إبحث عن:    
القائمة الرئيسيه
صفحة البداية
القصة القصيرة
القصص والروايات
دراسات و ابحاث
المقالات والترجمات
الكاتب يوسف العيلة
معرض الصور
شاركنا رأيك
English Site

تسجيل الدخول
إسم المستخدم:

كلمة المرور:


تسجيل
هل نسيت كلمة المرور

المقالات الأكثر قرائة
1 من الممات إلى البعث .... نظرة إسلامية تقليدية
2 تأملات - الفصل الخامس : موروثات
3 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المصادر والمراجع)
4 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المقدمة)
5 الإسلام دين الفطرة الإنسانية

الكاتب يوسف العيلة


جديد الروايات

 

صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في رام الله دراسة بحثية بعنوان " لسانيات الخطاب الشعري المعاصر ، ليليان بشارة - منصور نمرذجاً " للروائي يوسف العيلة . تضئ الدراسة بعضاً من واقع اللغة العربية في الداخل الفلسطيني . ويقع هذا الإصدار في مئة وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، وهو السابع عشر في سلسلة إصدارات يوسف العيلة النقدية والروائية .


قراءة المقاله



لسانياتُ الخِطاب الشعري المُعاصِر ليليان بشارة- منصور نموذجاَ 6- نظرية النص :
كتبت بواسطة: يوسف العيلة - el 18/09/2019 - 54 زوار        


-مقدمة:ثمة معايير يجب أن تتأتى وتتحقق في الخطاب النصي منها معايير لغوية كالتضام والاتساق والحبك والانسجام. وأما القسم الآخر من المعايير النصية فهي غير لغوية تتشكل عبر عناصر الرسالة والمجال كالمقصدية والتقبلية والإعلامية والموقفية والتناصية. (1)

ويحزبني سؤال: ما هو تعريف النص النموذج التام فنياً وفكرياً في الأدب العربي الذي يجب أن يُحتذى شعراً ونثرا إذا ما استثنيت النص القرآني وعلم مصطلح الحديث؟ ما هي خصائصه اللغوية والدلالية؟ وهل هناك معايير تطبق للتفريق بين نص النموذج البلاغي ونص الإنشاء الهامشي؟ أقول إنه النص اللغوي الثري ببلاغته ومقصوديته ورساليته ومعرفيته ونصيّته حيث يتصف بالاتساق والتضام. وقد يكون مكوناً من كلمتين في حده الأدنى مثل: لا تغضب! اعرف نفسك! تضامنوا ولا تضاموا! كن عوناً للمحتاجين! يا سارية الجبل الجبل! على أن تكون هذه النصوص مؤطرة بإطار لغوي يحدد مرسله ومتلقيه وشاهده ومستواهم المعرفي وإحاطتهم بما يُقال, ولمن يُقال, وكيف ولماذا يُقال, وأين يُقال. فالنص البلاغي يمتاز بالاختصار, أي قلة المفردات ووفرة وعمق معانيها. كما يتوفر كل واحد من أطرافه, سواء كان مُرسلاً أو مُتلقياً أو ناقلاً للنص, على ذائقة لغوية قادرة على الفهم والإفهام
(1) (الهيثمي, "موارد الظمآن") (ص: 266/6 )

دون إطالة هزيلة أو تساؤل فج أو إسهاب ممجوج أو سذاجة فاضحة أو سفه مُعيب في بنية ودلالات السؤال والجواب. وعادة ما يكون النص حواراً بين سائل ومسئول أو بين مُرسِل ومتلقٍ. إن مصدرية القول/ المُرسَل ومقبولية القول/المُتلقي مكونان مهمان لتحقيق المستوى البلاغي لكلا المُرسِل والمُتلقي. إذ بدونهما لا تتحقق شرطية النص البلاغي حين تنتفي رسالية ومقصودية ونصية ومعرفية المُرسِل ومقبولية ما تلقاه المتلقي.
وقد يكون النص مكوناً من جملة أو جمل طويلة أو قصة أو رواية في حده الأقصى. ففي قول الشاعر محمود درويش "على هذه الأرض ما يستحق الحياة", نص بلاغي يتوفر على مقصودية الشاعر في إرسال رسالة إلى المتلقي العربي مفادها شرطية التمسك باللغة والوطن. وبلغة نظرية النص إرسال المُرسل/هو رسالة مفتوحة/هي إلى المتلقي/هو/هم تتصل باللغة/هي والوطن/هو. وما ينطبق على قول محمود درويش ينطبق على مجمل الأقوال المأثورة ورسائل التوقيعات الرسمية والإبداعات القصصية والروائية.
لو افترضنا رجلاً قال لصاحبه: اعرف نفسك! فالمُرسِل في الجملة محذوف تقديره الضمير المنفصل "أنا" أو "نحن". والمتلقي مجهول الاسم أو غير محدد الهوية وتقديره ضمير المخاطًب المتصل في "نفس". والنص يؤشر أن المُرسِل والمتلقي حاضران يخاطب الأول الثاني بصيغة الأمر. أما مقصودية الرسالة التي حملتها الجملة النواة فلم تلق مقبولية واضحة من المتلقي. وإذا افترضنا أن القول هو قول سقراط- وهو كذلك بالطبع- فإن المُرسِل يصبح معروفاً أي "أنا" الفيلسوف سقراط وأنت/المتلقي بصيغة الضمير الشخصي المفرد المُخاطب. وتكون الإحالة هنا من المتلقي المفرد إلى بني البشر/أنتم في تفردكم وعمومكم أو "هم" في تفردهم وعمومهم ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.
ويتجلى المستوى البلاغي للنص المذكور في تحديد مستوى وعمق المعرفة وتراكمها لدى المُرسِل والمُستقبِل على حد سواء. ويكون موجز الرسالة أن المُرسل أرسل رسالة إلى المتلقي وظلت رسالته حية وقائمة في ذهنه مجازياً وفي ذهننا وذهن المتلقي منذ القرن العاشر قبل الميلاد وحتى يومنا هذا إلى أن تقوم الساعة. وستظل نبراساً معرفياً نهتدي به في البحث عن ذواتنا.
وصيغة الأمر التي قالها المُرسل في الماضي – أي قبل ثلاثة آلاف سنة- تستدعي سؤالاً جوهرياً في الماضي أيضاً: هل عرفت نفسك؟ والجواب الذي لم ينطق به المتلقي معروف لدينا: لم يعرفها ولم نعرفها. ويصبح السؤال موجهاً ليس لفرد بعينه بل لمجموع أبناء البشر في الماضي. وسؤال هل عرفت نفسك يستحضر سؤالاً آخر في الحاضر: هل تعرف أو تعرفون أنفسكم؟وأجيب عن المتلقي أنت,هو, هم وأنا ,وأنت, وأنتم ونحن, بالجواب: ليس بعد. ثم يتولد من صيغة الأمر "اعرف نفسك!" وصيغتيّ الاستفهام المتولدتين منها "هل عرفت نفسك في الماضي؟" و"هل تعرف نفسك في الحاضر؟" صيغة مستقبلية ثالثة "هل ستعرف نفسك أو أنفسكم مستقبلاً؟" وربما يكون الجواب المستقبلي مثل جواب الماضي والحاضر : ليس بعد.
وعليه فإن بلاغة الجملة "اعرف نفسك!" تتخطى المكان الذي قيلت فيه, والزمن الذي عاشته, وتظل قائمة ما دام فعل الوعي البشري قائماً أو عاجزاً عن الإجابة.
وتقوم نظرية اللسان على ثلاث معالجات هي: (2)
1-الوصف اللغوي لمكونات النص ضمن توالية لغوية تتصل بالضمائر والأسماء والأفعال وتكرارها.
2-تحليل تلك التتالية.
3-التفسير فيما وراء البنية اللغوية.
وسأحاول تطبيق عناصر نظرية النص غير اللغوية أيضاً على جملة سقراط: اعرف نفسك! تمهيداً لما سيأتي من تطبيقات على بعض نصوص الشاعرة ليليان. وهي كالأتي:
أ-المعايير اللغوية:
1-التضام والترابط: يقومان على عناصر تشتغل على تماسك النص نحوياً. وفي التدقيق في الجملة أرى أن الضمائر مثلت عنصراً مركزياً في الترابط . فالضمير المتصل في نفسك يحيل إحالة جماعية إلى المتلقي/المتلقين. كما أن الضمير المستتر "أنت" يحيل إلى متلقي النص نفسه. كما أن الضمير المستتر في عبارة "أنا أقول" الضمنية القبلية يحيل إلى المتكلم نفسه. والضميران المستتران "أنا" و"أنت" يحيلان إلى الشخصين المتعينين في عالم النص, وهما سقراط المؤلف والرجل المتلقي. وهذه الإحالة أغنت عن التطويل والإعادة مما حقق التضام.
(2) نفس المصدر السابق

