إبحث عن:    
القائمة الرئيسيه
صفحة البداية
القصة القصيرة
القصص والروايات
دراسات و ابحاث
المقالات والترجمات
الكاتب يوسف العيلة
معرض الصور
شاركنا رأيك
English Site

تسجيل الدخول
إسم المستخدم:

كلمة المرور:


تسجيل
هل نسيت كلمة المرور

المقالات الأكثر قرائة
1 من الممات إلى البعث .... نظرة إسلامية تقليدية
2 تأملات - الفصل الخامس : موروثات
3 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المصادر والمراجع)
4 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المقدمة)
5 الإسلام دين الفطرة الإنسانية

الكاتب يوسف العيلة


جديد الروايات

 

صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في رام الله دراسة بحثية بعنوان " لسانيات الخطاب الشعري المعاصر ، ليليان بشارة - منصور نمرذجاً " للروائي يوسف العيلة . تضئ الدراسة بعضاً من واقع اللغة العربية في الداخل الفلسطيني . ويقع هذا الإصدار في مئة وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، وهو السابع عشر في سلسلة إصدارات يوسف العيلة النقدية والروائية .


قراءة المقاله



غزل الذاكرة - الفصل الرابع
كتبت بواسطة: يوسف العيلة - el 10/04/2005 - 1222 زوار        


أذكر زغللة تفاصيل رحلاتي الأولى من باب الزاهرة إلى مباني الجامعة في عين كارم . لم أكن أضل الطريق إليها رغم المحطات الكثيرة المتماثلة على طول الشوارع المتعرجة .

أعرف أن باص "29" سيقف في نهاية الأمر أمام بوابة الجامعة . أذن لا داعي للقلق من توقفه عند كل محطة . أرقب بإهتمام شديد المسافرين في صعودهم المتكرر من الباب الأمامي ثم هبوطهم من الباب الخلفي وكأنني أبحث عن واحدة بعينها . تداهمني الغربة بظلالها بفعل التلاشي الملحوظ للوجوه العربية والحضور المتكثر للقسمات اليهودية . تسجل دقات قلبي ترنيمة من التوتر أكبر في حدتها من حالة القلق العميق ، تأخذ بتلابيب عقلي وتساكن نفسي المضطربة.يبدي المسافرون في صعودهم ونزولهم وتيرة من الحركة الميكانيكية أشبه ما تكون برقصة الموت على أهداب متكلسة.أنظر إلى يميني ويساري مدللاً على ضيق صدري وتشوقي إلى إنجاز نهب المسافات الفاصلة بين أسوار القدس ومقاعد الجامعة.لكنني افشل في الإفلات من ضغط الحركة المرتجة على صدري وبين جفني الناعستين همست في أذن خاطري علّك تسمعين :

- شوق دفين يتملكني في إغفاءاتي المتتابعة كأنها أمواج بحر هاديء الموج تختفي كلها في ماء عينيي اللتين تبدوان محمرتين أكثر من أي وقت مضى . شوق غامر يدفعني بتؤدة لتثبيت زمن جفني الناعستين وحركة حدقتي وهي تلتقط وجهك الأبيض المستدير وسط زحام ادمي وأبقى فاغراً فمي ، يلتصق جفناي حول سوادهما كأني أتثبت من هوية شيء وجدته مصادفة بعد طول بحث وضياع . لا تصدق عيناي صورة التداخل العميق بين احساساتي العتيقة وميلاد رسمك الجميل في أفق تلك الرحلة البكر . أخذت قسماتك من حدقتي الحركة النابضة ، وسرقت من عيني الرؤيا البديعة لأبعاد عالمك الخارجي ، بدا مغبشاً دهراً طويلاً يقاس بالثواني . أهز رأسي كي أنفض عن وجهي رماد الثواني وعن جبهتي كدر السنين . أفشل فشلاً ذريعاً في كشف أبعد لصورتك المتربعة على أعلى قمة من قمم ذاكرتي ووجداني . أستدير في حركة موضعية تعيدني إلى أرض الواقع بعد أن أخذت صورتك من قلبي وعقلي كل مأخذ . أكتشف بعد هنيهة عودة وعيي السليم بالأشياء المحيطة . رمقتك ثانية فعادت إلي غيبوبة التداخل في قسماتك ، استدير نحوك بألفة تعبر عن رغبة جامحة في مبادلتك الحديث، حركة الأجسام الصاعدة والهابطة من محطة القدس المركزية تقطع حوار العيون الذي بدأ للتو . اريد مساءلتك عن إسمك وهويتك، لكن صوت الجرس يجتث من أفق الباص كل الفرص المتاحة للحديث أو الإستماع.يزيد إهتمامي بك وأتمنى لو أنك تبادلينني ذات النظرات الفاحصة ، تفيض حنيناً لحوار يتقطع مرات كثيرة ، أهمس في سـرّي بلهجة الفرح الغامر ، يؤطر حواراً يباشره التاريخ المشترك ولكننا لم نبدأه بعد:

- صورة مثلى من الذاكرة أحن إليها منذ بدايات وعيي بالحياة !

- يسيء فهمي معتقداً أني فتاة أوروبية !

- فتاة عربية تحاكي في جمالها بنات الغرب ! ما سر تعلقها بالكوفية العربية الرمادية حول عنقها العاجي ؟

- عربي فلسطيني ! هل يعرف أني كذلك أيضاً ؟

- لا بد أنها عربية من أم أجنبية ! أجزم بعروبتها فاحساسات قلبي لا تخيب !

- أجالسه وأقص عليه سيرة حياتي . يعجب من دوافع إنجذابي نحوه . يغريني بإزالة كل الحواجز بيننا . أرتاح إليه بصورة أكبر من إنجذابه لي!

يواصل باص رقم"29" رحلته المتفجرة إلى أسوار الجامعة ، تخلص من كل القسمات المتناقضة في داخلي . تختفي القسمات العربية وتمتليء مقاعد الباص بأجسام متفاوتة اللون والرائحة . رؤوس فتيات حاسرات وأخرى تعلوها اكثر من طاقية سوداء تتدلى من تحتها خصلات من شعر مجدول . أما "البرييه" العسكري فيقبع مثنياً على أكتاف المجندات بزيهن المخضر أو الزيتي . انظر إلى الوراء فلا أجد إلا عيوناً متناثرة تحيط بها غابات من شعر منفوش يتطاير بعصبية على جناح الريح وهو يخترق كل النوافذ المشرعة .

