إبحث عن:    
القائمة الرئيسيه
صفحة البداية
القصة القصيرة
القصص والروايات
دراسات و ابحاث
المقالات والترجمات
الكاتب يوسف العيلة
معرض الصور
شاركنا رأيك
English Site

تسجيل الدخول
إسم المستخدم:

كلمة المرور:


تسجيل
هل نسيت كلمة المرور

المقالات الأكثر قرائة
1 من الممات إلى البعث .... نظرة إسلامية تقليدية
2 تأملات - الفصل الخامس : موروثات
3 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المصادر والمراجع)
4 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المقدمة)
5 الإسلام دين الفطرة الإنسانية

الكاتب يوسف العيلة


جديد الروايات

 

صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في رام الله دراسة بحثية بعنوان " لسانيات الخطاب الشعري المعاصر ، ليليان بشارة - منصور نمرذجاً " للروائي يوسف العيلة . تضئ الدراسة بعضاً من واقع اللغة العربية في الداخل الفلسطيني . ويقع هذا الإصدار في مئة وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، وهو السابع عشر في سلسلة إصدارات يوسف العيلة النقدية والروائية .


قراءة المقاله



الجزء الثاني
كتبت بواسطة: يوسف العيلة - el 10/04/2005 - 1281 زوار        


تحرير المستقبل من الماضي وتحرير الماضي من المستقبل
بحث مقدم لمعهد جوته - برلين (المانيا)

أولاً :الماضي : جوهر أم عرض
أرى بأم عيني صاحبي يغذّ الخطى في ثنايا الزمن الذي كان ويكون يبحث عن الجوهر دون العرض . وجوهر الماضي حقيقة إنسانية لا سبيل إلى تجاوزها أو شطبها لأنها المعنى الحضاري الذي نعايشه في مجالات الإبداع الفني . ذاك الإبداع الذي خلد إرهاصات نوعية تشكل في كل الحقب والأزمان معنى وجود الإنسان ومغزى صيرورته التي تخلو من العبث واللامعقول . واذا لم يكن الأمر على هذا النحو فان ماهية الوجود الإنساني تتساوى في عتمتها وجاهليتها مع عالم المخلوقات البهيمية التي يتمايز عنها الإنسان بصفاته العقلية والمبدئية .

هكذا يعرّف صاحبي رسالته وهو يهم بمواصلة السفر إلى الماضي الذي لا يقبع خلفه بل أمامه لأنه جوهر : والجوهر لا يفوته الزمن ولا تتجاوزه اللحظات رغم تقادمها وتراكمها. والفارق الأساس بين رحلته في عوالم المستقبل الآتي وبين الماضي الجوهري الذي كان بحسابات الآلة ، هو ذات التشابه المتصل بين فعلين حضاريين أحدهما ممكن : أي سيلده عالم الإمكان والثاني كائن حي ينبض إبداعا وحيوية ويتسم بالخلود والديمومة الإنسانية رغم كرّ الزمن وفره .

والوجه الآخر للماضي الذي لا يرصد صاحبي له أثراً أو بصمة فهو ماضي العرض المتصل بمسلكيات الحروب والنفي والمصادرة التي طالت إنسانية الإنسان في القرون الماضية وأمست وصمة عار في جبين أبواتها من تجار الدماء والأيديولوجيا والمصالح المادية .

وبسبب جوهريته يصبح الماضي atemporal أي كائن خلاّق يحيا فوق التقطيعات الخارجية للزمن : الماضي والحاضر والمستقبل . وهكذا يتصل الفعل الإبداعي الإنساني كأنه صيغة واحدة لا تقبل التقطيع أو التجزئة رغم التراخي الزمني والتشتيت المكاني اللذين يحدان في العادة من إنجاز وحدة الإبداع الإنساني المحلقة في بقاع العالم المتباعدة وأزمانه المتناثرة .

أما العرض المتصل بجهامة الواقع واحتكاكاته الإقليمية والوطنية والقومية ضمن أطر الثقافات الأيديولوجية أو السياسية فان تراكمات الزمن تفنيه وتفت من عضده ثم تطمره في مزبلة التاريخ الذي لا يرحم أصحاب البدايات البائدة .

ومن لا يصدق ما يرصده صاحبي وهو يجوب أفق الماضي المندثر فاني أدعوه لالقاء النظرة الأخيرة على حطام عرش نيرون الجاثم على كومات من رماد الحريق الذي التهم روما في يوم من الأيام . وأحذره من تتبع خطوات الغزاة الذي أشعلوا حروب الكراهية والعرقية والدينية مثل اسكندر المقدوني ، وستالين ، وهتلر ، وموسوليني وجنكيز خان.