2-الاتساق الدلالي: يقوم على عناصر عدة كالمصاحبات اللغوية والتكرار. وبتمحور هذا الاتساق في التكرار المفترض للجملة النواة: هل عرفت نفسك؟ هل ستعرف نفسك؟ ومن عناصر الاتساق هنا ما يسمى "التزمين" وهو كتابة النص وتكوّن عالمه اللغوي في لحظة واحدة. فالأمر والتلقي كانا في اللحظة الزمنية ذاتها.
ب-المعايير غير اللغوية:
1-المقصدية: بعد أن أماتت البنيوية صاحب النص ومُنتِجه بعبارة رولان بارت الشهيرة(موت المؤلف) واعتبار النص كنتوناً لغوياً مغلقاً, وقدمت نظرية الاستقبال القارئ وكأنه السلطة الوحيدة في كشف عوالم النص, تعود لسانيات الخطاب لتولي منتج النص أهمية فائقة في فهم الخطاب, واعتباره ذاتاً فاعلة في النص وخارجه. لقد قصد المؤلف وهو سقراط أن يحقق للمتلقي أو السامع غرضاً مناسباً لحالته المعرفية. فقد اكتشف بعبقريته أن المُخاطب/ المتلقي لا يتوفر على معرفة كافية بذاته أو نفسه. لذا كانت جملته الآمرة عن قصد وترصد ليحقق الإنجاز النصي بما يتواءم والسياق والمقام ومراعاة أقدار السامعين, وتلك نهاية البلاغة. وثمة صمت يشي بحضور صفة الجهل عند المتلقي.
إن الطرف الآخر المقابل للمُرسِل هو المُستقبل/المتلقي سواء كان سامعاً أو قارئاً أو مشاهدا. وعلامة نص الجملة الآمرة تشير إلى انكسار موقف المتلقي والدليل صمته, فالمسافة الجمالية بين الأمر والصمت عالية الدرجة. ولا تخبرنا جملة النواة الآمرة بمدى تقبل المتلقي للأمر, ولكنها توحي إيحاء به إذ لم يكن هناك اعتراض من قِبَله.
2-الإخبارية والإعلامية: وهما من معايير النصية وتتمثل في الجملة النواة للنص المفترض الذي سبق أو مهّد للجملة الآمرة "اعرف نفسك!" إذ تُعد من جوامع الكلم.
3-الموقفية أو السياقية: وهي التي تراعي دواعي الخطاب وسياق الموقف, وتوارد الأحداث وزمنيتها. ويتراءى السياق من الضمير المستتر "أنت" ككائن سلبي في عالم النص. ورغم أن النص خاصاً برجل ما, لكنه ينطلق للعالمية بحيث يستوعب بني البشر زماناً ومكاناً.
3-النصوصية: يحيل نص الجملة الآمرة إلى المخزون المعرفي للمتلقي كالجهل التداولي للبشر .
4-التقبلية: تعني مدى تقبل المتلقي لكلام المُرسِل.
5-الخلاصة: نجد أن نص سقراط القصير قد حقق معايير النصية المتمثلة بالبلاغة والإيجاز كما أقرتها دراسات لسانيات الخطاب المعاصر.
ب- تطبيقات :
1-قصيدة "البعد" (ص:13), ديوان "كلمات على حافة الدائرة الذهبية":
1-الوصف اللغوي: أرى الهدف من تطبيقها على هذه القصيدة هو إجراء مقاربة نصية لمعرفة ما أذا كانت تستجيب لمعايير دراسات اللسانيات وأهمها الإيجاز في استخدام المفردات والبلاغة في المعاني والدلالات. وكناقد أدبي أراني حراً فيما أراه في القصيدة بقطع النظر عما يقصده المُنتِج لها, فكلانا حُر فيما يقول وقواعد النقد الأدبي تحكم بيننا.
تتألف قصيدة "البعد" من ثمانية أسطر على شكل حوار بين المُرسِل/ضميره المستتر "أنا" والمُرسَل إليه/وضميره المستتر "هو". يبدأ الحوار بمفردة "قلت" أي بفعل ماضٍ دون التوضيح أولاً فيما إذا كان المُرسِل مذكرا أم مؤنثاً. وتتكرر كلمة "قلت" مرتين, وكلمة "قال" مرتين أيضاً. في المرة الأولى يستخدم الفاعل/"أنا" فعل الأمر "ابتعد", أي ابتعد أنت عني/المُرسِل, ثم تكشف مفردة "قال" أن الحوار هو بين "أنا"/المؤنث و"أنت"/المُذكر.
ويستخدم المُرسَل إليه/هو في رده على فعل الأمر الذي أرسله إليه المُرسِل/هي شبه جملة مكونة من حرف الجر "في" والاسم المجرور "البعد" (في البعد) الذي يشكل الجملة النواة للنص كله. ويستدرك المُرسِل مصوباً ما قاله للتو المُرسَل إليه حول فهمه لمفردة البعد. فالمُرسَل إليه يفهمها على أنها "غياب", بينما يقصدها المُرسِل على أنها "اتصال". ثم يعاود المُرسَل إليه توضيح مفهومه بإسهاب في شرح ما فهمه من الجملة النواة "ابتعد". ويكرر استخدامها بصيغة شبه جملة من جار ومجرور وضمير متصل "الكاف" ثلاث مرات متتالية ليؤكد للمُرسِل أن البعد المقصود هو بعد المُرسِل /المؤنث وليس البعد بمعناه العام.
وأرى الحوار القائم في هذه القصيدة النثرية يدور بين ضمير أل "أنا" المستتر وضمير أل "هو/أنت" المستتران أيضاً. ويبدو لي أنه حوار غير مُشخّص أو مُسمّى. إذ لا تحوي القصيدة من أول مفردة إلى آخر مفردة أي اسم شخصي. كأنه حالة من الإيهام اللفظي المسموع. ثم لا تفتأ حالة الجندر/النوع الاجتماعي في الظهور من خلال علامات التنوين النحوية. فالمُستقبِل يستخدمها في السطر الرابع في شبه الجملة "في بُعدُكِ" حيث تظهر علامة الجر في آخر مفردة "بُعدُكِ".
إن التتالية في استخدام الضمائر المستترة "أنا"و"هو/أنتَ" والضمائر المُلكية في "جسدي", و"قلبي", و"رجلي", وضمير الجمع المتصل في "جرحنا", وضمير الملكية في "بُعدَكِ" و"فُستانَكِ" تؤكد على الترابط والتضام القائم في بنية النص وتعمل على اتساقه وتناغمه وتآلفه.
وهذا الاتساق جاء من خلال التقابلية بين ضمائر المُلكية في "فستانك" و"بعدك" ونظيرتها المُلكية في "جسدي" و "قلبي" و"رجلي".
تحمل رسالة النص قصّدية غامضة لم يستطع المُرسل تفهيمها للمستقبِل, ولا استطاع المُستقبِل فهمها بقواه الذاتية, بل إنه جاء بتفسير يناقض التفسير الذي قصده المُرسل /المؤنث . إن التباين بين وجهتيّ نظر المُرسِل المؤنث والمُستقبِل المُذكر خلق أفقاً ومجالاً غير صحيين لجو النص. لذا اعتبر المستقبِل أن بعدها عنه يدمره, بينما تعتبر هي أن بعده عنها يؤدي للاتصال بينهما.
