إبحث عن:    
القائمة الرئيسيه
صفحة البداية
القصة القصيرة
القصص والروايات
دراسات و ابحاث
المقالات والترجمات
الكاتب يوسف العيلة
معرض الصور
شاركنا رأيك
English Site

تسجيل الدخول
إسم المستخدم:

كلمة المرور:


تسجيل
هل نسيت كلمة المرور

المقالات الأكثر قرائة
1 من الممات إلى البعث .... نظرة إسلامية تقليدية
2 تأملات - الفصل الخامس : موروثات
3 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المصادر والمراجع)
4 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المقدمة)
5 الإسلام دين الفطرة الإنسانية

الكاتب يوسف العيلة


جديد الروايات

 

صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في رام الله دراسة بحثية بعنوان " لسانيات الخطاب الشعري المعاصر ، ليليان بشارة - منصور نمرذجاً " للروائي يوسف العيلة . تضئ الدراسة بعضاً من واقع اللغة العربية في الداخل الفلسطيني . ويقع هذا الإصدار في مئة وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، وهو السابع عشر في سلسلة إصدارات يوسف العيلة النقدية والروائية .


قراءة المقاله



غزل الذاكرة - الفصل الثالث
كتبت بواسطة: يوسف العيلة - el 10/04/2005 - 1235 زوار        


جئت بعد رحلة مخاض وعلى قسماتي صرختان تدلان على مولدي الطبيعي كما هو حال أطفال الحياة ، يصرخون معلنين أنهم وصلوا للتو.

أتتني صدمة الميلاد كي تثني على صرختي الاولى ، تكتمل الصرختان مع صداهما المجلجل في أعماق صدر الأم المنهكة والوالد الذي أعياه طول الانتظار . عام ميلادي شهد فقراً انعدمت فيه أساسيات الحياة على بساطتها لأهل بلدتي الحدودية . والدي الفلاح ، ذو الكفّين الخشنتين ، احتفل بمقدمي وكأنني جئت أبشر بميلاد جديد له ولأبناء العائلة ، ذاقوا طعم قلة الأبناء جراء موت "أحمد" و "ناصر" ورحيل عمي صالح ، وهزيمتهم السياسية الأخيرة على يد أبناء العم الذين نجحوا في اقامة خيمتهم الزرقاء على طول الجزء الفلسطيني من البحر المتوسط.

رافق ميلادي ، اذن، قيامة سياسية لا تبشر بخير لأمتي ولا لشعبي ، لكني رغم كل شيء جئت ، غير مبال بما يحف بمقدمي من مخاطر جاءت هي الأخرى لتوها من رحم حرب كبرى . ورغم التعاكس بين مقدم الخاص والعام الا أن أحداً لم يكن يعبأ بالمعنى السياسي الذي يلف أفق المنطقة بأسرها . الناس هناك لا يؤخذون الا بالمعنى الاجتماعي المباشر المتصل بمقدمي رغم النكوص العام لأفق أمتي، كونها ما زالت تغط في غيبوبة معتمة أشبه ما تكون بتلك التي غادرتها في الخمسينيات من هذا القرن.

علقتِ على كلامي حينها قائلة :

- هبة من الله لأسرة عانت من نقص الأولاد ولشعب يعاني من فقدان وطن ! أليس كذلك؟

- نعم ! على الأقل ما أستشعره على الصعيد الذاتي.

ثم أضفت ونحن نهم بدخول مغارة سليمان كأننا نعيد اكتشاف رحم القدس :

- لعله وهم الكتابة ، تغرينا بغوايتها وعفويتها أثناء معايشتنا لهذا الوهم الجميل! وهم يجعلنا نمتليء ونتوهج ومن ثم نحيل كل احساساتنا الى عالم يختلط فيه الخيالي بالواقعي ! نحملق في هذه المغارة ، هل توحي العتمة أو الغموض بشيء للزائر العادي ؟ يلقي نظرة فضولية ، ينثني قافلاً بلا تفاعل يذكر.

الكاتب يرى ما لا يراه العادي ، هو الفرق بين الحدث العادي والاستثنائي . في الأول نمارس الحدث ونتعود عليه بآلية تخلو من الدهشة والمتعة ، في الثاني نعيد خلقه ونتحكم في مصائر رجاله كأننا آلهة تخلق على هيئتها أو مقاسها . انها مأساة الانسان العادي ، يحيا ويموت بلا بصمات وكأنه لم يولد.

أجبت وكأن موضوعة شائقة أخذت بناصية قلبك الخافق :

- طفولتي في أمريكا غير عادية ، أجزم أنها استثنائية ، كانت خلواً من الدهشة أو المتعة . الغربة قتلت في داخلي براءة الطفولة ، انها انسان متوحش يلد في داخلنا ونود الخلاص منه فيبقى معلقاً كالغول من شدقيه المرعبتين ! إنها كائن اسطوري يحيل المألوف الى مخلوق كريه الخلقة ، نحاول تدجينه لكنه يستعصي على محاولاتنا.

شعرت أنكِ تتحدثين عني وتصفين عمق احساساتي في طفولتي الاولى . ألم أكن يوماً طفلاً شقياً أتسلل الى مقام النبي "أليشع" و أناجي الغياب والفقدان وحتى الأسطورة؟ أخذتني جدتي مرة الى قبر جدي لأبي ، يرقد لصيقاً للجدار الغربي للمقام. شدّ انتباهي تجاور القبر والمقام وكأنهما صنوان لماهية واحدة . لم تكن لدي القدرة على طرح تساؤلات عن تلك المجاورة بين جثمان جدي الذي لم يكن غير شخص عادي ومقام نبي من أنبياء الله : نبي توفر على حقيقة الانسان والكون والحياة.

شيء من سؤال غامض بقي يرهص في داخلي كلبنة أولى من بناء يستطيل ويرتفع ثم يكتمل على شكل منظومة من أسئلة وأجوبة لم أجد لها حلاً حتى اللحظة.

مقام داخل غرفة لها قبة بيضاوية ، تحيط به أشواك جبلية في غاية القساوة والتنوع. في الصيف تشكل حرساً طبيعياً يجعل الفضوليين مثلي يترددون كثيراً قبل ولوجه . تلك الأشواك توحي لطفل ساذج أتقمصه بأسباب ومسببات لا حصر لها لتحلق الشوك الجارح حول المقام المقدس. أسئلة أكثر عمقاً وغموضاً ترتسم في ذاكرتي وعلى كل حجارة المقام ، بدت دائماً كأنها جماجم آدمية متراصة، نافرة بعضها فوق بعض.

خطرت في بالي يوماً فكرة لم أجرؤ على قولها لجدتي ، ذات القسمات الصارمة ، وصاحبة الرائحة الحجازية المعتقة . الحناء الحجازي والبعيثران النجدي يلف قامتها ويعشعش في ثنايا هدمتها البيضاء الملساء . سألتها وأنا أقف على مسافة أبعد من محيط عصاها المصفرة العكفاء :

- جدتي ! لماذا دفن جثمان جدي بجانب المقام ؟ بودي أن أكمل ما لدي من أسئلة : هل كان صالحاً أم طالحاً؟ وهل هناك مغزى اجتماعي من دفنه في تلك البقعة اللصيقة لروح نبي؟ لم أجرؤ فعصاها كانت تربض بالمرصاد لأحفادها الأشقياء وأنا أحدهم! قالت وهي مقطّبة الحاجبين وكأن الابتسامة لم تعلُ جبينها يوماً منذ وفاة جدي أو مقتل أخيها "حسين" على يد الجنود الانجليز .

كان البحث عن مصير عمّي المجهول يتملّكني بين الفينة والأخرى ، وكانت جدّتي الشاهد الوحيد الحيّ على قصة رحيله عن الخربة . قالت لي ذات يوم :

- أصرّ على الرحيل عن الخربة ، لم تجد محاولاتي نفعاً في إقناعه بالبقاء فيها وهو المطارد من "أبو جميز" وجماعته ، كانوا يداهمون المكان في أوقات مختلفة بحثاً عنه ، يتهمونه بإخفاء بنادق عسملية وأن عليه تسليمها لمستر كوك .

في صبيحة يوم أحد رأيته يقف مع والده على باب سقيفة أمه المرحومة "صالحة" ، متجهّماً والدمع في عينيه . شعرت أنه على أهبة السفر ولكن الى أين ؟؟ أقبل عليّ . انحنى قليلاً وقبّل أخواته الخمس وأخاه الصغير . أوصاه جدّك بأن يهجع في النهار ويسير في الليل تحاشياً لعيون الانجليز الذين ينتشرون في المنطقة .