والسؤال الآن ألم يكن هؤلاء الأبوات وأمثالهم ملء سمع وبصر العالم ذات يوم من أيام الماضي ؟؟ ماذا تبقى منهم ولهم ؟؟ وهل استطاعوا أن يخلدوا لهم مكانة في صفحة التاريخ الإنساني كما فعل نظراؤهم أصحاب الإبداع الفني أمثال جوته وشكسبير والمتنبي وغيرهم الكثير ؟؟

أما خلود الشاعر الإنسان في بحثه عن ذاته وحقيقة الزمن فيعتوره اشكالات الوصل والاغتراب التي تأخذ بناصية عقله وقلمه . وعليه فان إحساسه بالاغتراب الروحي يأخذ بتضييق الخناق عليه وكأن إحساسا جديداً رهيفاً نحو الكون والإنسان يبدأ بالظهور بعد رحلته العقلية في عوالم المستقبل المتخيل ، حيث يدفعه ذات الاغتراب للقيام برحلة شعورية أخرى في ثنايا الماضي الجوهر . وكأن هذا الإحساس وتلك الحياة ليسا حقيقيين ، وانما متخيلان : فهو يحلق في عالم جديد وبيئة جديدة بروحه الوثابة جاهداً المواءمة بين نفسه وطبيعة تلك الحياة من خلال التكيف مع أحوالها ، لأن في هذه الحياة الجديدة متعة رومانسية تزيد من شغفه وقوة روحه . أو أنها البديل الغائب الذي يجد فيه السلوة عن حياته الواقعية .

ويشبه صاحبي الشاعر "يوهان جيته" الذي امتزجت روحه بروح الشرق واختلط دمه بثنايا النفس الشرقية حيث نفذت الروح الشرقية إلى أعماقه وتفاعلا حيث تمخض عن هذا التفاعل فلسفة شفافة . وملخصها:" أن كل شيء في الحياة تطور وتحول ابتداء من النبات ، ماراً بالحيوان ، حتى الإنسان. واللحن السائد هو التحول ولكن ليس معنى هذا التحول أن يتحول الإنسان من شخص إلى شخص آخر فقط ، وانما هو بشخصيته يظل ثابتاً طوال هذا التغير . وجيته يتغير تارة إلى حاتم ويظل مع ذلك جيته نفسه ، ويتصل بهذا التحول عودة الشباب ، فجيته الشيخ يتحول بواسطة الساقي إلى شاب ."(22)

ونظرته تشبه نظرة الفيلسوف الفرنسي المعاصر لافل وهي النظرية التي ترمي إلى القضاء على الماضي وافنائه في الحاضر ليتكون من الاثنين حاضر متصل سرمدي . وهذه النظرة التصوفية لا تخلو من معنى سامي عميق يدعو إلى الموت لأن في هذا الموت الحياة الحقيقية .

وهنا نجد أيضاً تعبيراً رائعاُ عن روح ديونيزيوس اله الخمر عند اليونانيين . والتجربة الروحية الديونيزيوسية تشمل أولاً القدرة على إفناء الشخصية الفردية من خلال الاحتراق في لهيب الموت طوعاً ثم تقوية غريزة التزاوج والانتاج تأكيداً لديمومة الحياة .

أما عنترة العبسي فانه يرصد في ميميته موقفه الناهد صوب تحقيق الذات الاجتماعية من خلال مقارعة الموت في ساحات الوغى . والفارق الأساس بين القصيدين أن في الاول فكرة الاستسلام للموت من أجل الانتصار عليه . أما عنترة فان الانتصار على الفناء يكون من خلال الخلود المتصل بانتصار الفارس على غربته عن ذاته .

في قصيدته يتحدث جيته عن " عملية إعادة الشباب التي قامت بها هجرته إلى الشرق، ويصف كيف استطاع الشرق في بساطته وفطرته وأفكاره البدائية التي لا تنتجها الشعوب الا في طفولتها وشبابها ، أن يحيله إلى شاب . كما استطاع ينبوع الخضر ، صاحب الكليم موسى، أن يعيد الشباب إلى حافظ الشيرازي بأن شرب كأساً من هذا الينبوع ." (23)

(22) ترجمة / عبدالرحمن بدوي ، 1980 – ص 31-32

(23) نفس المصدر السابق .

وعلى الرغم من هجرته وتوشحه بمسوح الشرق ، ظل جيته نفسه أي ظل رجلاً غربياً ألمانياً يفكر تفكير الغربيين وينظر إلى الوجود نظرة الألمانيين . كما ظل صاحبي يدرك الفارق الأساس بين جوهرين أحدهما في هيئة عنترة الشرقي النمط والثاني في صورة جيته الغربية المضمون . " يحاول جيته في قصيدته أن يمزج بين الماضي والحاضر وأن يركب منهما تجربة روحية واحدة ، يقضي بها على هذا التنازع الأبدي بين هذين الآنين من آنات الزمان ".