يعاودني القلق الجارف على مصير حواري مع ذات الوجه الجميل والقوام الفاره ، تجتاحني الظنون في خضم الغربة القاتلة ، اعايشها وسط الزحام اليهودي الجارف . لا أنبس ببنت شفة بل أكتم أنفاسي خوفاً من تعاكس القسمات العربية مع اليهودية . يتوقف الباص اللاهب ، تثور إحساساتي من جديد كي ألقي نظرة أخيرة عليك قبيل افتراقنا . أحدجك بنظرة حسرى ، رسالة إستغاثة من قبطان يفقد شراعه وسط عاصفة هوجاء في اعماق بحر أدمي أزرق اللون والرائحة. لا تبادلينني النظرة الأخيرة ولا تمنحينني وصلاً من حوار يتقطع . نفقد الخط الموصل بين شفتينا وعيوننا بسبب تطاول الأجسام اليهودية التي تتأهب للخروج من الباص ، يتوقف في الحال على أطراف محطته الأخيرة أمام أسوار الجامعة .

يتفرق ركاب الباص كل في حال سبيله ولم أعد أرمقك خلسة. أحاول وأنا أهم بعبور بوابة الجامعة أن أقنع نفسي أن ما يتم من تداخل مع صورتك ما هو إلا ضرب من خيال جامح ورغبة عاصفة في إمتلاك جمالك الأخاذ . أطرد هاجس طيفك الذي يلاحقني كظلي . ورغم تكسر مساري وتعرجي وأنا أتجه صوب عمارة "لاوترمان" إلا أن بصمات رسمك تغور عميقاً في وجداني مثل سهم أبيض ينطلق من قارب مسرع ليحط في أعماق ذاتي بتؤدة وبغير الجرح الذي تحدثه سهام إمرأة أمازونية . يستمر مونولوج النظرة الأولى في التحليق بعيداً، صدى من أصداء الذاكرة ، يُبقي خلفه بصمات زاهية تعانق حلم الماضي والحاضر سواء بسواء . لا يتبقى منه وهو يهبط الدرج الداخلي إلا شذرات من الندى في صبيحة يوم من أيام أيار الخصب والحصاد . يتقاطع طيفانا مع عشرات الوجوه الرابضة في مقاعدها كتماثيل من شمع أدمي يشع بهاءً ونضرة . لم تستطع تلك القسمات اليانعة أن تمحو أثر طيفك المحلق في سماء مخيلتي كأنه البدر ليلة تمامه . أجلس بهدوء حتى لا تتقاطع القسمات والأطياف في ذاكرتي وأنا الحريص جداً على بقائها متداخلة . أستشعر أن ظلاً من ظلالي قد اختفى ، اقتنعت بأن أصل الأشياء أكثر معنى من ظلها . تعود إلي بعض إرهاصات الثقة بالنفس بعد أن اختفت أو كادت بسبب معايشتي لتداخل أدى إلى اجتثاث بعض من احساساتي العتيقة .

تأتيني المفاجأة بعد دقائق قليلة من ركوني على كرسيٍ خشبي . تعودين بلحمك وشحمك وتجالسينني عن يساري ، امتدت يمناك إلى الكرسي المجاور ، تأخذين مكانك إلى جانبي الأيسر وبشكل لصيق.أفزع من حركاتك ويأخذني مس من جنون لهدوئك وأنت تركنين بكتفك عند كتفي الأيسر . يهيج شعرك الذهبي طرباً لاقترانك بي في الموضع ذاته وداخل القاعة نفسها . انظر إليك نظرة الخائف الوجل ، يخشى مما يرى ويتهيبه رغم شغفه الشديد به . تضعين قلمك الأزرق متعامداً مع شفتيك الرقيقتين ومقدمة أنفك الشامخ بطبعه إلى أعلى . تحيينني بلا استحياء أو مواربة ويقع بصري على عينيك الزرقاوين وأنا لا أصدق ما أرى ثانية . إنها النبوءة العفوية ، رسمتها احساساتي العتيقة نحوك منذ أول لحظة . تغمرني السعادة ونشوة اللقاء المفاجئ . أتأكد الآن أن إرهاصات ذاكرتي وثنايا وجداني لا تكذب قلبي الخافق بطيفك . يعلو البشر قسماتي البرونزية وتنساح مثل أمواج بحيرة "طبريا" وهي تغمر شواطئ جبهتك العريضة وأطراف شفتيك المشرئبتين إلى الأمام .قلت :

- كيف حالك ؟ هل أنت سعيد هنا ؟

- بخير ما دمت كذلك !

- نطوف أرجاء "كامبس الجامعة" بعد انتهاء المحاضرة . هل ترغب في ذلك ؟

- طبعاً ! أنا في الانتظار منذ عقود خلت !

- وكم عمرك إذن ؟

- عقدان أو قرنان ! لا يهم !

- بالتأكيد ! نستوعب اللحظة كأنها التاريخ بقديمه !

- ديباجة ذاكرتينا واحدة !

- لا أعجب منك رغم جهلي باسمك !

- اسمي “عايدة” ! اسم رومانسي أليس كذلك ؟

- تعرفين اسمي ؟

- شيء من هذا القبيل !

- اسمي "نبيل” !

- ألم أقل لك !

- هل هي مصادفة ؟ أم نُحّمل الأسماء أكثر مما تحتمل من المعاني !

- تجود الحياة بكل معطيات الذاكرة من غير أن نعلم ! لست سلفية لكنني مسلمة وأحن لصوت الأذان !

يدخل البرفسور "مندلوف" بهو القاعة ، تختفي همسات الحوار الدافئ من تموجات الأثير الموصل بيننا . ترتد الكلمات الجامحة إلى عمق ذاتي يؤطرها الوعد المحبوك بخيوط رومانسية تشير إلى بداية عملية الحلم أو لهاجس ظننته قبل دقائق معدودة مجرد تداخل عابر رغم عمق بصماته في أفق عالمي الداخلي . أفقد القدرة على الفهم والاستماع اللازمين لمتابعة المحاضر ، يفتح شفتيه صعوداً ونزولاً ناثراً كلمات الوصف والتحليل لفلسفة الشاعر الإنجليزي "وردزورث". يُعّرج "مندلوف" على قصة حب "دوروثي" وصديق أخيها "كوليرج" . تنجذبين لقصة الغرام بين شقيقة الشاعر العملاق والشاعر "كوليرج" ، تسألين :

- هل تسمع ! الصداقة مفتاح للحب !

- ماذا تقولين ؟

- "دوروثي" تقع في حب "كوليرج" !

- لا أتابع ما يقول !

- أعازف عن قصص الحب أم الحب ذاته ؟

- كيف ترين أمري ؟

- أراك عازفاً عن الحب !

- ظلم لا أستحقه !

- غير راغب في سماع قصص الحب !