سألتها :

- أين رحل ؟

- الى بلاد حوران . لا أعرف وجهته بالضبط ! أخذ بارودته ، أخفاها تحت إبطه الأيسر وارتدى معطفه الطويل ، ناولته رغيفين طابون وقرصين من الجبنة ، ثم وضع شبابته في جيبه الأيمن ورحل باتجاه الشمال الشرقي ، شاهدته يتوقّف قليلاً عند خرّوبة المناطير وبعدها اختفى . لم ينم جدّك ليلة الاثنين تلك ، قضاها في السهر والبكاء على رحيل ولده الشاب . صرخت في وجهها غاضباً :

- لماذا تركته يرحل ؟ لو كان ابنك لما سكتّ على فراقه ، لكنه ابن ضرّتك !! مش هيك ؟؟

يومها بصقت جدّتي نحو وجهي ، كان بإمكانها تسديد البصقة في جبيني مباشرة لقربي منها ، لكنها لم تفعل ! ثم استطردت قائلة :

- غاب خمس سنوات وعاد بعد وفاة جدّك بشهرين كأنه علم بخبر رحيله الى الآخرة . جاءنا من غير سلاح أو شبابة ! رحّبت به وحمدت الله على إيابه سالماً لكنه قاطعني بشيء من الخشونة :

- أنا راجع يا خالة . راجع لخطيبتي الزعبية . الى بلاد حوران !

- جيت لزيارتنا وتعود ! خلّيك عند خواتك !

- جئت أزوركم ولقيتكم بخير وعافية ! بدّي كمان آخذ الأمانة يا خالة! ثم اضافت:

- جدّك اوصاني قبل وفاته بإعادة قلادة المرحومة "أم صالح" الى ولدها ان عاد من حوران . كانت مركونة في طاقة خلف خابية القمح ، بقيت في مكانها أكثر من خمس سنين . سلّمته الأمانة ثم قضى في زيارتنا ثلاثة أيام أخرى قبل أن يرحل ثانية الى حوران . لا أعرف إن كان عمّي أصبح أردنياً أم سورياً ، فمنطقة حوران تتقاسمها دولتان وربما ثلاث !

مرّت سبعة عقود أو أكثر على الحادثة ، حاول خلالها والدي تنفيذ وصية جدّي في البحث عنه لكنه لم يصب النجاح . كيف يعود الى أرضه في "جدر البلد" أو "منازل القمح" ؟ لن يجد أبناؤه ، إن هم عادوا ، اسمه مسجلاً في دوائر المالية أو الطابو !

كيف يعود طريد الخربة وغريب الوطن الى مسقط رأسه ؟ هل يحق له العودة الى تراب أمه بجواز سفر مختلف ؟ وهل يستطيع حق العودة إلغاء واقع سياسي تجذّر على مدى عقود عديدة ، شهدت قيامة دول وممالك لا تعترف له بحقه الطبيعي في العودة التي دونها الموت على أسلاك شائكة ! علقت على حكاية عمي قائلة :

- ما حدث يذكّرني بقصة رحيل جدّي الأكبر عن موطنه الأصلي "شكودرا" ، كان مأخوذاً في حينه بفكرة الرحيل الى الأرض المقدّسة لنيل بركاتها ، تناسى أنه برحيله يفقد دفء الوطن ! كانت مفارقة مأساوية أن يرحل عمّك عن وطن مقدّس ليهرب بجلده من سياط الجلّاد المحتل ! الوجه الآخر للمفارقة ذاتها ان الوطن بقدسيته فارق أذهان الكثيرين من أبنائه الذين بقوا على ترابه !

المأساة الحقيقية تكمن في مواجهة خيارين أحلاهما مرّ كالعلقم: هل يرحل الانسان بجسمه عن وطن مقدّس أم يترك قداسة الوطن تغادر فؤاده وعقله كي يمسي جثة متحرّكة مثل "أبو جميز" ؟ سؤال مزدوج أرى أنه مطروح على الجميع دون استثناء لحظة سقوط الوطن في براثن الأعداء ؟

تمّ تنفيذ وصية جدي في دفنه بالقرب من مقام النبي ، كانت لوصيته رهبة القداسة التي يخشاها الجميع، أو كانوا يرهبون مقام النبي أكثر من احترامهم للوصية!! لكن أحداً من أقربائي لم يعبأ بتنفيذ وصيته الأولى في البحث عن ولده الغائب . ربما كانوا جميعاً مستغرقين في رعاية أبقارهم أو جمع زيتونهم ، لا أدري على وجه الخصوص !

أذكر أني سألتها :

- شو كان النبي ، صاحب المقام ، يشتغل ؟ هل له شلية بقر أم طرش غنم ؟ . صرخت في وجهي بعصبية بعد أن ضاقت ذرعاً بأسئلتي :

- يقصف عمرك يا "نبيل" ما أكبر وأكثر حكيك ! ولك انتا بايع أهلك ومشتري فيهم حكي؟ انصرف من وجهي !

سكت خوفاً لكن صمتي لم يدم طويل وقت ، ذهبت غير مرة الى المقام وحدي أحياناً وتارة مع ابن عمتي "سليم" أو "عدنان" علّني أصادف إجابة لأسئلة لا أجد أحداً يصغي إليّ لسماعها أو الاجابة عليها .

قال "عدنان" الذي يكبرنا بعدة سنوات ويرى في نفسه مسؤولاً عنا ، نرخي له القياد بحكم الواقع والعرف معاً ، أن صلاح الدين الأيوبي أمر ببناء مقامات كثيرة في طول البلاد وعرضها حتى يقوي علاقة أهل البلاد من بدو رّحل بالأرض التي استردها من الصليبيين. وأحدث للمقامات دوراً عسكرياً ودينياً .

كنا ثلاثة "مشائين" نقضي أياماً بكاملها في الخلاء ، نخرج صباحاً ونعود مساءً خلف ماشية بطونها ملآى بالعشب والماء . ربما شعرت ذات يوم أني ممتليء فكراً ومعرفة ، توهّمت حينها امتلاكي لغير جواب مهم لسؤال أهم يتصل بالمفارقات السياسية والاجتماعية التي يعج بها أفق القرية الساكنة . كم مرة تملكني بيت من الشعر لم أجرؤ على إسماعه :

واذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعان وحده والنزالا
حاولت إقناع نفسي بمنطق فلسفتنا عن نصر قادم وواقع سليم وأمل وشيك لا يقبل النقاش أو المساومة ، هي أمور شرعية تشكّل حلماً معقولاً في ذاك الوقت من زمان راكد . لم يكن في محيطنا الخلوي صدى يعزز شكوكي الغامضة وهي تقبع في أسفل درجات وعيي ، كانت نغمة الضحك على النفس مسيطرة ومواجهتها ضرب من التفلسف غير ذي معنى . وجدت في السكوت ، لحظة ثورة الشكّ في داخلي ، خياراً عاقلاً ورؤية فيها من الحكمة شيء وفير .

لم أعبأ بتحليلات ابن عمتي الكبير ، يحاول أن يُبقي على صورة "العالم والفاهم" بالتاريخ له في أذهاننا بصفتنا أولاداً لم نبلغ الحلم بعد . لا أرغب في سماع تحليلات تحيلني الى عالم خارجي موضوعي لا أستشعره ولا أعرف عنه شيئاً . بقيت على شغفي في تلمس الواقع المحسوس ، بكل فيضه الواقعي والاسطوري . ذهبت الى المقام وحدي، لا أخشى وجود الأفاعي السامة حول المقام شبه المهجور.

دفعت باب المقام الخشبي فزعق ونعق . خشيت من صرير عموده الحديدي فتراجعت قليلاً حتى لا أصطدم بروح النبي أو هيئة جدي أو حتى أفعى أستفزها حضوري المفاجىء . انتظرت هنيهة تاركاً المجال وفسحة من زمن كي يخرج الذي له مهابة الصالحين أو عدوانية الأفعى أو حتى ضجر أبناء الخربة من أنفسهم وعزلتهم . هجمت علّي برودة المقام وهدوؤه المريب كأنها جدتي بنعومتها الخطرة . قاطعتني بعبارة فيها من السحر الآخاذ الشيء الكثير . قلتِ :

- ربما تخشى كميناً نصبته لك كما فعلت بعدها في المحطة المركزية بالقدس الغربية!