أما صاحبي فقد أعجبه في حافظ الشيرازي وجيته إقبالهما على السرور وعلى التمتع بكل ما تأتي به اللحظة الحاضرة واللحظة الماضية في اللحظة الحاضرة . كما استهواه فيهما سخريتهما من الزاهدين العازفين عن الحياة . وهام أيضاً في عوالم شكسبير الذي غاص أعمق من غيره من الشعراء في ثنايا الطبيعة البشرية في صراعها مع الخير والشر .

ثانياً : لغة الشعر والشريعة

والماضي الجوهر الذي يستشعره صاحبي في اسطنبول ومكة وروما وأثينا والهملايا هو في حده الأقصى ظاهرة أبدية حيث يتبدى نزوع المتعدد إلى الاتحاد بالواحد أو نزوع الفرد إلى الفناء في الله . ولغة هذا النزوع أو المظهر الذي فيه يتحقق ليس القول أو القوالب بل الصلاة أو المضمون الدائم . هذه الصلاة لا ألفاظ لها وانماهي صلاة عقلية تقتات على مادة النقل الاولى التي هي جوهر الدين أو الأديان مهما اختلفت شرائعها .

لكنها تبقى تنهد صوب القول والتعبير اللغوي الذي يجذرها في إطارها الثقافي المحلي دون عمومية إنسانيتها . وهنا يكمن الخطر عليها لأن القول لا يستطيع أن يعبر عن الظاهرة الأبدية للدين في طهرها وصفائها وشدتها . كما أنه يحيل التجربة الدينية التي هي تجربة حية أي في تطور وصيرورة مستمرة إلى شيء متحجر ميت . فالتجربة الروحية ابنة اللحظة التي يعايشها المرء بينما القول يجعلها خارجة عن الزمان وعلى الزمان . وفي هذا المعنى يقول نوفالس :" الصلاة في الدين كالتفكير في الفلسفة . فالصلاة هي التدين .. والحاسة الدينية تصلى . كما أن عضو التفكير يفكر ". (24) والأديان ليست الا محاولة لتحقيق هذه الظاهرة الأبدية ، فهي في غايتها وفي جوهرها واحدة ، وانما لغة التعبير عن هذا الجوهر وتلك الغاية التي تختلف بين الدين الواحد والدين الآخر . فلننظر إلى الأديان المختلفة نظرتنا إلى أنواع النباتات المختلفة : أي لنحاول أن ندرك في كل منها الظاهرة الأبدية للدين . وليست تعنينا بعد الصور المختلفة التي تظهر عليها في كل دين من الأديان ، أو الأسماء التي يطلقها عليها أصحاب كل دين ! : " فما الاسم الا ضوضاء فارغة ، وبخار قاتم يكسو بالظلمة نور السماء " الذي هو الظاهرة الأبدية للدين . لهذا لم يجد صاحبي ديناً بعينه يستطيع أن يعتنقه اعتناقاً تاماً.

(24) نفس المصدر السابق ، صفحه 35

وعليه فان صاحبي الذي استهوته رحلة المستقبل يوماً تستهويه رحلة الإبحار إلى الماضي باتجاه الأمام . أي أنه مستعد للتضحية بذاته التي لم تعد تتوفر على خصوصية الهوية النابعة من ثقافة محلية ما بل ذاتاً إنسانية صادرة عن جوهر إنساني يحوي كل خصوصيات الذات والآخر .

هذه الفلسفة تحتضن في حناياها هيئة الصوفي الزاهد وصورة الرومانسي المقبل على الحياة . ولا عجب فهي مزيج من كل الثقافات الروحية التي وعاها في نفسه : اليونانية ، البوذية والرومانية المسيحية واليهودية ثم الإسلامية .

فعن اليونانية (25) أخذ فكرة التحول إلى طبيعة أعلى باستمرار في سلم من التصاعد الروحي . والعلاء على الذات بالقضاء المستمر على الصورة الراهنة من أجل الارتفاع إلى صورة أسمى وأتم . مما يتمثل في القول اليوناني المشهور المنسوب إلى بندار : " صر إلى من تكون !" أي تحول وفقاً لإمكانياتك محققاً اياها شيئاً فشيئاً . ولا تستقر عند حالة واحدة .

وعن الروح الشرقية أخذ فكرة العشق الالهي الذي يحاول فيه المرء أن يفني ذاته ، أي صورته الراهنة ، لكي يتحد بصورة عليا هي صورة الصور ، وهي هي الله . وهذا العشق نوع من احتراق المحب في نار المحبوب كما كان حال الحلاج في حلوليته وابن عربي في اتحاده وابن الفارض في عشقه للذات الالهية . وعن الروح المسيحية : تلقى فكرة العزوف عن الدنيا والنزوع إلى عالم أسمى . لكنه لا يأخذ أيا من هذه التجارب بل يحيلها في بوتقته الخاصة مكوناً نظرته في الوجود.

