إبحث عن:    
القائمة الرئيسيه
صفحة البداية
القصة القصيرة
القصص والروايات
دراسات و ابحاث
المقالات والترجمات
الكاتب يوسف العيلة
معرض الصور
شاركنا رأيك
English Site

تسجيل الدخول
إسم المستخدم:

كلمة المرور:


تسجيل
هل نسيت كلمة المرور

المقالات الأكثر قرائة
1 من الممات إلى البعث .... نظرة إسلامية تقليدية
2 تأملات - الفصل الخامس : موروثات
3 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المصادر والمراجع)
4 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المقدمة)
5 الإسلام دين الفطرة الإنسانية

الكاتب يوسف العيلة


جديد الروايات

 

صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في رام الله دراسة بحثية بعنوان " لسانيات الخطاب الشعري المعاصر ، ليليان بشارة - منصور نمرذجاً " للروائي يوسف العيلة . تضئ الدراسة بعضاً من واقع اللغة العربية في الداخل الفلسطيني . ويقع هذا الإصدار في مئة وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، وهو السابع عشر في سلسلة إصدارات يوسف العيلة النقدية والروائية .


قراءة المقاله



وطن الفينيق - الفصل السابع (برسم البيع)
كتبت بواسطة: يوسف العيلة - el 10/04/2005 - 1232 زوار        


اصطحب ضيفيه في جولة صباحية في مدينة الوادي الأخضر . توقفوا أمام محل يبيع الأقراص المدمجة التي تختزل كل نشاطاتهم عبر تاريخهم الحديث . يستطيع المشتري ابتياع ما شاء من أحداث وطن يترنح

رغب الأبتر في شراء معزوفة ضياع مدينة الأحلام وسيمفونية القمح المنهوب . ورغب سحمان في شراء حكاية سقوط حكم آل محبوك . تعجبا من دقة عمل الأقراص المدمجة تلك : "كيف يستطيع ماكس جمع كل ما ُيروى عن مسيرة وطن ؟ وما مغزى أن تعرض أشرطة تاريخه للبيع ؟

- هل يعقل أن ُيعرضوه على قارعة الطريق ؟

- تاريخنا ليس ُملكاً لأحد !

- ولا حتى لماكس ؟

- له حق الإنتاج والتصدير فقط !

- وماذا يبقى بعد ذلك ؟

- لا أدري ! هذا المحل لرجل غريب ُيدعى الساحر ماكس ، جاء من مكان مجهول من أعماق البحر ثم استوطن الوادي . يتوفر على قوى سحرية خارقة . يستطيع مثلاً أن يعيش في أعماق البحر مدة سنة أو يجوب وطن العنقاء من أقصاه لأدناه في دقائق معدودة ! يعرف كل شاردة وواردة عن القرى الأربع . لهذا أراد تدوينها على أشرطة من باب الاستثمار .

- كيف لغريب أن يستثمر تاريخ شعب آخر ؟

- هذه قصة قديمة حدثت قبل أن آتي إلى الدنيا. ما وجه الغرابة ؟

- اذكر أني التقيت بشبيه له يُدعى هيلاط الجّني . كان يسافر من قرية القمح إلى مدينة الأحلام بلا ركوب في رمشة عين . وكنت استغرب من حركاته لكن الحرب جعلتني أنسى متابعة الأمر .

- كانت لماكس قصة عجيبة مع نساء قرية النخيل المجاورة لنا .

- رجل له قصة مع نساء قرية بأكملها ؟

- نعم !

- إذا لا بد أن تكون القرية بلا رجال حقيقيين أو قمح وفير . لماذا تشكل نساء النخيل نقطة ضعف دائماً في مجتمعكم ؟ هل كانت الواحدة منهن مثل سعدة : ترحل عن قلب رجل لا يُشبه الرجال ؟ وهل ُيعقل أن تهيم نساء لا يجنين من رطب النخيل غير اسمه برجل غريب ؟

- ربما ! أنظر كم هو وسيم الخلقة ، عريض المنكبين وطويل القامة ! عيناه تتكلمان بلغة رجولية ساحرة .

كانت مدينة الوادي تعج في ذك الصباح الصيفي بالغادين إلى أعمالهم . شوارعها تمتد وتتقاطع بهدوء لا يشوبه توتر أو فوضى ، تزينها أشجار الغار والصنوبر ، وتكحلها نوافير المياه التي ترسل رذاذها المعجون بنسمات الهواء العليل الذي يسافر في كل زمان صوب مكان يقع خارج حدود وطن يحترق .

