إبحث عن:    
القائمة الرئيسيه
صفحة البداية
القصة القصيرة
القصص والروايات
دراسات و ابحاث
المقالات والترجمات
الكاتب يوسف العيلة
معرض الصور
شاركنا رأيك
English Site

تسجيل الدخول
إسم المستخدم:

كلمة المرور:


تسجيل
هل نسيت كلمة المرور

المقالات الأكثر قرائة
1 من الممات إلى البعث .... نظرة إسلامية تقليدية
2 تأملات - الفصل الخامس : موروثات
3 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المصادر والمراجع)
4 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المقدمة)
5 الإسلام دين الفطرة الإنسانية

الكاتب يوسف العيلة


جديد الروايات

 

صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في رام الله دراسة بحثية بعنوان " لسانيات الخطاب الشعري المعاصر ، ليليان بشارة - منصور نمرذجاً " للروائي يوسف العيلة . تضئ الدراسة بعضاً من واقع اللغة العربية في الداخل الفلسطيني . ويقع هذا الإصدار في مئة وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، وهو السابع عشر في سلسلة إصدارات يوسف العيلة النقدية والروائية .


قراءة المقاله



وطن الفينيق - الفصل الخامس (حرب الحدود)
كتبت بواسطة: يوسف العيلة - el 10/04/2005 - 1623 زوار        


اشهد أن مطلق الهاجري كان على نزاع مزمن مع الشيخ علي حول حدود أراضيهم المتجاورة التي تقع في سهل المرج .

لم تفلح جهود أهل القرية في حل النزاع بينهما . بقيا يتناكفان شهوراً ، هذا يعتدي بمحراثه على أرض ذك ، فيرد الآخر باعتداء مماثل حتى تشاجرا ذات يوم بقرب بئر مهجورة . لم يشهد شاهد عين على ما حدث في ذلك اليوم بينهما ، ما رواه الناس لي أن موسى الجوال كان يتسكع في المكان فشاهد جثة رجل بلا رأس لم يستطع أن يتعرف على صاحبها . كانت ملطخة بالدماء ، ملقاة على قارعة طريق ترابية بجانب سلسال حجري . وكان ذباب المرج الأزرق يغطي رقبة القتيل مثل طبقة من طين المرج . كانت يداه مشرعتان للريح والشمس تستنكران جهامة الحدث . طاف في القرية وهو يصرخ :

-يا ناس يا عالم ! غربان العنقاء قتلت رجلاً من المشاريق . وين عمي الشيخ علي ؟ يا عمي ! روح شوف القتيل مين ! يا شيخ محمد النجدي ! ليش القتل فينا ليل نهار ؟ جاوبوني !

تدافع أهل القرية في الأزقة وهم يتراكضون صوب المرج ، لم يبق أحد من المشاريق في بيته : خرجوا كالمجانين يحملون عصياً وبنادق ، وهامة القتيل تتراقص في ناظرهم تنتظر ريح الثأر الحمراء . بقيت بيوتهم خلفهم خاوية ينعق فيها البوم ، والكل يعتقد أن قريباً له هو القتيل . أمست شوارع القرية في لحظات تمور بكتل متراصة من وجوه وعيون أغرقتها دهشة السؤال بفيض من الحزن والغليان . كانوا مهيئين لتصديق أية إشاعة تشير إلى أن القاتل من المغاريب دون غيرهم ، وكان كل واحد منهم مستعداً لارتكاب جريمة قتل ثأراً لقتيل لم يتعرفوا عليه بعد . كأن المشاريق كانوا يطلبون ثأرهم من كل المغاريب أو من أنفسهم ، لا فرق ! كان هيجانهم مزلزلاً لكنه قصير الأجل مثل النار في هشيم القمح . بعد أن عرفوا القتيل همدوا على اعتبار أن ما حدث كان مقدراً ، وعليه فإن الصلح خير . هذا هو منطق القبيلة في أرض العنقاء ، كل قبيلة لها عقل كلي يسكن أجساداً لا تنفصل عن بعضها إلا وقت الذهاب للحمام . كانوا متلاصقين ، لا يقبل الواحد منهم القسمة على اثنين . حتى أن أحدهم في قرية القمح ضاجع جارته سراً مدة عشرين عاماً لزعمه أنه أولى بها من الغريب . وكانت مريم هذه تفاخر بين النسوة أنها لم تنكشف على رجل غريب بعد موت زوجها أبداً :

- حافظت على ناموس المرحوم وشرفه اكثر من عشرين سنة .

- قالوا إنك بتحبي لطفي وما بتبخلي عليه بشيء !

- يا حسرتي عليّ ، هو لطفي غريب ؟

قطعت عودة الشيخ جثة هامدة على ظهر فرسه الأصيلة حديث المرأتين . كان أهل القرية يسيرون خلفها كتلة واحدة منكسي الرؤوس وهي تشق طريقها للبيت وعيناها تفيضان دمعاً بكاءً على قتيل تعرفه خيول المرج ويجهله أبناء المشاريق .

-اتركوا ابنة الجهراء تذهب إلى قدرها فإنها مأمورة منذ أن تحولت والدتها إلى سمكة . الأصايل لا تضل الهدف . أينما تدك حافر يدها اليمنى يكون بيت القتيل . ساق الله على أيامك يا جهراء ! أشبعتِ الغولية نفيسة رفساً بحافريك عندما جاءتك ليلاً كي تأخذ منك وليدتك الصغيرة . أصايلنا مثل نسائنا ، لا يمتطيها غريب .

-لكن نفيسة انتقمت منها شر انتقام في الليلة التالية ، يا عم ! قالوا أن الغولية نفيسة جاءتها على هيئة حصان ابلق ولما رأته الجهراء عشقت جماله وأرخت له قيادها . وعندما تأكدت الغولية أن الحيلة انطلت على الضحية صهل الحصان فتبعته فرس الشيخ مثل المجنونة . ومن يومها لم يعرف أحد مصيرها رغم أن هناك إشاعة تقول أنها بقيت تربع في أثر الحصان حتى وصلت إلى جزيرة وسط مياه الخليج . هناك عاد الحصان إلى هيئته الأصلية فانقضّت الغولية على نفيسة وحولتها إلى سمكة من فصيلة المينو .