- اجتهاد آخر يجرح كبريائي !

- لم أعد أقرأ ما يدور في رأسك !

- أبحث عن صيغة من الحب أشد عمقاً !

ترتفع وتيرة نبضاتي وتتسارع دقات قلبي الخافق بعد ما سمعته من تصعيد لحالة من الجذب ما انفكت تأخذ بتلابيب عقلي ، إحمرت أذناي وضاق رأسي بوقع أقلام الماضي ، يعانق في تلألؤ واعد هيئة حلم جميل . أصابني الدوار حيناً ، أتمالك أعصابي في تجملٍ وصبر . تتلاشى من حولي كل القسمات والوجوه وتتحجر الكلمات في حلقي لا يسعفني في محنتي إلا مرور الثواني والدقائق البطيئات وكأنها تستظرف ما يحل به من تكلس لحركة الأشياء والمسميات في قاعة "لاوترمان" ، حينها رجوتك قائلاً :

- إسعفيني ! هلم نخرج من ضغط الكلمات والجمل . لا أستطيع تحمل تصفية روحي في هذه التشققات الآدمية والزمانية . نخرج ونعانق هبوب النسمات الشرقية القادمة على أمواج الزمن الغابر . أختنق من رائحة العطر الستاتي الجوال في أفق القاعة . اعجز عن اللحاق والإمساك بالأفكار والأزمان والأمكنة . أخرجيني من حالة “النرفانا” التي أصابتني فأجبتي :

- انقلك إلى زمن ميت لأخفف عنك ضغط الحركة . وأسّري عنك كي تتحرر من قمع الكلمات . أصحبك في رحلة من العمر على دكة من عشب أخضر . وأقود خطواتك إلى عوالم أخرى كما فعل “فيرجل” بالشاعر "دانتي” في رحلته إلى المطهر والفردوس والجحيم .

- أنت تسبقين خطواتي في البحث عن ذاتي في أعماق الزمن وثنايا الذاكرة ! أرى فيك بوصلة لهوية وحضارة وفردوس مفقود !

- أعطيك قبيل ولوجنا في معهد الآثار التابع للجامعة خُصلة من شعري ، دمعة حرى تذرفها عيني اليمنى القريبة من كتفك الأيسر ثم كف يمناي بأصابعه الخمس .

- هل تودين الرحيل ؟

- رحيلي عنك بلا زمن أو مقدمات ! وظهوري أمامك بلا مكان أو نتائج .

- لا أفهم !

- أعطيك أكثر من جسدي لأنه محرم عليك ! وأمنحك أبعد من نفسي لأنك تساكن روحي . وابقى أزورك في اللحظة الأبدية قُبيل الفجر وفي وضح النهار . إحذر معانقتي فشفتاي لا تهديان الشهد إلاّ لصورتك المحلقة على قمة القسطل ، في ثنايا أمواج بحيرة "طبريا" ، في رحم خليج "عكا" وفي حُضن أسوار "القدس" .

- أفهمكِ إذن ! وأعي الوقوع في خطيئة الجسد !

- إتبعني ولا تسأل عن شيء يستغلق فهمه ! لا تتجاوز رسم إشاراتي ولا وقع خطواتي فأنا أسير أمامك وخلفك . وأحلق في ذاكرتك وسمائك .

- لن أكون إلا كما تشائين !

- لا أزورك إلا وحيدة ! ولا تتبع خطواتي إلاّ وأنت وحيد . إسقني من عطر شذاك تمتلك أطراف الوطن بوديانه وسهوله وجباله . وأرتشف بعضاً من رماد شعري تخر لك أمواج البحر وكتل الغمام . كحل عينيك بدمعتي تر أبعاد التاريخ والحضارة ورمس كل قبور الأجداد حول قصر "الدلمابهجه" . كفي اليمنى تُنسيك كل متاعب الارتحال بحثاً عني على شواطئ "يافا" .

أتبعك داخل قاعات المتحف العبري وحيداً ! وبعد كل جولة أتحسس كفي اليمنى كي أصافح كفك عرفاناً مني بجميلك !

- هل ترى ! سيوف عثمانية معلّقة على جدار عبري ! على يمينك حوافر خيل عباسية . أمامك على يمين شباك المتحف قلائد عرس أُموية! وبقايا حجارة قلعة "طبريا" ، تعانق بجمود وصمت قطع حديد لمدافع أحمد باشا الجزار . أجتثوا التاريخ الذي تبحث عنه هنا ! ومن خلال هنا تشق طريقك إلى مستقبل سيأتي .

- ترفقي بي أيتها الماجدة ! عقلي وقلبي أجهدهما ضغط الرموز والإشارات . افترشنا دكة من عشب أخضر في ظلال أشجار الصنوبر والسرو. امتدت يدي إلى يمناك فاختلطت الألوان ولم اعد أُفرق بين لون راحتيك وظهر كفيك المحمرين . بياض بشرتك المشربة ببقع صغيرة حمراء تسبح كموجة هادئة ، تجلي لون ظاهر كفي البرونزي . تتشابك الأصابع العشر للراحتين وتتشكلان على هيئة طيف بيضاوي يعانق العشب الأخضر وأغصان الأشجار في محيط الجامعة ، تنقلب الهيئة على شاكلة طائر "الفينيق" يتجدد بعد كل احتراق ، ويعود سيرته الأولى بعد كل افتراق . نبتسم جذلاً لميلاد كفينا . تسحبين يمناك فيبقى طيفك محلقاً في سماء يمتد بعيداً عن جسدينا . تنفرج سريرتنا فالذي أردته يكون.

اعود إلى أسوار "القدس" مغتبطاً شارد الجسد ، حاضر الكف. لم اعد أديم النظر في الوجوه والقسمات التي تحتشد في باص "29" تزول روائحها من أنفي ، أسكتها عاماً أو يزيد . أخالس النظر إلى كل الألوان والجسوم فأجدها كسراب بقيع في صحراء قاحلة من الأشياء والمسميات . أتحسس كفي اليسرى فأستشعرها هامدة ترتجف حزناً على فراق شقيقتها اليمنى . تزول غشاوة الرؤيا عن عينيي وحواسي الأخرى فآلفها كما يألف الطير المغرد عشه وصغاره . أهيم شوقاً إلى قلادة الذاكرة أميط عنها رماد السنين وسواد لياليها فأكتشف فجأة أنها تتحلق حول عنقي كسبحة حجازية جادت بها ذاتي، انطلقت في لحظةٍ من زمن مرتحل .

