إبحث عن:    
القائمة الرئيسيه
صفحة البداية
القصة القصيرة
القصص والروايات
دراسات و ابحاث
المقالات والترجمات
الكاتب يوسف العيلة
معرض الصور
شاركنا رأيك
English Site

تسجيل الدخول
إسم المستخدم:

كلمة المرور:


تسجيل
هل نسيت كلمة المرور

المقالات الأكثر قرائة
1 من الممات إلى البعث .... نظرة إسلامية تقليدية
2 تأملات - الفصل الخامس : موروثات
3 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المصادر والمراجع)
4 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المقدمة)
5 الإسلام دين الفطرة الإنسانية

الكاتب يوسف العيلة


جديد الروايات

 

صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في رام الله دراسة بحثية بعنوان " لسانيات الخطاب الشعري المعاصر ، ليليان بشارة - منصور نمرذجاً " للروائي يوسف العيلة . تضئ الدراسة بعضاً من واقع اللغة العربية في الداخل الفلسطيني . ويقع هذا الإصدار في مئة وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، وهو السابع عشر في سلسلة إصدارات يوسف العيلة النقدية والروائية .


قراءة المقاله



غزل الذاكرة - الفصل الاول
كتبت بواسطة: يوسف العيلة - el 10/04/2005 - 1391 زوار        


ها أنا ذا أجلس مهموماً بعد عشرين عاماً من الغياب أتصفح رواية جهدت كل الجهد على مدار ثلاث سنين في رسمها بتؤدة ورفق حميمين . الكفتيريا بعبقريتها وعبقها شهدت ذات مرة لقاءنا العاصف .

كان لقاءً أخيراً في مكان ما زال يحتضن ذاكرة بوهجها وعنفوانها ، كأنه اللحظة الحاضرة ، لا يموت ولا تفنى لحظاته ، يثير في خاطري ترنيمة شوق الى ماض لم يمض كما تمضي الأيام والليالي . أمسى عين ذاكرتي التي لا أقوى على لجمها أو تحمّل غزلها ، تداهمني فلا أخجل من هواك ، وأغادرها فلا يسعفني الرحيل في الإبتعاد عنك. هكذا أودعتك مكاناً يتهادى في خيال لا يزايلني عمراً بكامله .

ورغم مرور السنوات العشرين بقيت كما هي ،أتفحص الآن ذات اللحظات التي كانت ترسم في ذاكرتي قسمات وجهك وحركات أصابعك المتوازية وهي تغالب خصلات شعرك الذهبي المتطاير.

لحظات بكر لم يمحها الغياب رغم سطوته وتقلبات دقات الزمن . كيف أغازل ذاكرتي اليوم وهي تقدح ذات الشرر المتطاير من كلمات كانت قبل اللقاء الأخير تخرج كرائحة الياسمين وتنزرع في عمق قلبينا . قرارك الجائر ينثال من شفتيك الرقيقتين كسكين حادة تكاد تقطع وشائجي بك بعد أن وضعت قلبك في مهب رياح الزمن الذي يجتث أو يكاد حضورك الزاهي في النفس والذاكرة.

يومها فشلت في اقناعك بالعدول عن فكرة الزواج "برباح" وأخفقت أنت أيضاً في اقناعي بأنه الفارس المناسب . قلت لك بأسى يقطّع نياط قلبي :

- حسناً .. قررت أخيراً واخترت من تعتقدين أنه الأنسب ! أليس كذلك .. ؟

فاجأتني إجابتك حين رددت على مسمعي موقفاً قديماً لوالدك الدكتور .. كنتِ قبلها تنظرين بعين الشك المريب نحو مقولته ، تسبب لك الغصة . أتذكرين كلماته ، يقرأ قدر الفتاة الجميلة ذات الخيارات العديدة ؟ قلتِ : يقول والدي همساً في أذني كي لا تسمعه والدتي : الجميلات من فتيات العثمانية يقعن في مأزق جمالهن ورعونتهن . فالواحدة منهن تتماثل مع السائحات الأجنبيات ، وتسعى جاهدة من أجل تحقيق حلم الخلاص من عروبتها المهزومة . هل صحيح ما يقوله ؟

تنهدت عميقاً كأن فلسفة الجمال المسيس لم تعد تروق لك . أستشعرت منطقاً غير مألوف يلوح في أفق العلاقة الأسرية التي تربطك بوالدك . فتساءلت وفي نفسي غصة السؤال الضاغط :

- هل الجمال الجسدي فرصة لخروج الفتاة العربية على ذاتها ؟ لم الإفتراض هذا ؟ وهل ترى الجميلات سؤال الهوية على نحو ما يعتقد والدك ؟

أجبتني :

- تزوج أبي من أمي لأنها ابنة عمه فقط ! لم تكن تتمتّع بقسط معقول من الجمال ! أجده دائماً متأففاً ساخطاً على المرأة الجميلة وكأن ثأراً شخصياً بينهما .

