثلاثة أيام أو نحوها عـاد والد التوائم مزهواً إلى بيته بعد غيبة شهرين متتاليين في صفوف الجيش , أخبره فرحات الأهبل وهو في طريقه إلى البيت أن خضرة ولدت له توائم ثلاثة , وأن الصبــيين يبدوان أكبر من عمرهما . قال له وهو يفرك يديه ولعابه يسيل على لحيته الطويلة غير المشذبة :
--- مبروك أولادك يا شريف عبد الرحمن , مرتك خلفت ثبات ونبات , جابتلك صبيان وبنات , لا تتجــوز على خــضرة ! اوعـى تعملها ! إنتا أصيل وهي بتـستاهل كل خير . أعطيني الحلاوه ! إنتا كريم والله أكرم ! تعرف يا شريف ! بقـولوا أولادك نزلوا من بطن أمهم ولهم سنان كبار , صحيح هالحكه يا جار الهنا والمعروف ؟
قهقه بصوت عال , كأنه يعلن للجيران عن وصـولهم , عن فرحته بمقدم أبناءٍ انتظرهم خمــسة عشر عاما . اتهموه خلالـها أنه عنين , وأن زوجه لا تحبه , لهذا لن تحمل منه إلى الأبد ! كم من مرة أسرّوا في أذنه أنها أعطت قلبها لشاب من أقاربهـــا في الحارة التحتا , وأنها .... وأنها ! أيامها فكر جديا بتطليقها : هـــمس في أذن أخته شموص أن تبحث له عن عروس فهويـــنوي مفارقتها . رفضت فكرته , هددته إن فعلها فلن تكون له أختاً : " لن يـــنطق لـساني لسانك بعدها ما حييت " . في ذك الزمن السعيد , لا زمن شبابها الذاوي , كانت شموص مّعطية لخالد العيسى .
دلف ساحـــــة البيت , يخـــض الريح بيديه المملوءتين تمراً وحناءً , وقفت خضـــرة على قدميها لــملاقاته , لعـــناقه كأب وليس كزوج قديم الشكوى من زوجه العقيم . أقبل عليها , يحتضنها كــأم أنجــبت له عزاً وولداً يتباهى بهما أمام أهل قرية ذوي ألسنة سلــيطة وأعـراف جارحة . كانا للمرة الأولى في حياتهما زوجــين حقيقيين : أب وأم تحاصرهما أصوات وضحكات أبنائهم الذين تأخروا في الوصول إلى مسرح قريــة كي يطلوا على مشهدهم في عتيد الأيام . تذكر أخته :
--- أين شــموص؟ كــيف هي اليـوم ؟ هل ما زالت... ثم ابتسم في وجهها كأنه يعتذر سلفاً عن أي مناكفة فعلتها معها .هل أنتما بخيروسلام ؟
--- نعم , نعـــيش بخير . عمتي شـــموص على سلامـــتها , قلـبها طيب ونارها نار قش , بسرعة تهب وبسرعة تهدى !
ناداها :
--- شموص ! أين أنت ؟ تعالي ارغب في السلام عليكِ !
--- أنا في المطبخ , سأتي بعد قليل !
لم تأت كما وعـدت , انتظرها طويلاً , ثم تأكد أنها لن تأت إلى مكان تجلس فيه أم العيال والحظ الكبير . أشارت عليه بالذهاب إليها :
--- اذهــب أنت إليها ! طــيب خاطرها بــكلمة حلوة , نحن هكذا : نحب الحنيّة والكـــلام الطري . مسكينة شــموص ! تعــيش بلا أنيس أو وليف يسرّي عنها عنسها !
ذهب إلى بيت العقد فوجدها تـبكي وتنشغ. لم يستطع محادثتها أول الأمر. كانـت تـكبو على الكـنبة كـطفلة اضاعت لعبتها, غدر بها الزمـــن فلم تــعد تأنس لأحد الـــبتة ! جـاء أخوها يواسيها , لكن محاولته انقلبت لضدها . ماذا يمكن أن يفعل في إجازة لن تطول أكثر من أسبوع ؟ ماذا يقدم لها من حلول ترضــــيها وتـفك أزمـتها وهو الــذي لم يستطع فعل شيء لها طيلة عُمرٍ شارف على الأربعين ربيعا ؟