-هل هو نفس السمك الذي يأكله المغاريب ؟

-نعم ! يعتقدون أن طعمه اللذيذ يجمع بين طعم الطير والحيوان والسمك . ثم أنهم يفلسفون عشقهم للحمه بصفته رمزاً لهزيمة خيل المشاريق أمام جحافل الغول . وما داموا هم أسياد الغول فإن الجهراء تكون قد انهزمت مرتين : مرة أمام الغولية نفيسة ومرة أخرى أمام أسيادها الذين أرسلوها . لهذا يحرصون على تزيين موائدهم بالمينو كي يكرسوا هزيمة عقداء القمح أمام ماكس .

-يا إلهي ما أخبث ربع المغاريب ! من ُيدرك هذه المعاني غيرهم ؟ ألهذا الحد يخططون لتكريس هيمنتهم علينا ؟

شاهدت وصول ابنة الجهراء إلى الحارة الشرقية ، جابت كل أزقتها وتوقفت أمام كل باب دقيقة صمت . كان شعرها منتصباً مثل رماح بني عبس وأذناها مشدودتين إلى الأمام كأنهما قرنا وعل يتأهب لمهاجمة ضبع كاسر جاء متخفياً كي يفتك بجثة قتيل ابن قتيل . توقفت أمام باب بيت طيني : دكت حافريها الأماميين بالأرض ، صهللت ثم همدت . هتفوا جميعاً :

-الحق أعطى والحق أخذ ! يا أهل قرية القمح يعود والدكم بلا رأس شامخ أو وجه عالي الجبين ! قتلوا الشيخ علي فادعوا له بالرحمة ! سامحوه حتى يلاقي وجه ربه نظيفاً من حقوق العباد !

-من قتله ؟

-رجل منهم ُيدعى مطلق الهاجري .

-هذا مشارقي وليس مغاربي . إنه من أقارب الشيخ علي . قدم من قرية النخيل أثناء نشوب معركة المرج كي يقاتل العنقاء وبقي فيها ، طاب له العيش هناك فاستوطن مع عائلته .

–إذا كيف يقتل الرجل عمه ؟ هل كان مجنوناً ؟

-كان عصبياً ، يلقبونه بالجنّي ! يقولون أنه قطع المسافة الطويلة بين القريتين سيراً على قدميه في ربع ساعة . وعند وصوله المرج كان إطلاق النار ما زال مستمراً . زعم أنه دخل في نفس الليلة خيمة الأعداء على الطرف الغربي من السهل وحز بخنجره ثلاثة رؤوس من الجن الأحمر . يقولون أن قائد كتيبة الشياطين قد جن جنونه عند سماعه الخبر فأقسم أن لا يُبقي على أحد من عائلته حياً .

-يا إلهي ! لدينا مثل هؤلاء الشجعان وننهزم ! كيف انهزم شعب الأبطال ؟ ولماذا ؟

-وماذا فعلوا بعدها ؟

-ثأروا منه .

-بمن يا رجل ؟ إنك تهذي ، القتيل هو الشيخ علي الإبراهيمي وليس محمد الهاجري !

-أعرف ! يعتبرونه رأس الفتنة ! يحّملونه مسؤولية الحرب القائمة بينهم وبيننا . ازداد عداءهم له بعد طلاقه ابنتهم أرشلوز .

-وهل كان متزوجاً من جنّية ؟

-نعم ! وله منها أبناء .

-إذا أرشلوز وأبناؤها هم القتلة .

-لا ! الجن لا يقتلون آباءهم .

قام اخوته الأربعين بغسله ثم كفنوه بشال أبيض ونثروا عليه العطر والبعيثران . سجّوا جدثه على عربة يجرها حصانان أصيلان وساروا على جانبيها صوب المقبرة . كانت ساحة قرية القمح تعج بغبار مرج بني عامر ، حوافر خيولهم أشبعت وجه الأرض دكاً وتمزيقاً . وقد اختلطت حبات العرق المتساقط على جباههم مع غبار الطريق فبدا الجميع كأنهم خرجوا للتو من سمخات طينية لم يجففها قيظ الصيف اللاهب . كانوا جميعاً يتوجسون :

- بدأت حرب الأخوة بين أفخاذ المشاريق ؟ حرب تلد حرباً العن من سابقتها على أرضنا . ولكم وين حسين ؟

-ألبسوه عباءة ثأر أبيه .

-من البسه العباءة ؟

-كبير من المشاريق يدعى الهُمام بن فاتك .

جاس أبناء العم على مدار ثلاثة أيام بلياليها قرية القمح بحثاً عن محمد الهاجري . قرروا في فورة غضب قتله حتى ترتوي هامة القتيل ويهدأ بالها ، خافوا أن تفضحهم ليلاً بنواحها في قرى العنقاء وهي تنادي بالثأر . سيعايرهم خصومهم :

- قوموا ! نظفوا سهل المرج من وسخ دم قتيلكم ! هامته تحوم على رؤوسكم تطلب الثأر من قاتلها وأنتم لا تسمعون !

- بحثنا عنه ولم نجده ! سنواصل مطاردته عند وصول صاحب الدم الأصلي . نحن أبناء عم ، نأتي في المرتبة الثانية بعد أبنائه أو أحفاده الظهور . عليهم تقع مسؤولية أخذ الثأر ! أوقفنا ملاحقته حقناً لدماء عمومتنا ، لا نريد أن يتسع الجرح وتغرق القرية في دم أهلها كما حصل يوم مقتل كليب على يد جساس . لا نرغب في تكرار مأساة بكر وتغلب عندما ندموا جميعاً في نهاية الأمر ولم يجدوا لهم مخرجاً : ندم الذين قطعوا رأس كليب كما ندم الذي حفر بسيفه قبوراً لا تُحصى لبني بكر بقبر أخيه . آه ما ابشع نهايتك يا مهلهل !