أدهشتني عبارتك ورجوعك القهقرى الى زمن لم يكن بعد هو زمنك ، ولا المكان بعزلته وهدوئه مكانك المفضل. أجبتك :

- بالتأكيد ! كانت طفولتي يومها فجّة كأنها صورة خلعت من اطارها الذي هو أنت!

بودي في تلك الزيارة طرح سؤالين أو تساؤلين على قبر نبي أو مقام مقدس عن مصير عمي "صالح" ، هجر القرية منذ عقود خلت، وشى به أحدهم للانجليزي على أنه جندي عثماني سابق! وسؤالي الثاني عن العلاقة الخفية الصامتة أستشعرها ولا يعترف بها أحد غيري في الخربة ، جدتي لن تقبل بشرعية أسئلتي ولا تعرف الاجابة عليها أو هكذا تتظاهر عندما أسألها عن اسم القرية التي هاجر اليها في حوران.

علمت ، الحاجة آمنة ، بأمر زياراتي المتكررة فهددتني بالعودة الى البلدة وحرماني من زيارة الخربة ومن رؤية أقاربي فيها ان عاودت زيارة المقام الخطر. قالت لي :

- لا تروح على المقام بعدين روح الجن الساكنين في المغارة بجانب الطريق العام سيخطفونك ويذهبون بك الى بلاد العتمة والشياطين. دير بالك المغارة مسكونة وسكانها يخطفون الأطفال ولا يعيدونهم الى أهلهم. سألتها … خشيت أن يكون كلامها صحيحاً :

- لماذا سكن جدي بجوارهم! هل كان أقوى من شياطين الأرض ؟

غضبت من وقاحتي وقذفت بعصاها نحوي من غير أن تتعمد اصابتي . ثم أردفت قائلة:

- روح النبي في مقامه تحمي الرجال الصالحين ، أما أنت فمن يحميك من كفار الجن والانس؟

أهتز من داخلي لكلامها رغم تظاهري بالتساؤل الرافض أو الشيطنة الجريئة. كنت دائماً أتساءل عن حجتها وأنا أرى أن مسقط رأسي محاطاً بثلاثة مقامات : اثنان ما زالا قائمين وثالث اجتثته جرافات السلطة الاسرائيلية اثر قيامها .

كان في مثل عمري ، أقوى بنية وأكثر خضوعاً لمنطق العرف والعادة رغم أنه يثير بين الفينة والأخرى أسئلة يعجز "عدنان" عن الاجابة عليها . يفاجئنا بسؤاله الكبير : في مساحة من الأرض لا تتعدى عشرين كم2 يوجد ثلاثة مقامات تحمل أسماء عبرية ، ما المغزى من هذه التسميات ؟ لماذا لا نجتث مقامات شمعون ويامين واليشع من أساساتها حتى لا نعطي الذريعة لليهود بأحقيتهم في الأرض؟؟ سؤال كبير تعودت سماعه من آخرين بعده . هؤلاء هم الشياطين ، يستدعون شياطين الانس من اليهود لتهجيرنا واجتثاثنا!

عدت الى قلقيلية من زيارتي الأخيرة لأقربائي حول مقام النبي، كنت حينها مسكوناً بسؤال "سليم" . رغبة جامحة لدي لاثارة السؤال مع والدي لكنه كالعادة أشاح بوجهه عني ، فلاح بسيط لا يجيد القراءة والكتابة ولا يتوفر على معلومة تذكر حول سؤال الهوية والتاريخ . والدتي ، رغم بساطتها وأميتها ، أكثر استعداداً للحديث عن مقام النبي. قالت وبريق عينيها يلمع في الأفق:

- لما كنت حبلى فيك ، ذهبت أنا وعمتك لزيارة المقام . صليت ركعتين داخل المقام ودعوت الله من قلب جريح بأن يرزقني ولداً . يومها نسيت عقدي العسملي بجانب القبر ، خلعته لأداء الصلاة. عندما علم والدك جن جنونه وذهب راكباً حماره الأبيض الى المقام ، لكن لم يجد له أثراً . غضب مني ولم يزل غاضباً حتى يوم ولادتك . كانت الفرحة بك كبيرة أنسته عقد الذهب ، اعتبرنا فقده بمثابة حلاوة قدومك . سألت أمي عن مصير القلادة فقالت :

- طلعت دعاية أن "أبو جميز" هو السارق .

- كيف عرف هذا الخاسي بوجود العقد هناك ؟

- كانت عادته زيارة المقامات كل مساء ، يذهب كل رجل من رجاله الى مقام ويلتقون بعد العشاء لاقتسام التقدمات التي يضعها البسطاء في النهار كي يستجيب الله لدعائهم.

يا الهي كم أشعر بالحرج في مواجهة تفاصيل رواية تشير كل دقائقها أن الجاني هو صنف واحد رغم تعدد حالاته وأزمانه وأسمائه . الهدف واحد مهما تعددت مواصفاته وبياناته . المستفيد هو أيضاً الآخر بكل رموزه وخصوصياته واختلاف أساليبه . كانت تلك نقطة خلاف بيننا قبل افتراقنا أمام المحكمة الشرعية . اجبتني أنك لا تؤمنين بنظرية المؤامرة ! وكنت بدوري مصراً أن مركزية التآمر على القلادة والذات الجمعية أمر غير قابل للجدل ، الذين لا يذهبون مذهبي تعجزهم الحيلة للربط بين تماثل الأحداث في الوطن الواحد وتكرارها المريب مع شيء من الاختلاف في الاسم أو المكان أو الزمان. قلت بشيء من النفور المحبب :

- نظريتك السياسية أو حتى الثقافية تجعل كل شيء مبرمجاً كأننا أمام خشبة مسرح يؤدي عليها الممثلون أدوارهم بدقة متناهية ، نكوص أحدهم عن فقرة من دوره تجعله خائناً للعهد في نظر الآخر.

أجبتك :

- نعم ! بالضبط ! هو ما أؤمن به وأعتقده جازماً !

كيف لي أن أصدق أن سارق قلادة زين النساء وأمي وناهب كوشان أرض القطعات هم الشلة ذاتها وعلى رأسهم زعيمهم النمطي الدور "أبو جميز"! كيف لك أن تصدقيني وأنا أكتب رواية ضياع الهوية والوطن عبر عقود خلت من غير تحديد دقيق للجهة المستفيدة أو وسطاء السوء ، ينطقون بالعربية ويفعلون فعل الأعداء بأهلها في الوقت نفسه .

كبر سؤال الضياع وأسبابه في خاطري ، غذته ارهاصات الاجتماعي في عنفوان مكابرته وتطاوله على الاستحقاق العلمي والحضاري . أعايش بملء حواسي موجة الغياب الذهني لأهل محيطي ، جاهليون حتى النخاع ، فئويون حتى العظم وخرافيون بصورة مقذعة . سؤال ضياع القطعات لم يستحوذ على اهتماماتهم الحقيقية ، فيبقى معلقاً من عقبيه من غير اضاءة جوهرية لأسبابه . كانت سيرة الشاطر "حسن" و "الغول" و "قتيلة" الأموات تسيطر بثقافاتها على عقول الناس ، لم يدر بخلدنا أننا خرجنا من سياق التاريخ وأن تاريخاً مضاداً يحلق في الأفق بدأ لتوه في التجذر خلف خط الهدنة .

ذاكرة أخرى من جنس غريب أخذت في التحوصل والانشاء الثقافي ، لم ننتبه لتطورها وتطاولها على كل عناصر هويتنا . اجتاحتنا الهزائم وبقينا نساكن ذاكرة الماضي، أمسينا لاجئين ولم ندرك عمق النكبة ، كنا كمن يرقب موته ويشارك بمراسم دفنه ، فلا هو حي يرزق ولا هو بالميت .

جاء حزيران ولم نحصد حقولنا ، فاجأنا الحدث رغم أننا ملأنا الدنيا زعيقاً وترحيباً بالحرب. رحبنا بالضيف الثقيل ولم نجد في حوزتنا كسرة خبز نقدمها له ، فذبحنا الزمن على محرابه دون رحمة . لم تعجبك فلسفة الحرب هذه ، واعتقدت منذ طفولتك أن الآخر لا يريد منا سوى التماثل معه وكسر حواجز الرفض.