ثالثاً : السفر داخل الذات

وما زال حال صاحبي يتوفر على رؤية نافذة تتصل بالمفاصلة بين الماضي المقدس ونظيره المدنس . ولما كانت رحلاته تتنوع في عموديتها وأفقيتها (26) فإن ارتحاله الحالي يتباين عما قام به في غيب المستقبل ومن ثم الى الماضي الجوهر . وعليه فإنه عازم هذه المرة على السفر العميق داخل الذات التي يتصل أولها باللحظة الراهنة ويمتد آخرها بأهداب الأنا التراثية التي تختزن جرار الجوهر العتيق (27) الذي كان ويكون وسيكون عبر وحدة الزمن الممتد ذي البعد الواحد والمسمى الواحد .

هكذا يرصد ذاته المجنحة وهي تطوف المكان الجوهر والزمان الأبدي اللذين يصيغان في كل لحظة الظاهرة الأبدية لانسانيته الغضة وعترته المقدسة وجذره الوهاج الممتد في أفق رحب يسابق كرات الزمن وفره .



(25) نفس المصدر السابق ، صفحه 92

(26) العمودية : أي الفلسفة الروحية . الأفقية : الفلسفة المادية .

(27) الظاهرة الأبدية للدين أي دين الفطرة .

يعقد النية على السفر الى محطات تركت بصمات يانعة على ماهية وجوده . وكان مبدأ سفره من القدس (28) . جال وجاس بحواسه الستة أسوارها وأقواسها وتكاياها ثم انثنى يمنة حيث استظل شجرة زيتون عتيقة . هناك في ركن ظليل استعد لرحلة التفتيش عن الذات التي شاهت حينا وشاخت حينا آخر واعتورها العطب أحياناً أخرى.

وفي بحثه الروي عن حقيقة الزمن وتشابكه في ثنايا المكان يلج صاحبي عالمه الوجداني مستحضرا خوابي نفسه وجرار ذاته وكأنه يستعد لمعركة فاصلة (29) مع مقولات الزمن المتطور وثوابت المكان الذي طالما اهتز بفعل ارتجاجات التاريخ السياسي لأمته التي عانت من اضطراباته الداخلية لدرجة افتقدت او كادت قداسة الفكرة .

في طوافه السابع (30) جاس نظره أرجاء المقدس المتعدد . غمرته النشوة الروحية العارمة وهو يتلفع بأنوار الصخرة وبهاء المحراب الذي كان ويكون ثم استوقفه نور القيامة المجيدة . من داخل أسوار القدس انطلق نور المسيحية الى أرجاء الارض ناثراً محبة الله في الانسان وممجدا فداء المسيح الذي قام (31) ، والى القدس ، ارض المحشر والمنشر ، سيعود نور الله في آخر الزمان بعد ان تكتمل دورة الزمن (32) وتعود البدايات التي كانت وكأنها ابنة اللحظة الآنية في نضارتها وحيويتها ، ثم تتشكل النهايات كأنها البداية الابدية لحياة الروح التي أدماها صراع الخير والشر على مر الحقب والدهور .

إنها اللحظة المطلقة ، لحظة الحقيقة الدائمة التي تحتضن تجربة الله على الارض والتي حمل لواءها الانسان الذي كثيراً ما أخفق في حفظ قداستها بسبب طمعه وأنانيته وعدوانيته . ألم أقل لكم ان صاحبي صاحب رسالة متعددة تقبل بالآخر وزمنه ومكانه بصدر رحب ! ثم ألم اعترف أنا أيضا بأن سفره في المستقبل والماضي وداخل الذات يشكل منظومة من الأسئلة الجادة التي تسعى لرسم قدرة الانساني بغض النظر عن خصوصية الهوية والانتماء !

اذاً ما ضره أو ما ضرني لو أمتطى رياح الزمن وجاب آفاق الماضي من غير تعصب أو تحييز حتى يرسم بقلمه الاجابة الصريحة على أشكاليات الأنا التراثية التي اكتنزت تناقضات الصراع مع الآخر المتعدد . واذا كان تراثه الاسلامي مزيجاً من نورانية الفكرة وعتمة الاسلوب فإن إنسانية الرسالة تغني عن الانكفاء في وهدة التعصب الذي أقام الدنيا وأقعدها في قارات العالم القديم .



(28) للتذكير برحلة الرسول الكريم محمد من مكة الى القدس ثم السموات العلى (الاسراء والمعراج)

(29) اشارة الى مسألة عدم اندماج الانسان بعصره الذي يعيشه .