- ما أهدأ عيشكم في هذا الوادي ! ترفلون براحة البال ، لا شيء يقلقكم . كأنكم تعيشون على كوكب آخر ! قل لي ما سر هنائكم ؟ هل يعقل أن تهنأ مدينة بأهلها في وطن يحرق مواطنيه ، وطن يجلد محبيه وُيصفق لخائنيه ؟ ِلمَ قُدر لي حمل وزر وطن لا أستطيع فك طلاسمه الكثيرة ؟ ألا تخافون على مدينتكم من الغربان أو الغيلان ؟

- بلى ! نحن مثل سكان أي مدينة : معرضون للاحتلال بصنوفه والقتل بأنواعه . لكننا استطعنا إغلاق ملف الصراع مع الآخر من خلال التعايش معه على طريقته هو . أي العيش حسب نمطه وتفكيره ! أنجزنا تجربة َتقبُل ماكس بعد أن تنازلنا عن خصوصية الإرسال الفكري فوافق على إرساء قواعد البناء التقني والمعرفي عندنا . وحافظنا إلى حد ما على لحمتنا الداخلية من غير أن نستفز الذي تسّيد علينا منذ زمن مر عليه الزمن . احتطنا للأمر منذ سنين ولم يعد أحد يزايد على أحد : قبلنا جميعاً مبدأ الهزيمة ثم بدأنا من تلك النقطة دون أي غبش ، البقاء هو الأهم . أليس كذلك ؟ وإذا استطعنا تحقيق هذه الأمنية في زمن الانكسار والهزيمة نقدر على تحقيق ما هو أكثر من هذا في المستقبل . فالحال لا يدوم على حال كما تعلم .

- ألهذا السبب قبلتم بيع تاريخكم على أقراص مدمجة ؟

- تاريخنا يحتاج إلى تدوين وإعادة صياغة .

- لكن ليس على يد ماكس !

- على أي يد تطاله .

- ولو كانت تبغي قطع رؤوسكم ؟

- قلت لكما أننا نعيش بلا عداوة مع أحد حتى لو كان عدواً . أقصد دوام الحال من المحال . وإذا كان ماكس الثالث استطاع قولبتنا على هيئته بسبب ضعفنا فإن الأمر يتغير بسهولة إذا نجحنا في الخلاص من عدونا الداخلي . نفتقر إلى وطن نفسي سليم لا ُيمكّن الآخر من سحق عظامنا وإنسانيتنا . شهرزاد شاهدت في قرية النخيل حدثاً عجباً . روت قصة تصف ضعفاً يفتك بأهلها أغرب من الخيال .

- لم تحيلني إلى زوجك للحديث عن ضعف أعرفه ؟

- لأنها كانت شاهد عيان على ما حدث هناك . ثم ألا ترغب في سماعها وهي تحدثك عما تشعر به بنات جنسها إزاء رجل قلب ظهر المجن لرجالهن وهن يكتشفن للوهلة الأولى علاقتهن بأزواجهن الذين فقدوا سؤال الريادة ؟

عند وصولهما إلى البيت كانت منهمكة في تنظيف نوع من السمك البحري تبيعه شركات الساحر السادس الذي وطأت قدماه أرض مدينة الوادي منذ سنوات قليلة . جلسا على أريكة من القش المجدول حتى تفرغ من إعداد طعام الغداء لهم . كانت تعرف بحكم العادة أن سمك المينو وجبة فاخرة يتباهى زوجها بتقديمها لضيوفه ، كما تتذكر جيداً عدد المرات التي طلب منها أن تسرد على ضيوفه قصة شركة ارتبط اسمها مع هذا النوع من الأحياء ذات المنبت الأسطوري وهو يعرف أيضاً أنها تحب أن ُتعيد على مسمعه ما شاهدته هناك وكيف كانت سيرة الساحر سبباً في توطيد أركان حبهما . كان حديثها يجيب على أسئلة كبرى غامضة تعشعش في مجتمع يجلد ذاته من غير رحمة . كيف يقايض حبة قمحه بالسمك المُعلّب ولِمَ يستبدل تراث النجدي بمقولات ماكس السادس :