قلتِ في معرض الاختيار السياسي بين جمال عبدالناصر والسادات : الأول رجل عظيم عاش في زمن عربي متخاذل ، انكسر ولم يجد له مكاناً يليق به بيننا. الثاني أكثر ليبرالية وانفتاحاً على الغرب وثقافته . أرى في جيهان الزوجة مثلاً يحتذى ، انها ليدي ، لها رائحة الحداثة والعصرنة . سألتك بامتعاض:

- أم خالد لا تعجبك … بلدي ! صنف لا ترين نفسك فيه ، أليس كذلك؟

فتحتِ يومها باب الماضي على مصراعيه ، تذكرت الأحلام الجريئة لنا عشية حرب حزيران. ارتسمت الأيام والأسابيع التي سبقت اندلاع الحرب على صفحة الذاكرة من جديد، كأنني أستعيد مشاهدتها بعد أن أثقلها واقع الهزيمة نفياً وتشطيباً .

كنت أيامها طائراً مغرداً في سماء وطن يأتي بعد غياب لم أشهد بدايته ، وطن لم أعرف عنه سوى ذكريات أمي وأبي وأقاربي وهم يسردون بمرارة قل نظيرها كيف اختفى الفردوس من واقعنا ، وانسحبنا خائبين الى دهاليز الذاكرة نختزن لواعج حبنا له ، ونضع بتؤدة وحنان هيئته حفظاً له من الاندثار . تلهج أمي بعبارات الأسى ، أرقبها تكبو بمشاعرها على رمال الكرم . قالت :

- والله العظيم ما في يوم بغيب فيه الكرم عن عيني ! يا ما …يا ما ! ما أحلى تفاحه السكري وبطيخه البلدي ! كنت آكل رغيف طابون مع ثلاث شقحات بطيخ ، أحمر ومرمل وطاقق من نضجه !

يردد والدي في أعقاب حديثها :

- والشمام يا فاطمة ! ناسية الشمام ! كانت ريحته تغري أفاعي الرمل والبحر بالقدوم عن بعد كيلو متر . الشمام مصيدة لقتل الأفاعي .

طبول الحرب تدق في الأثير ، تذكي فينا الماضي وتعدنا بتحقيق الحلم . فعلت الغوغائية الساذجة في اشعال صورة الوطن السليب فينا وأمست صورته حسية مباشرة لا تؤطرها قوة الارادة ولا رحابة العقل . لم يكن الوطن مصدر الهام وهوية ، لقمة عيش نزدردها في المختلف من الظروف ، سواء كنا نحيا في الكرم أو نعيش في المخيم.

أمر الحنين لوطن مفقود سيان لجيلين متتالين : أولهما : جيل أبوة عايش الوطن بحواسه ولم يدركه بعقله ، وثانيهما : جيل بنوة يراه بذاكرته ويبقى طيها كأنه فردوس مفقود . لكنهم جميعاً ينتمون الى وطن مفقود وغير محسوس . أقبلوا على "عبدالناصر" يستنهضون في دواخلهم استحقاقات الوطن الصامت . الرجل من شعب ينتمي الى أمة عربية ، انتماؤه لقاعدة عريضة جعله رمزاً استثنائياً رغم هزيمته الكبرى عام 67. كان مختلفاً ، قال "سليم " بحدة وكأنه يرفض مساواة الرجل مع باقي الزعماء العرب . نهره "عدنان" قائلاً :

- مثل بقيتهم جاء على ظهر دبابة الى الحكم ! لا أحد من شعبه انتخبه ولم تجر انتخابات ديمقراطية أصلاً !

- من قال اننا ، عرب اليوم ، نفهم الديمقراطية ونستطيع تطبيقها على أنفسنا . عبدالناصر زعيم لا نستحقه ، أتى لغير شعب وفي زمن عربي ضيق . رغم هزيمته يبقى نمطاً فريداً من زعماء لا يجود بهم الزمان دائماً. فلاح ، وصل الحكم وبقي وفياً لمبادئه، لم يدع أن نسبه مقدس وينتهي بالرسول أو علي أو حتى ابن الخطاب . أحبه الشعب واحتضنته الأمة لكن بصمت يحتاج الى قراءة عميقة.

ألا تعلم يا سيدي ، أن القمع الحالي يُنسي الشعب رموزه الحقيقيين ! يريد هؤلاء الزعانف أن نبقى دراويش نزور المقابر والمقامات لطلب الرحمة لهم وحمايتهم من عذاب القبر . هل هناك عذاب قبور أكبر من زياراتنا اليومية لمقامات تحمل أسماء مشبوهة ؟ صرخ "عدنان" في وجهه:

- تريد نسف تاريخنا وشلع مقامات أنبيائنا واللهاث وراء عبدالناصر حتى نعبر الحدود ونحرر السهل الأخضر ؟ لن يحدث هذا الأمر ! ما نحن عليه يبقى الأسلم للحفاظ على الهوية والواقع!

- واهم ! واستمرار هذا الحال يعني أننا نفقد الوطن والهوية كل يوم . أي واقع خرافي نعايشه وأي مستقبل ينتظرنا ونحن نقدم النذور والهدايا لمقامات خربة تعشش فيها حيات وعرابيد! من قال أن النبي يامين أو شمعون أو الياس يقف في صفنا ضد موشيه ديان؟ هذه سذاجة وعلينا البدء من جديد للتخلص من الجهل والخرافة في دواخلنا!

- كيف نبدأ من جديد ؟ نواجه حرباً وشيكة تم التخطيط لها بليل بهيم، وقع المسكين في شركها . أجابه "سليم" بعبارة ساخرة :

- عبدالناصر سينتصر في المعركة! دوام الحال من المحال ! التغيير الجذري قادم لا محالة ، هل سنبقى نعايش زمناً راكداً صامتاً والآخرون ينشطون ويتقدمون ؟ النصر قادم ، يا نبيل ، لنزور معاً يافا ، ونسبح في بحرها، نتزوج من شلية يهوديات بدل صحبة شلية البقر في الخربة.

دوختني عبارات الثوري الجديد ، لم أعهد فيه الجرأة ووضوح الفكرة من قبل . كان موقفه يومئذٍ ثورياً بمعناه الاجتماعي قبل السياسي . أكبر فيه ثورته "الفكرية" في وجه عدنان ، العارف العالم ببواطن الأمور فيما مضى من أيام وسنين . استبشرت خيراً بذاك التغيير المتمثل في موقفه وكأنني أرى فيه مقدمة واعدة لتغيير أشمل يفرضه عبدالناصر بجحافل جيشه الجرار حين أغلق لتوه مضائق تيران.

بدأت الحرب في صبيحة يوم صيفي بدا جميلاً في ساعاته الاولى. فرحنا بها وكنت أحدهم، أنام على حلم واعد وأصحو على واقع كأنه جميل . دزتني أختي الكبرى بيسارها . قالت :

- انهض ! ما زلت نائماً والدنيا قايمة قاعدة ؟ بدأوا المعركة على كل الجبهات ، الجيوش العربية تلتحم مع العدو وهم في الطريق الى تل أبيب.

أقعدني الخبر السار هنيهات عن النهوض والانتصاب لمشاركة أفراد الأسرة وأبناء الحارة فرحهم ، يروحون ويجيئون شمالاً وجنوباً ، شرقاً وغرباً ، يحمل بعضهم أجهزة المذياع ، يضعها على أذنه اليمنى ، والباقون يتسامرون ، يلوكون آخر رقم للطائرات الاسرائيلية المصابة بنيران سواعد رجالنا . هم بالتأكيد مثلنا ينتظرون شوقاً للحرب والعودة لتحرير القطعات من المحتل . لم أتناول طعام الفطور ، بقيت بلا حراك كأنني أعود بذاكرتي القهقرى الى أيام خلت كنت فيها أجلس بين ضيوف والدي ، يأتون كل مساء يتسامرون ويتحادثون عن موضوعة "البلاد" السليبة.

أشعلت سيجارة ، بدا الأفق مغبشاً في عيني ، أصابني دوار اللحظة الممتدة بين حاضر وماضٍ كأنهما يندمجان ، فلا أكاد أفرق بينهما . هل صحيح أن القطعات ضاعت وتعود الآن؟ كان ضيوف أبي يفاخرون دائماً أنهم جنود أشاوس ، قاتلوا العدو ، وقتلوا من أفراده العدد الكثير ! كنت أنظر الى والدي وهو يستمع اليهم ويصدقهم . كم من مرة قفز سؤال محير على شفتي لكن خوفي من ردة فعله حالت دون اتمام سؤالي .