- فعلاً ! كانت حياته وموته مأساة . احذروا أن يحدث لكم ما حدث لأجدادكم !

- الجليلة هي السبب ، النسوان دائماّ سبب بلاوي الناس !

- مين اللي قال ؟ النسوان ضوء ناموسنا !

- كانت تعطيه من طرف حديثها حلاوة ، طمع الأخ بها من حيث لا يعي . قالوا أنه دخل يوماً مخدعها وهي بكامل زينتها وأخوه الملك غائب : زينت له هواجسه القابعة في عقله الباطني أنه وأخاه الملك رجل واحد ، فحلل لنفسه حلال غيره . غازلها ، شرب نخبها حتى ارتوى من شذى شفتيها وهما لا يعلمان ما يفعل كل بالآخر .

– أحبته في هيئة كليب ، رأت فيه الحبيب الذي لا ُيوجد في زوجها الملك . ورأى فيها كل نساء الأرض فنسي زوجته ولم يسأل يوماً عن بناته . هرب الزير من وجه أخيه إلى سكره حيث وجد في عالم الشراب نساء أرض العنقاء يتعرين له فلا يضاجع إلا واحدة يجتمع فيها شبق الشهوة في ظهور نساء بكر وربيعه . كانت هي الجليلة : قدم لها دماء قبائل تغلب ومُرة مهراً لعذريتها ، وسفك دم التُبّع حسان وفاء لحبه الصامت لها ، لكن أعراف القبيلة حالت دون الوصول لعينيها وفخذيها كي تنجب له فارساً يخلفه في أرض العنقاء . اقسم من حيث لا يدري أن يسفك دماء بكر وربيعه ثأراً منهم لمقتل رجلين في زي واحد : مقتل ملك قبيلة ومقتل ملك قلب . مات الملكان عندما صرع جساس ملكه كليب : اصبح رأس كليب عنواناً لهامتين تسبحان في بركة تغلي بالدم . كل واحدة تبحث عن الأخرى فلا تجد نفسها . على مر العصور غزا كليب برأسه كل رؤوسهم ورقد في دواخلها إلى اليوم : لا يخرج منها إلا لحظة خروج الروح من جسد صاحبها . لقد شكلهم الزير بقلبه القاسي وصاغهم كليب برأسه الغالي ، وعّمدهم جساس بغدره لبني جلدته حتى أصبح كل واحد منهم خليطاً من هذا وذك .

- هذا الزير يدهشني ، لماذا لم يتزوج إذا من الجليلة بعد مقتل زوجها إن كان فعلاً يحبها كل ذك الحب ؟

- لا يستطيع ! زواجه منها يحرجه ويكشف دوافعه الخفية أمام نفسه والآخرين . والزير لا يعترف صراحة بحبه للجليلة وينكر أن حربه لأبناء عمومته كانت لأنهم لم يزوجوه إياها . هكذا هم القتلة : ليس لديهم من منطق يقدمونه للغير غير الموت . وكل من يقف في طريق نزواتهم هو خصم ولو كان أخاً شقيقاً . وعندما تواجههم بالموت المحقق ينهارون ، يشعرون أنهم فقدوا كل ما لديهم من سلاح يدافعون به عن حلمهم فتتعرى نفوسهم الجبانة . يخونون أصدق أصدقائهم كما حدث للزير مع امرؤ القيس وهو ينهزم في معركته النهائية أمام بني عمومته .

- لماذا تفلسفون عيوب الماضي ؟ حاولوا أن تنسوها بدل أن تكرسوها ! لا يمكن وصف أي تاريخ بالقاتل ! هكذا يفعل العقلاء في تاريخهم : يتجاوزون الخطأ ويأخذون بالصواب . وإذا فشلتم في ذلك فإنكم من نفس بضاعتهم ، تعيدون إنتاج جرائم الماضي من غير أن تعتبروا .

- وهل هناك شبه بين حسين والزير سالم ؟

- ربما ! من يعرف ما تخبؤه الأيام القادمة ؟

- نحن نتذكرهم في كل حادثة شبيهة فقط . مسكين حسين ! هل سيطاوعه قلب الزير الذي يحتله ويثأر من بيت أخته الوحيدة ؟ أم تراه سيخذله إذا حمي وطيس المعركة وأدرك أن الهاجري جنّي بالفعل ؟

- عدتم اليوم من حيث بدأ الزير سالم بالأمس ؟

وصل حسين أطراف القرية وهو يجر حزنه كرداء قديم مهترئ الأطراف . يسير متثاقلاً ، يحمل على عاتقه ثأراً يغطي أرضاً لا يرويها إلا دم أبنائها . وتظلله سماء تخفي خلف غيومها غرباناً وغيلاناً لا ُتعد ولا ُتحصى . كان وجه الشمس يندف وهجاً يغلي ، وأشعتها المنكسرة تعّرج على جبال القرية المنطفئة ثم تختفي حتى لا تكشف سر الجريمة . وعيون الجن والإنس ترصد حركاته وسكناته في انتظار ما سيفعل بقاتل أبيه ، وقاتل أخيه ، وسارق عقل أمه وناهب قمحه ومغتصب مرجه وحابس رأس جده في العين وآسر أخته صبحة . كان بود الكثيرين الخروج عن صمتهم واستقباله ، لكنهم تراجعوا عن فكرتهم : خافوا من خصومه الهجريين . كان فخذ الإبراهيمي وحيداً في الترحيب بابنهم العائد من رحلته إلى مصرع أسرته :

-يا صبحة ! جاء الحسين فكفي عن البكاء ! رحبي به لعل السماء تخلق من القليل الكثير !