- هل الجمال سلعة نقايض بها زوجاً وسيماً وبيتاً جميلاً وحياة وثيرة؟ أم أنه قيمة انسانية تعبر عن رؤى سامية لقصة خلق الانسان ؟

أجبت باقتضاب :

- حتى لو كان كذلك .. الحياة المعاصرة تفرض منطقاً استثنائياً يحوّل الجمال الى ظاهرة اجتماعية تنهد صوب الرقي والنخبة .. أجد نفسي ملزمة بالوفاء لمنطق مجتمع يكرمني لجمالي رغم أنه يطاردني كأنني رهينة شهوته وغرائزه . الأمر الأخير يسبب ازعاجاً يومياً أثناء انتقالي الى الجامعة العبرية أو الى مكان عملي في القدس. أجبتك بحماسة رافضاً تعليلك لماهية الجمال الانثوي ودوره في حياة الرجال ..

- ليس ما تسردين من تحليل بالضرورة صحيحاً لدى كل الرجال..

كان دافعي ورغبتي في التعرف اليك في ساحة المحطة المركزية بالقدس الغربية تتصل بأشياء أخرى أكثر عمقاً ومعنى مما ذكرتِ ! كنت كمن يعيد اكتشافك بعد أن ساكنت عمق وجداني منذ مئات السنين. لم أكن أصدق أنني أراك لأول مرة فنظراتك الفاحصة كانت تؤكد للمرة بعد الألف أنني أعرفك حق المعرفة وأن انجذابك اليّ أو انجذابي نحوك لم تؤطره الشهوة ولا غذته الغريزة الذكورية . ذاك المكون الوجداني غذى قناعتي العقلية ، وجدت فيك ذاتي بالمحسوس ومهما كان مستقبلنا المشترك فلن أدعك تفقدينني لحظة واحدة ، ولن أسمح لوطأة الزمن المتقلب أن يجتث من أعماقي هيئتك الحميمية ، تأسرني بوعي غير قابل للنسيان.

أعترف يا حلوتي أن هواك ما زال يشغل حيزاً عريضاً من البال. وأن الصدفة التي جمعتني بك وردتك الي كانت قدراً محتوماً لا فرار منه ولا فكاك من اساره الساحر الأخاذ . أذكرك كل يوم حين يباغتني طيفك نوماً ويقظة . يأتي صباح مساء كفلق الصبح كما لم يأت يوماً واحداً طيف " ليلى " الى مجنونها . انها هي الصدفة التي تعيد تشكيل أقدارنا كأنها ارادة إلهية نخضع لها بكامل حواسنا ونعض عليها بالنواجذ دفعاً لها من شرور الزمن وغدره المحلق في أجواء الذاكرة وثنايا النفس سواء بسواء.

أعي مسبقاً أن زوجتي ستُقطّع مخطوطة هواك الذي كان ويكون وسوف يبقى. فهي أنثى مثلك في جمالها وبهاء طلعتها وأنوثتها الناعمة . لكني معك أكون شخصاً آخر عما أكونه معها . كنتِ دائمة التساؤل:

- ماذا لو عرفت زوجتك بهوانا ؟ هل ستختار احدانا ؟ وكنت أجيبك بنفس الوضوح وربما الأنانية التي أعترف بها بين الفينة والأخرى :

- سأختارها هي في واقع حياتنا وأختارك دوماً في هواي ! كما هو حالك بالضبط : تختارين شخصاً غيري شريكاً لحياتك ولن تختاري غيري وهجاً من نور يضيء كبرياءك الفاتن .

أسمعتني يومها كلاماً جميلاً يفيض اعجاباً بفلسفة الحب التي هي مقاربة صريحة بين فكرة الاشراك بالله وفكرة الاشراك بالزواج ! هل تذكرين قولكِ :

- أنت مثل أبي ، له قدرة فائقة على النظر العميق في النقائض كأنها في لحظة ما تتماثل على طول الخط وأن وجه الخلاف بينها وهماً اقتنعنا به ولم نعد نطيق انفصامه لأنه جزء من ثوابت وجداننا. لهذا قررت الارتباط بغيرك زوجاً لأنني لن أستطيع نسيانك بل ستكون الطرف الثالث ، يحضرني من غير أن أستدعيه .

ثم أكملتُ عنكِ الفكرة لتكون بمثابة وثيقة هوى منقوشة في قلبينا وذاكرتنا وكأنها وثيقة زواج جسدي مكتوبة عند كاتب عدل جاءت به الاقدار ولا يتوفر على عنوان أو اسم . قلت مضيفاً :

- ستكونين الطرف الثالث ، يغمرني طيفه كلما رقت لي ابتسامة أو انساح أمامي بهاء طيفك وهو يدق أبواب سويداء القلب .

أعرف أيضاً أن سؤالاً ثقيلاً يحيرني بعد أن امتنعت عن الاجابة عليه ، وتعمدت أكثر من مرة الأخذ بيدك للاجابة عليه دون استحياء أو خجل ، هل تذكرين سؤالي :

- كيف يصنفنا الآخرون عندما نعترف لهم على صفحات الورق الأبيض أن هوانا هو على نحو ما ذكرت ؟ هل يكفي حبر العالم وأخشاب غاباته كي نجيب على تساؤلات الشك والتحقير التي تطاردنا؟

قلت : أبي الدكتور ذو الثقافة الأجنبية لديه اجابة لا يظهر منها اهتمامه بمثل هذه المسائل الخاصة جداً يقول مثلاً :

- " مرتفعات وذرنج " تعالج مسألة مشابهة في تلك العلاقة الطبيعية جداً بين هيذ كليف الغجري ذي الأصول المجهولة وكاترين ابنة العائلة العريقة والمجد التليد . كانت قصتهما مثاراً للجدل والاسقاط الاخلاقي عند ظهور الرواية لدرجة أن دار النشر رفضت نشرها لخدشها الحياء العام للمجتمع البريطاني في القرن التاسع عشر.