وتشير دلالات ما وراء النص إلى تدني المستوى المعرفي للمُستقيِل الذي فهم جملتها النواة بحرفيتها, أي أن بعدها يجعل جسده وقلبه يدمرانه. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن ضمير الغائب المستتر في قال "هو" قد تحول إلى ضمائر ملكية متصلة في المفردات "جسدي" و"قلبي" ورجلي" ثم في الفعل "يدمرني" . أما الدلالة الغريبة في هذه المقاربة النصية أن ابتعاد المُرسِل المؤنث عن المُستقبِل المذكر يدفع بجسد الأخير أن يدمر صاحبه/ المُستقبِل. ويومئ هذا التطور الإستعاري في استخدام الضمائر أن ضمير الملكية في "بُعدكِ" يعمل على حث ضمير الملكية في "جسدي" للاستجابة. وفي هذا الاتساق والتضام في استخدام ضمائر النسبة والمُلكية في النص يجعلانه نصاً بليغاً وموجزاً.
والدلالة الأخرى التي يرصدها سياق النص والتي تشير إلى محدودية الإدراك الذاتي لدى المُستقبِل تتصل بفهمه الحرفي لمعنى البعد. فالمُرسِل لا يقصد قطع العلاقة بينه وبين المُستقبِل عندما أمره بالابتعاد, أراه يحاول إزاحة العلاقة الجسدية قليلاً ومؤقتاً لتقوية العلاقة المعنوية بينهما. لكن المُستقبِل لم يدرك قصد المُرسِل واعتبر البعد الجسدي بينهما مدعاة لقيام جسده بتدميره هو, أي أن بُعدها عنه يجعل من جسده عدواً له. ومن الملاحظ أن المُستقبِل لا يزال يتحدث عن بعدها عنه, ولم ينبس ببنت شفه عن بعده عنها, كما يقتضي واقع حال الجملة الآمرة. وقد أدت هذه الإحالة إلى انعكاس مؤشر الدلالة من الذاتي-أي يبتعد هو- إلى الآخر أي تبتعد هي. وهذا يعاكس مضمون جملة النواة التي تأمره هو أن يبتعد. فالذي يجب أن يبتعد هو المأمور/أنت/هو وليس الآمر/أنا.
أرى تبايناً قد نتج عن حركة اختلاف دلالات المعنى لرسالة النص, فبدل أن يقوم المُستقبِل بفعل البعد أو الابتعاد, يفترض "هو" أن تبتعد "هي" عنه. لهذا جاء بفكرة جديدة خارج سياق الأمر بالبعد ألا وهي ابتعد وأنا قريب منك: "أن أربط رجلي بطرف فستانك فأبقى بعيداً ... وقريباً أينما ابتعدت". لقد قام المُستقبِل بتحريف رسالة الأمر النصي ولم ينصع لها. ويدلل هذا على قلبه حركة المشهد الأساسي للفعل "ابتعد". فالأصل أن يبتعد هو عنها, وتبقى هي في مكانها ثابتة. ما فعله المُستقبِل ليس هذا بل اقترح أن يبتعد هو عنها وتبتعد هل عنه ثم يربط رجله بطرف فستانها فتظل هي قريبة منه مهما ابتعدت, ويبقى هو قريباً منها إن ابتَعَد. وهذا الحل يتناقض مع دلالات الجملة الآمرة بـأن يبتعد هو وحده عنها. وكأني بي أقول له ما أثقل دمَك/دمِك, يا رَجُل/ رِجِل!
أسمع نبرة صوتها الأنثوي أعلى صدى من نبرة صوته الذكوري, والدليل أنها تتحدث إليه بصيغة الأمر "ابتعد!", بينما يلتمس هو منها أن تتيح له أن "أربط رجلي بطرف فستانك". ولا اعتقد أن المُستقبِل كان يدرك قصد المُرسِل في أن في البعد الجسدي اتصال روحي أو معنوي. لقد فهم البعد بمعناه الحرفي المباشر, أي بالبعد الجسدي فقط. لهذا كان جوابه مبنياً على هذه الفرضية الحسية فقط, بدليل أنه اعتبر ابتعاده عنها غياب وابتعادها عنه دمار, ثم تركيزه على الجانب المادي للقرب بأن يربط رجله بفستانها. إن حسية فهمه للعلاقة بينهما جعلتها تأمره بالابتعاد عنها كأنها ملت منه جسدياً, فلعل بعده عنها يؤدي إلى اشتعال أوار حبها له مرة أخرى مما يؤدي إلى الاتصال المعنوي بينهما.
تنتهي القصيدة بانكسار إيقاعها وتحوله إلى إيقاع مختلف عن إيقاع البداية الذي كان جاداً وحاداً بدليل صيغة الأمر التي أطلقتها/المرسل. أما نهاية القصيدة- وتحديداً اربط رجلي بطرف فستانك- فترسم مشهداً بهلوانياً للمُستقبِل المُذكر يقابل مشهداً افتتاحياً مؤنثاً يمتاز بالصرامة والأمر. وماذا أقول لهذا أل" بني أدم"؟ أأقول له: أخزيت جنس الرجال؟ فمن يُربط من رجله غير الحمار؟ وهنا استحضر ما قالته لي عايدة المقدسية يوماً, وقولها الصواب: عندما ترى المرأة رجلاً ويعجبها أول شيء تفكر فيه كيف تحبه ويحبها, أما الرجل حين يرى امرأة وتعجبه فأول شيء يفكر فيه كيف ينام معها في السرير. استذكر هذا القول مدحاً لنص قصيدة الشاعرة ليليان التي تصادق على ما قالته لي عايدة المقدسية منذ زمن بعيد.
والأمر اللافت في مستوى الوعي الذي يتمتع به المُرسِل/المؤنث في النص أنها تُدرك تماماً أن علاقة المُتلقي بها جسدية لهذا أمرته أن يبتعد عنها. كما أنه لا يُدرك أن علاقة المُرسِل به روحية. والدليل أنها تعتبر البعد الجسدي يؤدي إلى اتصال القلوب والأرواح بعضها مع البعض الآخر, أما هو فيعتبر البعد الجسدي غياباً يوازي انقطاع العلاقة بينهما. لذلك يحاول أن يرتبط بها حسياً بأن يربط رجله بفستانها كما يُربط الحمار على المَدود. وأراني أعاتبه: وأنت تفعل فعلتك "الشينة" فإنك تُهين جنس الرجال "الحمير", وتُحرِج حبيبتك "الأتان", فإن كان لك كرةً أخرى معها فلا تَعُد لمثلها أبدا!"
وأعود ثانية إلى عنوان القصيدة بعدما تعمدت تأخير تفكيكه سيميائياً كي أكون على بينة من مضمون النص ومدى اتساقه مع العنوان ودلالاته ومعانيه. وتأخيري تفكيك العنوان لا يعني أنه أقل دلالة من مضمون النص. آثرت أن يكون مضمون القصيدة واضحاً كي أرى وأرصد العلاقة التشابكية بين متن النص والعتبات الأولى للديوان وعلاقة الفنان الفنية والفكرية بمؤلف المُنتَج.