- قبل خمسة أعوام ونيف ذهبت لزيارة صديقتي وردة في قرية النخيل . كنا نجلس في شرفة تطل على خليج يهدر بموج يشبه ذكورة رجل مقهور . وكان الأفق الممتد بين سطح البحر وغيوم السماء الداكنة يمتلأ بالريح . على بعد عشرات الأمتار كانت فردوس هي أول من استجابت إلى نتوء بني مخضر كان يتسلل خلسة عبر أمواج الخليج . حسبته قارباً معادياً ثم تأكدت أنه لا توجد له أشرعة تصطفق أو صواري مرفوعة فظنته سمك القرش . وحين سحبوه إلى الشاطئ ونزعوا عنه ما علق به من أعشاب البحر عندئذ فقط عرفوا أنه رجل يكاد يغرق . لم ينزل الصيادون في ذلك اليوم إلى البحر ، بدأ الرجال البحث في القرى المجاورة عن أية مفقود . فتشوا أطراف الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها ، في تلك الأثناء بقيت النسوة حوله يتفحصن تقاسيمه وأطرافه وملابسه . اكتشفن قوته الجنسية ووسامته . استشعرن هدوء الريح في ذلك المساء المفاجئ ، وكان في مقدورهن معرفة صفاته المميزة في حياته . عرفن بحدسهن قدرته على صيد السمك وحنانه وهو يضاجع النساء ، ما كان يستطيعه في ليلة واحدة يساوي ما يفعله رجالهن طيلة فصل الربيع . تصورنه وهو يغّذ الخطى يوم العيد ، في زيارته لقريباته . كان يبدو متضايقاً من شوارع القرية الضيقة وأبوابها الواطئة ورجالها الذين يخفون عن زوجاتهم سر علاقاتهم مع فتيات غريرات وهم يقضون معهن كل أيام الصيف بعيداً عن سعف النخيل الموحش . دفّنَ أزواجهن في أعماقهن كأكثر المخلوقات خسة وضعفاً . نظرن إليه مرة ثانية وثالثة بأطراف عيونهن فعرفن أنه يشبه خطيب وردة التي سجنها الشيخ خريوش داخل قصر في قلب صحراء هجر . همست إحداهن : " لم تستطع المسكينة رؤيته وهو يحاول الوصول إليها ، كان يبحث عنها دون طائل ! "

اقتربت إحداهن من جثمانه حبواً ، عملت على قص أظافره وتمشيط شعره وحلق ذقنه التي بدت منذ الأمس طويلة . ابتسم في وجهها فتشجعت وحاولت ترتيب هندامه . اعتقدت أصغرهن عمراً أنه ربما كان شقياً بجسمه الهائل وأن علاقته بها ربما تكون أفضل بكثير من حب وردة له . تحركت غيرتها الأنثوية وهي تراه متأبطا ذراعها وهما يسيران قبيل الغروب على شاطئ الخليج . استطاعت أن تراه اكثر الرجال حرماناً وأن ترى في نفسها اكثر النساء اشتياقاً .

وضعت يدها على جبهته ثم انسلت كموجة بحرية إلى رقبته وصدره . كانت تتحسس بيدها قلبه الخافق بحياة البحر . بدأت البكاء ، تبعتها باقي النسوة بالشكوى والشجن وكأن كل واحدة منهن تبكي زوجها الذي لم يمت بعد ، لكنه يبدو ميتاً في حضرة الساحر ."

- أين رجالهن ؟ لماذا تجمعت حوله النسوة فقط ؟

- لأن وجوده ألغى حضورهم في مخيلة نسائهم . محا أسماءهم وصورهم من قلوبهن فماتوا قبل أن يستيقظ الغريب من غيبوبته .

- ثم ماذا بعد ؟

- عاد الرجال جميعاً محملين بالأخبار : لم يكن الغريب من أهل القرية . لهذا أحست النسوة بالابتهاج وكأن وردة خسرت الرهان على وصول خطيبها سالماً إليها . ظن الرجال أن تلك الجلبة والهمسات ما هي إلا من قبيل طيش النساء وأنهن سوف يعدن إلى أحضانهم عندما يكتشفن أنه غريب . لكن امرأة واحدة اعتقدته غرائبي القسمات أما باقي النسوة فقد زعمن أنه ابن قريتهن الذي جاء يخطب وردة . تجمعت نساء القرية ليقمن اكثر المواكب روعة لعملاق مخذول . بعض النسوة ركبن البحر لأول مرة في حياتهن ، بلا رفقة محارمهن ، تحدياً للموج ليحضرن زهوراً من الشاطئ المقابل لشبه الجزيرة . عدن ومعهن نساء أخريات لم يستطعن أن يصدّقن أن نساء النخيل يتواجدن منذ الأمس خارج إطار ذكورة رجالهن ، وهؤلاء النسوة حين رأينه رجعن لإحضار المزيد من الزهور . شعرن بالأسف أن الباقات الأولى لم تف بالغرض .انثنت كل واحدة منهن قافلة وهي تمور إعجاباً برجولته المميزة .