تحامل على نفسه وهو ينفض عن عــينيه حـــزناً عتيقا ً عليـــها . تردد برهة ثم قال :
--- احمل لك خبر سار يا شمــوص ! إستهدي بالله ! غسّلي وجهك وتعالي احدثك ! انتظرك في الصالون .
سأل خضرة مستفسراً :
--- هل افاتحها بالموضوع أمــامـــك ؟ ماذا أقول لها ؟ سأعرض عليها الذهاب إلى بيت الله للحج ! ما رأيك ؟
--- اســـمع ! قل لها : " لك عــندي عريس , يطلب يدك ! في الغد عندما تروق نفـــسك ويــهدأ روعــك ســأكمل لك بقية القصة . " ثم عد إليّ كي نناقش الأمر سويّة لعــلنا ننــجح في فك عـسرتها ! هل فهمت ؟ لا تحدثها بشيء أكثر من هذا !
--- نعم ! نعم !
جلســـت على كرســـي في الزاويـة وهي تنظر إليه بطرف عينيها ! كأنها تـــسأله عن ماهـية خبر سار وعدها به قبل لحظات والتي بدت لها كأنها ليال عشر طوال .
--- كـانت لدي نية أن اعرض علــيك فكرة الذهاب للبيت الحرام كي تحجين ثم عدلت عن رأيي . تعرفين لماذا ؟
--- لا اعرف ولا أريــــد أن اعرف ! أنا لسه صغيرة وما بدّي أحج هذه الأيام . المستقبل أمامي وإن شاء الله أحج في المستقبل! هذا هو الخبر السار الذي تحمله لي يا شريف ؟
--- بالطبع لا ! ليس هو ! عريس طلب يدك مني اليوم .أحببت أن أخبرك الآن وغدا ً نكمل الموضوع .
--- من هو ؟
--- ستعرفين كل شيء !
نهضت في صــبــيـحة اليوم التالي من فراشها مبكراً . استحمت , ثم اسـتـقـبلـت الـقبـلة كي تصلي الفجر . لم تتعود شموص على أداءالصلاة في حـيـنها , كانـت دائـماً متـثاقلة , تـسهر حـتى وقــت مــتأخرٍ من الليل وتصحو من النوم في وقتٍ متأخرٍ من الصباح. كانت تقول لمن يسألها :
--- لماذ يا حــسرتي أنهض مبكرا ً ؟ ما في ورائي لا ولد ولا بنت : لا اعمل فـطورا ً لمحمد ولا أمشط شعر فاطمة ! اتركوني في غمّي وهمّي الله يخليكم ولا يرضى عليكم !
ثم عمـــدت إلى المــطــبــخ كــي تحّضر طعام الفطور إلى شريف وخضرة : أو كما أسمتهما إجلالاً وإحتراماً منذ ليلة مضت : أم عاصف و أبا عاصف . كانــت فكــرة عريــس الـغـفـلة لـمـا ّ تزل تحتل كيانها , تراودهــا بيــن الــفينة والفينة , تبهجها حتى الثمالة وهي تتساءل :
--- مــــن تراه يكون ؟ ربما كان زميل أخي في الجيش ورفيق سلاحه ! آثر الارتــباط بأخته بعدمـا تعرف على شرف نسبه وكريم محتده , على أصالة أسرته وعريق حـسبه . أو ربـما يكون من أهل قريتنا , أدرك بعد تفكير عميق أنه لن يختار أفضل مني , اراه يجوب الحارة الفوقا والحارة التحتا فلا يجد أنسب مني . ياإلهي ! أين كان كل هذا الوقــــت الطويل ؟ أين عــــيونه ؟ ألم تكن ترانـــي كل هذا الزمـــن بطوله وعرضه ؟ قريتنا صــغيرة , نعــرف بعضنا , نعرف أدق التفاصيل عنهم وهم يعرفون عنا الشيء الكثير ! صحيح ! الأعمى هو الذي لا يرى بعـقله لا بعينيه ! ربما كان من هذا الصنف من الرجـــال الذين يدوخون السبع دوخات بحثا عن زوجة , تكون في مرمى بصرهم ولا يرونها .