يتكون العنوان من مبتدأ "البعد" وخبره محذوف تقديره اتصال أو غياب. وخبر المبتدأ هو "غياب" من وجهة نظر المُرسَل إليه, أما خبره بالنسبة للمُرسِل فهو "اتصال". وقد يكون لي كناقد وجهة نظر أخرى في إمكانية صياغة الخبر على غير ما أراد المُرسِل/"اتصال" أو المتلقي/"غياب". وأراني أقترح أن يكون الخبر "جفاء". أي أن للعنوان أكثر من خبرين رئيسين محتملين. كما أن للبعد بُعدين, بعد جسدي وآخر معنوي. وقد يومئ إلى دلالة ثالثة جفاء. والبعد الذي يقصده المُرسل معنوي, يقوم على اتصال القلوب والأرواح مهما ابتعدت الأجساد. والمعنى الذي فهمه المُرسل إليه جسدي مباشر. وهذا التباين في التفهيم والفهم بين المُرسِل والمتلقي بدا جلياً في اختلاف موقفيهما من معنى الجملة الآمرة "ابتعد" . وهذا التباين في فهم الجملة النواة بين الأنثى والمذكر تذكرني بالفرق الجوهري بين تفكير "المرأة المُعدل" و تفكير "الرجل المُعدل" الذي أشرت إليه آنفاً على لسان الزميلة عايدة المقدسية. كما أرى أن الشاعرة تقف في صف المُرسِل/الأنثى في القصيدة التي تحب روحياً وتتمسك بحبها طويلاً, بدليل أنها منحت المُرسِل/ الأنثى, وليس الذكر, دوراً آمراً. ولا بد لي من استحضار الصورة النمطية للرجل, وبخاصة الشرقي, التي تصفه بالمُستبد الغاصب, وتصف المرأة بالضحية المغتَصَبة. وهنا أختم بالقول إن الجملة النواة في القصيدة تُكرّس فكرة أن حاجة المرأة للحب أقوى من نظيرتها لدى الرجل. أما قابليته للجنس فهي أقوى منها لدى المرأة. وأستذكر قول الإمام علي بن أبي طالب في هذا السياق(3): تُخفي المرأة حُبها أربعين عاماً لكنها لا تستطيع كبح جماح كرهها ساعة واحدة.
(3) بن أبي طالب, علي كتاب "نهج البلاغة"
2- قصيدة "حالة إبداعية", ديوان عندما يغتسل التراب: (ص:74):
تتكون هذه القصيدة من فقرتين؛ الأولى, تبدأ بالجملة الاسمية "سنابل القمح نائمة", أي "هي نائمة", وتنتهي بجملة فعلية"أمطر برتقالاً", أي "أمطر هو/الحقل برتقالاً". وتفصل ثلاث نقاط أفقية التكوين الفقرة الأولى عن الثانية التي تبدأ بالجملة الفعلية "أتعثر بخيرات الأرض", أي "أتعثر أنا/المُرسل المؤنث بخيرات الأرض/بهن", وتنتهي بجملة "وأُصبح كالفراشة", أي "أصبح أنا/المُرسل كالفراشة", تليها نقطة وحيدة تضع حداً نهائياً للقصيدة. واللافت أن ضمير الجمع المؤنث "هي/سنابل القمح" وضمير المفرد المذكر "هو/الحقل" يلعبان دوراً رئيساً في تشكل حدثيّ النوم والثورة في الفقرة الأولى. كما يرسمان دلالات فكرية عميقة لقطبيّ التأنيث والتذكير في تغريبيتها الأسطورية القصوى في قصيدة "إلهة السماء", ديوان "حينما ينحني السبيل" (ص: 77).
وأضيف هنا أن أهم الشعائر والرموز الأسطورية في النص المذكور هي تلك المتصلة بفلسفات نظام الخصب والانبعاث, والأنثوية والذكورية/ "جندر" الإلوهية المؤنثة باعتبارها تغريباً لأصل إلوهية الله المُذكر. وهنا لا بد من الإشارة أن قراءتي الذاتية تنبع من إحساسي أن الأفكار الأولى للدين والفن والأسطورة عاشت في إطار حاضنة لغوية واحدة. فالمطر من أكثر المتوازيات صلة بالانبعاث, وعلاقة مع الاتصال الإدخالي المُقدس.فالسنابل من الرموز الأفقية, كما أن المطر من الرموز النازلة/العمودية. وأشير إلى أن عناصر المطر كثيرة فهو ثنائي "الجندر"؛ أي يقترن بالذكورة والأنوثة في آن واحد. وعليه فإن ارتباط الماء بالأنثى في هذه القصيدة أكثر مما هو عليه مع الذكر, لذا فإن الماء/ المطر مرموزاً للأنثى أي مثنى الأنثى.
وعليه امضي عميقاً في تفكيك العلاقة بين الدين والفن والأسطورة بالقول إن قطبيّ التأنيث والتذكير بدلالاتها الثنائية تتجلى في قصيدة "إلهة السماء". وبادئ ذي بدء فإن العنوان يثير تساؤلات عقدية لا حصر لها على المستويين الديني والفلسفي للبوذية والمسيحية واليهودية المؤنثة, والإسلام المُذكر. وأرى أن تسليط الضوء الساطع على سيميائية أسماء هذه الديانات يوضِّح أن لا تناقضاً دلالياً بينها برغم وجوده على المستوى اللغوي. فرمزية التأنيث لمفردة الإسلام المُذكر قائمة في سورة الصمد"لم يلد ولم يولد", أي أن مفردة الله المُذكر متلازمة مع مثني التأنيث وهي الولادة, بقطع النظر عن موقف علماء الكلام المسلمين الذين يقولون بمجازية التعبير. والسؤال البياني هو: هل يلد أو لا يلد الله حتى يُقال إنه لم يلد؟ أليست الولادة لازمة الأمومة وليست الأبوة؟
من المألوف التداولي أن فصول الربيع والشتاء هي فصول الخصوبة والنماء والانبعاث, كما أن فصول الخريف والصيف فصول الجفاف والعقم والعقر. وعليه فإن الرموز الشعرية المطر, كمثنى المؤنث, ثم الأرض, مثنى المذكر تتناغم مع النص الشعري باعتبار العقم/العقر القطب الآخر في نظام الخصب. ويؤكد على هذا التضام الفكري الاتساق الزمني الموسمي الرتيب لعمودية المطر وأفقية السنابل.
وبالعودة إلى قصيدة "حالة إبداعية"فإن الفعل المضارع "تفيض" يعود إلى "سنابل" التي هي فاعل مرفوع بالضمة: "تفيض سنابلُ القمح من حقل"...ثم "أمطر الحقل ... زيتاً وبرتقالاً". أي يتحول "الحقل" بدلالته إلى فاعل بعدما كان في محل جار ومجرور. إن التركيبة النحوية للجمل الآنفة الذكر ترصد بلاغة في صياغة المعنى. وعليه فإن الأحداث تتوزع على قطبين فاعلين : هو/ الحقل... وهي/السنابل, ثم هو/المطر وهي/الأرض. وهذا يدلل على أن قطبيّ التذكير والتأنيث يسيطران على سيميائية المذكر والمؤنث في صياغة الشكل والمعنى والدلالة للقصيدة.
إن ضمير المفرد المتكلم المؤنث المستتر "أنا" في الجملة الفعلية "أتعثر "أنا" بخيرات الأرض" يقوم بمفرده في تشكيل كل الأحداث في الفقرة الثانية. وهذا الضمير نجده في متتالية متكررة من بداية الفقرة الثانية حتى نهايتها: "أنا أتعثر, أنا أشم, أنا أتوجع, أنا أصرخ, أنا أحزن, أنا أتلوى, أنا أعرق, ثم أنا أصبح". إن الدور الذي يقوم به الضمير الشخصي "أنا" في الفقرة الثانية يؤكد قطبية هذا الضمير في صياغة الأحداث في الزمن الحاضر. فالأفعال التي يستخدمها مضارعة, أي أن الحدث وزمنه يقعان في نفس اللحظة. كما أن هي/سنابل و"أنا/الأنثى" و "هو/الحقل" تضع أحداث القصيدة في الفقرتين في دائرتيّ التأنيث والتذكير. فالحقل/هو يرمز للأبوة, وأنا/الأنثى/ سنابل ترمز للأمومة. ويتجلى التداخل بين قطبيّ الذكورة والأنوثة في أوضح تجلياته في قصيدة "أماكن", ديوان "حينما ينحني السبيل" (ص:38) إذ تقول الشاعرة على لسان المُرسِل المؤنث:"فحقول القمح بالخصوبة تنبت ... تغذي أنوثتي". والشاهد السيميائي أن القمح مُثنى التأنيث, كما أن السنابل مُثنى التذكير.