كانت من لدني رغبة جارفة لمعرفة أسباب ضياع الوطن ، خصوصاً أن قصصهم تؤكد مراراً أنهم أو أننا كنا منتصرين في كل جولات حربنا مع اليهودي . أحدهم ذات مرة أجابني دون توجيه سؤال اليه ، علم فيما يبدو بسؤالي فأراد اجابتي. هكذا فهمت الأمر ذات يوم من أيام ليالي السهر في ديوانية والدي . قال :

- لولا الانجليز والأمريكان لانتصرنا عليهم ! دعموهم بالرجال والسلاح فانهزمنا أمامهم!

لم أكن أعرف لماذا يقف هؤلاء في صف اولئك ! سرعان ما فسّر "أبو السعيد" سر وقوفهم ضدنا في المعارك السابقة وحتى الحالية . قال وهو يشعل سيجارة هيشي من النوع المعروف لدى كل المدخنين من كبار السن في محيطنا :

- يا عمي اليهود اعموهم بالبنات الحلوات ! كانوا يأتون بالمجندات لكبار ضباط الانجليز . ما في عندهم شرف ولا ناموس ! دفعوا لهم بنات وأخذوا هم بلادنا !

- بيني وبينك بناتهم حلوات وناصلات!

أنهيت سيجارة الصباح ، لم أتعود من قبل تدخين السجائر قبل تناول الفطور. كان ذاك اليوم الحزيراني مختلفاً أيما اختلاف عما سبقه من أيام وعما سيليه من سنين .

كان يوماً أشرقت فيه شمسُ سطوع أضاءت كل خبايا نفوسنا، كشفت عن دهاليز ذاكرة نصف مضاءة بفانوس يعمل على الكاز ذي الرائحة النفاذة . يوماً ليس كباقي أيام الدهر في حلمه الواعد بالتغيير أو الانتصار على المألوف في محيطنا وغير المألوف خلف خط الهدنة . يا لها من اشراقة صباح رائع المزاج ، صافي الذهن ، واسع الأفق ، عريض الصمت لكنه هادىء أكثر من المعتاد . لماذا هذا الصمت المطبق ، يلف أرجاء بلدة حدودية يفترض أنها مشتبكة مع طلائع جنود العدو ؟ ولماذا هذا الانشباك مع ذاكرة نصف مضيئة ؟

كان احساساً مرعباً بعدم الارتياح لما يجري على الجبهات يجتاحني ، أصداء المعركة التي ننتظرها فاجأتني قبل أن نشاهدها بحواسنا المشرئبة شوقاً لمعانقة طلائعهم الظافرة . توالت ساعات النهار هرباً من حساباتنا ورقصاتنا ومكابرتنا ، فأخذت تتوارى عن الأنظار كأنها لا تشاركنا مسيرة تاريخ جديد يتسم بالامتلاء أو الفراغ . سألتني يومها ونحن نجلس تحت شجرة صنوبر مقابل ساحة الجامعة الرئيسة :

- ماذا كان رد فعل جدتك ذات العصا المعكوفة وانتم تتراقصون طرباً بالنصر القادم! جداتنا لا يستهويهن رقص الشباب مع الشابات.

أجبتك باستهجان :

- كان فرحاً غامراً بوطن يعود وذاكرة تنتشي وتحيا من جديد ! غبطة أكبر من تقاليد مجتمع أو أعراف اجتماعية بالية . عادة التدخين عند الشباب مستهجنة أو مرفوضة من قبل الأباء ، لكني وجدت نفسي أمارسها بعلانية لم تأخذ في حساباتها أوامر الأب ، ولا تحفظات مجتمع يقف على مفترق طرق .

ثم أضفت قائلة :

- كنا يومها نسكن العثمانية ، اثر عودتنا من أمريكا . كان لي من العمر ثلاث عشرة سنة. أذكر أن مشاعر مختلفة اجتاحت العائلة ، تباينت ردود فعلنا من الحرب ونتائجها . هل تصدق أن قلة من بيننا نظروا اليها بتفاؤل وايجابية ؟

سألتك بدهشة :

- ألستم عرباً تفرحون لفرحنا ، وتألمون لألمنا ؟

أجبت بدبلوماسية لم أعهدها فيك :

- نعم ! نحن كذلك ، لكنها السياسة ، تفرق بين الأهل أحياناً وتستوجب استحقاقات في المواقف المتباينة !

بُعيد ظهيرة يوم الاثنين الكبير بدأت المدفعية الاسرائيلية تدك بلدتنا في أكثر من موقع . تفرق القوم بأجسادهم وأفكارهم ، لم يعد هاجس العودة غرباً يتملكهم . ألفوا أنفسهم في بحث خجول يدفعهم لتلمس طريقة ما للهروب من هدير المدافع وعوائها الذي استحوذ وجودهم المادي والمعنوي . لطمتهم أصابع الواقع المرتج في كل بقعة من جسومهم المادية والذهنية . أين المفر ؟ العدو أمامنا والصحراء من خلفنا ونحن نرقد في زوايا بيوتنا كأننا عراة حفاة من كل حلم وأمل. قال والدي بعصبية لم أعهدها به من قبل :

- وصلتنا قنابل اليهود لتطرد فرحتنا وتقتل فينا الأمل بوصول جحافل الجيوش العربية! ما دام الأمر على هذا الحال ابحثوا عن مغارة تختبئون فيها ! سأبقى في البيت لحراسته من الغرباء.

منعني والدي من اصطحاب جهاز مذياع من نوع توشيبا ، أحضره قبل سنة من عمان. أراد من استبقائه معه معرفة أخبار المعارك أولاً بأول. أما باقي أفراد الأسرة فيكفيهم فكرة الأمان التي توفرها مغارة رومانية تجثم فاغرة فاها في أرض الحريقة.

رحلنا عن بلدتنا، تركناها خلفنا للوحشة والعتمة والدمار . لم تعد محطة متقدمة في خاصرة العدو بل أمست لقمة سائغة في فم ذئب كاسر كان حتى صباح اليوم الكبير مشروع غنائم نتلقفه بخيالنا السقيم. انقلب حلم التحرير الى واقع مُرّ نهرب منه حفاة عراة الى خطوط خلفية اعتقدناها في منأى عن ذراعه الطولى . بدأنا رحلة الهجرة عن البلد والنفس والحلم.

داعبتني الذاكرة وأنا أصطحب والدتي وأخواتي جهة الخربة ذات المقام المقدس. تذكرت دعاءً ساخطاً لجدي "عبدالحفيظ" وهو يقف خاشعاً بين يدي الله على جبل عرفات ذات يوم من أيام رحلات حجه الكثيرة الى البيت الحرام . همس يومها بصوت عالٍ والدمع يجري من مقلتيه ويبلل لحيته البيضاء الطويلة :

- اللهم اكسر بعظيم قدرتك الطاغية جمال عبدالناصر ! اللهم أخذله كما خذل الشيخ حسن البنا وجماعته المؤمنة .

انتابني شعور موحش من الغربة والندم ، وتساءلت بضعف وانكسار :

- هل استجاب ربي الى دعاء جدي ؟ واذا كان بيننا من صالحين ، لماذا لم يستجب منهم دعاءهم بالنصر على الكافرين ، أعدائه .. أعداء الدين ؟

قطع صراخ أخي الصغير ذي السنوات الأربع عليّ تساؤلي ، وانثنيت أخفف عنه وخز شوكة صبار أطاحت ببطن قدمه اليسرى الناعمة . لم يكن وقتها مجال للراحة والقعود عن طلب مكان آمن ، يقينا شر القذائف المسلطة علينا من اتجاهات ثلاثة . تابعنا رحلة التشرد والمنفى ، وبعيد مغيب شمس الاثنين التعس أمسينا سكان مغارة رومانية لم تطأها قدم انسان منذ العصور الغابرة الا عرضاً .

حول المغارة خلق كثير من رجال ونساء وأطفال يصرخون من عناء السفر الطويل.تذكر كبار السن في ذاك التجمع المفاجىء الموحش عادة قديمة تقضي بفصل الذكور عن الاناث : بقي الرجال حول المغارة تحت أشجار الزيتون يشعلون سجائرهم ويجترون تعب يوم طويل لم يشهدوا مثله قط في تاريخهم . استراحوا من معركة مع أنفسهم بعد أن تيقنوا أن ما حصل نصيب مكتوب وقدر محتوم لا راد له .