حملت الفطور إلى الصالون ثم نادت عليهما . تناول لقيمات قليلة , شكرها على اهتـمامها بهم ثم غادر البيت على عجل . على مرمى حجر , يقع بيــت متواضع يسكنــــه شاب في منتصف عمــره يدعى عكاس الهمشري , عريـض المــنكبين , أشــقر الشــعر , عيناه عسليتان , طويل القامة , أبيض البشرة , ينتهي نسبه إلى عائلة قيل أنها من عرقٍ غريب . كان جده , تقياً ورعاً , مباركاً . ينظر إليه أهل القرية بشيء من القدسية والتبجيل . مات عن عمر ناهز المائة , لم ينحن ظـــهره , بقي حتى آخر يوم من حياته منتصباً كأنه شـــجرة سرو . أقام مريـــدوه بناءً علـى قبره أسموه مقام الشـــيخ الهــمـشري . كانت النــسوة يزرنه للصلاة والابتهال وطلب المدد من صاحبه لقضاء ما استعصى عليهن من أحلام ورغبات .
لا يشبهه جده في اخلاقه و لا يـتوفر على نصيب يذكر من هيبتة ووقاره , كان مشـاكسـاً مـناكفاً لرأيــهم الــعام فـي كل القضايا والمشاكل التي تعترضهم . ولولا ذكرى جده الطيبة لأخرجوه من القرية مطروداً مدحورا ً , لكن شـــيوخ الــقرية يرفـضون التعرض له وفـــــاء لبركات الراحل . من منهم لا يذكر دعاءه في صلاة استسقاء في إحـــــدى سني قحط , يومها عاجلهم مطر منهمر قبل أن يصلوا إلى بيوتهم !
وصل بيته , دق بابه الخشبي المتهالك ثم دلف إلى غرفــة وحيدة . كان عكاس ما زال يغط في نوم عميق . أيقظه قائلاً :
--- جئت للسلام عليك , يا صــــديق الطفولة ! أين أنت ؟ أبحث عنك منذ زمن بعيد وأنت لا تسأل يا ضلالي !
--- أهلا بك ! وأخيرا التقينا ! هل يصدق أحد أنني لم أرك منذ عام ؟ هل يعقل أن نـكون أبناء قرية صغيرة ويمضي وقت طويل لا نلتقي ! هل أفطرت ؟
--- نعم ! أريدك في أمر هام !
--- ما هو ؟
--- أحمل لك هــدية أرجو أن تقــبلها مني ! أنت أخي ولم أجد أحداً أحق منك بها ! علمت بعد وصـــولي القرية أن الطـوفان جرف كل أرضك في جنب الــواد , جــئت كــي أقدم لك أرضا بدلاً منها . كما أحمل في جيبي مهراً لعروس اخترتها لك !
--- عرفت الأرض لــكني لم أعـرف بـعـد عروســــي ! إنــك تدهــشـني بعــطــاياك يا شريــف ! حــقاً تحـمل اسماً على مسمى ! لن أنسى لك هذا الجميل ما حييت ! سيــبقى دينا في عنقي إلى يوم الدين . لكن لم تخبرني بعد عن اسم العروس ! من تكون ؟
--- هل تــوكلــني للبحــث لك عن عــروس أولاً ؟ كـيف أسمّيها وأنت لم تبد رغبــتك حتى بالزواج ؟ أجبــني ! هل تنــوي الزواج أم سـتبقى طول العمر وحيدا ًبلا أنيس ؟
--- لا والله ! أريد الزواج , لكن ضــيق اليد كما تعلم يحول دون ذلك ! من قال أني عازف عن الزواج ؟
--- أنكحك أختي شموص ! هل قبلت ؟
--- وأنا قبلت بها زوجة !