تعتلي القلادة العسملية كتفي وتطوق رقبتي الشامخة ، لم تعد تنكسر للعتمة والفقدان . أتحسسها صباحاً ومساءً فتعانق أصابع كفي اليمنى وكأن قوة الجذب بينهما تزداد كلما هبت رياح جنوبية ، أخشى عليها من الضياع أو التدليس ، فعيون الناس الجوالة في شارع "صلاح الدين" ترمقها بشغف قل نظيره . تلمع في ذهني فكرة مقدسة، واقرر في صبيحة يوم أربعاء تسجيل براءة تأصيل في المحكمة الشرعية المقدسية . تلطمني أصابع الدهشة على تهاوني حتى يوم الأربعاء بعد أن ساكنتني الفكرة منذ صلاة الفجر في يوم الجمعة الواقعة ليلة النصف من شعبان عام 1398هـ.

يستظرف قاضي القدس العادل هاجسي ، يشترط استكمال شروط التسجيل الشرعي . آخذ القلادة المقدسة من حضن الشيخ الجليل ، وأستقيم رملاً صوب الأقصى داخل الأسوار . أدخلها من بواباتها السبع ، تمتلئ بي كل مسامات الزمن الكامن في ثنايا زوايا القدس وأزقتها وأقواسها . أغسل حبات القلادة المباركة بمياه البئر الشتوية المجاورة لهامة الأقصى الشامخ. أعود أدراجي الى موضع الفرن، اعتاد "عمر بن الخطاب" ارتياده لتوزيع الخبز الساخن على فقراء القدس ومساكينها. أدلفه من تشققات بابه الخشبي المغلق منذ عقود . تنكشف لي حجرات من زمن هجري وهاج تعايش عتمة الراهن . أطهّر حبات القلادة مرات سبع بنار الجمرات الحرورة ، أنثني قافلاً بهامتي كل المساحات المهجورة داخل الحارات المعتمة .

تلامس هيئتي الوجوه والقسمات الخضراء اليانعة ، أتجول في أفق الأسواق المكتظة ، أسف كثير يجتاحني على وحدتي وتوحدي مع مراسيم التطهير وطقوس التعميد ، أنجزها داخل الفرن من غير شاهد عدل يشفع لي يوم الحساب . يستبشر القاضي العادل خيراً لعودتي سالماً غانماً بعد انتهاء وقائع التطويب الشرعي لكفين نظيفتين تتعانقان على شكل قلادة أديمها من أديم حجارة القدس . يشد القاضي على يدي مصافحاً مباركاً لي على براءة الانتماء ، تمتد يده الى خزنة حديدية. يفتحها ويسجى ملف القلادة على رف علوي ويغلق الباب.

أصطحب القلادة المقدسة وأطير بها الى الجامعة للاحتفاظ بمولدها الشرعي معك . سألتك :

- هل ترين !

- انها كفّانا !

- نعم ! أديمها من كفك وكفي ، هيئتها على شكل دمعتي ودمعتك، وخيطها من خصلة شعرك وشعري !

- احتفظ بها في مكان آمن !

- ضعيها لحظة على جيدك ! أحن شغفاً لرؤية كفي تلامس كفك على مساحات صدرك الممتلىء هضاباً وأقحوانا !

- أسكت ! أو اصمت قليلاً ثم تابع مفرداتك ، تر عروس بحرك!

- لا أكاد أصدق أنك تاريخ وهوية !

- كيف تراني والقلادة حول عنقي ؟

- أرى فيك الهة خصب ونماء تتجلى على عرش سماء تحف بها حدائق فردوس مفقود معبود!

- هل يعبد الانسان ما يفقد ؟

- أتوحد معه في بحثي داخل ذاتي وصلاتي مع ذاتي وارتحالي عن ذاتي !

- انتظرني عندما أختفي!

ترتعد فرائص ذاتي وأطراف نفسي وأبعاد جسمي من فكرة الاختفاء التي زرعتها في ذاكرتي ، أبدأ بالتوجس من هاجس الرحيل عن الذات أو زغللة رحيل الذات عن الجسد . أفقد أمواجاً هادرة من ذاتي ، أحاول تقمص أطرافها حتى لا يكون الرحيل . تداعبينني بمفردات الذات وصياغات الوجد وتراكيب الجسد حتى تعود اليّ نفسي الجذلة. أضع كفي اليمنى على قلادة القدس فتضج جرحاً عافراً راعفاً بدمع أحمر قان . لا يبتسمان لهذه النوبة من التطابق والألفة ، يستشعران جرحين في واحد . جرح من الماضي يتوحد مع قلادة القدس خرجت للتو من فرن لاهب . وجرح ينكأ عن قريب في لحظة فراق الأكف المتداخلة .

تزاورني أربعاء أخرى من أيام السفر الطويل صوب الذات ، فلا أجد القلادة ولا سيدة القلائد أجمعين . أهرول هابطاً قاعة "لاوترمان" فأرى كل الوجوه والقسمات والشعر المنساب على الكتفين حتى أسفل النهدين . أبحث عنك كذات وحلم جميل فتخونني كل الأشياء والمسميات والأسماء . أسائل عنك "باميلا" فتمط شفتيها، لا تنبس ببنت شفة عن أمرها . أحني جسدي المرتعش خوفاً من الرحيل الى الصف الأول من مقاعد خشبية . وأهمس في أذن "أوريت"، تشهد مراراً على تحلقك حول كتفي الأيسر وتحلقي حول يدك اليمنى فتجيبني بالسلب وهز الرأس أو الكتفين.

أتذكر جيداً أنني عدت الى بيتي في جوار الأسوار مثخناً بالجراح على فراقك المنتظر ، يجيء كقدر الموت المحتوم دائماً يفاجىء كل الأحباء وقت حدوثه . تتصعد الزفرات الحرى من أعماق ذاتي الساخنة كجمرات فرن " بن الخطاب " وتنغرس في أنحاء صدري وحول عنقي كأنها أخطبوط هارب من جحيم مولده الى ظلال شجرة الزيزفون . أضغط على عنقي وتمتد أصابعي بلسعاتها حتى أذني ، يفور الدم من شراييني الدقيقة فتنقلب حمراء ملتهبة . كم أتمنى الخلاص الأبدي من وجع الفراق ، يساكنني من ركبتي حتى مفرقي المبلل حزناً عليك . ينصحني "أحمد" بمراجعة طبيب ماهر في شارع "صلاح الدين". لم آبه لإشارة صديقي وأقرر الاستسلام لنوم عميق ينسيني ما أنا فيه من كرب وتأزم حال . أتناول أقراصاً مهدئة ، لا أنتظر ذوبانها في دوامة بحري الهائج المائج . تأخذني موجات عميقة من النوم ، تفيض مسامات جسمي بقطرات باردة من العرق . أصحو هلعاً على ألم حاد في أذني ولوزتي . أشكو أمري الى الطبيب بعد أن فت في عضدي وسقطت صريعاً لسهام حمى ملتهبة . يساكنني المرض ثلاثة ايام بلياليها ونهاراتها وغليانها قال ناصحاً :

- اصبر على ما أصابك فلكل شيء استحقاقاته .