إن سيميائية التأنيث تتضح في الأسماء الآتية أيضاً: ولادة, سنابل, نائمة, رغبة, شمس, خيرات, رائحة, الأرض, الروح, رحمي, سنبلة, رطوبة, حرارة, أمومة, فراشة, حالة, ثم إبداعية. كما أن التذكير يؤطر الأسماء المذكرة التالية: قمح, حقل, زيت, برتقال, عفن, سيل, ثم أحشاء. وقد وجدت أن عدد الأسماء المؤنثة أكثر من ضعفي عدد الأسماء المُذكرة مما يجعل القصيدة أنثوية الشكل والمضمون. وهذه الصفة الجنسانية تتسق مع عنوان القصيدة "حالة إبداعية". ويتضام الضميران هي/سنابل في الفقرة الأولى مع أنا/الأنثى في الفقرة الثانية. وهذا الاتساق في الشكل والتضام في المعنى يستولد دلالات سيميائية. ولا أنسى في هذا المجال التوقف هنيهة عند اسميّ الشاعرة "بشارة-منصور" لارتباطهما برمزية سياسية- اجتماعية متوارثة ذهنياً. كما أن "البشارة" مؤنث و"منصور" مُذكّر, وعليه فإن ثنائية رمزية الاسم تدلل أن "البشارة" هي مُثنى المُذكّر, و"منصور" هو مثنى المُؤنث.
إن دلالات الحالة الإبداعية متكثرة, ليست حالة واحدة. أراها تتجلى في ثلاث حالات متباينة في الشكل لكنها متآلفة في الجوهر:أولاً, الحالة الموسمية, أي دورة مواسم الخصب والحصاد الزراعي. ثانياً, الحالة البشرية في دورة الخصوبة والتزاوج بين الرجل والمرأة. ثالثاً, حالة الإبداع الفنّي, كما تتجلى في هذه القصيدة :
أ-دورة الخصب والحصاد الموسمي: تبدأ دورتها الثابتة بعملية الحرث والزراعة في بداية فصل الشتاء وتنتهي بالحصاد في بداية شهر الصيف من كل عام في سياق زمني أبدي, ويكون فيها المطر في حالة مثنى التأنيث, أي مُكمّل الأنوثة. وتكون الأرض في حالة مثنى التذكير. وكما أن تقنية الحصاد هي المنجل أو الآلة لقص ساق السنبلة فإن المبضع هو تقنية قص الحبل السري لفصل المولود عن الوالدة.
ب- دورة الخصب والتزاوج الشهرية لدى المرأة: تبدأ باغتسال الجسد الأنثوي من الطمث بأيام وتنتهي مع بداية الدورة الشهرية التالية. ومثنى المؤنث هو ماء الرجل(الحيوان المنوي) ومُثنى المُذكّر هي البويضة في رحم المرأة. والتقنية المستخدمة في عملية الولادة هي المبضع لقص الحبل السري (حبل الصرة) لفصل المولود عن أمه بُعيد الولادة. كما أن مدة التزاوج محدودة ومحددة زمنياً, ولا تزيد عن خمسة وعشرين عاماً. واللافت في "ميكانيزم" أو آلية الإخصاب والنماء الداخلي في كلا الحالتين أنها تسير ذاتياً بحيث يقتصر عمل المكون البشري أو الكوني في التهيئة فقط, أي الإيلاج في الحالة البشرية, والحرث في الحالة الطبيعية. ونص الآية القرآنية: نساءكم حرث لكم" توضح التشابه الميكانيكي بين شكل وعمل العضو الذكري في رحم المرأة وشكل وعمل سكة المحراث في تربة الأرض. وعليه فإن السكة هي مثنى التذكير, بينما عضو الرجل مُثنى التأنيث.
إن التقابلية التي رسمتها الشاعرة في قصيدتها "حالة إبداعية" تومئ بوضوح أن نص الإبداع الزراعي يتسق ويتوازى ويتشابه مع نص الإبداع التناسلي, ونص الإبداع الأدبي. وتتآلف الحالات الثلاث من خلال صفتيّ التذكير والتأنيث: بذرة القمح/ بظر الرجل/فكرة المُنتِج, ساق السنبلة/حبل الصرّة/قلم الشاعرة, سكة المحراث/عضو الرجل/أصبع المؤلف, باطن الأرض/ بطن الأنثى/ ذاكرة الشاعر, ماء المطر/ماء الرجل/عرق الناقد, ثم ظلمة السنبلة/ ظلمة القشرة/ظلمة بطن الأرض. كما أن هناك تناغم بين إيقاع الطبيعة, ومواقعة المرأة, ووقع القصيدة. وهي ترسم أيضاً توازي مشهد الطبيعة الطبيعية ومشهد الطبيعة الإنسانية, ومشهد الطابع الفكري والفني للقصيدة. والشاهد قول الشاعرة "قصيدتي خريطتي" في قصيدة "وحدة", ديوان "حينما ينحني السبيل" (ص: 58) و"جسد يحاور صمت الكلمات", "ديوان "عندما يغتسل التراب" (ص:64). إن ما يجري من تزاوج بين الذكورة والأنوثة مع حبة القمح والمطر, وبين بويضة المرأة وماء الرجل, وبين السطر والمفردة يجعل من هذه العمليات الثلاث منظومة حركات كونية تتمظهر في الطبيعة الطبيعية, والطبع الإنساني, والانطباع النقدي عن بنية القصيدة. وعليه فإن ولادة القصيدة, وولادة الطفل, وولادة حبة القمح تتشابه في كونها تخرج من رحم المعاناة وتعايش ظلمات ثلاث: ظلمة باطن الأرض, ظلمة السنبلة, ظلمة القشرة, ثم ظلمة البطن, ظلمة الرحم, ظلمة المَشيمَة, ثم ظلمة الفكرة, ظلمة الخيال, ظلمة النص. كما أن ثلاثية الخلق والنماء والحصاد تتناغم مع إيقاعات ثلاثة: إيقاع كوني, وإيقاع بشري, وإيقاع شعري. وكما أن للإيقاع الكوني مُكوّنه المائي/المطر فإن للإيقاع البشري مُكوّنه المائي/ السائل المنوي, ثم للإيقاع الشعري مكونه المائي/ الحبر السائل. إن ثلاثية التكوين والتجدد تتوازى مع ثالوث العقيدة المسيحية كطقس كنسي في القصيدة. كما تنتمي مفردة "يغتسل" لألفاظ البياض, و"ينحني" لألفاظ السواد في قصائد الشاعرة.
إن الدورة الموسمية للفصول الأربع تجعل حبة القمح مُهيأة للإخصاب والنماء بقوة دفع غير محسوسة لنا. وترفع الدورة الشهرية للمرأة درجة خصوبتها لتصبح بويضتها جاهزة للإخصاب. كما أن الجملة النواة للنص الإبداعي تجعل منه نصاً يزخر بالحياة وتنفث في بناه روح التجدد والخلود. ألا يغتسل التراب بماء المطر كل عام؟ ألا تغتسل المرأة بعد انتهاء طمثها؟ ألا تُنقى القصيدة برذاذ النقد لتصبح جملتها النواة منيرة وحُبلى بالمعاني والدلالات؟