خرج شريف من البيت كأن ريـحاً عاتية تدفعه إلى الخارج , كان فرحاً أثيرياً يتحرك مثل برق شــتوي . من يراه يحسبه سكراناً من فرط تمايله ذات اليــمين وذات اليسار , كان مختالاً : انتصرأخيراً علىعنس أخــته , على نــكدها وسـخطها الدائمين . أما عكاس فقد بقي بلا حراك في فراشـه يـستحضر ماضياً يعج بصور وخيالات رمادية اللون جمعته ذات زمن غابر معها :
--- شموص تصبح زوجتي ! بلا أدنى مجهود أو تعب ! هل أنا في حلم ؟ أذكرها جيداً : فتاة مشاكسة , سليطة اللسان , حادة الطبع , قوية الشكيمة لكنها ذكية لمّاحة . ترى مـعاني الأشياء من خلف سطورها . ماذا عليّ ! أتزوجها , لن أخسر شيئاً ! وهل هناك خسارة أكبر من أن يعيش مخلوق على الأرض حـياة معــزولة بلا أليف في مواجهة بشركهؤلاء ؟ وجدت أخيراً امرأة تطلب يدي ! تفكر بي وربما تحبني ! آه يا شموص ! لماذا تأخرتِ كثيراً عليّ ؟ هل تذكرين حادثة الفرس ؟ يومها كنت فتى لم يبلغ الحلم بعد . أردت ركوب فرس الحــــاج سعيد العبدالرحـمن . نهرتني بغلظـة وكلام قاس : " انزل عن ظـهرها ! خّيلنـا لا يركبهـا غريـب ! " جرحتني يومهــا يا شـموص ! نزلت فــعلاً عن ظهرهــا وسلمتها العنان مكسور الخـاطر ! آه يا زمن دوّار ! مــــثل الدولاب ! من قال أني انزل صاغراً عن ظهر فرس لأعتلي ظهر صــــاحـبتها الشموص مُكرماً ؟ لن تقولي بعد الآن انزل عن ظهري ! هكذا هي الأيام : تكــسر وتجبر ونحن شهود عليها !
وصل أبو عاصـــف بـيـتـه , وجـدها تنتظره , على أحر من الجمر لسماع خبر سار :
--- تـعالي يا مــبروكة ! اجــلسي ! هل عرفــت العريــس ؟ إنه عكـاس الهمشري : طلب يدك مني ووافقت . ماذا تقولين ؟
--- الـقـول قــولك والــفعل فــعلك ! الله يــجبر بـخاطرك ويحفظ عيالك وأولادك سند وذخر لنا , يا رب !
فرحت خـــضرة بـخبرسار صـــنعته بـصداق رقبتها . تصورت :
--- أن طـوفانا مـزلزلاً يوشـك على اجتياح قريـة لا تقرأ ولا تكتب , وإن قرأت فإنها تقرأ بالــمقلــوب وتكـتب بالعكس . ماذا سيقولـون عند سماعهم خبر زواج الهمشري وشموص ؟ هل يـضحكــون قائليــن : الله يهنئ سعيد بسعيدة ؟ أم يتهكمون : إلتم المـتعوس على خائب الرجاء ؟ ربما يفطن بعضهم أن زواجاً قد يـنقـذ امرأة من جـنون غـــيرتها, يسفـر عن إنجــاب طـــفل لا أجـمل ولا أذكى في قريـة لا تتوفر على خلقــــةٍ بريئـةٍ أو خلـقٍ نقيٍ : ربما يأتي بذكـــاء امرأة تغار ووســامة رجل سليل تقوى اختفت من بين ظهرانيهم ! من يدري ؟





تعليقات حول هذه المقاله
العنوانالكاتبوقت الإضافه

تصويت
ما رأيك بالموقع ؟
ممتاز
جيد
مقبول
سيء
نتائج التصويت

حجة بالوان العصر


لوحاتي




كتاباتي

غزل الذاكرة
زمن المرايا
وطن العنقاء
كثبان الذهب الأسود
أبو علي إياد
تأملات مصطفى صبري
الأولاد والشمس
إنشطار الذات
معركة النفق
مكانة القدس
جدار الفصل العنصري
وطني ليس حقيبة
إمبراطورية النفايات
قراءات أمنية
امرأة لا تغار
صراع لا يموت
أصحاب الملايين
صوت الذاكرة


الساعة

صدر حديثا


 
Qalqilia NetWork