وبينما كانوا يتدافعون جميعاً لحمله على أكتافهم لإعادته إلى البحر ، تنبه الرجال لأول مرة لشوارعهم الخربة المقفرة ، وحدائقهم المجدبة وضيق أحلامهم وهم يواجهون عظمة رجل جاءهم غازياً على ظهر الموج . تركوه يذهب في عرض البحر دون أن يربطوه بالهلب الحديدي حتى لا يستطيع العودة إذا شاء . لم يكونوا بحاجة أن ينظر كل منهم للآخر أنهم لم يعودوا موجودين ، وأنهم ربما لن يكونوا أبداً إذا أصروا على العودة إلى عهد ما قبل زيارته لقريتهم . لكنهم أيضاً يعلمون أن كل شيء ربما يكون مختلفاً من الآن فصاعداً : ستكون لبيوتهم أبواب أوسع وسقوف أعلى وأرضيات أصلب حتى يمكن لذكراه أن تذهب إلى أي مكان دون أن تصطدم بعوارض الأبواب . وحتى لا يجرؤا على الهمس بأنه رحل وهو يبحث عن وردة التي تخبئه في قلب كل نساء القرية .

- وماذا حدث لوردة بعد رحيله ؟ ألم يقتلوهاً بسبب غارة الغريب ؟

- عادوا ، إلا شخصاً واحداً ، إلى قلب قريتهم : كل يبحث عن بيته وشارعه ورقم جوازه . انتابهم شعور عارم أنهم جميعاً يعودون بغير هويتهم التي كانت تأخذ بتلابيب عقليتهم منذ أن سكنوا قرية النخيل . لم تتعرف أي من النسوة على زوجها وكأن الواحدة منهن أصبحت تعرف نفسها أكثر . توقفوا جميعاً في محطة زمنية كي يفكروا بما آل إليه حالهم : لم تعد المرأة ضلعاً من جسم الرجل ، ولا حالة مرصودة حتى النخاع بل كياناً إنسانياً ووجوداً مستقلاً . لم تعد تعيش بنفس الرجل الذي حرمها حريتها وحقها في الحياة . كانت زيارة الغريب انقلاباً أعطى الرجل حق التنقيب ، لا التملك ، عن أنوثة المرأة كما حررها من خنوعها لسطوته . تساءل الأطفال عن أمهاتهم والبنات عن آبائهن . في ذك الجو المكفهر ، هاج البحر وعلت أمواجه موانئ الخليج ، لكن طوفانه لم يمح رسم أقدام المشاركات في موكب الوداع الأخير. وكانت مفاجأة الحدث أن شاهدن مجموعات ضخمة من اسماك متفاوتة الحجم واللون تغطي شاطئ البحر .

- هل طرد البحر سكانه حزناً على رحيل الغريب ؟

- كانت هبة من البحر لنسوة فهمن رسالة الحياة !

- أي رسالة يا شهرزاد النخيل ؟

- السمك العميم ثمرة حبهن لغريب مخذول !

- ورسالة وطن النخيل المنهوب ، ما مصيرها ؟

- ضاعت بين فخذي امرأة عشقت حبيباً من غير قومها . اتخذت العشيرة قراراً بقتلها لكنهم لم ينفذوه خوفاً من سطوة ماكس .

- وهل زواج امرأة من غريب أهم من مستقبل وطن ؟

- هناك كل شيء بالمقلوب ، جدول أولوياتهم يبدأ بالتافه والهامشي ويبقى الأهم مؤجلاً بلا كتاب .

زلغطت النسوة ابتهاجاً بزوال الفقر والقتل من قريتهن . واستبشر الرجال خيراً بأطنان اللحوم البيضاء التي غطت وجه الوطن :

-من قال أن الساحر ينهب قوتنا ؟ كلوا من خيره وادعوا له !

-لا يريد منكم غير حرية نسائكم وتحريرهن من قيود التخلف .

- يريد مصلحتكم كي يخلصكم من استبداد (أبو الليل) .

- يريد تعمير خرائب الزمن الميت على وجوهكم .

-يحيا ماكس العظيم ! الموت للنجدي وإرهابه !

أمست قرية النخيل جمهورية سمك تكفي لسد رمق الجائعين في كل قرى الصفيح والدم ، وطن أغصان الزيتون وصفقات الحروب الخاسرة وكثبان التمر المُدنّس .