- كيف يصبر المريض على فراق أشد من المرض؟

- لم جاء الطبيب بسماعتيه وحقيبته وقلمه الذهبي ؟ يخط لك وصفة طبية ‍‍!

- أجمل الأيام ما يكون في الأمس وأحلى اللحظات ما كانت في الغد. الراهن وهم ومرض .

- أتلغي زمن الجرح والتأزم ! أتعجز أذناك عن سماع موضعه أو تحسس زمانه ؟ اني أعجب منك ‍!

- لا تعجب ‍! الغد يأتي بما كان والأمس يكتنز بما يكون ‍! هذا قدرنا… نحيا لحظة تجثم محلقة في زمنين : زمن النفس وزمن الذاكرة وما بينهما وهم وسراب كأنه حمى زائلة .

أتلقم كلمات صديقي ، أنهض منتصباً غير معافى . يأتي على غير موعد في اليوم الثالث ، يسبق دائماً يوم الأربعاء الجميل . أغادر غرفتي في صبيحة غدي الى الجامعة وأدلف في بهو المتحف . يلفني صمت مطبق فأنا في حفرة من زمن المتاحف والاندثار . يعلو صوت صديقي كل الأصداء المعلقة على الحائط العبري ، يغشاني بيت من الشعر طالما ترددت أصداؤه في أفق خيالي :

- " ما بال قلبك يا مجنون قد هلعا في حب من لم تجد في حبه طمعاً ".

أجوس محتويات المتحف العبري بنظراتي الغارقة في بحر من الصمت وموت الحركة . أتوقف خلف الباب الزجاجي ، أحلق بسمعي في قاعات المتحف العديدة . أصعد وأهبط بغير روحية التواصل العذب الذي تملكني ذات يوم وأنا أصاحبك . تفقد الأشياء والأسماء معنى الحياة ، وتتحول ذاكرتي الى متحف للموت المتجول في كل العصور العباسية والأموية والعثمانية . ما هذا السخف واللا معنى اللذان يبطنان زمن الفقدان المتكلس على جدران مائلة ؟ وما هذا السكون المستغلق الفهم ، الذي تجيش به أركان المتحف ؟ الواقع صورتان : تاريخ معلق بمسامير فولاذية على جدران خرسانة مسلحة . وراهن يتجذر خارج أركان المتحف يضرب بجذوره في أعماق الأرض الخضراء . أصوات الطلبة والطالبات تعلو أصداء الماضي . أخرج مسرعاً وأتخلص من قمع الجمود والموت المعلقين في زوايا المتحف .

تنكر أذناي أصوات الألسن الهادرة وزعيق الأبواق الهدارة . أفق الساحة الرئيسية يعج بأجسام آدمية تتحلق حول نفسها ،يراقصون مزهوين راهنهم السعيد . فاليوم " عيد الطالب" وغدهم يتداخل في بهجة العيد كما يكون أمسهم جذلاً فرحاً بيومهم . تتعاكس في عينيّ أزمان متماوجة في لحظة واحدة وتنصلب في ذاكرتي تقاطعات الموت والحياة . لا أثر للقلادة المقدسية في المتحف ولا بصمات أو قسمات تعد لي هيئتك على خشبة الرقص والغناء . أخترق الجموع الآدمية وحيداً أتفحص الراقصين من أخمصهم وأطراف أكفهم حتى أعلى شعرة متطايرة . تصيبني غشاوة الوجوه المتكاثرة في الساحة . لم أعد استجمع شفتيك الدقيقتين كحد السيف القاطع ولا رفرفات جدائلك الذهبية . أتيه في كل الشعور فلا أصادف خصلتك واسبح في بحور العيون المرسومة فلا أرتشف دمعتك . يتقاطع جسدي الأسمر النحيف مع أدغال العيون المرسومة والسيقان العارية فأعجز عن ملامسة كفك . أكاد أختنق من صهللة الغناء وقرقعة الموسيقى فيرتد بصري ناكساً الى حيث موضعه معك تحت شجرة الصنوبر على أطراف الساحة الكبرى.

أقرر في عتمة الفقدان الرحيل من المكان ، فما كان يربطني من عشق يتلاشى . أمتلىء بفكرة البحث عنك في أماكن أخرى ، ولحظات متفرقات تخلو من زمن المتاحف والاحتفالات . زمن لا يحتويه الزمن العبري الضاغط على قلبي ونفسي. أعود أدراجي الى الأسوار حيث النبع الصافي والحجارة الزمردية التي شكلت لي ذات يوم قلادة القدس . أقف وأنا أدقق بصري في قسمات الأفق الغائم الممتد شرقاً كترنيمة ناي أجهدتها أصداء المحتفلين بعيدهم في باحة الجامعة .

أعود قافلاً بجلد كفي اليسرى ، بقيت على حالها منذ اللحظات الاولى للرحيل غرباً . تلسعني بنمنماتها وخدرها ، تذكرني بيتمها وحزنها على شقيقتها التي تلفعت ذات يوم بجلد كفك . أضع كفيّ في بعضهما وأضغط ظاهريهما بفخذيّ كي أعيد إليهما تماثلهما وجلالهما . أضعهما خلف ظهري المحدودب وأنا أخترق "شارع صلاح الدين" صوب المحكمة الشرعية . أرغب في تسجيل محضر اعلام فقد هوية على هيئة قلادة مقدسية . ينهرني قاضي المحكمة العادل على تقاعسي في البحث عنها، على اهمالي لضياعها أصلاً . أثوب الى رشدي بعد اختفاء بصمات التقريع على جبهتي وقلبي . يحتار في أمري، يرفض القاضي منحي شهادة طبق الأصل للقلادة . يجن جنوني لموقفه الرافض دوماً منحي صورة عن شهادة ولادتك . لكنه لا يتركني فريسة للندم أو التآكل النفسي كما أستشعرهما .