ج- دورة الإبداع الأدبي:
وإذا كان الحقل ينتج فيضاً من الزيت والبرتقال في موسم الحصاد, ورحم المرأة ينزف سائلاً ودماً أثناء الولادة, ألا تنجب القصيدة لغة جميلة ودلالات عميقة؟ إن عنوان القصيدة"حالة إبداعية" يشعل العلاقة المفترضة بين نص الدين, ونص الفن ونص الأسطورة في إطار اللغة. فإذا كانت القصيدة نص من الحياة فإن النقد نص من الأدب. وعليه يكون القطب الثالث في تشكيل حالة الإبداع الأدبي هو الناقد كما هو حال المزارع في الحقل, والطبيب في غرفة الولادة.
3-قصيدة "اختراق", ديوان "حينما ينحني السبيل" (ص:27) :
توقفت طويلاً أثناء قراءتي لهذه القصيدة محاولاً تفحص بنيتها الفنية اللغوية ومضمونها الفكري فلم أجد فيها من الشعر شعرة حتى أن قالبها بدا لي شبه شعري. وجدتها نصاً نثرياً جميلاً, سلساً, يتضمن أفكاراً عميقة وأخرى سطحية, يطرحها المُرسل بشكل مباشر وخطابي. إنها نص نثري ثري وصريح, يحمل رسالة شكوى ترسم أزمة وجودية خانقة بلغة بسيطة, عارية عن الصياغة البلاغية القائمة على التزمين والاستعارة والتشخيص والتشييئ والأنسنة التي تجعل من النص الشعري أولاً والنص النثري ثانياً أنموذجاً بلاغياً يُحتذى.
يبدأ المُرسل الحيادي "الجندر" بالإخبار عن مهمته في رسم نوافذ كبيرة وصغيرة لعلها تكون مخرجاً لأزمته. رأيته ضجراً, يهرب من واقعه محاولاً خلق عالم افتراضي يطل من خلال شبابيك على أمل إيجاد ذاته المفقودة. وثيمة البحث عن الذات أمست في القصيدة أثراً بعد عين بعدما تعمق جرحه, وباتت في غير عالم اسمه العدم. فإذا كان البحث عن الذات هروباً من الضياع واللا معنى من أجل اللجوء إلى شاطئ المعنى والجدوى فإن صرخة المُرسِل الشاكي قد كررها غير سارد في غير قصيدة. وعليه فإن هذا النص لا يقدم فكراً جديداً في هذا المجال. لكنه ليس بهذه الحالة المألوفة التي أتحدث عنها.
إن الجملة النواة "أحدق بما لا أرى" تومئ إلى فلسفة الرؤيا في أعمق معانيها. لماذا لم يقل المُرسل "أحدق ولا أرى"؟ إن الفرق بين معنيي الجملتين كبير وعميق. فقد يحدق كليل النظر ولا يرى. أما جملة "أحدق بما لا أرى" فهي أبلغ من نظيرتها إذ أن المحدّق يكون قد حدد جسماً معيناً أو هيئة مُتعيّنة لكنها تبدو له غير موجودة على الإطلاق. وعدم الوجود في هذه الحالة يكون موازياً للعدم. والدليل أننا نقول: حدّق بها" لكن "أحدق ولا أرى" تشي أنه حدّق أي أمعن النظر فلم يجد شيئاً يراه.
والأعمق معنى هنا أن صرخة المُرسل نابعة ليس فقط مما لا يرى بل مما يشعر به؛ من شعوره الدفين أنه بات لا شيء. وأقول استنتاجاً أن اللا شيئ لا يرى في الوجود شيئاً. وأرى المُرسِل قد تخطى سؤال البحث عن الذات إلى سؤال عما إذا كانت الذات موجودة أم معدومة. والمعدوم لا يمكن له أن يدرك ذاته التي أُعُدِمَت.
ويأتي سؤال التبئير الدلالي بصيغة جمع استنكارية تفيد التقرير:هل ما زلنا أحياء؟ ويكون الجواب عليه لدى المُتلقي السلبي: نعم زلنا! كنا أحياء واليوم عدم. إن الأزمة الوجودية التي يكابدها المُرسِل الحاضر والمُرسل إليه الحاضر الغائب لا تعادلها أزمة البحث عن الذات الفردية فقط, بل أراها أعمق من مسألة البحث عن الذات الجمعية التي هي موجودة لكنها مُحاصرة ومنفية ومشطوبة قانونياً وحضارياً وفنيّاً. إن البحث عنها سابقاً كان يعني أنها موجودة في مكان ما لا نعرفه, وليست إطلاقا معدومة. اليوم يستشعرها المُرسِل بصيغة جمع. لذا يضيء الأزمة بكل أبعادها المعدومة بان ينفي وجود الجمل بما حمل.
وعليه فإن سؤال النص هنا يخترق سقف البحث عن الذات, كما يطيح برأس الاستقرار الوجودي ليحيل القلق إلى فناء, والحنين إلى عدم, والانتماء إلى انسلاخ. إن المُرسِل تجاوز مقولة "مارسيل بروست" الشهيرة في كتابه الذي يحمل نفس العنوان "البحث عن الزمن الضائع". وعليه فإن تعليّة المُرسِل لرسالة البحث عن الذات وغوصها في دوامة العدم الذي يحاصرنا هو الرسالة الأهم للمُرسِل إليه والقصيدة على حد سواء. كما أن "ثيمة" هذا النص تؤسس لمرحلة ما بعد البحث عن الذات المفقودة إلى الذات المعدومة, وفي ذلك بلاء ما بعده بلاء.
واللافت المهم أن المُرسِل في القصيدة وظّف مفردة "نحيا" دون مفردة "نعيش". وفي هذا شاهد عدل على ما أقول. وكيف هذا؟ أجيب أن مفردة نعيش تستخدم للتعبير عن أدنى مستوى لصيرورة الحدث لكل من به روح, سواء كان إنساناً أم طيراً أم حيواناً. أما كلمة "نحيا" فتعبّر عن أعلى مستويات الصيرورة للفعل الإنساني فقط. وأعلى درجات الحياة الإنسانية هي صيرورة الهوية الثقافية التي تبني حضارته طوبة طوبة على مر زمن الإبداع الممتد عبر المكان والزمان. والحياة التي ينشدها المُرسل هي هذه بصفته ناطقاً باسم الشاعرة التي تستشعر وطأة الخطر الذي يداهم هويتها الثقافية على كل المستويات الدينية والأدبية والوجدانية والإنسانية.
وعليه فإن الهوية التي ينشدها المُرسِل ومن خلفه وأمامه الشاعرة ليليان, كذات فاعلة, هو إبداع الهوية القائم على الإبداع الشعري الثقافي في شرق متخلف, ولا يعي أنه متخلف بكل المقاييس الحضارية. فهو الذي تتقاذفه المحن وقوى التوحش والاستبداد والاحتلال. فكم من شعوب "تحيا" أوج التقدم التقني والمُنجز الرقمي وثقافة أل"جينيوم" الوراثي! وكم من أخرى متخلفة تعايش خرافة "الشاطر حسن" وتتفاخر بثقافة "نص انصيص"!
إن تحديق المُرسِل بما لا يرى حوله من وجود عدائي, عصري ومتقدم, يجعله يرى كيف تداس وتعدم الروح في وطنه. ولم يأت هذا القتل وذلك الاغتيال من قبل العدو فقط بل يعاونه جهل الأخ, وتفريط الشقيق, وخيانة الزوج, وعقوق الابن, وموت الأب الحاني, وانفكاك الرابط الأسري. لذا أرى روح المُرسِل ضجرة وتعيش بلا تلابيب عقلية وشآبيب روحية وأهداب قلبية تساعدها لانجاز حرية فعل الوعي والانعتاق من السائد الخانق.