انسلت من مجلس العزاء ، تلاقيا كغريبين جمعتهما الصدفة فتصافحا برؤوس أصابعهما دون قلبيهما . لم تستطع النظر في عينيه ، ولم يرغب هو في سؤالها كيف أسرها جنود العقيد زيدان وماذا كانت تفعل هناك في تلك الساعة من الليل ؟ كانا محملين بسؤال وجواب لا يتسع زمن الحزن على طرحهما على مسامع المعزين . نفض يده من يدها ، اخترقت عيونه نظرات المتحلقين حوله ثم اجلس كل جسمه وحواسه على كرسي من خشب . كانت عيونهم تحاصره بالعزاء وتتساءل عن مصير ينتظر كل من له علاقة بدم مسفوك !

- من قال إنه آخر قتلى القمح ؟ ربما يكون الأول في قاموس الثأر المتجدد .

- ربما تكون صبحة أول سبايا المرج ، قضت أربعين ليلة في حضن عقيد القمح . من يجرؤ على قول الحقيقة : حقيقة ما حدث بين محمد الهاجري وزوجه من جهة وبين رجال العقيد الذين ساقوها أمامهم عندما كانت تحصد .

- قالوا ، والله أعلم ، أن صفقة تمت بينهما من أجل إخلائها من الحبس : يتم بموجبها تصفية أخيها الهارب من المقام المقدس بعد أن نكث بوعده للعقيد . لم يتمكنوا منه فقتلوا أباه بدلاً منه .

- دائماً يدفع الآباء ثمن أخطاء أبنائهم السفهاء .

- ألم يسدد أبناء القمح أيضاً فاتورة آبائهم الجهلاء ؟

تساءل بعد طول صمت أفزع الجميع :

- من قتل أبي ؟ وأين أبناء عمي ؟ أيغتالون شيخاً وحوله من الأخوة أربعون ؟ ألهذا الحد هان عليكم دمه ؟ اسمعوا يا أوغاد القمح ! بريء أنا من دم آل الإبراهيمي ومن أفخاذ المشاريق ومن الذين نسلوا نسلهم حتى تقوم الساعة ! اخترت سواكم أهلاً . لم أعد احتمل ما يحل بي من مصائب . لا أستطيع محاربة الإنس والجن ووكلائهم في أرض العنقاء . سأحزم أشيائي وأرحل غير آسف على قرية قتلتني وانتهكت عرضي وسلبت عقلي .اذهبوا للجحيم !

- تظلمنا وتظلم نفسك يا حسين بقولك هذا !

- أظلمكم ! من يظلم الآخر : زوج أختي الذي انقلب إلى قواد أم زيدان الذي اتفق معه على قتل والدي ؟ صبرت على ضياع أرضي وسفك دم أخي لكني لا احتمل اغتصاب صبحة بموافقة ديوثها . ما حدث لي لم يفعله الجن ببعضهم . هؤلاء يستبيحون أعراض بعضهم الآخر : أنتم استبحتم عرضي وأنا أحارب للدفاع عن أعراضكم أيها الرعاديد ! أنتم أشد ظلماً لي من أعدائي ! لم يبق لي على هذه الأرض الملعونة ما أخشى عليه . وداعاً يا قمحي وزيتوني ! وداعاً أيتها العنقاء الحمقاء : من يعود لأرض تقتل أهلها ؟ هذه أرض تغتال كل من يعشقها ، ترتاب بكل محب مخلص لها ، وتخذل محاربيها وهم يتضورون ألما من جراحها . تُعّظم زناتها وسارقيها وتعترف بهم أبطالاً .

- ألم تحاول سرقة عينها وفشلت يا حسين ؟ ألم تتفق معهم وخذلوك ؟ الآن تتبرأ من أهلك ! لماذا ؟

- كذابة ! من قال لك هذا ؟ هذه أباطيل يفتريها علّي أعدائي حتى ينالوا مني .

كان يعرف رنة صوتها ، يألف رائحة عرقها عندما كانت تمسك بيده وهما خارجان إلى الحقل ‍‍. انقلب زمن البراءة إلى كابوس مرعب ، يفتت أوصاله ويفتك بمشاعره كما يفعل الذئب بالضالة من الغنم . كيف تحولت صبحة إلى نعجة تكتنز لحماً وشحماً ثم فجأة تتعرى أمام ذئب مدة أربعين ليلة بساعاتها الطوال ؟ ذئب ينهش ثدييها ، وآخر يجز رأس أبيه وهو ضائع في البراري يبحث عن مهر لحبيبته العين ‍:

- آه ‍‍يا زمن غدار! رحت اصطادهم صادوني ‍! وحاولت الدفاع عن عينهم ففقأوا عيني . خرجت من القرية بصهر وعدت إليها بصهرين . من يصدق أن لصبحة زوجين ؟ أحدهما قتل أبي ، والآخر سرق كرامتي . غادرت السهل بحثاً عن رأس جدي فعدت إليه مثقلاً بثأر رأسين لا أكبر ولا أعز ! من ُيصدّق أن النضال وسوء الحظ في قرية القمح توأمان لا ينفصلان ؟ يأتي الواحد منهما متبوعاً أو مسبوقاً بالآخر ! شحمان آخر تلفع بصبحة وفتك بها وطوق رأس أبي وجدي ثم جز رقبتيهما جز الخراف . ولم يبق لي سوى سعدة وهي تندب حظها : " والله يا سعدة ما أنت سعيدة ولا من طلب السعادات نالها !"

- اسمع ! كبّر الموضوع يكبر وصّغره يصغر . المرأة لا يهون عليها زوجها حتى لو كان قاتل أبيها . لا تعمل حالك بطلاً عليها. غصب عنها وعنك اغتصبوها فركعت أربعين ليلة . أنت لا تستطيع أن تستر عيبها ! زوجها الوحيد الذي باستطاعته أن يفعل ذلك . وحتى لو كان كلامي كذباً ، لا خيار لك سوى أن تصدقه . العاقل في قرية القمح يصّدق كذاباً يجامله ويكّذب صادقاً يُعّريه ! أفهمت يا ساذج بني عربان ! ثم بعد أن ضاعت كرامتنا بخمسين عاماً جئت تبحث عن رأس جدك وأبيك ؟ يا حسين ضاعت رؤوسنا كلها يوم ضاع المرج والمقام ! "حط رأسك بين هالرؤوس وقول يا قطّاع الرؤوس !" لو بحث كل واحد منا عن قاتل أبيه أو جده لما وجدت بيتاً من بيوت القرية عامراً بأصحابه .