سألتك باهتمام بالغ :

- وهل حال مجتمعنا اليوم شبيه بحالهم في البقاع البريطانية ؟ لدينا مسائل فريدة لا يوجد مثلها في أي مكان أو دولة . هل نمرّ بتحولات ثقافية عميقة تطال البناء الاجتماعي التقليدي للمجتمع الفلسطيني قاطبة !

ما زلت أذكر جواب الدكتور وهو يقلل من أهمية مثل هذه التحولات الجذرية، قال:

- يبدو أن الحالة الثقافية للمجتمع المحلي هي الأهم في معرض رصد أي من السلوكيات الفردية التي تبدو مخالفة للنمط السلوكي التقليدي. تفكك عُرى العلاقة الأبوية في الاسرة الفلسطينية أتى بثمار غير طيبة في المسار العام . حركة المجتمع الذاتي أرهصت عناصر اجتماعية ونفسية وثقافية متضاربة خلال العقود الخمسة الماضية.

انقلب الهوى الى مقولة ثقافية تطال مجتمعاً بأسره . وعند التنقيب الدقيق في حيثيات الوشائج التي تربط قلبينا ينقلب الخاص الى عام من حيث لا ندري أو نريد . لم يدر بخلدي أننا نمسي في طرفة عين مفردة ثقافية تفوق في حجمها ووزنها ومعناها علاقتنا الثنائية أو الثلاثية في كل مستويات اعتباراتها الاخلاقية أو الثقافية . ففي عصر الانتقال من سطوة الماضي القديم الى ليبرالية العهد الجديد المتسم بالتعددية والحرية يصبح كل شيء ممكناً واقعاً ومن ثم حكماً . الا ترين التطورات التي تشهدها الشعوب المتوسطية وهي تتأطر بثقافات التعددية والحوار المتصل بالآخر ذي الايديولوجيا المغايرة .

يصبح الأمر الخاص موضوعة غير مقلقة في ظل تقويمات الثابت الاجتماعي والأخلاقي . الأمر أيضاً يحتاج الى وقت طويل حتى يتجذر التغيير ، نستشعره لكننا لا نرحب به جهراً لخوفنا من أنفسنا وهروباً من ضغط اجتماعي ، يرافق حركتنا في التعاملات الأخلاقية الجامدة التي نقدر أصداءها ونتائجها المرتبطة بالاهتزازات اللاارادية لمكانة الأطراف المعنية .

دق جرس الهاتف فجأة . تغير لون وجهك ، كان دائماً ناصعاً مشرباً بالحمرة لدرجة الاشباع . لم أكن أرغب حينها في مغادرة المكان دونك الى رام الله . كانت المدينة يومها رمزاً للمنفى الاجتماعي . وكانت قريتك " العثمانية " التي تقع على مشارف القدس غرباً شاهداً على تحولات ثقافية تاريخية أعمق . خرجتِ لا تلوين على شيء فالوالدة كانت يومها مريضة وتكاد الانفلونزا تشل حركتها البيتية، استدعاك الوالد على عجل حتى تقومي بالواجب البيتي .

سألتك يومها ونحن نقطع الضفة الشرقية لشارع صلاح الدين..

- أي حلوتي .. هل ترغبين في السفر في باص ايجد ؟

ابتسامة هادئة واعدة غطّت كل محياك وكأنك تعربين لقلبك قبل لساني أنك تفهمين القصد الحقيقي من سؤالي . لم يكن سؤالاً عفوياً بريئاً بل كنت أنتهز الفرص المناسبة دائماً لفتح حوار يبدو في غير محله لحشرك في خانة سؤالي الوحيد الذي تعرفينه منذ لقائنا الأول في المحطة المركزية .

قلت :

- لا أفكر بالزواج من غيرك رغم أن فكرة الزواج تبدو مرعبة .. لم أحقق حلمي في الحياة فقريتنا تغتال كل حلم ..

سألتك : وما هو حلمك تحديداً ؟ أليس هو الزواج في نهاية المطاف؟

أجبتِ :

- رغم كونه حدثاً يومياً يمارسه الناس العاديون والاستثنائيون الا أني أمقته وأرى فيه سجناً لا غير .. فيه قتل لكل القيم الشبابية الحارة. فالحب أو ان شئت الهوى رفيق لتفتحنا الجسدي ، يشكل ذاكرتنا فيما بعد العمر كله . فما بالك ان كان صفقة قذرة .

استغربت من قناعاتك المبكرة حول الحياة . استهجنت ايمانك بمثل هذه القناعات التي لا يعايشها الا كبار السن وهم يقضمون خريف العمر من غير ذاكرة مضيئة . هؤلاء أياً كانت نسبتهم بيننا لديهم المبرر لقول هذا ، أما أنت فتملكين كل مقومات الشباب الانثوي الذي تتمناه كل فتاة .