(30) اشارة الى السعي بين الصفا والمروى / من شعائر الحج في مكة المكرمة .

(31) اشارة الى القول : " هل قام المسيح ؟ نعم ! حقا قام ! "

(32) اشارة الى الفكرة الاسلامية القائلة بقيام الساعة حيث تكون القدس أرضا للمحشر والمنشر .


الآن يحط رحالة في اسطنبول (33) : آخر محطات ذاته التي فقدت الاطار السياسي وتناثرت مضامين راية العسملي شذر مذر وكأنها بناء عظيم الاركان لكن الصمت يلف اركانه من أقصاه الى أقصاه . ألم يكن قصر "الدولما بهجة" في يوم من الايام باباً عالياً يؤمه السفراء والنجباء والعساكر فوق خيولهم المطهمة وسروجها المذهبة ! انه يتساوى في صمته ومواته متحف "أيا صوفيا" الذي علاه غبار الزمن مرتين : كانت الاولى في تحويله الى مسجد والثانية في اعتماده كمتحف وطني يقيم في جنباته رفات زمنيين مندثريين عبرا عن الحقد السياسي والتعصب الديني . يا ابن آدم إفعل ما شئت ! فكما تدين تدان !

الصورة ذاتها رسمت ذات يوم أطماع نابليون بونابرت في عنجهيته لفرض إرادته على الدول المجاورة ! كان لا يؤمن بوجود المستحيل ، ويعتقد جازما ان قوته العسكرية قادرة على الانتصار على خصومه (34) . وهكذا فقد حلم الثورة الفرنسية زمنه ولونه وأمسى كابوسا ضاغطا على أنفاس حتى المؤمنين بمنطق الثورة في جل أنحاء العالم ومنهم شاعرنا جيته الذي استشعر حقيقة الحدث ذاك في كونه يمثل زمنا قسريا لا سبيل لاستمراره لأنه قائم على الكره والنفي والمصادرة .. تلك قيم سالبة كثيرا ما يشتعل أوارها في صدور أصحابها لكن سرعان ما ينطفيء سعيرها وتتحول الى رماد من سنين .

هذه صورة للزمن السالب الذي يخلو من شفافية التآخي الانساني ونورانية حب الله الخالق لكل أبناء البشر على اختلاف هوياتهم ونوازعهم ومصائرهم . واذا كان حري بأصحاب الضمائر الحية إعادة البسمة الجميلة الى قسمات الزمن الموجب فإنه من الواجب ايضا تحمل تبعات الزمن السالب ومن ثم مقاومته من أجل تأكيد مبدأ ان الانسان هو الذي يخلق الزمن ثم يحاوره في حالة السلم ويحاربه عند اشتداد الخصومة بينهما .

ان الرضى عن الذات هي الغاية الانسانية القصوى التي يسعى اليها صاحبي في سعيه الحثيث لتأكيد ذاته الحضارية . وما فشله المحتمل الا علامة استفهام كبرى يطرحها بمحض اختياره لإعادة تأكيد إنسانيته الجريحة . هذه الصورة الحية النابضة الكامنة في وجدانه والتي أخفق تاريخه في رسمها على حقيقتها وكما ينبغي لها ان تكون . اذا ما العمل وهو يحمل على وزره منظومة متكاملة من الأسئلة التي تشكل في مضمونها نوعاً من المحاكمة الانسانية الرهيفة لعدالة ناموس الله على الأرض الذي لم يتبلور في أي حقبة من حقب التاريخ حتى في حده الأدنى . هذه المساءلة ليست خروجا على الله ولا عن جوهر قوانينه بل بحثا عن التقوى(35) داخل صدور بني البشر المؤمنين بعقائدهم نظريا لكنهم يمارسون الكفر والتكفير على أرض الواقع المرتج أبداً .



(33) باعتبارها دارا لآخر خلافة اسلامية شهدها التاريخ .

(34) اشارة الى استخدام نابليون للقوة العسكرية ضد جيرانه وأبناء شعبه على حد سواء .

(35) اشارة الى فلسفة الشاعر الألماني "يوهان جيته" .


ألم تكن نازية هتلر مثالا صارخا على الايمان الأعمى بحق القوة القاهرة !! كانت فلسفته العرقية الشوفينية (36) مثلا على جبروت القوة العسكرية التي تحاول خلق زمن مطواع، يحتضنها قسرا وعنوة . لكن قوة الحق في صدور من استهدفهم بطغيانه قلبت له ظهر المجن بعد ان خاضوا معه حربا ضروس أكلت الأخضر واليابس . وانتصرت في نهاية المطاف قوة الحق على حق القوة ، وكانت العبرة ذات معنى عميق : فالحق له زمن في كل الأزمان ولا يفنى أما قوة الباطل فلا زمن لها يخلدها لأنها عمياء بكماء فقدت البصر والبصيرة ، تموت قبل ان تولد وتفنى في خضم تطورها لأنها بلا مستقبل .