- الناس هنا لا يضحون من أجل قضية مؤكدة : كيف تضحي بنفسك من أجل مسألة فيها نظر ؟

- قتلوا أبي وتقول فيها نظر ؟

- يا بني السيئ أفضل من الأسوأ ! لا ُتكابر ! ماذا تستطيع أن تفعل بهم ؟ هل نسيت أنهم أعداؤك ؟ محمد الهاجري حليف العقيد ولا يفعل شيئاً إلا بإذنه . وما فعله زيدان بصبحة تم بموافقة زوجها . وأقرباؤك لن يناصروك ضد خصمك القوي : هكذا كانوا دائماً يخذلون بعضهم في الغُرم الصعب وينتصرون لبعضهم في الغُنم السهل . القرابة في قرية القمح مصلحة شخصية للمستفيد منها . ولن يربح أحد من أقربائك من صراعك مع المغاريب ، فكيف يقفون معك في ساعة الجد ؟ أتعرف ما هو الأسوأ ؟ أن تحارب بسيف قريب لك في الحسب فيخذلك قبيل بدء المعركة . وقتها تنهزم مرتين : مرة أمام من خذلوك ومرة أمام من هم أقوى منك . كن اشطر من منافقي القرية ! حاول أن تخسر القليل في معركة خاسرة ، هذا هو واجبك تجاه نفسك ! هكذا ينتصر الضعيف على الخصم القوي الذي يستطيع سلبه كل شيء .

- أتعرف يا خال ! نصائحك ُتشعلني بالتوهج وتجعلني اشعر بدفء الحياة من جديد وأنسى للحظات سيطرة الموت على تفكيري . يا إلهي ما أتعس حال الموتور ! تغيب بهجة الحياة كلياً عن عقله فيصبح أعمى لا ُيبصر غير الموت والدم .

- إذا أنصحك أن تنسحب من حلبة قطع الرؤوس في قرية القمح . لن يسكتوا عنك ولن يتركوك تعيش بهناء وأمن . فّوت عليهم الفرصة ما داموا أقوى منك ! ابتعد عنهم وانتظر فرصتك للانقضاض عليهم في الوقت المناسب ! تعلم من أسلوب العنقاء في حربها ضدكم ! إنها تهاجمكم ليلاً وانتم في وضع ضعيف . تفاجئكم وقت نومكم أو عندما تغلف العتمة عيونكم فلا تستطيعون رؤيتها . الحرب خدعة والسلم تعقل والسلام مفقود في هذه الأرض . إذا كنت لا تستطيع إطفاء نار الحرب فلا تصاحب عتم ليله !

- سأرحل بعد أربعين أبي .

- إلى أين ؟

- إلى قرية النخيل .

- ربما رافقتك .

- لا يا خال ! يرافقني من هم أمثالي : الغرباء عن قلوبهم وقبيلتهم . سيأتي معي كسير قلب تبرأت منه قبيلته . سيشد من عضدي الخواجة سمعان أو كما تسميه القلة سحمان آل محبوك .

أحجمت لبعض الوقت عن مراقبته وهو يقف منذ الصباح بجانب نافذة الغرفة الشرقية حيث تنام سعدة وحيدة مع هواجسها . كان الصبح ندى وأشعة الشمس تشق أفق القرية ببطء واستحياء . كأن رحم الأرض يتورد وتنقلب حبلى تلد زهراً ونرجساً وأقحواناً . بسطت شمس النهار أشعتها في كل اتجاه حتى تألقت السماء بنورها وتبخر من وجه مرج بني عامر دمع الربيع الندي . أدهشه مشهد نهوض الكون من غفوته ، كل ما فيه يتحرك نحو غايته ويعود بغير صخب أو مرح . كانت طيور السماء وحيوانات المرج تغدو وتروح غير عابئة بما يحدث في قرية القمح . تأكل الحباري من بقايا قمح العنقاء ولا أحد يستطيع اعتراضها . ترتع وحوش البر نهاراً وتعود لمهجعها ليلاً ولا يحاربها جنود العقيد . والريح تغدو وتعود أو لا تعود فكل ما في الكون يسرح ويمرح بلا تهمة أو ملاحقة . حتى غارات الضباع على الحملان يعتبرونها حدثاً روتينياً لا يرويه أحد عن أحد . لا تؤرخ الحيوانات معاركها مع بعضها الآخر ، ولا ينتقم كلب لمقتل أخيه بعد أربعين عاماً أو يؤنب نفسه على تسرعه بأخذ ثأره من القاتل .

- كم أتمنى العيش مع حيوانات المرج و طيوره ! مملكتان تعيشان متداخلتين بلا عيب أو ثأر . َمن ِمن الحيوانات ُيعاير ابن جلدته على مسافدة بين ذكر وأنثى ؟ من منهم يطلب رأس الآخر برأس أبيه ؟ إنهم اكثر تسامحاً من بني البشر . ليس فيهم من طير أو حيوان ينام ويصحو يفكر كيف ينتقم من خصمه .

- المخلوقان الوحيدان اللذان يمارسان الثأر ولو بعد حين هما إنسان وطن العنقاء وابن بيئته الجمل .

- لماذا ؟

- لأن أرضهم وسماءهم تحترقان دائماً : ألا ترى كيف تحّول أشعة الشمس رمال الصحراء إلى لهيب يشتعل .

- ألهذا قررت الرحيل إلى قرية النخيل والجمال يا حسين ؟

- نعم يا أماه ! كي أصيغ حياتي من جديد . سأصنع لنفسي ميلاداً جديداً علني أعيش سعيداً .