استطردتِ قائلة :

- الحديث ذو شجون وما عايشته في هذا المجال يخدش الصورة الايجابية لأسرتي . وبالتالي فاني أدين نفسي قبل أن أضيع في عقدة العلاقات الشائكة التي وجدتني أحياها منذ نعومة أظافري.كان أبي ، أصبح فيما بعد أستاذاً جامعياً ، مثالاً للأب الحاني في الغربة أثناء دراسته لشهادة الدكتوارة . كنت الابنة الكبرى لوالدين عاشا في حرم جامعة "اوهايو" الأمريكية . اكتشفت فيما بعد أن حياتي الأسرية كذبة كبيرة. دفعت من جانبي ثمناً باهظاً لها . قرر والدي الزواج من بنت عمه المتنفذ . لا حباً بها ولا لجمالها المتواضع جداً بل كونه يعرف مسبقاً أنه من غير هذا الزواج القسري لن يستطيع الوصول الى أي جامعة أمريكية ولا حتى السفر خارج قريتنا. كان عمي الحاج "موسى" مصراً على أن "ناجي" هو الزوج القادم لابنته "سعاد" وأن خروج والدي على قرار عمي يعني أن غضب السماء والأرض ستحل به . وبصفته الاعتبارية جداً كوجيه متنفذ عند الجهات الاسرائيلية التي كانت وما زالت تدير شؤون قريتنا فإن مستقبل والدي الاكاديمي رهينة بيده .

وجد أن لا مناص من الزواج من "سعاد" : تلك الفتاة الذميمة ، قصيرة القامة لكنها بنت الوجيه الغني الحاج موسى.كانت سني الخمسينيات من هذاالقرن النكد بأحداثه عصيبة على قريتنا وباقي القرى والمدن الفلسطينية حيث أطنب الاسرائيليون في فرض حصارات مناطقية على كل قرية ومدينة بعد تهجير الكثير من سكانها كما تعلم.

كان طليعة الشباب المتعلم الطامح في السفر الى الخارج لاستكمال تحصيله العلمي ، فاصطدمت رغبته الجامحة تلك بحواجز لا سبيل الى تجاوزها الا بمعونة كبير القرية الثري والمتعاون مع الانجليز ومن ثم الاسرائيليين على التتابع. تمت الصفقة قبل استلامه الإذن بالخروج الى الولايات المتحدة ، فيما التزم والدي بالزواج من سعاد وعليه تكفل الحاج موسى بتقديم كل عون مادي ومعنوي ، ومع عدم رغبة والدي بالاقتران بها الا أنه قايض عدم الرغبة بسعادته الزوجية المنتظرة من أجل شهادته الجامعية.

خرجت الى الدنيا في ذاك الجو الاسري الكئيب حيث فتور المشاعر يظلل متعلماً يملك من الوسامة وزرقة العينين وشقار الشعر وبياض البشرة ما يجعله يتفوّق على كثير من أقرانه الامريكان . وأم تشكل عبئاً شعورياً وكابوساً متحركاً يربض في كل أنحاء البيت. هكذا تشكلت عندي قناعات طفولية تعتمد على النقص الرهيب في تلك الحميمية التي ينتظرها الطفل من والديه . ومما يزيد الطين بلة العنف الكلامي المفاجىء ، يأخذ بناصية العلاقة الزوجية في أوقات الليل والعتمة ، حيث أشعر كل مرة أن أركان شقتنا الصغيرة في الطابق الثاني من عمارة "ليبرمان" ترتج من أقصاها لأقصاها . كان يبدو على أبي أنه دائم البحث عن مبرر كي يطيح بهيئة أمي ويحقرها ويعنفها كأنها جارية تعمل لدى سيد ثري ، ليس الذي يدين بمعاشه وسفره الى أموال والدتي .

كانت تعرف بحكم العادة الأوقات المفضلة له لشرب قهوته السمراء العسملية . الويل لها ان هي لم تحسن صنعها حسب مقاييس ذوقه . ينهرها موبخاً :

- لو عشنا مع حمارة الحاج ابراهيم كل هذه المدة لتعلمت صنع القهوة أفضل منك يا سعاد ! تعلمي يا ابنة الابالسة أنك لعنة حلت على رأسي من السماء !

لم تكن منكسرة ولا شعرت يوماً أنها ضعيفة أمام تحقيره. كانت ترد الصاع صاعين لقناعتها المسبقة أنه لن يجرؤ على تطليقها أو حتى إرسالها في زيارة طويلة الى قريتنا . كان يخاف غضب الحاج موسى صاحب الهيبة والمهابة . لهذا كانت ترد :

- اسمع يا "أبو بنورة" وحياة لحية والدك الزرقا لتدفع الثمن غالي على وقاحتك معي.. إنسيت مين أنا يا ابن قدحي ورغيفي ؟

كان كلامها جارحاً . تعايره بفقره وتنال من نشأته الأسرية المتواضعة . كنت أقف خلف الباب أرتجف خوفاً من حركات يده العصبية وجحوظ عينيه .

تهدأ العاصفة ويصمتان كأن كلاً منهما يبدأ حواراً داخلياً يزن فيه الخسائر والأرباح أو ثقل الماضي ومخاوف المستقبل ، ثم تذهب الى المطبخ وهي تتظاهر بتنظيف الأطباق ، ويرمي والدي بجسده مستلقياً على سرير مفرد وضعه في غرفة دراسته . أرمقه يشعل سيجارة يلتهمها بنهم لم يتعود عليه ثم يطفئها على عجل وعصبية فتبقى مشتعلة رغم انكسار متنها وتعفرها برماد السجائر.