أعود الآن الى صاحبي الذي عاد أيضاً الى بيتنا الطيني الصغير (37) الذي يطل على القارات الخمس . من داخل عقدنا أشتم رائحة ماضينا العتيق كما أتحسس بملء عقلي صوت المستقبل ورنينه خلف شبابيكه الخمسة التي تدخل اليه النور والضياء من كل أركان الدنيا . وبيتنا ليس كبيراً بما فيه الكفاية كي يحتضن شعبا أو حتى قبيلة ! بل انه كبير كبير يتسع لكل محبي العالم وشعرائه وفلاسفته الذين يعشقون اعتدال طقسه وطقوسه في كل فصول السنة .

بيتي ، الذي هو عين ذاتي ، يحتضنني مع صاحبي الذي يجوب بعقله كل أصقاع الدنيا وأزمانها وأماكنها وأحداثها ثم يعود سالما وأكثر بهاء ونضرة . انه بالضبط مثل بيت عقدنا في ثبات جوهره واعتدال مزاجه ورحابة روحه الانسانية التي تأخذ الجوهر من أشكال الحضارات الثماني (38) ثم تحيله الى طابون بيتنا حيث تعمل فيه النار المقدسة عملها فيخرج رغيفاً شهياً يتماثل في مذاقه وعذوبته موسيقى بيتهوفن وزرياب وكورساكوف (39) . كما أنه يفوق في مجده وسؤدده الانساني موسيقى فاجنر وأصدائها الصاخبة التي شهدت في يوم من الايام انقضاء زمن من الحروب العاقرة (40) .

(36) إشارة الى التعالي النازي العرقي القائل بتفضيل الجنس الآري على باقي الأجناس البشرية .

(37) إشارة الى خصوصية الهوية الاجتماعية والوطنية .

(38) هي الاوردية ، الصينية ، الارثوذكسية الشرقية ، اللاتينية الغربية ، الاسلامية ، الافريقية ، اليابانية والهندية .

(39) بيتهوفن : موسيقي ألماني ، زرياب : موسيقي عربي . كورساكوف : موسيقي روسي ، فاجنر : موسيقي ألماني وكانت موسيقاه أثيره الى قلب الزعيم النازي هتلر .

(40) إشارة الى الحرب العالمية الثانية حيث تم توقيع معاهدة استسلام فرنسا في بداية الحرب على أنغام موسيقى فاجنر .

رابعاً : زواج من جديد

يتذكر كلانا ، صاحبي (41) وأنا ، الفتاة العانس (42) وهي تقطع علّي خلوتي في يوم من أيام آب اللهاب . كان العنس آنذاك يخمد في صدرها وهج الشباب الذي اضمحل وذوى في مقارعة زمن الانتظار والحسرة على ما فاتها من حلم جميل بسبب الأسر والمصادرة . والآن "ثائرة" (43) أشد ما تكون دهشة وهي تحدج عقارب زمن العرض والحروب تذوي وتختفي من صيرورة الجوهر النابض حياة في اللحظة الحاضرة التي هي كل حين من أحايين الزمن التقليدي .

أراها تعود ثانية الى شبابها كما يعود الفينيق (44) بعد أن يعايش تجربة الفناء من خلال الاحتراق فيغدو في مقتبل العمر متمتعاً ببهجة الحياة وأمل الشباب الحالم . والعودة الى الشباب ثانية هي حلم الحالمين في كل زمان ومكان . وللعانس الحق ، كما كان لجيته عندما تحولت شيخوخته الى شباب ، أن تعود أدراجها الى زمن الشباب حيث تمسي تجارب الحروب والأسر ، التي عايشتها وهي تنتظر خطيبها ، كأنها لم تكن . فالحروب وجراحها مهما امتدت وتعمقت تبقى في حكم الزائلة أياً كانت دواعيها ومسبباتها لأن العقل الجوهر لا يجيز ثبات بصماتها على جبهة الزمن المتجدد .