كان رأسه على مدار الزمن الباقي له في قرية القمح يغلي بشتى الأفكار : يرحل عن تراب يعشقه حتى الثمالة ، ويغادر وطناً أحبه حتى الجنون لكنه لم يعرف كيف يدافع عنه . ولا كيف يستبقيه لأهله بعد أن اغتالوا كل حلم جميل . سيصبح عما قريب غريب جسد بعد أن عاش بين أحضانه غريب قلب . هذا هو قدر المختلفين عن غيرهم من أبناء الوطن : أن يتنقلوا بين منافي وطن : يتشكل من تراب تارة ومن كلمات تارة أخرى . أو يهجر ذاته طوعاً فيمسي خصماً لوطن الغربة والمكان البعيد الذي يرقد في داخله كأنه غول من ذكريات . ثم يتحول بقدرة الحنين إليه إلى جسدٍ غريبٍ مثخنٍ بالجراح . لكنه يبقى ، لسوء حظه ، وطن الثأر وموطن القتل والاقتتال . همس قرينه في وجه المرج المُعّلق على جناح نسيم مسافر :

- كم أكرهك أيها المرج لأني أحب فيك كل ذرة تراب ! أصبحت حومة للوغى ولم تعد بساطاً مريحاً للريح وراحة البال . كيف أمسيتَ مسلخاً تتدحرج عليه رؤوسنا ، وساحة حرب يرتع فيها القتلة والأعداء ؟ كيف أُحبُكَ وأنت حليفهم ؟ كيف أطمئن إلى ليلك الذي يأوي أشباحهم ؟ لِمَ اشتاق إليك وجبالك تمسي قلاعاً لهم ؟ شمسك ما عادت شمسي وقمرك ما عاد يؤنس وحدتي في براري التيه المظلمة . أضحيت لهيباً يطارد ماء الحياة في عروقي ، لا تفتأ جوانحك تطاردني ليل نهار كأنني غراب وهم الحملان . انقلبت المعادلة في وطن القمح والمنجل : تبدد زهر البرتقال وأمست رائحته سماً يقتل الأجنة في بطون أمهاتهم . وغادرني أريج الزعتر وأنا أشاهده صباح مساء وهو يتعاظم على أرض سرقتني من ذاتي . أهوي في قعر بئر رومانية صرعى في كل لحظة وعلى كل التلال ولا رديف يسندني وقت الشدة . ِلمَ تظلمني يا وطن الموبقات ؟ غاب القمر في فلك سمائك ففقدت نعمة البصر في ليل الحصاد . وسطعت الشمس ناراً فخسرت نور البصيرة في عز الظهيرة . لم يبق منك يا وطني إلا ذكريات أبشع من وجه العنقاء . أخجل منها وتخجل مني ، أداريها وتداريني كلما حطت بكلماتها على شفاهي . كنتُ بين أحضانك هذا العمر أنعم بأشياء لا مثيل لها : بصمة إصبع وبصمة عين ورائحة جسد . لكني في وطن العذاب والتعذيب فقدت شرط إنسانيتي : خسرت حريتي وقراري ، فقدت إرادتي وعنواني . كيف أظل سجيناً في جسد تسجنه الكلمات بمعانيها والجغرافيا بجبالها والمكان بوحشية أهله وقساوة قلوبهم ؟ أتمنى لو كنت رهين محبسين ! بل رهين المحابس أصبحت يا حسين ! يطاردك أذناب السلطان ، وذباب الجن وذئاب المرج ! أين المفر يا وطن الأشقياء ؟ الطوفان من أمامي ومن خلفي وعلى جانبي ومن فوق رأسي و تحت قدماي . ثم يقولون لي إياك إياك أن تبتل بالغرق ! لماذا يموت الوطن غرقاً بدم أبريائه أو برصاص خائنيه ؟ وهل يستطيع العيش من فقد شراعه على ظهر وطن يغرق ؟

كان حواره الداخلي صرخة بدون صوت يطلقها في وجه وطن يوّدع أهله . وأهل يودعون وطناً لا يفارقهم ، يرقد في دواخلهم ، يحتلهم كما تفعل عنقاء تغتصب مرجاً وسماءً وميناءً يغص بالراحلين عنه وقت السحر . أنا كشعب العنقاء أعاني من احتلالين لم يشهد تاريخ البشر شبيها لهما : خارجي يسلخ جلود الصابرين وداخلي ُيقّطع أحشاء الجائعين بلا رحمة . لماذا أيها العقيد تتآمر على من هتفوا لك وتغنوا باسمك ؟

-إلى أين ترحل يا حسين ؟ الموت يتربص بك أينما ذهبت ! " أذهب إلى عيني أودعها ، وإلى طاحونة قمحي أرد لها الأمانة ثم أعود." سنرحل غداً بعيد الفجر الأخير . استعد يا سحمان الغربة : فأنت مني وأنا منك منذ أن مات في نصفي الوطن !

خرج بعيد العشاء إلى العين يحمل صرة ملح وشالاً ناصع البياض وسكيناً . كان على موعد مع أعور بني ذبيان كي يطهره طهوراً نهائياً لتبرئة ذمته من استحقاق وطن يغرق . قطع إبهامه الأيمن وغسّله بماء العين سبع مرات ثم لفه بالملح حتى لا يبلى بعد أن دثره بقطعة شال تشبه الكفن . هجره بسرعة ريح الزمن ، وغاب عنه بطرفة عينه وودعه بخفقة قلبه . وصل الطاحونة وهو يتصارع مع بصمة إبهامه وسبابته اللتين كانتا مخصصتين للزناد . حفر في بطن الحديقة المهجورة حفرة وسجي فيها رأس إصبعه وأهال عليه من تراب السهل :" من التراب إلى التراب ُخلقنا وإليه نعود !" ُيعيد للأرض بصمته التي وهبته إياها منذ أن تلبست روحه بجسده وهو في رحم أمه . لم يعد يملك وطناً : ضاعت منه هويته . لم يبق لديه إبهام يحمل بصمة تحرجه أمام نفسه أو قرينه أو الآخرين ، فتخلصت منه دون صراخ ولم يتخلص هو منها . خرج من تخوم وطن يُدعى قرية القمح إلى منفى نخيل تحرسه هامات من حرائق تخرج من بطن الأرض وتعلو عنان السماء على مدار الساعة لكن عتمته لا تزول . رحل عن بيت كان له قبل أن يتحول اسمه إلى بيت الغائب . غاب عن مسقط رأس ولم يبق له فيه سوى بقايا بصمة هوية وكبسولة ذكريات ماتت عمداً بحد سكين جائرة . لم يعترض طريقه إنس ولا جن . أين هيلاط وأحفاد ميرمار والساحر الجميل ؟ أين كل هؤلاء الذين كانوا يتعقبونه خطوة خطوة ؟ هل ُيعقل أنهم لا يعرفون قراره بالرحيل عن وطن يبغونه خالياً من أبنائه ؟ أم أنهم علموا فصمتوا جذلين وهو يعود خائباً لنجد ، مسقط رأس جده الأول ؟