يهم فجأة ، يقطع الصالون باتجاه الباب الرئيسي ، يفتحه ثم ينثني يمنة موجهاً كلامه لوالدتي وبصوت لا يخلو من نبرة هادئة وجافة :

- عايزين أغراض للبيت ؟

تبقى على صمتها منكبة على أطباقها كأنها لم تستطع بعد تدجين كبريائها كي يتلاءم مع قساوة الرجل الشرقي واستبداده المعهود . يطرق الباب خلفه بقوة محسوبة تخلو من الرفق العادي لكنها ليست لينة بما فيه الكفاية حتى أطمئن أن الأمور مضت وعادت الى طبيعتها العادية كما بين الأزواج .

تخرج من المطبخ وهي تخاطب نفسها : كل عيلتهم مشاكسة ، رعناء ومتجبرة كأنهم ليسوا أولاد ابراهيم أبو بنورة الحافي . الله يهدّ حيلك يا ناجي عَ اللّي بتسوي فيّ !

قطعت على "عايدة" قصة والدتها وبادرتها بسؤال أثار فضولي عن أبي بنورة.. ابراهيم الحافي .. من هو ؟؟

كان الحاج ابراهيم .. جدي لأبي يُكنى بأبي بنورة فقد كان شغوفاً باللعب بالجلة أي روث الغنم .. يمضي نهاره وجزءاً من ليله يلعب الجلة .. لا يكل ولا يتعب .. والغريب وربما العجيب أنه كان يمارس اللعبة حافياً علامة على استعداده المطلق لمنازلة أقرانه الذين كانوا يتسابقون فيما بينهم لمشاركته اللعبة .

لكنه يفتخر ويفاخر أقرانه من شيوخ بلدنا أنه الوحيد الذي استطاع احضار عروسه " زريفة " من عمواس الى قريتنا على هودج رفقة خمسة من خيالة الانكشارية ذائعي الصيت . كانت قريتنا مهداً للجندرمة العثمانية ويعتبروننا من محاسيبهم . علاقات وطيدة جمعتنا مع جيش العسملي الذي رافقناه أصلاً من موطننا الأصلي في شكودرا الى الأرض المقدسة حتى ننال من بركاتها .

أهل قريتنا يشكلون عائلة كبيرة تعود في صلبها الى رجل وامرأة . مع مرور الزمن تشكلت في القرية أربع عائلات تحمل أسماء أربعة من الأخوة الأشقاء.

تنحدر أمي من أسرة عيسى وأبي من أسرة ابراهيم وهاتان الأسرتان تشكلان أفخاذ العائلة ، يقدر عددها بثلاثة الآف فرد. وبسبب شعور الأسر الأربعة بالغربة العرقية في منطقة القدس العربية قرر الأجداد منذ زمن بعيد تبني سياسة الزواج الداخلي حتى يحفظوا للعائلة هويتها البلقانية الأصلية رغم اعتدادهم بهويتهم العربية ثقافياً والاسلامية دينياً .

كنت مأخوذاً أيامها بتلك الأسطورة التاريخية التي أثارها اهتمامك بالكشف التاريخي لأصول العائلة ، وتفجرت في داخلي اهتمامات ثقافية تاريخية عن مدى التحولات القديمة التي شهدتها المنطقة العربية بأسرها التي كانت يوماً جزءاً من خلافة اسلامية مترامية الأطراف يؤطرها الدين بشموليته وتؤثثها وحدة الثقافة الاسلامية بعمقها .

وقتها لم أكن أعرف قبل ذاك التاريخ أنك تعودين بأصولك العرقية الى جنس غير عربي لكنه بالتأكيد مسلم .

تذكرين كم مرة تبادلنا الحديث حول امكانية القيام بزيارة الى القرية وكنا نعرف عدم جوازها بصحبتك . لهذا أشرت على نفسي باهتبال الفرصة لمد يد الصداقة الى "أبو مصطفى" كي يكون همزة الوصل ، من حيث لا يعلم ، بيني وبينك.

قلت :

- أتعلم ! أبو مصطفى من نفس أسرتنا وتجمعني مع زوجته وبناته علاقة قوية من القرابة و الصداقة . إنه عمّي وصديق والدي ويماثله في العمر لكن والدي اختار العلم وهو اختار مهنة التجارة وسياقة الشاحنات .

سألتُكِ :

- لماذا أراك مسكونة بشكل غريب بالعلاقة العرقية والاجتماعية لأهل قريتكم ؟ هل ما زلتم تشعرون بالغربة بعد مضى مئات السنين على سكنكم في المنطقة ؟

أجبتِ :

- القضية أكثر عمقاً .. لدى الحمائل العربية فيض لا يُجارى من هذه العصبية التي لم يستطع دين الاسلام تثقيفها أو حتى صقلها بشكل جوهري . ربما لا يرضي حديثي رجال الدين لكنها الحقيقة المرة التي تعاني منها عائلتي الكبيرة تحديداً أكثر من غيرها من العائلات العربية الأخرى . فالظرف التاريخي للعائلة حتّم علينا التزاوج الداخلي كي لا تذوب لحمتنا العرقية الداخلية . ودفعنا للقوقعة العرقية ثمناً باهظاً تجلى في أعداد كثيرة من أطفال معاقين بسبب تكرار التزاوج الداخلي . في المدة الأخيرة فطن كبار العائلة لهذه الحقيقة الوراثية فسمحوا بالتزاوج الخارجي مع الشباب العربي ! هكذا نفقد هويتنا العرقية كما حصل وفقدنا هويتنا اللغوية في يوم من أيام التاريخ .