ألم يقل جميل بثينه (45) : " ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيب". يعبر الشاعر عن حقيقة إنسانية تساكن كل بني البشر في صراعهم مع الزمن وحنينهم الأبدي الى الماضي السعيد الذي يشهد على فتوتهم وتفتحهم النفسي والجسدي : أي سيطرة الحلم على قوى الواقع الغاشمة . انه صراع المستحيل : فيه يحاول الانسان ما وسعه الأمر الانتصار على تفاعلات الزمن من شيب وضعف قوى . ولما كان الانتصار على الزمن في أرض الواقع ضربا من المستحيل فقد اكتفى الشعراء والفلاسفة بإعادة تشكيل بصمات الزمن على نفوسهم وكأنهم يتحايلون على منطق الزمن من خلال التماهي مع روح الشباب أو التحايل على آثار عدوانه على حواسهم وهيئتهم . ومع ان الزمن لا يعيد نفسه ولا يتكرر بنفس صورته التي كانت أو تكون ، الا ان بعض فلاسفة الروح يصرون على عودته بالتناسخ (46) . انه أسلوب تفكير منبعه الشرق الهندي والعربي ! حيث البدء من جديد بعد انقضاء الأجل ثم يكون التباين في الهيئة والمكان وتراتب الزمن . أما الجوهر فيبقى هو هو كأنه حقيقة أبدية لا سبيل للموت في الانتصار عليه رغم فناء الجسد.

(41) صاحبي وأنا : يشكلان قطبي شخصية الكاتب فنياً وحضارياً . والتقائهما بعد افتراقهما في مدينة الانسان أثناء رحلة المستقبل يشكل علامة صحية على نجاح تجربة الخروج عن الذات من أجل رصدها وتأكيدها من خلال عولمتها .

(42) عادت بعد أن تم تخليص وتطهير ماضيها من شوائب الحروب وبصماتها التي عادة ما تصل الماضي بالحاضر المستمر .

(43) ثائرة وعايدة وعبلة وبثينة وأوريت : كلها أسماء وبوتقات مختلفة ولكنها تعبر عن جوهر واحد .

(44) طائر خرافي يفنى كل مئة عام ثم يُبعث من جديد من رماد الحريق .

(45) للشاعر جميل معمر وبثينة قصة حب شهيرة في الأدب العربي .

(46) فلسفة روحية شرقية مصدرها الهند ، تقول بتناسخ الأرواح أي عودتها ثانية الى الحياة بعد موتها . تعود في زمن جديد ومكان جديد وهيئة جديدة لكن شيئاً من ذاكرتها القديمة يبقى حياً فيها .


هكذا، ربما ، تعود العانس وخطيبها الى مسرح الحياة كي يعيدا تمثيل دوريهما أمام كاميرا الزمان الجوهر الذي يشكل الركن الأساس لحيوات بني البشر في سعيهم الدائب من أجل الوصول الى معنى الزمان والحقيقة والحياة الخالدة .

تختفي إشارت الدهشة التي ترتسم على محيا صاحبي الذي فاجأته عودة الفتاة العانس. وبدا يستشعر ان مغزى الماضي العرض ما هو الا محاولات يقوم بها الانسان لتأكيد جوهرية الحياة ودوره فيها وأن هويته السياسية أو الوطنية أو القومية ما هي الا وهم زائل ينقضي بانقضاء دوره الاول في الحياة .

اذا تعود المعلمة العانس بغير هويتها العربية (47) وبغير اسمها الذي كان . أما خطيبها الذي قضى في الأسر عدد سنين فلم يعد يتذكر تجربته السابقة وليس لديه إجابة لأي سؤال حول هويته الوطنية الاولى . انه انسان حقيقي يحيا زمنا جوهريا متعددا وله أسماء كثيرة لكنها جميعا لمسمى واحد هو الانسان الجوهر . انه ماهية انسانية خالدة لا تفنيها تجارب الزمن الهامشي الذي يفرض ظلما منطقه القمعي في عالمي السياسة والاجتماع البشري .

ألم تتضح صورة الجوهر الانساني الذي يتستر خلف أسماء وهمية متباينة ! اذا يجب إماطة اللثام عن اختلاف الأسماء للمسمى الواحد (48) . العانس كانت معلمة ثم طالبة في الجامعة العبرية ولها أسماء عدة مختلفة منها : أوريت وعايده وثائرة لكن جوهرها الانساني واحد لا يقبل القسمة على اثنين ! والخطيب الذي كان يوماً في الأسر هو نفسه صاحبي الذي ارتحل عني مرات عديدة من أجل معرفة ذاته الانسانية التي كادت تفقد تماسكها جراء الحروب والنفي والشطب في إطار الصراع بين الذات والآخر . ثم لن أخفي عليكم زعمي ان جيته وعنترة وشكسبير والمتنبي كانت وما زالت نفوس جوهرية تؤدي أدوارا متباينة في أزمان مختلفة لكنها أسماء لمسمى واحد هو الانسان الجوهري ذي الملامح الشعرية وصاحب المضمون اللغوي المحلي الذي يخفق عادة في التعبير عن كل جوهره الحضاري !