تأكدت أنه أسرج حصانه الذي اشتراه من دية أخيه الشهيد ، حمل معه غطاء وإبريقاً وسيفاً صدئاً كان جده قد حارب به الغربان في معركة الترعة وانهزم . احتفظ به كي يروي لأحفاده أنه كان الجندي الوحيد الذي خسر المعركة وهو يحارب الغزاة ، مثلما يفعل هو اليوم بالضبط . قتل منهم بعدد حصى وادي السباع حتى ضجر منه ملك الموت :" أتعبتني يا إبراهيمي ! تمهل قليلاً في حربك ضدهم كي أستريح ! "

لم يودع أحداً من أقربائه ومعارفه ، ألقى نظرة أخيرة على أمه التي كانت تغط في نوم عميق بينما ترتسم على وجهها ابتسامة عريضة . خرج من البيت واغلق بابه الخشبي على صدى أصوات وصور . كان هيلاط الجني ينتظر ، بقي مختبئاً على ظهر التينة حتى خلا له الجو كي يبني عشاً لفراخ العنقاء فيه .

جاس بنظره بيوت جيرانه ، كانوا ما يزالون نياماً في ذك الوقت من صباح الجمعة الأخير . داعبوا زوجاتهم حسب عرفهم ثم أووا لفراشهم منهكين . ليس لديهم عمل يقومون به في حقولهم بعد أن ضاع المرج ، فتحولوا إلى عاطلين عن الحياة ، ينتظرون شيئاً لا يعرفون كنهه كي يخرجهم من سباتهم . خرج من حياتهم بعد أن أخرجوه من ذكرياته ، أصبح غريباً عن نفسه وعنهم . لم يشعر بألم الفراق وهو يغادرهم ، ولم يشعر أهل القرية أن أحداً منهم رحل خارج جسد جريح . قالت جارته وردة وهو يغادر الحارة :

- إف ما أثقل دمه ! ارتحنا من مشاكله . طريق تودي وما تجيب !

عندما وصل خروبة المناطير ، كان في انتظاره رفيق دربه سحمان آل محبوك ، يمتطي فرساً سرقها من إسطبل يحرسه صديق له يدعى أعور بني قحطان . تعاهدا منذ زمن طويل على أن يساعد كل منهما الآخر ، فصدقا الوعد حتى أن العقيد قاسم اتهمهما يوماً بتدبير مؤامرة مع غرباء لاستعادة حكم آل محبوك البائد . وكانت التهمة اغرب من الخيال : سرق الأعور فرساً فأراد الحاكم أن يبتر يد سحمان . سألوا الحاكم :

- ِلمَ تقطع يد رجل لم يسرق يا ملك الزمان ؟

- لأنه صديق السارق : الأعور مدين لسحمان بنيته السوداء وسحمان مدين للأعور بفعله الأسود . تشابهت الألوان فضاعت السواعد .

لهذا السبب أقسما منذ اللحظة الأولى لخروجهما من تلافيف جسد العنقاء على الولاء لبعضهما الآخر ، وأن لا يشتهي أحدهما حريم الآخر ، وأن لا يخونا أو يغدرا ببعضهما أيا كانت الظروف . وأن تكون إمارة الطريق بيد حسين ، بشرط أن لا يظلم أو يطمع . وأن يشارك صديقه سحمان دية أخيه بالنصف ، بشرط أن يتناصفا في كل شيء غير ما ُذكر . أي أن يعتبر كل واحد نفسه نصفين كي يكون مسؤولاً عن تهذيب نصف معتم بقي طي الوطن . هكذا فقد كل منهما علة وجوده قبل أن تبدأ حياتهما المشتركة خارج مشيمة القمح . تخلصا نهائياً من ثنائية الأضداد أو حيوية التصارع . هكذا اعتقد كل منهما حاله وحياته بلا قمح . وضع كل واحد منهما يده بيد الآخر ثم ركل حسين بكعبيه بطن حصانه فانتفض وبدأآ المسيرة باتجاه الشرق وعيونهم ترصد قرص الشمس بتحد لم يعرفانه من قبل . أكان ما فعلاه حلاً سحرياً لمشاكل الغربة أم انتحاراً لم يسبقهما عليه أحد ؟ من يدري كيف يرقص الغرباء في عتم الغربة ؟

- دي ! أُحدثُك أم تحثني يا سحمان ؟

- نتناوب الكلام منعاً للملل وتخفيفاً لوطأة السفر ! حديث الراحلين يجعل الوقت يمضي بهم ولا يشعرون ثقله على النفوس ، تأكله كلماتهم ، فيصبح زاداً للغادين صوب المجهول . وعندما ينسون قرقعة عجلاته تتحلل عقولهم من ضغطه وتصبح المصالحة معه ممكنة لأنهم أمسوا جزءاً من عالم النسيان . ألم نهرب من قريتينا احتجاجاً على ما فعله هذا الجائر ؟

- قالت أمي أنها قبل أن تتعرف على هيلاط الجني احب أبي امرأة من الجن تُدعى أرشلوز . كانت تأتيه ليلة الخميس ، تحاول استباق الزمن لعلمها أنه يأوي لمخدع سعدة ليلة الجمعة . عرفت بسبب قصوره الجنسي أنه يضاجع امرأة غيرها وأن تلك المرأة الشهوانية تسبقها إليه دائماً . حاولت التحرش به ليلة الأربعاء كي تستبق شهوته لكنه كان يستنكف عن فعل الشيء . وعندما فاتحته بعلاقته بها أنكر القصة جملة وتفصيلاً . مع مرور الزمن تعودا على العيش منفصلين ، كل أسقط جسد الآخر من حياته . والسبب أن أبي كان في عنفوان شبابه يبحث عن المال وعندما تحقق له ما أراد ، عند بلوغه السبعين ، اكتشف انه أضاع ثروة أعز ألا وهي ثروة المتعة الجنسية . أي أنه ضحى بالأغلى من أجل الغالي فخسر رهانه مع الزمن .