كان تعليقي على كل ما ذكرت أنني لست عالماً اجتماعياً يرصد تحولات الاعراق والأجناس بل كوني أكثر من زميل لك أيام دراستنا في الجامعة العبرية وبسبب اهتمامي الأكيد بك وعدم مقدرتي على لجم هواك وجدت نفسي أغذ الخطى ليلاً وفي كل المسارات الممكنة للتعرف عليك أكثر من خلال التنقيب عن خلفيتك الاجتماعية.

حبي لجزئك كان الأصل المحرك لشغفي في التعرف على العائلة تاريخاً وأفراداً وسلوكاً وعادات. فلا تلوميني حلوتي على حشر أنفي في كل تفصيلة من تفصيلات تاريخك الشخصي والأسري . هكذا يفعل المحبون وهم يرسمون قدرهم على أرض الواقع فكل وجه أراه عند مروري بقريتك الوادعة يشفي غليلي ويجتث من أعماقي زمن الغياب الذي يحتل ذاتي عن غير رغبة أو ارادة .

ثم أضفتِ :

- سأزيدك قولاً وخبراً لتزداد معرفة بأهلي ، هم أهلك أيضاً على اعتبار أن النقائض تتماثل في الأغلب الأعم . قال جدي الحاج "موسى" سأخبرك صغيرتي كيف ينظر الآخرون الينا في هذه الأيام :

- ذهبت يوماً الى الضفة الغربية بعد حرب عام 1948م مباشرة لزيارة الأهل الذين تبقى قسم منهم هناك .

اتفقنا بعد انتهاء الزيارة على زيارة باقي أفراد العائلة في الأردن من أجل تقوية عرى القرابة بين أفراد العائلة المشتتين . سألني شرطي أردني علم أنني من " العثمانية " ، قال :

- أنت الحاج موسى ؟

- نعم أنا!

- كيف حال ربعكم في العثمانية ؟

- بخير وعافية .

أضاف متسائلاً بعد أن أشاح بوجهه عني برهة من الوقت :

- أنتم أهل العثمانية .. يا خسارة ! بعتم أنفسكم لليهود ! .. نعم الأجداد وبئس ما نسلوا !

ثم استطردتِ قائلة :

- منذ تلك الحادثة اللئيمة قرر جدي الحاج موسى وهو بالمناسبة لم يؤد فريضة الحاج في حياته – أن يضع يده في يد اليهود ويناصرهم على كل من يعاديهم !!

تبعه معظم وجهاء القرية وأمسينا جيباً عرقياً مختلفاً عن باقي القرى العربية المحيطة التي هُجّرت أو هرب أهلها بعيد مذبحة دير ياسين. ورغم أن قلة قليلة من شباب قريتنا سبقوا الحاج موسى في إعطاء كلمة شرف للسلطة الاسرائيلية الجديدة وقتئذ الا أن أياً منهم لم يبلغ ما بلغه جدي من يد طولى في مهادنة اليهود.

نال والدي درجة الدكتوراة من أمريكا وعاد الى القرية في بداية الستينات.كان شعوراً اجتماعياً عارماً يملؤني زهواً بأنني حفيدة الحاج موسى أكثر من كوني ابنة الدكتور العائد .

نمطية جدي تختلف أيما اختلاف عن كل المتنفذين في أرجاء البلاد في كونه ليس عميلاً اسرائيلياً بقدر ما هو شخصية عرقية تقود موقفاً جماعياً لقرية عربية مسلمة تتجرأ على الاعلان التدريجي عن تخليها عن استحقاقات عروبتها أو حتى اسلاميتها كي تتلاءم في حركتها اليومية مع عقلية السلطة الجديدة . التحول يرضي غرور الحاكم الاسرائيلي العسكري للمنطقة ويعتبره انجازاً فوق عسكري حيث تتقبل قرية الوضعية السياسية الجديدة وتحيل كل ثوابتها الى ماضٍ مندثر . وللتدليل على هذا الانقلاب المفاجىء عمد شباب القرية الى اغلاق المسجد الوحيد في القرية قرابة الثلاثة عقود من الزمن.

نشأت في قرية لا ترفع الآذان خمس مرات في اليوم حفاظاً على مشاعر اليهود الجدد الذين بدأوا في الاستيطان على مقربة من القرية . وأصبحت عادة الصلاة مثلاً طقساً فردياً يقتصر أداؤه على بعض المسنّين والمسنّات الذين بقوا على دينهم وحافظوا على شعائر الدين لكن بصمت هو أقرب الى الموافقة على الوضع الجديد منه الى الاعلان عن استمرار انتمائهم القديم .