فلا لوم نوجهه إلى المُرسل حين نراه يرسم شبابيك متفاوتة الأحجام على قبة السماء كأنه يهذي. وهل هناك شطط أشط من الرسم على قبة السماء؟ أهناك وهمَ أوهى من وهمٍ أصاب مُرسلاً هجر أرضه مضطراً إلى عالم وهمي يعاني فيه من ذاته المعدومة؟ أين هي قبة السماء, يا ناس؟ هل لها وجود؟ هل هي فوق رؤوسنا أم رؤوس أعدائنا أم رؤوس شياطين الإنس والجن؟ ليتني اعرف مكانها كي ابني بيتاً من أديم أرضي وسديم سمائي لعلني أنجو من سأم حياة مدينتي المُحتلة. إن من إبداع الفنان بناء صرح خيالي لعله يتعافى قليلا من جراحات الوجع الدفين والجرح الاستلابي. وكان أن لجأ إلى خياله الفني سبيلاً وحيداً لإعادة استنشاق رحيق الوطن بالحد الأدنى, وليس مساكنة الوطن ذاته كما يتمثل في البيت والشارع وحقل القمح وبستان اللوز والوسادة البيضاء بالحد الأقصى.
وأعود إلى الجملة النواة "أحدق بما لا أرى" في القصيدة التي أبعدني تحديقي الخيالي عنها قيد أنملة فقط. إن مفردة "أرى" فعل مضارع فيه الحدث والزمن يقعان في لحظة واحدة. وجذرها الصرفي ثلاثي (رأى) وتصريفاته على وزن أفعل يفعل فُعلى وفُعَل وفعلة, أي أرى يرى رؤية ورؤيا ورؤى ومرئي ورائي. ويقتضي فعل الرؤية أن يكون المرئي مرئياً للرائي. وقد تعني كلمة رؤية وجهة نظر أو موقف وهي في كل الأحوال مشاهدة بصرية عينية. أما الرؤيا فهي مشاهدة روحية معنوية بالبصيرة وليس بالبصر, وهي فوق بصرية. وتحدث الرؤيا للنائم أو اليقظ على هيئة إخبار وإعلام لا يقبل الكذب. وهي نعمة من نعم الله للأنبياء والصالحين دون غيرهم من البشر. فالنبي يتوفر على رؤيا بل رؤى كثيرة تأتيه حلماً ويقظة بحيث يصبح شهودياً.
أما الفنان عامة وبخاصة الشاعر, وهنا بيت القصيد, فما يراه هو رؤية وقد تكون رؤيا يُصدّقها هو ولا يُصادق عليها الآخرون. فقد زعم الشاعر الإنجليزي المتصوف وليام بليك أنه رأى الله جهرة. إنني احترم رأيه ولكنني لا أصادق عليه فما رآه كان وهماً تصوره الله. ونحن هنا إزاء كلمة أخرى وهي "أحدّق" التي تعني إطالة النظر فيما يرى الرائي. والمُرسل يُحدّق ويطيل النظر بشيء غير محدد أو معين. وهذا الأمر ضروري لكي يشاهد الرائي ما يرى. فهو يرى لا شيء, شيئاً غير موجود, مفقوداً كان ومعدوماَ اليوم. فهل كان بصر المُرسِل يُحدّق بمفقود محتمل أم بمعدوم حتمي؟ وسؤالي الثاني هو: هل كان المُرسل/الرائي نفسه موجوداً وهو يُحدّق؟ .... يا إلهي كم أنا مثله أرى ما لا أرى من إجابات! ما هذه الأسئلة التي تثير قشعريرتي؟ ....كيف لا يكون موجوداً وهو يقول إنه يُحدّق؟ أجزم أنه كان موجوداً جسدياً ولكنه لم يكن موجوداً اعتبارياً... فكم من أشخاص موجودين بلا حضور فاعل أو اعتبار فنراهم غير موجودين! هكذا فهمت الأمر.
كيف للمُرسِل أن يُحدّق بما لا يرى فلا يرى أنه يرى, ثم يزعم أنه ينصتُ كي يستمع "إلى أصوات السنونو ... إلى الروح المُغيبة". أية حاسة بشرية هذه التي تؤهله أن يستمع إلى الروح المغيبة, التي هي أصلاً غائبة ومن أشراط عالم الغيب, بينما يعجز عن رؤية ما يرغب في رؤيته من موجودات حسية؟
إن عملية التحديق فعل وعي, أي أنها تحقق شرط الوعي في الرؤية برؤية المُتعين عياناً. لكن كيف وجد المُرسل أن الروح مُغيبة وهي التي لا تُرى بالعين المجردة إطلاقاً. أظن أن فكرة الشهودية هي الرسالة المقصودة من عملية التحديق, وليس المشهدية المحسوسة التي لم يحققها المُرسِل. وبلغة جدلية أقول إن القصدية هنا تتعلق بدرجة التراكم النوعي للمعرفة لدى المُرسِل وليس مجرد الرؤية التي يمارسها العامة صباح مساء.
ثم أن دلالات مفردة الغائب غير دلالات مفردة المُغيّب, والاختلاف الدلالي بينهما يتصل بالفارق النوعي بين ما هو فاعل حُر وبين ما هو منفعل أسير. فالأول يحيا في حالة فاعلة يقودها ويخلقها هو؛ فهو الذي قرر أن يغيب, وهو الذي يعيش الغيبة مختاراً, وهو الذي يقرر متى يعود أو لا يعود. أما المُغيّب فيحيا حالة منفعلة, يعيش فيها مُصادر القرار, وفاقد لحرية الحركة, وعاجز عن العودة إلى ما كان عليه من وعي وفعل سابقين.
وعملية الرؤية تقتضي وجود راء ومرئي وحدث؛ فالإنسان المُعدل يرى ببصره والخاصة من الناس يرون ببصيرتهم وآخرين يرون بعين خيالهم. حين سئل الرسول محمد(ص) عما رآه في السماء السابعة أثناء رحلة الإسراء والمعراج حيث العرش الأعظم قال: "انقلب البصر في البصيرة ولم أرَ شيئاً" إن المعنى والزمن اللذين حدّق فيهما المُرسِل في القصيدة الآنفة غير موجودين, شأنهما شأن الروح المُغيبة. وهذا لا يعني أنهما غائبان أو مفقودان بل يعني أنهما معدومان وجودياً. يمكن استرداد المفقود وعودة الغائب لكن من المستحيل استرداد المعدوم أو عودته ثانية إلى مسرح الحياة.
إن الوطن في هذه القصيدة أكثر من شوارع وجدران ومقاهٍ, إنه هوية شخصية فردية ومتفردة ثم تتسامى إلى حضارية ثم تَعرُج إلى قبة السماء لتصبح روحية شهودية. وفي رؤية المقابل, فإن مشهدية الوطن حزينة, صامتة في الليل وقلقة في النهار مما أحدث في المُرسِل حالة من الازدواج البصري فهو يُحدّق بما يحب أن يرى فيجده غير موجود, كما يحدّق بما لا يُحب أن يرى فيجده موجوداً, ويتمنى أن يرى ما كان بوده أن يراه لكنه مُهجّر ومُغيّب ومعدوم. لذا فهو في الحالتين لا يرى ما يرى, كأنه فقد حاسة البصر ونعمة البصيرة بسبب غياب الوطن. ثم قام باستخدام حاسة السمع كي يستمع إلى تغريد طيور الوطن لكنها لم تسعفه كثيرا. فمصير تغريد السنونو يشبه مصير الروح المُغيّبة برغم أن دم المُرسل فاض فرحاً وغبطة بسماع تغريده لأنه صوت من أصوات الوطن الذي كان.