- الهذا السبب تفاصما ؟

- نعم .

- أما قصة أمي فمختلفة : كانت قبل زواجها من أبي زوجة لأخيه الملك . ولدت يوماً توأمين . قالت القابلة أن التوأم شحمان السمين هو ابن الملك أما سحمان الضعيف فهو ابن جارية تخدم في قصر شقيق الملك . نشأتُ في حضن غير حضن أمي ، وكبرتُ في قصر يشبه قصر أبي ولم اعرف من هو أبي . ثم عرفتُ بعد فوات الأوان أنه مات مرتين : مرة يوم مات عمي ومرة أخرى يوم مات هو . ومع أن نسبي اختلط بين ملكين إلا أنهم قرروا أنني لست ملكياً رغم أنني تيتمت مرتين وحزنت مرتين . خلعوا عني اسمي ورسمي ولقبوني بالخواجة سمعان حتى ُيبّرئوا أمي من علاقتها بعمي : وُيّبرئوا أبي من علاقته الباردة بأمي وحتى أبقى بلا أب ملك أو غير ملك . وعندما بدأت أدرك حقي في المُلك قالوا إنني ابن جارية ، أرضعتني من حليبها اللبن كما ترضع كلبة جروها الضال . كبرت وما زلت ابناً غير شرعي لملك أجهله !

- ماذا تقصد من وراء قصتك يا سحمان ؟

- أقصد أنني ابن حرب ضروس وقعت ذات زمن بسبب ثورة جنس وثروة مال !

- لمن كان النصر ؟

- طبعاً للزمن ! كان يُضّيق علّي الخناق حتى خنق صورة أبي في ماء ظهري فأصبحت عنيناً .

- وهل ماتت الأبوة فيك يا سحمان الُملك ؟

- ربما ! منذ عرفت حقيقة نشأتي اكره كل ما يمت للأبوة بصلة ، كم امقت هذه الصفة لأنها أصل دائي . ورغم شعوري أنها تعني التملك بأبشع صورهما البيولوجية إلا أنني ما زلت ُمشاعاً يرفض كل من يعرفني أبوتي التي ماتت مرتين : في أمسي وفي غدي على حد سواء . وما يزيد حنقي على تاريخ مملكة العنقاء أنه أسير للطغاة . كلهم مماليك : لا يمتلكون أو يملكون سوى عبوديتهم للآخر . لهذا لا انتمي إليهم . الحاكم مملوك ، والمختار ُمستعبد ، والشيخ محكوم والطفل في رحم أمه برسم البيع لمشتر مجهول قبل أن يكتسي لحمه بالعظم . لا يعرفون للحرية معنى ولا للكرامة درباً إلا في التافه من الأمور . وعليه أجد نفسي تحيا بنصف ذاكرة ، ونصف تاريخ ونصف وطن .

- وأنا أيضاً يا سحمان ! منذ أن أدركت معنى الحياة في قرية القمح ، اكره كل ما يمت للأبوة بصلة : امقت أبوة الجسد والقيم والروح والمجتمع . انظر حولي فلا أجد سوى أبوات لا يجيدون غير النفاق والدجل . ولو قُدّر لي استلام إمارة في أرض العنقاء لغيرت أسماء المُسميات قبل أن أضع على رأسي تاج الحُكم . لماذا يصادر الرجل منهم اسم غيره : أليس من السخف أن أنادي الذي كان أبي (أبو حسين ) ؟ ما هذه الأبوة المزعومة ؟ لم لا أسميه عليا ؟ لم هذا التملك الأعمى لحضور الآخرين من حولنا ؟ ألا يكفي أن أنادي رجلاً ما باسمه هو فقط ؟ لم تلك الرغبة الجامحة في تلبيس أسمائهم ألقاباً برّاقة ليست لهم ؟ كم أراهم مصابين بتضخم ذات لا تستحي من جلادها ؟ ارفض أن يمتلكني شخص ولو كان أبي ! آباء مملوكون لكلمات دون أفعال . لا يستطيعون تحرير أسمائهم من مفردات تحتلهم بمحض إرادتهم . فكيف يحررون وطناً من عنقاء تغتصبه ؟ من يستطيع منهم مواجهة عدو وهو لا يقوى على صفع بعض المفردات البالية التي تأسر العقل وتجهض الإرادة ؟ أيا وطن المفردات السود لقد قتلتك كلماتهم الجوفاء .






تعليقات حول هذه المقاله
العنوانالكاتبوقت الإضافه

تصويت
ما رأيك بالموقع ؟
ممتاز
جيد
مقبول
سيء
نتائج التصويت

حجة بالوان العصر


لوحاتي




كتاباتي

غزل الذاكرة
زمن المرايا
وطن العنقاء
كثبان الذهب الأسود
أبو علي إياد
تأملات مصطفى صبري
الأولاد والشمس
إنشطار الذات
معركة النفق
مكانة القدس
جدار الفصل العنصري
وطني ليس حقيبة
إمبراطورية النفايات
قراءات أمنية
امرأة لا تغار
صراع لا يموت
أصحاب الملايين
صوت الذاكرة


الساعة

صدر حديثا


 
Qalqilia NetWork