لم ينزل الصيادون إلى البحر ، فالسمك يملأ شوارع القرية ، وربات البيوت منهمكات في التغني بالساحر الجميل :

- ماكس هو الحل !

- الله بحب ماكس !

كانت إحداهن تشق بطن سمكة كبيرة وهي تجلس على مقعد خشبي مرتفع كأنها تواطئ ذكرى غريب يسحرها ، جسدها مثني جهاراً نهاراً على هامة تشقها سكين حادة . كانت هي وردة في ليلة عرسهاً وهى تتلوى ألماً من غياض الهاجري الذي يجهل أصول لعبة الشق . رأت نفسها تلطمه بكف يمناها وهو يجثو فوقها ، لاهثا كتيس ذبيح وهي تستلقي تحته مثل سمك المينو . ألفت نفسها في لحظة تبادلية ملتبسة سمكة يعبث بها وحش قدم من بطن مكان أجرد وزمان عاقر كي يمتع نفسه ليس إلا . هكذا كانت نساء النخيل منذ أيام صعاليك الحساء : يُمتعن الرجال ولا يستمتعن بهم . كأن الواحدة منهن حبة تمر نضجت خلسة وسقطت سهواً على رمل ساخن قبل أن يلتقطها بدوي القلب يدين بالولاء لسيده الغريب .

رأيت الأبتر يهز رأسه علامة على وصول فحوى رسالتها ثم أشار بإصبعه المبتورة يستوقفها . شعر أن قصة الغريب في قرية النخيل تضيء له هاجساً أرعبه منذ سنين وكانت سبباً في غربته . ردد بصوت خفيض قولاً حفظه عن الشيخ النجدي : " الغريب للغريب نسيب ! " لكن أي غريب كان الأبتر ؟ هل كان غريباً عن أهله ووطنه ؟ أم غريباً عن جسده ولغته ؟ ربما يصح في حسين القولان ، أنه كان غريبين في آن واحد : غريباً عن أمسه ويومه ! كلاهما غريب عن نساء النخيل والقمح ، لكنهن يعشقن ماكس دون غيره ! لم ينجح في حياته في الفوز بحب امرأة واحدة بينما يتهافتن على حب غيره . فكيف إذاً يكمل كل منهما الآخر في الغربة ؟ سؤال بدأ يتخلق في أحشاء حسين وهو يحاول التماثل مع الآخر :

- من منهما ُيكملني أكثر ، ماكس أم سحمان ؟ ما أتعسني من غريب ! لم أترك بصمة في أي مكان أقمت فيه منذ أن ّولدت . خسرت كل شيء حتى إبهامي من أجل حبة قمح وذرة تراب ، حتى أصبحت ماكس آخر . كنت في قرية القمح غريب أهل ووطن ، وأمسيت في الوادي الأخضر غريب نفس وزمان . لا يوجد أحد في هذا الوطن الغريب عن أهله أبعد مني عن نفسي :" لا تيأس ! سحمان كان وما زال ظلك الأتعس . ماذا فقدت في الحياة أكثر مني ؟ مُلكاً أم اسماً نزعوه عنك بحد السيف ؟"

- أرى أن ضيفّي امتعضا من قصة الساحر الجميل . لم أقصد أن أجرحكما . أردت أن أُبين أنها كشفت عن خلل مزمن في قرية النخيل . المرأة هناك مُلكُ للرجل ، متاعُ له متى شاء وهو ليس مُلكاً لها إلا عندما يكون شبقاً ! تلك العلاقة العوراء جعلت منها ظلاً لا قيمة له في مجتمع تخلقه وينفيها ، تلده ويميتها ، تربيه ولا يحترمها . وردة كانت رائحة بلا جسد ، اسماً على غير مُسمى ، فكرة يتم اغتيالها كلما اشتاق إليها . يأكلها ثم يتركها جائعة . يشقها نصفين مثل سمكة المينو ثم يُفاخر بطهارة عذريتها . ولمّا كانت كذلك ساومها على زواله هو : كيف تستطيع وردة ولادة رجل مات في حضنها من فرط ساديته ؟ مات رجال القمح والنخيل يوم حاولوا تقييدها وفشلوا في ذبحها بحجة أن الشرف الرفيع لا يسلم من الأذى إلا إذا سفكوا من حوله دم العذارى .

- صدقت يا نبيل ! نحن هكذا لكننا لا ندرك صورتنا .