إن المُرسِل في القصيدة مجهول النوع الاجتماعي(الجندر), وربما تعمدت الشاعرة استخدام الفعل المضارع كي لا يتبين لنا أنه ذكر أو أنثى, (أرسمُ وأحدقُ وأنصتُ), ويستخدم "هي" مع ضمير المتكلم المفرد سواء كان مؤنثاً أو مذكرا. ولا يتمتع بأي خصوصية قومية أو دينية أو طائفية تمكنني من رصد جنسيته وهويته. لكن المُرسِل على علاقة وطيدة كذات فاعلة في النص مع منتجة النص ألا وهي الشاعرة ليليان. وحسب نظرية النص ولسانيات الخطاب فإنهما واحد أو في خندق واحد. فالمُرسل الذي يرى ولا يرى, يرسم ولا يتحقق له المعنى, يعيش ولا يحيا في الدلالة, ثم يسمع ولا يستمتع /هو/ ذات الشاعرة/ التي تكابد التهويد, وتصارع الاحتلال, وتواجه بلغتها توحش العبرنة وسياسات النفي والمصادرة.
إن سؤال المُرسِل: هل ما زلنا أحياء؟ يشكل قضية أعمق وأكثر حرجاً له من متاعب البحث عن الذات التي باتت مسألة مألوفة في النصوص الشعرية والسردية. كما إن استخدام المُرسِل عبارة "الروح المُغيبة" تفتح آفاقاً جديدةً للمعاني والدلالات المُركبة. فهي "أيقونة" رمزية فكرية يطول شرحها والحديث عن طبقاتها الدلالية وسياقاتها المعرفية وتداعياتها الإيديولوجية والدينية. فالروح هيئة غير معروفة أو مُعرّفة, حتى الأنبياء لم يستطيعوا تعريفها أو تحديد ماهيتها, فحين سُؤل الرسول محمد (ص) عنها قال: علمها عند ربي. لذا يصبح معناها مُركباً, فهي غيب غائب ومُغيّب على حد سواء.
إن الدلالات المعرفية لهذه العبارة تومئ أن المُرسِل يعرف مدى صعوبة استعادة هيئة غيبية ومُغيّبة إلى المشهدية الحيفاوية مرة أخرى. ولو افترضنا أن شهوديتها تعادل شهادتها ومشهديتها فإن مهمة المُرسِل تصبح مستحيلة التحقق. والسؤال ما هو المعنى الميتافيزيقي المقصود إذاً؟ هل من المنطق القول إنه يستمع إليها تئن تحت أقدام البشر وهي التي لا يستطيع قدم دوسها؟ وكيف يمكن القول إنه أنصت إلى صوتها كما أنصت إلى تغريد السنونو؟ وإذا كانت عودة الغائب صعبة, وعودة المُغيب أصعب فكيف يمكن لروح غيبية وغائبة ومُغيبة أن تدوسها أقدام البشر؟ أليس المُرسِل يُكابد أقصى درجات القلق الوجودي العارم؟
للعودة هنا معنى مجازياً يمكن له أن يُجيب على أسئلة غيبية لم يستطع دهاقنة الفلسفة وأنبياء الله أن يجيبوا عليها. فهل مُرسِل حيفا محكوم بالفشل في استعادة حياة جسده البشري وروحه الغيبية؟ وحين تمسي حياة الجسد والروح مُغيبّة فإنه يضيع في دوامة العدم. وللتمثيل أقول إن الغائب الحيفاوي لا يزال غائباً بجسده, ولا تزال روحه تغدو وتجيء إلى مسقط رأسه صباح مساء. ألم يناجي ايميل حبيبي عائده الوهمي إلى حيفا؟ فماذا سيكون مصير عودته سوى العدم حين يكون غائبا بجسده ومغيباً بروحه؟ لذا أرى دلالات هذه العبارة النواة تحقق ذروة البلاغة اللغوية التي تجسدها هذه "الإيقونة" الفلسفية التي تضيء مدى استحالة تحقيق حلم المُرسِل ضمن المُعطى السياسي الواقعي الحالي.
واللافت في هذه القصيدة توفرها على "جملتين نواتين"" two key sentences", تشكلان بؤرتين دلاليتين تتصلان بثنائية المعنى واللا معنى في نصها النثري الخالص. والدليل على نثريته أن حاستيّ البصر والسمع, كتقنيات بنيوية, لم تسهما في اتساق بنية النص المنفلت من أي ضابط فنّي. إنها نص نثري سلسل, لغته نثرية, ومعانيه ثرية, ودلالاته لا يحدها أفق. ثم أسأل: أين هو المُتلقي فيها؟ هل هو النهار المتسائل أم الليل الصامت؟
وإذا افترضنا مجازاً أن النهار تأنسن وبات يسأل عن بنيه, وأن الليل تأنسن أيضاً وبات يسأل عن ساكنيه فهل للوطن الغائب المُغيب أن يتساءل عما إذا كان حياً أم ميتاً؟ وإذا قصد المُرسِل أن يسأل الوطن عن أحوال نهاره وليله فإنه الأولى بالإجابة على تساؤلاته. ومَن غير الوطن يعرف ما حل بالوطن؟ أتراه يسأل جدرانه عن شوارعه وأبنائه؟ وهل يحق لمن باع أطرافه وأيامه وماضيه أن يسأل أحدا عما حدث له؟ إن فعلها فهو الذي يخون وليس روح أبنائه الغائبين المُغيبين. وأتوقف لأسأل: هل حقاً يخون الوطن؟
وأخيراً أرى أن مشاهد النص, التي يفترض بها أن تسهم في بنية القصيدة, فوضوية ولا يضبطها ضابط فنيّ أو إيقاعي. كما أرى المواقف الدرامية في سياق النص على غير ترتيب منطقي. وإذا كانت قصيدة النثر تقبل أن يكون مضمونها فوضوي وبلا معنى متسق فإنها لا تقبل أن تكون بنيتها خالية تماماً من مكونات القالب الشعري. لم أجد فيها تكراراً يشد من بنيتها اللغوية, ولا موسيقى داخلية تبني لها إيقاعاً ملحوظاً, ولا تتالية من ضمائر توفر لها شيئاً من بُنية فنيّة. وأعود إلى السياقية فأجدها نثرية رتيبة دون قالب شعري في محورين سرديين, وهما : تسلسل الأفعال ثم ذكر الغاية دون تقديم أو تأخير للفعل والفاعل, كما يقتضيه علم النحو والبيان: "أرسم على جدارات الشوارع نوافذ, وأمتهن الرسم, لأشم رحيق بلادي". ثم :" ضجرت روحي من الليل الصامت والنهار المتسائل" (ص:29). أليستا فقرتين نثريتين متسلسلتين وتقليديتين بامتياز؟






تعليقات حول هذه المقاله
العنوانالكاتبوقت الإضافه

تصويت
ما رأيك بالموقع ؟
ممتاز
جيد
مقبول
سيء
نتائج التصويت

حجة بالوان العصر


لوحاتي




كتاباتي

غزل الذاكرة
زمن المرايا
وطن العنقاء
كثبان الذهب الأسود
أبو علي إياد
تأملات مصطفى صبري
الأولاد والشمس
إنشطار الذات
معركة النفق
مكانة القدس
جدار الفصل العنصري
وطني ليس حقيبة
إمبراطورية النفايات
قراءات أمنية
امرأة لا تغار
صراع لا يموت
أصحاب الملايين
صوت الذاكرة


الساعة

صدر حديثا


 
Qalqilia NetWork