أستأذنتك هنيهة كي أرفع سؤالاً أو سؤالين حول مشاعرك كفتاة أمضت طفولتها المبكرة وعادت الى قريتها أثناء التحول الجذري لهوية القرية وأهلها ، لكنك رفضت التوقف معتذرة وواصلت الحديث كأنك تريدين عرض المشهد التراجيدي بكامل فصوله .

- الواقع السياسي الجديد يغاير – رغم التماثل في بعض جوانبه – حياتي في الولايات المتحدة . هناك أتنقل كل يوم بل كل ساعة ولحظة بين قطبي لغة : لغة البيت العربية ولغة المدرسة والحياة بنمطها الجاف الذي يحفر في النفس جراحاً غائرة من غربة النفس والبيت والهوية .

كنت مثل سمكة تحيا وتعيش بنوعين من الخياشيم حتى لا أفقد توازني في بحر تتقاسمه موجتان من ماء فرات وأخرى من ماء أجاج .

عدنا الى قريتنا ، وليتني لم أعد البتة ، فرحت أول الأمر بدفء الجو الأسري والعائلي ولكن سرعان ما تبدت لي حقيقة الواقع المعاش هنا . وكانت دهشتي أنني استبدلت بلوى حياة ببلوى هوية أكثر سلبية وتعج بخيبات لا نهاية لها . هنا ألفت نفسي في صراع عميق بين دوائر ثلاث متنافرة لا تلتقي الا في السطحي من الأمور : رفضتني دائرة المعايشة اليهودية على افتراض أنني عربية تتماهى بقسمات وزي أوروبي وربما يهودي .

وجدت نفسي رافضة ، كما هو حال باقي أفراد عائلتي ، لتطبيع العلاقة الاجتماعية أو حتى الانسانية مع الدائرة العربية التي ترى فينا مرتدين خرجوا على الاجماع العربي وقبلوا بالآخر دون تحفظ . أما الخيار الثالث ذو النكهة الجهنمية فهو الدائرة العائلية العرقية التي تصر على التقوقع والانكفاء تحت شعار الحفاظ على الهوية العرقية.استبدلت جحيماً بجحيم ! وحرباً ضروساً بحرب أخرى أكثر شراسة .

أتعرف الآن لماذا أصر على هواك والتمسك بك والبحث عنك في ثنايا النفس والذاكرة رغم أني لن أكون لك زوجة أو تكون زوجاً لي ؟؟

في داخلي تحيا ثلاثة تواريخ وثلاث ثقافات وثلاث ذاكرات متنافرة من مبدئها وحتى منتهاها. أنطق بثلاث لغات هي الانجليزية والعربية والعبرية . اللغة ذاكرة موجهة للفكر والسلوك ، وتجاهلنا لهذه الحقيقة تحت شعار الأخلاق أو أمن الفكر القومي لا يلغي كينونتنا الفاعلة المنفعلة . كيف لي التوفيق بين ثقافة أمريكية تمتاز بالعالمية والشمولية ولغتي العربية الأم التي تفرض علي ثوابتها وقداستها ومنظومتها الأخلاقية ؟ كيف لي تسوية الصراع القائم بين العبرية صاحبة السيادة على مقدرات حياتي واهتماماتي اليومية وبين العربية التي ينغرس صداها كأنه أذان مستديم يحفز وجداني ويشعله شوقاً وحنيناً للماضي الذهبي الذي يساكنني كأنه طفل لقيط لا أستطيع الخلاص منه.

تلبسني الذاكرة الأمريكية كطفولتي بقدها وقديدها ، بشوكها ووردها ، ببراءتها وشوائبها . ألم تخاطبني بالانجليزية عند لقائنا الأول على مقاعد الدرس في الجامعة العبرية . يومها لم تفطن أني عربية ولم يخطر لك ببال أن الفتاة التي تجالسها ابنة التاريخ المشترك لكلينا ! وأنها عسملية من أخمص قدمها حتى أعلى شعرة في رأسها .

عرفت مؤخراً أني أجيد العبرية وأن دخولي لكل المؤسسات اليهودية لا يستدعي الشك أو ابراز هويتي الشخصية ! فهم مثلك ، عزيزي ، يسيئون فهمي والحكم عليّ . لكني أعرف من أنا وأرفض التخفي بزي دون الآخر أو لغة دون الأخرى . أرفضك مرة ثانية وثالثة ، فاني أحبك كقدري الذي لا مناص منه . وأرفض الزواج منك لا لأنك متزوج بل لأن الزواج الذي أحلم به مطواع مرن يتسع لكل تواريخي المتعددة وذاكرتي المتنوعة أو حتى المتناقضة ! سأفصله على مقياسي كي يستجيب لكل الاشكاليات التي اختزنها كأنها توائم ثلاثة تقتات على مخزون ذاتي وجمالي وحلمي .

هذه الاسباب في محصلتها دفعتني لطلب الطلاق من "رباح" خطيبي الأول . شعرت بعد وقت قصير من خطبتنا أنه لا يرضي غروري ولا يستجيب لكل متطلبات هويتي المرنة . كان يطلبني فلا يجدني وعندما كنت أبحث عنه في ثنايا نفسي وذاكرتي كنت بالكاد أتحسسه أو أشعر بوجوده .