- تود الخروج من بيتي دون أن تأكل السمك ، يا منتصر ؟

- سنأكل الكثير منه في الأيام المقبلة !

- وأنت يا أبتر ! ماذا تقول ؟

- نأخذ غداءنا ونرحل .

- إلى أين ؟

- بلاد الله واسعة .

- اعتذر إن كنت أسأت الأدب .

- بالعكس ! كنت في غاية اللطف معنا ، ما قصّرت ! أضأت لنا طريق دربنا نحو قرية تأكل اسمها ومستقبلها ، كنا سنتعب كثيراً لو لم نلتق بك .

- لا أفهم ما تقصد !

- اشكر شهرزاد على حكايتها التي أثارت وعي بنفسي .

- هل تعرف ماكس ؟

- كلا ! لم اسمع به من قبل ، لكن قصته مُسلية ومُفيدة .

نهض الغريبان من فورهما ، وضعا زادهما في سرج سماح وانطلقا خارج المدينة كأنهما لصان يسابقان الريح . كان المنتصر في المقدمة متوتراً صامتاً ، يتبعه الأبتر وهو يلح عليه أن يتمهل :

-ماذا دهاك ؟ قل لي ما الأمر يا رجل ؟

-سأحدثك عندما نبتعد عن المدينة . اصمت واتبعني الآن !

-لكنك تخرق ما اتفقنا عليه سابقاً !

-هذا ليس وقتا للعتاب ! تعال نرتاح قليلاً تحت شجرة النخيل تلك كي أحدثك عما اكتشفته في بيت شهرزاد المصرية !

-هات من الآخر!

-لا تنادني منتصراً بل سحمان آل محبوك ، فشلت خطتنا ولم يعد الاتفاق قائماً !

-كيف ؟

-إذا صح حدسي فإن الذي تحدثت عنه شهرزاد هو نفسه السيد الذي اشترى أرض مدينة الأحلام وهو ذاته الذي حبك مؤامرة ضد أهلي في قرية البرتقال ونّصب بدلاً منهم جماعة قريوش آل (أبو الليل) ، حلفاء المغاريب الذين يتحكمون في رقابنا اليوم . رحيلي عن القرية بسبب قهرهم فقد معناه ، ورحيلك عن قريتك لم تعد له قيمة . ماكس هو ماكس سواء كان الأول أم الثالث أم السادس ! سواء كان هنا أم هناك فإنه يصول ويجول في جوانح نفس الوطن ! إنه يلغي ، بسبب تحّكمه في كل الأرجاء ، كل فروقات المكان والزمان والأحداث .

- لا تتسرع في الحكم على الأمور ! هل ُيعقل أن يستطيع رجل واحد شراء أرض الوطن والفوز بقلوب نسائه ويقلب نظام آل محبوك ثم يدير مؤسسات ويستورد سمك المينو ويسرق قمح البلاد والعباد ؟ ألهذه الدرجة سرقت منك نظرية المؤامرة وعيك ؟

- والمخفي أعظم ! من يستطيع فك شيفرة الجن يستطيع فعل أكثر من هذا ! ألا تذكر ما قاله النجدي يوماً عنهم ؟

- لا أتفق معكما ! حتى لو كان قوله صحيحاً ما المطلوب مني عمله ؟ هل أعود ثانية لقريتنا ؟ هذا غير وارد ! هل أعدل عن الذهاب إلى قرية النخيل ؟ هذا أمر غير منطقي لأنه أمسى موجوداً هنا وهناك .

-إذا نفترق يا حسين ! ليمض كل منا في حال سبيله وعلى مسؤوليته الشخصية !

-وتهون عليك عشرتنا يا سحمان ! تتخلى عني لمجرد فرضية بعيدة عن أرض الواقع ؟

-ماذا لو كان كلامي صحيحاً ؟ ماذا سيحدث لي ولك ؟

-لا شئ ، فالكل في قريتينا يعرف أننا هاجرنا إلى قرية النخيل !

-اسمع ! إن عرف ماكس بوجودي هنا أو هناك سيقتلني !

-ولماذا يقتلك ؟ لماذا تتصور أنك مهم لهذه الدرجة ؟

-لأنه يعرف أني أعرف عنه الشيء الكثير مما يُفسد عليه خططه السّرية في كل المطارح التي ذكرت .

-هناك من هم أهم منك ألف مرة ومرة ولم يتم قتلهم ، أنت واهم !

-إذا لن نتفق على حل ! فرقنا ماكس كي يسود .