المشاهدون لمسرحية "روميو وجولييت" (49) ينتشون فرحا وحبورا لقصة الحب الرومانسي التي جمعت بين قلبين خافقين . ثم تصيبهم غصة الألم العميق وهم يرمقون بعيون دامعة سقوط الحبيبين وفاء لبعضهم الآخر . انها الصورة ذاتها التي تحدث هنا وهناك لأرواح متآلفة تفني حياتها عن طيب خاطر من أجل تأكيد جوهرها الانساني الذي يخلدها في كل الأزمان . والتماثل في مصائر المحبين الذي نشاهده على هيئة ابتسامة جذلة أو دمعة حرّى يؤكد وحدة الجوهر الانساني في دواخلنا جميعا رغم اختلاف الهوية .



(47) اشارة الى أن الجوهر الانساني يفوق في أهميته خصوصية الهوية أو الانتماء العرقي.

(48) اشارة الى فلسفة النفس الكلية أو وحدة الجوهر الانساني المتصلة بنظرية الفيض الالهي التي أرسى قواعدها أفلوطين الاسكندراني وابن سينا وفلاسفة العرفانية الغنوصية .

(49) مسرحية شهيرة للشاعر الانجليزي وليام شكسبير .


أخشى ان تكون حفلة زفاف (50) المعلمة التي لم يعد لها اسم خاص قد بدأت الآن داخل باحة البيت الطيني الجاثم على أطراف القارات الخمس . لكن سؤالا ثقيلا يحيرني وأنا أغذ الخطى نحو البيت العتيق : من نحن عندما نفقد أسماءنا ؟ (51) وهل الاسم علامة مؤقتة لتشخيص المسمى وهو يقوم بدوره المرسوم ؟ ربما تشيخ الأسماء وتذوي على مسرح الحياة لكن الانسان الجوهري لا يفنى لأن الجواهر لا تموت ! تشيخ الأزمان والأسماء لكن ماهية المسميات تبقى خالدة لا تشيخ ولا يتقادم عليها الزمن . وعليه فان خصوصية الاسم في حكم الزائلة ويطويها الفناء كل حين ما لم تعبر عن جوهر انساني يتآلف دائماً مع الزمن الجوهر .

في فناء بيتنا أسمع وأرى واشتم أصواتاً غناءة تصدح مواويل وميجانا يخالطها أصداء اوبرا عايدة (52) وأنغام سيمفونية بيتهوفن التاسعة . كلها تتألف كأنها لغة انسانية واحدة تناجي الأوراح المحلقة في ذاك البيت الطيني الشاسع ذي الشبابيك الخمسة والبوابات الثماني. لم تعد "عايدة" اسماً عربياً أثيراً الى قلبي بل نغمة ذات معنى عالمي مرسوم في كل لغات بني البشر الذين حاولوا يوماً بقصائدهم وملاحمهم وملامحهم الشعرية الابقاء على محليتها وإقليميتها لهم دون الآخرين . وأعترف لكم ، ضيوف الحفل التناسخي الكريم ، ان عايدة هي امرأة لم تُخلق بعد (53) ولكنها تساكن داخلي كأنها وجها آخر لأوريت ، ولولا وجود هذه المرأة لما كان هناك حاجة ماسة الى خيال جامح يخلق إبداعاً في كل زمان ومكان.

(50) الزواج ترميز وتجديد للجنس البشري وصيرورته الحضارية .

(51) قد لا يعبر الاسم عن معنى المسمى . قال كونفوشيوس :" لو قُدّر لي استلام الامارة في الصين لغيرت أسماء المسميات ! " . فكم من سعيد ليس بسعيد !.

(52) اوبرا عايدة للموسيقي الايطالي فيردي .

(53) عايدة أيضاً : صورة لغوية ذات مغزى فكري لمسمى عاش في الماضي ويعيش في الحاضر وسيحيا في المستقبل . وكما يدل عليها اسمها ، تعود في كل الأحايين : انها تمثل هنا زمن الفعل والواقع والامكان لجوهر المرأة .






تعليقات حول هذه المقاله
العنوانالكاتبوقت الإضافه

تصويت
ما رأيك بالموقع ؟
ممتاز
جيد
مقبول
سيء
نتائج التصويت

حجة بالوان العصر


لوحاتي




كتاباتي

غزل الذاكرة
زمن المرايا
وطن العنقاء
كثبان الذهب الأسود
أبو علي إياد
تأملات مصطفى صبري
الأولاد والشمس
إنشطار الذات
معركة النفق
مكانة القدس
جدار الفصل العنصري
وطني ليس حقيبة
إمبراطورية النفايات
قراءات أمنية
امرأة لا تغار
صراع لا يموت
أصحاب الملايين
صوت الذاكرة


الساعة

صدر حديثا


 
Qalqilia NetWork