يشير عليّ بالسعي رملاً حول الأسوار وملامسة الصخرة المشرفة ، والصلاة في المسجد الأقصى . لا أعرف بعد الحكمة من القيام بهذه الطقوس والمراسم ، لكنني لا أملك الا تمثلها والتفاني في أدائها عليّ أهتدي على أثر يقودني الى ضالتي أو قلادتها الماجدة . أعتقد جازماً أن تحلقي وسعيي حول رموزي المقدسة داخل الأسوار تفيض ايماناً وتشريفاً في قلب القاضي وذاته . أستشعر الارتحال بعمقه الروحي المقدس بجانب السعي رملاً حولها . مراسيم بحثي عن القلادة تفيض بشعيرة الارتحال . أتصبب عرقاً من هاجس الفكرة المقدسة ، بدأت تتملكني كأنها حمى طاغية من النوع ذاته الذي ألهب لوزتي غير مرة . شكّ روحي ساورني ، فتسائلت :

- كيف أقصى جسدي عن قلادة التاريخ ؟ هل أستطيع تحمل تحرير روحي من جسدي في زمهرير كانون الثاني ؟ أين أضع أطراف جسدي وكفي وقدمي حين أقرر الرحيل بروحي فقط الى قصر "الدولما بهجة"؟

أستغفر الله على تجاسري في التماثل مع مقامات الأنبياء المصطفين في ارتحالهم بالروح والجسد الى السماء . أقرر في سري مخالفة ما هية رحلة "البراق " حتى لا أتهم بالزندقة أو الالحاد . تبدأ ملامح رحلتي الى استنبول تتجسد في خيالي المرهف . أسأل نفسي عن السبب الذي يقودني الى هناك ، فتجيبيني :

- هناك المحطة الأخيرة التي توقف عندها "براق" الهوية عبر التاريخ ! انها آخر المحطات كما هي مكة أولها ! عليك الاستعداد للسفر على جناح الذاكرة والفكر . لكل شيء استحقاقاته ، فكما للعشق والتوحد في الذات استحقاق البحث والنظر فان للسفر استحقاقه في الاستعداد والتأهب .

أجوب أسوار القدس حجراً حجراً ، ألامسها بكفي اليمنى تيمناً بطيف القلادة الراحلة . أمعن النظر في طين الأسوار ومسامات المكان المخضب بدمع العيون. آلفها متماسكة في صفوف أفقية تشبه حبات القلادة المحلقة . أعجب من سر التشابه في الشكل والتماثل في الماهية بين محيط الأسوار وهيئة القلادة التي كانت يوماً سبحة . يطاول رأسي الغيم الخفيض فوق الأسوار فينقلب الغمام على هيئة رسم آدمي يفترش الأرض متربعاً وتنتصب القباب والأقواس على هيئة رأس شيخ جليل ملتح له من الشعر الكثيف شيبة بيضاء كالثلج . تكتمل دائرة ملامسة كفي لحواف الأسوار ، تحتضن في داخلها المنبر المحروق والصخرة الطائرة والأقصى الأسير . لا أستطيع التفريق بين طيف الأسوار وهيئتك فكلاكما يتحلقان حول الجسد المثخن والعنق الملتهب بحمى الحنين والارتحال .

أقاطع بخطواتي المتباعدة في سيرها عن الكف والقدم قيود زمن المتاحف الذي يلوح في الأفق الأزرق خارج الأسوار . تملأني حمى الرحيل بجمرات من الدفء ألتقطها من "فرن الخطاب المنطفىء " . لم أعد أكترث بزمهرير البرد القارس ، يهاجمني من الجهات الست كأنه دب قطبي يجيء من أقصى القطب الشمالي كي يعيق ارهاص الملامسة قبيل السفر شمالاً صوب الدولمابهجة .

يهمد التعاكس الحاد بين قطبي التجذر والرحيل . ينقطع انهمار المطر ، تستكين ومضات البرق ودوي الرعد . تعود ألسنة الحمى الى مسقط رأسها في المتحف العبري ، تتوقف كفي اليسري عن رجفها وخدرها كي يتسنى لي اتمام الوضوء لتأدية صلاة الفجر جمعاً في المسجد الأقصى.

أستفيق من غفوتي بعيد الفجر وأستأذن قلادتي ومعتقدي بالسفر الى آفاق هويتي التاريخية آخر محطات مسيرة الأجداد . أتسلق جدران القدس العتيقة وأسوارها القديمة . لا أنسى جسدي وهيكلي العظمي مركونين أسفل الجدار الشرقي في حفرة معتمة لا يملؤها مطر الشتاء ولا يجففها حر الصيف . حفرة أشبه ما تكون بالكوة فيها تستقيم عناصر الوجود باعتدال دون تيبس أو تعفن وأنا بهذه الخاصية القدسية لا أخشى على جسدي من التحلل أو الانحلال أو التيبس . أمتطي أعالي الغيم الأزرق ، طالما وجدته أسود أيام بحثي عن ذاتي على الأرض التي جمعتني بك . أجوب الآفاق بحثاً عن ألوان طيف السماء وتموجاتها في حر الصيف اللاهب وأكتشف سر طبيعتها السرمدية . فالألوان التي تملأ أفق نفسي تتكور دائماً حول لونها الأم ، كما طبقات الأرض تتمحور حول مركزها الدائم الاستقرار حول ذاتي رغم تموجات الحركة في مداراتها البيضاوية في أفق الكون الفسيح.

اللون الأسود هو سيد الألوان ومصدر بهائها وتوفرها على تمام شكلها ومضمونها وماهيتها ! أستشعر آفاقاً جديدة من المعاني الفلسفية لبحثي عن ذاتي في كون لا يجسده لون أو ذوق أو مشاهده ، رحلتي في ثنايا الألوان والصور تبقى كشفاً ظاهراً لطبيعة رؤياي للوجود الكثيف حول أطرافي ووجداني . ومجازية معايشتي للون الأسود في أفق القدس التي أرحل بها وعنها ترهص ايماني العميق بشفافية الضوء الأسود المنبعث من ثنايا السموات العلى.

أترك أسوار القدس حباً وشغفاً ، أتوحد بها في مكان آخر غير مكانها ، مكان لفّه السواد الحالك منذ عقود .

واستشرافي لبقعة أخرى في آفاق التاريخ لا يقودني الى استبدال المقدس بفكرة انبثقت عن حلم لتثبيت هويتي التي تجاوزت أفق البقعة المقدسة . ترتسم على مخيلتي شعارات ورموز استنبتها من حديقة التاريخ ، ارتحل عن أفق القدس قسراً في سالف الأيام.