-بل سنتفق ! نذهب سوياً إلى قرية النخيل كما اتفقنا ، نستأجر بيتاً ونشتري محلاً تجارياً تديره أنت ثم أعود إلى مدينة الوادي الأخضر كي أتأكد من المعادلة التي يحبكها هذا الماكس !

امتطى كل منهما دابته بعد أن تناولا طعام العشاء واتجها صوب قرية النخيل صامتين كأن على رؤوسهم الطير . كان ضوء القمر يبدد عتم ليل الصحراء الممتدة مئات الأميال ، والهدوء الممزوج بوقع خيلهما يحف بسيرهما مثل غلالة من مشاعر قلقة تثير أسئلة لا يصلها ضوء عن مستقبلهما في أرض لا تعرفهما وسماء لا تضمهما بجناحيها . سارا حتى الصباح ولم ينبس أي منهما بكلمة للآخر وكأن وحشة السفر قد باعدت من جديد بين نفسين تمازجتا لوقت وجيز من أجل هدف مشترك . توالت أيام سفرهما حتى وصلا قرية النخيل .

-كيف تجدها ؟

-قرية مشحونة بنظرات التوتر !

-ربما عرف أهلها أننا غرباء .

-بالتأكيد !

-ألا ترى أسماء أصحاب المحلات : إما هاجري أو نجدي ! هل سننجح في العيش معهم ؟

- من يستطيع معرفة مزاج أهل قرية في غضون أيام قليلة ؟

كان صاحب البيت ُيدعى مفلح النجدي ، يتردد عليهما بين الفينة والأخرى ، يسألهما عن أحوالهما وكيف تسير الأمور معهما . كانت العلاقة معه في بادئ الأمر اقرب للحذر منها للثقة المتبادلة ومع مرور الشهور اصبح صديقهما . ومع هذا لم يخبراه من أي القرى قدما بل ادعيا أنهما من مدينة الوادي الأخضر المعروفة بعلاقات أهلها الحسنة مع كل القرى المجاورة .

- لا تخبر أحدا أنني من قرية القمح !

- لماذا نعاود الكذب على الناس وأنفسنا ؟

- هذا شرط أساسي لاستمرار بقائك إن كنت تنوي العيش مع بدو الصحراء .

- لم افهم ما تقصد !

- لا أريد أن يعرفوا أننا طريدان رحلا عن قريتيهما بسبب السياسة ! على الغريب أن لا يكون صادقاً في الغربة وإلا دفع الثمن !

- ألهذا السبب تريد إخفاء هويتك عنهم ؟

- ألم نتفق على الكذب في الغربة ؟

صمت سحمان كأنه يُشكك في جدوى كلام حسين لكنه لم يُبد اعتراضاً عليه . كان من سوء الطالع أن مفلح سمع أطراف حديثهما فتذكر قصة رحيل عمه محمد النجدي إليها حيث انقطعت عنهم أخباره منذ نشوب حرب العنقاء . أسّرها في نفسه وتظاهر أنه لم يسمع شيئاً ، ثم عاد يغّذ الخُطى إلى بيت شيخهم كي ينقل له ما سمع . انتشر خبر العثور على مكان الشيخ محمد النجدي كنار الزيت في الصحراء . عرف أهله اسم بلد التاجرين الغريبين اللذين استوطنا القرية منذ شهور معدودة . تذكروا أن آخر عهدهم به كان في قرية القمح .

-أين حسين يا شباب ؟ قالوا لنا أن ولد عمنا محمد يمكم ! ويش علومه هداكم الله ؟

-علومه زينه وخير من الله ، يهديكم السلام !

-أريدك تحدثني عنه ! شلون حاله وعياله ؟

-بألف نعمة من الله ، أموره زينة ويعمل في أرضه بمرج بني عامر .

-زين ! باكر نتغدى سوى !

-دعوتك مقبولة يا شيخ .

كانت زيارته نقطة تحول كبرى في رحلة حسين في بلاد الغربة . أدرك أن حياته الماضية بكل إشكالاتها على وشك الانفجار ، انتابه خوف شديد من مجريات الأحداث فقرر في نفسه الهروب في أقرب فرصة كي ينجو بجلده من خطر داهم .

-لماذا قبلت دعوته للغداء ؟ ألا تُدرك ما تفعل بنفسك وأنت تأكل طعام قاتلي أبيك ؟

-أسكت يا سحمان دعني بحالي ولا تُصّعب علّي همومي ! علينا مداراتهم حتى نستطيع معايشتهم . نحن الذين أتينا إليهم .