أحلم برجل له وجود في حياتي وحضور خارجها . الأمر متعذر كما تعلم ! وسأوصف بأنني لعوب تهوى تعدد الأزواج ! الحقيقة عكس ذلك ، أريده زوجاً متعدداً بجسد واحد لاشباع غرائزي وحضوراً فائقاً يتلبسني كما يتلبسني كل الماضي المتعدد ! لم أجد في "رباح" خاصية الحضور الطاغي فطلقته وأبقيت على "نبيل" حاضراً داخلي في انتظار فارس الأحلام الذي يفترض أنه مرن ويستجيب لكل استحقاقات الحياة المعاصرة في افراطها وتفريطها ، رحابتها وضيقها . زوج على مقاسي وحدي ، أصوغه على هيئتي . حتى لو اتهمت بأنني متجبرة وطاغية ، فأنا الضحية التاريخية لتقلب زمن الهويات ولن أعود القهقرى سلعة لسلطة الزمن وأعوانه المتنفذين أصحاب الثروة والعمالة والجاه . بادرتك بالسؤال ، وهل " عوني " هو المقصود من فلسفة التحول والاختيار ؟ وماذا لو رفض الرجل المسكين دور الزوج المستعار يقبل منك بالجسد فقط دون الهوى والذاكرة ؟؟

أجبت بشيء من الاسترسال :

- رفضت "رباح" لأنه يريد اسكاني في مدينة " جنين" ، هذه مدينة فلسطينية خالصة تفتقر الى صدى الماضي الثلاثي الذي أحياه ولا يزايلني . ورغم اشفاقي عليه لما تسببت له من ألم وخيبة أمل الا أني مصرة على هذا الرفض الذي لا عودة عنه .

أما عوني المحامي فهو إطار اجتماعي لا بد منه رغماً عن كل مفارقة.انه مؤسستي الاجتماعية الأسرية التي أتوقعها كفتاة تحلم بزواج فضفاض وزوج مرن يتسع علمه في القانون لأحلامي الأفقية ذات الامتدادات المتعددة ، فالحياة لا يضبطها ضابط واحد،أو ثابت وحيد فهي كنفسي ذات الهوى المحلق أبداً لكنها محكومة باستيحاء عربي .

كانت نهاية قصتنا على نحو ما اذكر الآن من مفارقة مفجعة لم أرغب يوماً من أيام هواك للوقوف على أطلالها الجميلة . كم تحاشيت الولوج في خانة الخيار الصعب : هل أعيد الآن تشكيل حلم دفعت فيما مضى من سنين فاتورته ؟ كيف أصوغ قافية هوى يعايشني حتى اللحظة . وجعبتي خالية من سهام أدافع بها عن ذكرك من جهامة المكان والزمان ؟

أذكر الآن وأنا أستشرف سياحاتي في العثمانية وجوارها من أمكنة كم كان جميلاً هذا المقهى ! كم هو موحش الآن بعد عشرين عاماً من رحيلنا عنه كل في حال سبيله . نافذته كانت عيوننا الأربع ، نطل من خلالها على نفسينا وحبّنا ومستقبلنا !

لم تعد النافذة عيناً للهوى ، أمست مكاناً لغير حبيبين يجلسان قبالتي ، تلقي الفتاة أسئلة عن سرّ تشبثي بالمكان المطل على شارع صلاح الدين . لكن أياً من تساؤلاتها لم تعد تستهويني أو تزعجني : أقف محني الجسم ، مثني الذاكرة ، لصيقاً لنافذة هي كل ما تبقّى لي من ماض أعشقه وحاضر لا أرغب في الإجابة على أسئلته الموجعة .

أعود بعد هنيهة الى مسقط رأسي بلا رأس أو ذاكرة . ربما أمسيت جثة تنطق بغير حلمها الذي كان على مدار عشرين عاماً ، فالأيام تمرّ مرّ السحاب ، وما كان يشغل البال سجلته في كتاب . الآن أفطن بشيء من الخجل أنني أصبحت "جدّاً" وأن أحفادي سيقرأون ذات يوم أني كنت متيماً بامرأة على هيئة وطن ، يتشكّل على نحو قلادة ، فقدتها في طرفة عين !

سأقول لهم أو لبعضهم ممن تستهويهم قصتي :

- لم أكن متيّماً ! كنت يتيماً اكتوى بلظى نار وهو يحسبها نوراً ! إعذروني !

وقد يروق لأحدهم القول :

- أين جدّتي ؟ لم تعيش وحيداً مع غيرها ؟

أصمت لعلّي أسكت في داخلي صوتاً عذّبني ندماً دهراً انقضى !






تعليقات حول هذه المقاله
العنوانالكاتبوقت الإضافه

تصويت
ما رأيك بالموقع ؟
ممتاز
جيد
مقبول
سيء
نتائج التصويت

حجة بالوان العصر


لوحاتي




كتاباتي

غزل الذاكرة
زمن المرايا
وطن العنقاء
كثبان الذهب الأسود
أبو علي إياد
تأملات مصطفى صبري
الأولاد والشمس
إنشطار الذات
معركة النفق
مكانة القدس
جدار الفصل العنصري
وطني ليس حقيبة
إمبراطورية النفايات
قراءات أمنية
امرأة لا تغار
صراع لا يموت
أصحاب الملايين
صوت الذاكرة


الساعة

صدر حديثا


 
Qalqilia NetWork