أثنت مذيعة محطة لندن ، بالعربية ، على قناعات القوم ، تحاورهم عن بعد بلا صوت أو صدى . كان صوتاً أنثوياً بالغ الأثر والتأثير ، مألوفاً كما أمسينا نألف أصوات مدافعهم وعواء قذائفهم . جاءنا صوت "مديحة المدفعي" بنبرته المهتزة الحزينة قارئاً :

- وصلت القوات الاسرائيلية للتو الى الضفة الشرقية لقناة السويس بعد تراجع القوات المصرية لخط الدفاع الثاني !

صرخ أحد الشباب -من كان به بقية من حلم وحميّة- قائلاً :

محطة لندن كذّابة ! أخبارها سم في دسم ! مش معقول !

أجابه صوت آخر انطلق مراراً قبل ذات اليوم من حنجرة "أبو عبدالله"، الطاعن في السن:

- ذات اللعبة التي كانت عام 48 ! مسرحية قذرة رسم أحداثها وصور شخصياتها مخرج بارع . الممثلون يؤدون أدوارهم بدقة متناهية رغم اختلاف الأسماء والألقاب بين عامي 48 و 67 ! يا لها من لعبة لعينة تغمرنا بمائها الآسن الكريه .

حرب حزيران محطة كبرى خلعنا فيها عن أنفسنا قناع الوهم، وجدنا الوطن إمرأة شوهاء عارية من لبوس الحشمة والحياء وهي تسائلنا عن مصير ولايتنا عنها . ماذا فعلنا بقلادتها؟ ماذا صنعنا بعفتها؟ لم تركناها تتضور ألماً من غياب الوعي ومسؤولية المعرفة ؟ كنت يافعاً ساذجاً ، أكتشف لأول وهلة قدراً بائساً جمعنا بها ، ولم نجتمع حول رأي أو عقيدة لصون عرضها المهتوك . يا الهي كم بدا الوطن قبيحاً في لحظة هزيمة نكراء تلفنا من أخمص أقدامنا حتى أعلى شعرة من رؤوسنا!

لم يعجبك رأيي في حرب حزيران ، تنكرين تلك السوداوية لواقع يهتز ألماً بفعل ضربات من التغيير المفاجىء . قلت بنبرة فيها شيء من نصيحة عفا عليها الزمن:

- الشعوب في التاريخ تذوق طعم الهزيمة ، تنهض من كبوتها ولا تطيل النظر في مسبباتها مثلما نفعل نحن العرب . يبدو أننا لا نملك غير التباكي على وطن فقدناه وكأننا نصرخ علانية أننا نفقده للأبد . أين تفاؤل المثقف ؟ هل يمكن للحدث السياسي أن يفعل بك الأعاجيب، تصبح متشائماً لا ترى في واقعنا ضوءاً للشمس ؟ اني مقتنعة أن هذه الأرض لا تدوم لأحد وأن تقلب أمر السيادة عليها بين الأطراف المتصارعة قدر محتوم . اذاً لم نأخذ الأمور بروح رياضية بعيدة عن شوفينية الهوية وكرزما الولاء ! نبدأ من جديد من غير ذاكرة دامية أو عقل مترنح فالمستقبل أكثر أهمية من الماضي وارهاصاته فينا . ان لم نفعل سيبتلعنا الماضي ونخسر المستقبل.

تذكرت موقف "سليم" وهو يشلع هالات الماضي بروح شبابية لا تعرف من الواقع الا الصدق مع النفس . ورغم اعجابي بموقفيكما من الذاكرة الا أني لا أستطيع قبوله بصفتي مأزوماً بمنطق الماضي ، يلقي بكل ظلاله على حركتي في الحاضر وكأني أصبحت أحمل عنوانه ، أتحرك بنفسيته الرافضة حتماً لمنطق الحداثة أو التغيير.

أحملق في أفق صاف من الكدر والشوائب في صبيحة يوم ثلاثاء أتى مصادفة بعيد واقعة الهزيمة الكبرى . الشمس ترسل أشعتها الذهبية في أفق رحب خلو من القذائف الهادرة ، ونقي من غبار عجلات المدرعات الاسرائيلية ، تشق طريقاً آخر عبر واقعنا الجديد.

أشتم رائحة عرق والدي ، يضرب في الأرض ، ماء الحياة يتلوى بين أشجار البرتقال ناثراً روح الخصب والخضرة في بياراتنا في سهل صوفين. كان واثقاً ، فأسه ومعوله يرسمان مستقبل أبنائه في قادم الأيام. لم تعد الرائحة تزكم أنفي حول المغارة الرومانية ، لم يعد عقد أمي المسروق يتلألأ في عين الذاكرة المعتمة . واقع جديد يرسم ذاكرة جديدة لتاريخ ومنتصر لم يعد هو "عبدالناصر" . اسمه غريب وقسماته أغرب ، تزينها جلدة سمراء معلقة برباط دائري حول رأسه المصلع . يا الهي هل أصبح التاريخ وجوهاً وقسمات تأتي وتجتث سابقاتها من قسمات ووجوه . لم أعد أسمع هدير خطابات " عبدالناصر" ولا أغاني صوت العرب ، تجوب الأفق مرسلة اشارات خير لنا وأخرى محذرة اليهود من الابطاء في الرحيل عن الأرض . فان لم يفعلوا ولن يفعلوا فالسمك في انتظارهم يجوب عمق البحر شوقاً لإلتهام لحومهم البيضاء البضة .

عدنا الى بلدتنا من رحلة منفى داخلي استغرقت شهراً ونيفاً. وجدناها في اسوأ حال وأذله بعد مداهمتها من الغرباء ، سرقوا كل شيء من بيوتنا الا جثث الآدميين القتلى أو الحيوانات النافقة أو الطيور المتعفنة . فقدت أهلها فبدأت هي الأخرى رحلة البحث عن ماء الحياة في براميل مليئة بالماء حتى نصفها . لم يسعفها الحظ في الارتواء ، فغرقت عطشاً في ماء كان ضمانتها الأخيرة للبقاء على الحياة.

بدأنا حياة جديدة من الصفر ، على أساس من وعي جديد بحقيقة واقع مأزوم لم نتوقعه من قبل اطلاقاً . أصبح اللامفكر به قضية مركزية نعاني منها ونحتاج الى قدرة القادر على تجاوزها أو مهادنة اشكالاتها . لم يكن الاحتلال مسألة فيها نظر بل قضية أساس لها من الشهادات والأدبيات الفكرية ما لم نحط به علماً في سالف الأيام . تكشفت لنا حقيقتان مرعبتان ، الاولى جهلنا الفاضح بالقادم الجديد ونواياه العميقة الغور ، والثانية عقلانيته المتوحشة في رصد هناتنا ومواطىء ضعفنا في كل موضوعة من موضوعات السياسة والاقتصاد والثقافة.

كان هرجاً ومرجاً واسعاً يغطي كل شفاه أبناء بلدتنا ، يتساءلون عن دوافع النهب الهمجي ، داهم بيوتنا وتركها قاعاً صفصفاً من الفراغ والخراب . نهب السرّاق الأثاث وأدوات الزينة وكتب أطفال المدارس . عثر امام المسجد القديم على طرف خيط مصادفة في بيته المنهوب . في غرفة نومه هوية بلون أخضر قاتم ممهورة بخاتم VIP وبلغتين عبرية وعربية . تفاجأ المصلون في يوم جمعة جامعة بالامام يخبرهم أن صاحب الهوية يدعى "أبو جميز" . هاج أبناء البلدة وماجو ، أخذهم لغط كثير ، حركة عنيفة من أيدي وأرجل لحثّ الشباب على البحث عنه ومعرفة مكان وجوده. أصبح رأس "أبو جميز" مطلوباً للجميع.

تساءل كل واحد من أبناء البلدة عنه ، عرفوه في لحظة صفاء مع نفوسهم ، في خلوة صادقة مع النفس تعرفوا على زوجاته الأربع في قلقيلية وغزة والخليل ونابلس . لكنهم صمتوا ، أخذتهم شهامة العرب فامتنعوا عن قصاص أفراد أسرته تجنباً لحرب أهلية نحن في غنى عنها رغم كل موجباتها . انفرج التوتر الاجتماعي مع الأيام ، وجدوا أن رحيل الرجل الى الضفة الشرقية كان حلاً للخروج من ذاك المأزق اللزج .