-أشعر بالريبة إزاء ما يحدث لنا !

-لا تقلق ودع الأمور تجري في أعنتها ! الُمقّدر بصير !

تلكأت في حضور مأدبة الغداء في بيت الهاجري . لم أرغب في المشاركة بحدث له صدى كبيراً في نفوس من لهم مزاجاً حاداً ُيصّعب علّي مهمتي كراوٍ ينشد الحياد في عمله :" تعال معهم حتى تروي عنا أخبارنا لولد عمنا الشيخ محمد ، يا عمران !" منهم من اعتقد أن محمد الهاجري عاد سالماً ، بلا إياب ، على جناح الذاكرة ، ومنهم من تشكك في رواية الغريب عنه لكنهم صمتوا احتراماً لرغبة شيخهم . أما نساء القرية وربات بيوتها فكن الأكثر تفاؤلاً بمقدم الغريبين علّهما يكونان مثل من سبقهما في سحره وقوة جاذبيته . تصارع حسين مع ذاكرته المجروحة وهو يلتهم رأس كبش بلدي مزروعاً في وسط منسف يتوسط مناسف عدة أقل حجماً ولحماً منه ! وضعوا كما هي عادتهم رأس الذبيحة أمام ضيفهم كي يشعروه باحترامهم له . داهمه صوت قرينه من قرية القمح فجأة محتجاً على ما يفعله بهامة والده القتيل : "تقبل رأس كبش برأس أبيك يا غضيب ؟ اللعنة عليك !"

التفت حوله فوجد سحمان يحدجه بعيون غضب وعتاب . كأنه كان على علم بحواره الداخلي مع ذاته . أما الهجريون فكانوا منكسي الرؤوس ، يهمهمون بأصوات مبهمة وهم يزدردون كتل اللحم المختلطة بالأرز .

-كل من لحم أكتاف أبي يا نذل ! لا تُبقي منه شيئاً واترك عظمه للذباب ! أليس من الأبناء من هو عدو لوالده ؟ أنت أحدهم :"فليكن ! يا رأسي ما بعد رأس ! أُهادن كي لا أقتل أو أُقتل !يجب أن تكون مثلي برغماتي حتى لا تدوسك وتدوسني الأحداث !"

-الغربة تقلل الأصل ، هل تعرف هذه الحكمة ؟ " نعم ، لم يعد يهمني شيء إلا نفسي ! فلتذهب معهم للجحيم ! أريد أن أعيش ، يكفيني بهدلة وقلة قيمة ! سأرحل عن أهل النخيل وأتفاهم مع ماكس ." وعلى رأيك :"من يأكل لحم أبيه لا يوفر لحوم الآخرين !" أنا في حاجة لجهة قوية تسندني في غربتي ضد كل الأعداء المحتملين وعلى رأسهم الهجريون والنجديون . ماذا لو عرفوا أنه قاتل أبي ؟ سيعتقدون جازمين أني أتيت إليهم كي آخذ بثأري . سيتغدون بي قبل أن أتعشى بهم . وهل نسيت أن شيخهم محمد النجدي عاش غريباً منكسراً في قريتنا ؟ وأنه كان يتلقى الشتيمة ويسكت عليها .

-لا تخلق ذرائع لنفسك كي تفتح خطاً مع ماكس ! افعل ما بدا لك يا حسين ! أنت الآن حر التصرف في غربة لا تُحاسب الغرباء على كذبهم على نفسهم وارتكابهم الجرائم :"أية جرائم ! أنا أُدافع عنك في وجه مغول المشاريق كما فعلت أنت بالأمس ضد غيلان المغاريب . كلهم ذئاب والحمل فيهم أسفل من الغراب !"






تعليقات حول هذه المقاله
العنوانالكاتبوقت الإضافه

تصويت
ما رأيك بالموقع ؟
ممتاز
جيد
مقبول
سيء
نتائج التصويت

حجة بالوان العصر


لوحاتي




كتاباتي

غزل الذاكرة
زمن المرايا
وطن العنقاء
كثبان الذهب الأسود
أبو علي إياد
تأملات مصطفى صبري
الأولاد والشمس
إنشطار الذات
معركة النفق
مكانة القدس
جدار الفصل العنصري
وطني ليس حقيبة
إمبراطورية النفايات
قراءات أمنية
امرأة لا تغار
صراع لا يموت
أصحاب الملايين
صوت الذاكرة


الساعة

صدر حديثا


 
Qalqilia NetWork