أسبح في فضاء رحب وسهل لا تقطعه حواجز الأوطان والسياسة . أهيم شوقاً برحابة تاريخي الذي بدا لي كأنه بحر هادىء الموج . أنظر الى البقعة المقدسة من غير وجل أو تحسب ، فأجدها تمور شوقاً الى تاريخها الذي ارتحلت عنه أيام كان تاريخ للعناق . لم تعودي فتاة رائعة الجمال ذهبية الهيئة والقوام بل تتمطين كأنك حديقة غناء على شكل امرأة عارية بمحاذاة الشاطىء . تمتزج في خيالي رحابة التاريخ وحدائق الوطن وتقاطيعك . لم أعد أفرق بين تشكيلات الهوية الواحدة تاريخاً وأرضاً وانساناً . وعندما تتوحد الهيئات الثلاث في هيئة واحدة أندفع بقوة جذب الانتماء الى بؤرة أجد فيها الصدى الحقيقي لمقولات التاريخ . أهمس في ذاتي :

- أترك خلفي كل ما تحصل عندي ولي ! لم أعد أبحث عن صوتك ولا كفك اليمنى . الآن تقودني الى استنبول أصداء الماضي . لا عليّ ! الحاضر يكاد يقتل ما بداخلي من شوق ، لكني أعجز عن الهروب منه. أما أنت فتجيبيني :

- تهرب من الماضي وتتركني خلف الزمن ! لم يعد بي شوق الى حاضر تختفي منه ولا الى ماضٍ أشق جيوبي ندماً عليه لما كنا عليه من سعادة وفرح .

- البحث عن الذات حسرة أوفرح غامر ! هل تذكرين ؟ اني أصدح باسمك في ستر الليل البهيم ! وهل تذكرين كفينا وهما تتعانقان كأنهما طفلان توأمان ؟

- لا استبدل الحاضر بالذكرى ! نحن أسرى الزمن وحطب السنين ! لكننا أبداً لسنا ضحايا الزمن بل مادته التي تتشكل بفعل تجدده في الأفق البعيد عن ثنايا الجسد وتجاعيد الوجوه .

أستظرف صدى الكلمات التي تهدهد فيّ وجع السنين وأستمرىء غربة الروح والجسد في سبيل الاحتفاظ في ألبوم صدري ومرآة نفسي بذاك الايقاع المميز لصورتك واطارها ، تناثر نتفاً حول الأسوار وأمواجها العاتية . تختلط كتل الغمام الكثيف بأصداء الماضي ويلف شبحي طيف متعرج من خطوط زرقاء وسوداء . توحدي مع كتل الغمام لا يفقدني عفوية الحركة والانجذاب نحو آخر محطات الانتماء. أجوس بنظري آفاق السماء الممتد بين القدس واستنبول وأعجز للمرة الألف عن استيعاب تراخي الزمان والمكان . أحتار في أمري من عمق الفجوة القائمة بين صدى الماضي وصوته المجلجل في أفق الغيب المتناثر على كتل الغمام الكثيف . لم أعد أعبأ بتقلبات المكان أو تنوع الجغرافيا أو اختلاف البيئات الاجتماعية الجاثمة على رؤوس الجبال الشاهقة أو السهول الواسعة المترامية الأطراف أثناء ارتحالي الى "الدولمابهجة".

أتفحص وجه الأرض ، ينبعث منها صدى التاريخ ورائحة الماضي . أكاد أرى صدى الخطوات الاولى المرتسمة على سفوح هضاب الأناضول والقفقاس وديار بكر . لماذا هذا الهاجس ، يأخذ بزمام رقبتي ويعيدني الى خطوات الموجة الاولى لبحر الدردنيل أو البسفور؟ وهل يكون تكسر أمواج الزمن البداية الحقيقية التي ترهص دافعية السفر الى المنابع الاولى لأمواج الماضي ؟ لا أمل من قطع الفيافي والقفار بدءاً من خليج الاسكندرونة حتى رأس النبع القابع على نقطة التماس بين قارة أوروبا وآسيا ! أن خطوات حوافر خيول أجدادي ما زالت ترتسم أثراً كالقلادة حول هضاب شبه جزيرة الأناضول لا أشعر بصدى كافٍ يروي عطش الماضي السحيق ! لماذا يندثر التاريخ ؟ ولماذا ينقطع الماضي ظلماً عن معايشة الحاضر؟ انقطاع صوتي وصداه يكون مؤقتاً لتمثل زمن وفعل غابا منذ عقود. أرحل عن جسدي وبقعة انتمائي وأسوار قدسي لأرى طيفك كأنه كوكب دري يضيء سماء الأسوار ثم ينساح في أفق الأماكن والأزمان .

أهبط بتؤدة شاطىء بحر مرمرة ، أبدأ زمني البطيء صوب بوابة قصر "الدولمابهجة" ، يتواجد فيه رؤوس انتمائي ورموز حضارتي وأهل تراثي. تأخذني غفوة قصيرة ، أمتشق القضبان الحديدية ، أحتضنها حباً وشوقاً لمن أقامها أول مرة . أتذكر أني أعيش عصراً جديداً فيهزني خوف شديد على مصيري . أصمت طويلاً ، أسمع خطوات أحد الحرس ، يدك بكعب حذائه الأرض ذهاباً واياباً . تفترسني أوهام الراهن وأقول في سرّي إني أخاطر بروحي في تلك الرحلة الغريبة . الندم لا يصيبني ولا يساورني الشك في تحقيق مرادي . ماذا أريد من قصر الدولمابهجة ، خلا من سلاطينه منذ عقود عديدة؟ هل جئت أعيد السؤال على نفسي ومولاي السلطان ؟ لم تعد به حياة! هل تفيد مساءلة من هم في القبور ؟ العبث ينتابني ، ويدفع بي نحو العودة الى أسوار القدس ، أتردد وأصمد قليلاً بعد أن خمدت ثورة الشك في داخلي. أنتظر خارج بوابة القصر الفخم ، يلف ظلام الليل أرجاء الحديقة وجنباتها . أتسلل الى الحديقة الخلفية من خلال فتحات القضبان ، تنتصب واقفة على سطح الجدار الاسمنتي . أجوب أرجاء الحديقة وأمتع ناظري بما تحوي من برك ذات أشكال متعددة وتماثيل بديعة الصنعة . ثم أجوس بناظري ، أصبح حاداً وملهماً ، جنبات القصر الخارجية . ألتقي طيف شهيد أسوار أستنبول " حسن طوطلي" أصيب بست وثلاثين ضربة سيف وخنجر أثناء اقتحام جيوش "محمد الفاتح" للمدينة المحاصرة . يقودني "حسن" من غير ميعاد الى داخل القصر . يصحبني في جولة أتعرف خلالها على "الصالون الأحمر" و "الصالون الأزرق" و "الحرملك" ثم الكشك الشهير ، يحوي بين جدرانه "البيانو" الساحر!