قال أحد أبنائه أن والده هجر البلاد الى أرض تتيح له حركة أكثر مرونة لمقارعة العدو الصهيوني المحتل . انتهز أبناؤه وأحباؤه تراخي قبضة اشاعات النهب فنشروا بين الناس صك براءته من التهم الموجهة له . مع مرور الزمن نسي أبناء البلد علاقة الرجل المشبوهة مع الانجليزي واليهودي ، سقطت من ذاكرتهم كل التهم . كان اشتراكه في الثورة التي اشتعلت يومئذ هناك الأثر الأكبر في تبييض صفحته وغسل سجله .

تغافلت عن الهم الكبير لأياً من الزمن ، مأخوذاً بحلم آخر أكثر خصوصية . سافرت الى بيروت طلباً للعلم . كانت المدينة الزاهية يومها موئلاً للثورة والثوار ، مرتعاً خصباً لشاراتهم وشعاراتهم ، وموقعاً فريداً شكل لهم واقعاً مؤقتاً قربّهم من نص الغياب.

وضعت أصابع يدك اليمنى على فمي ونحن نتحلق حول طاولة في ركن شرقي في كفتيريا الجامعة ، لم أعهد منك حركة تلامس تشعل ما بداخلي من شوق يصل درجة الشهوة . قلتِ لي يومها :

- لا تحدثني عن الثورة والثوار ، صف لي مدينة بيروت ، اني أعشقها كما تفعل أنت الآن مع الكتابة عني وعنها . ثم أضفتِ قائلة :

- انها المرة الثانية ، نتوحد فيها هوى وعشقاً بمدينة عربية متحررة من القيود والأسوار . ليست مثل القدس في تحلقها حول ذاتها ومقدسها ، بيروت امرأة فرانكفوفونية لا تشبهني لغة وثقافة ، لكنني أحبها لانكشافها على البحر الأزرق والجبل والأخضر . يعرف الرجال خبايا جسدها المتناثر على موجة زبدها أبيض ، ورملة ذراتها ذهبية ، وهضبة لونها أخضر . أحبها كأنها قطعة من جسدي . أحلم بها أكثر مما أعايش العثمانية ، أحسدك على حياتك السابقة في ثناياها !!

أجبتك وأنا أعيد شريط ذكريات جميلة امتازت بالعنف تارة وبالرومانسية تارة أخرى:

- أحدثك عن كل ما رأيته فيها ، لا كل ما فيها فعلاً . فالمدن مثل النساء ، لا يقر قرارهن قريب ولا يسبر غورهن زوج غير الصفوة من الأحباء . كانت بيروت ، كما قال محمود درويش بعد ذلك "خيمتنا الأخيرة ، نجمتنا الأخيرة " ، كنت أرى بها كل نساء الأرض وحواري السماء … بيروت امرأة من ذهب ، ليس عسملياً ، يطلبها حتماً كل محبي الحياة والحرية ، تتسع كما حدث ذات يوم ، لكل طيف سياسي أو اجتماعي يسعى اليها بحواسه أو عقله . القدس مختلفة وجدانياً ، مدينة وحيدة بين مدن العالم ، لا تتزين الا بقلادة عسملية . قاطعتني بسؤال متقاطع مع المرأة المدينة لا المدينة المرأة :

- لماذا تكون بيروت نص غيابي عنك في زمن المنافي ؟ وكيف أكون غيرها ان لم أكن ذاتي! لا أرغب في هذا التقاطع مع مدينة ليست أنا ولن أكونها اختياراً .

شعرتِ حينها بالغيرة من بيروت ، كما تفعل النساء الجميلات والقبيحات أيضاً وهن يستمعن الى إطراء لامرأة أخرى لا يعرفنها تماماً، تتحرك فيهن احساسات الانوثة بكل أنانيتها ونرجسيتها . وهن في هذا على حق . ذكّرتكِ يومها برأي شكسبير :

" Beauty from beauty sometimes decline"

ربما يكون رأي الرجل في الجمال النسبي شاعرياً ، لكنه على كل حال يتمايز بذائقة رفيعة نعترف له بها . أجبتني بنفور محبب :

- لا أغار من بيروت ، هي شقيقتي الصغرى . تشبهني في شفافيتها وحُسنها البديع ، وأحياناً أرى أنها تفوقني في إنبهار الرجال بها . لكنها لا تتوفر على الرمزية التي أمتلكها . ألم تكن تلك الخاصية السمة الفريدة لي دون نساء الأرض ! ألم تقل لحظتها إن الشهوة مثلاً تتناسب طردياً مع جمال المرأة ! لماذا يكون انجذابك لي أشد غوراً منه اليها ؟

شعرت ساعتها أنك تهزمينني للمرة المائة ! كان رأيك يقرأني بعمق ويرسم منحنيات من التملك الذكوري لم أكن أدركها من قبل . لحظتها اجتاحتني صورة "فريال" ، قادمة من خلف غيوم الذكريات ونحن نغذ الخطى سيراً على الأقدام ، صعوداً الى قمة جبل حول جزين. قالت يومها وأنا أمسك بيدها اليمنى لمساعدتها على تسلق الجبل :

- بودي أن تبقى ممسكاً بيدي !

صعقتني عباراتها وهي الفتاة الأقرب الى نفسي في عمق مشاعرها الأخوية الفياضة ، لم أكن أفكر بها من قبل كأنثى يشتهيها غيري من الزملاء ولم يكن لديّ احساس ذكوري كهذا . "فريال" أختي الخامسة ، ماتت وهي في سني عمرها الأولى . قبلت تلك الصيغة الشعورية معها ، تجاوزت علاقتي بها كل الشبهات والهنات في تلك المرحلة العمرية المتفجرة . كنا نعاكس فتيات أقل جمالاً وجاذبية منها، لكن معها انقلب الى حمل وديع يقبل عن طيب خاطر دور الأخ المستعار دون الأخ الشقيق الذي حُرمت منه .

همَست في أذني غير مرة أنني أهبها حنان الأخوة الغائبة ، الأبوة العاجزة ودفء الوطن المفقود . خرج والدها من يافا ، أمسى لاجئاً في جنوب لبنان ، انتقلت العائلة الى البسطة الفوقا في بيروت العاصمة . كانت هي الأخرى أنثى قضية ساخنة ، تفوق سخونتها بحثي عن هوية عسملية تقضم برودة الغياب أطرافها وهيئتها.

أذكر تماماً كيف اشتعلت غيرة من حديثي عنها وكأنني أقترف جريمة مغازلة امرأة أخرى وأنا في صحبتك . كانت صورة جانبية لهيئة وطن يساكن الذاكرة ، أنت وطن بكامله يجثم في كامل بهائه على أعلى قمم الذاكرة . كانت سفحاً أخضر مرصعاً بأشجار برتقال يافا ، أنت لا غيرك ، وطن يتربع على وطن من مشاعر ، أطارده كل صبح ومساء خشية عليه من أمواج البحر المائج في ميناء يافا ، ساءلت نفسها مرة دون غيرها من أيام البحث ، كيف يسافر وطن ويترك خلفه قوارب وأشرعة تصطفق أسى على رحيل مفاجىء؟ "فريال" ابنة يافا وخليجها المنطفىء ، وأنت قدس من أقداس هوية طواها ريح الزمن العاتي ! أحاول بما أملك من قوة وجذب فتح ما استغلق عليّ من طيات الزمن الغابر ، فأجد نفسي قبض الريح وكأني أخض هواء الحاضر بقبضة متشنجة .

كيف أخض ريحاً حمراء في بيروت وهي تمتلىء بغير سلاح مشرع في وجه السماء ؟ البزات المرقطة تستهويني ، تلامس أعماقي بتداعياتها بين الفينة والأخرى دون أن تسكنني أو أسكنها . شعور غامض متناقض يبعدني عنها ، ثم أجد نفسي منجذباً لأهازيجهم مترافقة مع قصف في الجنوب ، أو بشرى سقوط شهيد جديد على درب التحرير والعودة . لماذا كنت أخشى تورطي بمسيرتهم ؟ لِمَ أضن بدمي من أجل استعادة القلادة ؟ ربما كنت أُكذّب نفسي قبل غيري بوطنيتي المتستّرة بلبوس ثورة ، أجثو أمام نفسي عارياً من ذاك الزيّ المرقّط حين يدفع شهيد دمه مهراً للقلادة . الموت يكشف عورات نفوسنا قبل استسلامنا العاري لسطوته الموحشة .