أستمع الى إشراقات نغم حزين ينبعث بخفة وهدوء الى أجواء الكشك والقصر . يعتصرني الألم ، يشنّف أذنيّ بلحن الغروب التعس ، لف أركان القصر منذ عقود عديدة . من هنا تنطلق جحافل الجيوش والخيالة الى بلاد العرب والعجم . التقاء آسيا وأوروبا في الاستانة لم يكن مصادفة ، نبوءة رسم خيوطها وحي من خلف الغيم الداكن حول البقعة المقدسة والأسوار الشاهقة . انها النبوءة ، لا تكذّب نبيها ولا صاحبها .

يقودني "حسن " الى مسجد القصر فتهب لملاقاتي تكبيرات المصلين ، امتلأت وجوههم حبوراً بما هم عليه من غبطة وسرور . لم تسعفني الخطوات وانثنت ركبتاي على عتبة المسجد . شنفت أذني أصوات المصلين بعيد صلاة العشاء ، في خشوعهم يبتهلون الى الله العزيز القدير أن يديم عز الخليفة "عبدالحميد الثاني" !

ألقى نظرة قوسية بطيئة الى صفوف المصلين ، يتقدمهم سلاطين آل عثمان وأتذكر بألم شديد واقع حالي ، عدت عشرات السنين الى الوراء بحثاً عن ذاتي ، ضاعت أو كادت في ثنايا الزمن المندثر . لماذا أعود الى قصر "الدولمابهجة" ، تركه أصحابه خلواً من الصوت والصدى ؟ أعود الآن حباً في معرفة مصيرك ، اختفيت منذ لأي حول أسوار القدس . أعود الى آخر محطات التاريخ البلدي ، أجتلي طلعتك للمرة الثانية بعد أن لم تسعفني كتب التاريخ والفلسفة !

أجوس بنظراتي الحادة موجودات المسجد من وجوه وأحداث وصور وأشياء ثمينة . وألوذ بالصمت الرهيب خشية افساد الصلاة أنهوا للتو صلاة العشاء . أتحرك قليلاً بعد أن أسعفتني تكبيراتهم في تحسس طريقي الى أنحاء القصر ، اعتذرت لـ "حسن طوطلي" عن الدخول ومصافحة وجوه المصلين . لكن سؤالاً محيراً ما زلت أتحسسه في أعماق ذاكرتي المتعبة ! أين أنت ؟؟ أين القلادة ؟؟ وما حالها بعد هذا الغياب الطويل ؟ لعل وجوه القوم يؤشرون ويشيرون عليّ بمكان تواجدها ، أعيتني الحيلة في البحث عنها . انها فكرة تملكتني ، لم أجد لها فكاكاً رغم تحسبي الشديد من التهم الموجهة الي كرجعي ينبش التاريخ عبثاً للبحث عن ذاته المعاصرة التي ضاعت في ثنايا الأحداث والأماكن والمسميات!!

أجابني "حسن طوطلي" بشيء من البرود أن بحثي عنك غير مجد في آقاصي بلاد الله وأنك تبحثين عني حول الأسوار بعد أن أجهدك حلم أصابك بالغم على مصيري ! أتذكر أصداء صوتك ، غاب عني منذ سنين . قررت العودة من فوري علّ استشعاري للأمر يأخذ منحى أكثر ايجابية من محاولاتي الفاشلة عبر البسفور والدردنيل.

أستغرب سهولة السفر أثناء العودة الى الوطن والأهل كما أستغرب ذات يوم صعوبته ، أهيم بكل ذاتي في سماء فسيحة تكاد الكواكب والمجرات تفقد مداراتها من شدة اتساعه وسواده! انثني من فوري الى "الصالون الأحمر" و "الصالون الأزرق " و" غرفة السلطان" . أتحسسها بتؤدة كأنني أودعها الوداع الأخير .

يخرج من غرف القصر وقاعاته الفسيحة بعد أن أشار علي باشارة طواف الوداع حول موجودات القصر كي تكون لي عوناً في قادم الأيام ، وأنا أتحسس طريقي نحو ذاتي وحلمي وتاريخي . خرجت بصمت وهدوء الى حديقة القصر ، أتوجس خيفة من الحرس المتناثر حول القصر الصامت . تسللت الى حيث البوابة ، دخلت منها قبل ساعات معدودة . تصافحنا وتعاهدنا على اللقاء مرة أخرى في مكان آخر وزمان آخر . لم ترتعد فرائصي عند مغادرتي السور الخارجي ، طفقت تتهادى على أمواج البحر الهادر خارج الرصيف .

لم تتح لي فرصة الحوار مع وجوه القوم ، يعرفون أو يفترض أنهم يعرفون سبيلك وحقيقة قلادة زين النساء . أيكون ما تحصل عندي من مشاهدة الزاد الشافي الكافي لي في رحلة العودة الى الوطن ؟ أرحل كي أستحضر التاريخ ولا أعيد الحاضر الى عتمة الزمن المندثر . ما أردته كان تمثلاً لزمنين مختلفين لصيرورة ذاتي ، انكفأت في حاضرها رغم زهو ماضيها ومجدها الغابر. مفارقة أردت أن أحل اشكالاتها لكنني لم أصب النجاح الذي كنت آمله .

هبطت داخل الأسوار ولم أستطع رؤية أطرافي وباقي جسدي، الضباب الكثيف يلف المكان . تعمدت الالتصاق بحبات المطر الجنوبي النازل من السماء الملبدة بغيوم سوداء داكنة ، يشتد هطول المطر وتتسارع رياح الشتاء العاتية من جنوب وغرب . ألفيت جسدي اغتسل وعلته صفرة الموات ، أصابته بعد انفصاله عن نفسي وذاتي . أتلبس به ثانية ، تضيع الجراح التي أصابتني بفعل الانفصام الحاد . تنتابني الشكوك ، خطأ ما ارتكبته : تخليت عن جلدي العربي ولساني القرشي وثقافتي الراهنة .






تعليقات حول هذه المقاله
العنوانالكاتبوقت الإضافه

تصويت
ما رأيك بالموقع ؟
ممتاز
جيد
مقبول
سيء
نتائج التصويت

حجة بالوان العصر


لوحاتي




كتاباتي

غزل الذاكرة
زمن المرايا
وطن العنقاء
كثبان الذهب الأسود
أبو علي إياد
تأملات مصطفى صبري
الأولاد والشمس
إنشطار الذات
معركة النفق
مكانة القدس
جدار الفصل العنصري
وطني ليس حقيبة
إمبراطورية النفايات
قراءات أمنية
امرأة لا تغار
صراع لا يموت
أصحاب الملايين
صوت الذاكرة


الساعة

صدر حديثا


 
Qalqilia NetWork