اتهمتني بأنني " فلسطيني مبتور" الوجدان ، أرفع شعارات خافقة كأنها النجيع وقت السحر، أمارس فلسفة عملية تكذّب شعاراتي. لماذا أتناقض مع نفسي وحلمي واستحقاقات قلادتي ؟؟ لماذا تركت العقيد "شريف" يسقط أشلاء ممزقة في الفاكهاني، كان وقتها يقف خلف راجمة صواريخ تصلي السماء ناراً حامية ! أحسد الشهداء على سقوطهم ، وأنكر على نفسي هذه الهبة . رجل فكرة سامية ، لا رجل فعل يؤثر في الواقع ، ربما للحظات حمراء . رأيتني ، اذاً ، أخجل من المثل العامي : "الرجال على قدر افعالهم " ، أواسي نفسي بعجزي الذاتي جداً ، أتهرب من صدر العبارة كأنني لم أسمع بها قط ، أقنع نفسي بأنهم أيضاً على قدر " أفكارهم" . تلك فلسفة جوّانية لا أجرؤ على مناقشتها علناً حتى لا أُتهم بالجبن والمراوغة.

عدت الى مسقط رأسي خريجاً جامعياً ، طاهر الذيل من أي لون سياسي . لم تكن بي رغبة للانخراط بالعمل الحزبي أو الحركي أو الجبهوي ، الفيت نفسي جسماً ذهنياً يتعامل فكراً وكتابة مع الآخر . ما أقسى معركة يقودها شخص بمفرده وعلى غير وفاق مع الطيف السياسي القائم . كانت المفاجأة لحظة قدوم قوات الأمن لاعتقالي بتهمة أمنية بعيد اكتمال سنة واحدة من عملي كمدرس . أذكر أن الدم الحار صعد في عروقي ورأسي . ساءلت جاري "أبو محمد" :

- من يستدعيني ؟ .. ورقة ممهورة بخاتم الحاكم العسكري في مدينة رام الله ! تراهم أخطأوا الهدف ؟ أم اختلط عليهم اسمي وعنواني ؟

ما كنت أوثر الحديث معك حول تجربة سجني لولا المصادفة العجيبة في زنازين سجن نابلس المركزي . وما كنت حينها ولا اليوم أرغب في محادثتك بلغتين تبدوان متناقضتين فكرياً وفنياً. لم أكن أسعى فيما مضى من سني العمر في البحث عن ذاتي داخل سجن يفقد فيه السجين حريته وجزءاً أساساً من ذاكرته ؛ العتمة والخوف يجتثان من داخلي تلك النزعة الوطنية التي ألفتها تتملكني مع الأيام . كأني بالفقدان يأخذ مني تلك الشفافية الحالمة في وطن حر نقي ، خال من الدنس .

التقيت في زنزانة مساحتها لا تزيد عن أربعة أمتار بـ " أبو المعارك" ، اسم حركي لم يكن يعرفه قبل اعتقاله ، كما يقول ، الا هو ومرؤوسه في القطاع الغربي . كان مذهولاً من كيفية اكتشاف خليته من قبل قوات الأمن الاسرائيلية . فتل وبرم شاربيه طويلاً وهو يحادثني عن عمله المضني في منجرته الكائنة في شارع "راس العين"، وعن شظف العيش وضنك الحياة بعد رحيل والده الى الأردن. كان استعداده لمحاربة الاحتلال لا يحده حد ، ولا تشوبه شائبة . لا أعرف إن كانت زلة لسان مني وأنا أسأله عن اسم والده وعائلته . قال وهو يحاول اغتيال كل شك يبدو على سطح سؤالي :

-محسوبك "زياد أبو جميز"! هل سمعت بهذا الاسم ؟ نحن عائلة مناضلة!

لسعتني كلمات الشاب في قلب ذاكرتي ، تلعثمت وأصابتني رجفة خفيفة أعادتني الى حكاية سرقة عقد أمي من مقام النبي . لم أستوعب كلمة واحدة من حديثه الطويل المنفعل لحظة سماعي كُنية " أبو جميز" . التاريخ يعيد نفسه على هذه الأرض ، ربما لأنها مباركة ، تحتضن قطعاناً من بشر غير مباركين .

فقدت الرغبة في محادثته ، أو حتى النظر اليه . واقع الأمر وضيق مساحة الزنزانة فرض عليّ مسايرته والتحادث معه دون اظهار أدنى شك بدوره ودور والده من قبله . علمتني تلك التجربة كظم غيظي وتجاوز قناعاتي غير مرة أجد نفسي فيها متناقضاً مع ذاكرتي.

سألتني بحدة لا تخلو من منطق أنثوي مرن:

- ما دخل الأبناء بما فعله الآباء ذات يوم . هل نحاسبهم على ذنب لم يقترفوه ؟ أجبتك بمرونة لا تخلو من حدّة الرجال :

- لا دخل لهم إن كانوا بريئين من أفعال الآباء ، ماذا لو كانوا نسخة عن آبائهم ؟ ستقولين حينها أن الأبناء سر الآباء ! أليس كذلك ؟

تسرب جسمي وعقلي المأزومين الى غرفة رقم "8" المخصصة للموقوفين الأمنيين. أدركت بعد يوم دخولي الى السجن الواسع والمكتظ بكل أنوع الطيف السياسي والأمني أن نضالاً اضافياً واجب الوجود وأني أعايش طليعة شعب أنجب "أبو جميز الابن" للمرة الثانية . كيف يكون "ابو المعارك" سراً أمنياً ونسلاً أميناً لوالده سارق القلادة العسملية ؟ وكيف سأبقى مُطارِداً لهذا السر الرهيب ، ومُطارَداً من قبل ذاك النسل المتجدد في كل البقاع خلال العقود التالية من زمن أعفر اللون ، أسود المذاق ، موحش الخلق والخلقِة.

الصدف أو الأقدار ، لا فرق ، جعلت مني مخلوقاً يضيق بنفسه وذاته ، مُقدراً له السباحة بعكس التيار ، يصارع موجة عاتية القوة شديدة الاندفاع للجمه وثنيه عن مواصلة تحقيق هدف غريب . تساؤلات تتملكني الآن مثلما كانت فعلت بي وأنا أغذ الخطى صوب الجامعة العبرية ، كصورة من صور التحدي لم يزل ضاغطاً، يسرق ضحكة واعدة احتفظت بها عشرين عاماً بلياليها الحالكة ونهاراتها الواعدة.

جئتك صوب المحطة المركزية محشو القلب، ملتهب الحواف كأنني أخرج لتوي من "فرن الخطاب" ، ساخناً كرغيف خبز ، متألقاً كبسمة طفل متوشماً هيئة قلادة تركت بصمات جمراتها حول عنقه وعلى صدره النعناع . التقيتك محملاً بتاريخ فيه سم ودسم ، ذاكرة حميمية تشتعل وهجاً بنقاشات أدارها يوماً "سليم" و "عدنان"، ولم يباركها شمعون والياس ويامين النبي ودعاء انطلق ذات يوم وقفة على جبل عرفات .كانت تلك أصوات بحثت عن سبب ضياع القلادة ، اختفت وأمست صدى لصوت "فريال" وهي تموت مرتين في منفى إغتال العقيد "شريف" وذاكرة قتلت أو كادت حلم الخلاص من "أبو جميز" ومن عودة ولده "أبو المعارك" بعد أوسلو.






تعليقات حول هذه المقاله
العنوانالكاتبوقت الإضافه

تصويت
ما رأيك بالموقع ؟
ممتاز
جيد
مقبول
سيء
نتائج التصويت

حجة بالوان العصر


لوحاتي




كتاباتي

غزل الذاكرة
زمن المرايا
وطن العنقاء
كثبان الذهب الأسود
أبو علي إياد
تأملات مصطفى صبري
الأولاد والشمس
إنشطار الذات
معركة النفق
مكانة القدس
جدار الفصل العنصري
وطني ليس حقيبة
إمبراطورية النفايات
قراءات أمنية
امرأة لا تغار
صراع لا يموت
أصحاب الملايين
صوت الذاكرة


الساعة

صدر حديثا


 
Qalqilia NetWork