إبحث عن:    
القائمة الرئيسيه
صفحة البداية
القصة القصيرة
القصص والروايات
دراسات و ابحاث
المقالات والترجمات
الكاتب يوسف العيلة
معرض الصور
شاركنا رأيك
English Site

تسجيل الدخول
إسم المستخدم:

كلمة المرور:


تسجيل
هل نسيت كلمة المرور

المقالات الأكثر قرائة
1 من الممات إلى البعث .... نظرة إسلامية تقليدية
2 تأملات - الفصل الخامس : موروثات
3 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المصادر والمراجع)
4 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المقدمة)
5 الإسلام دين الفطرة الإنسانية

الكاتب يوسف العيلة


جديد الروايات

 

صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في رام الله دراسة بحثية بعنوان " لسانيات الخطاب الشعري المعاصر ، ليليان بشارة - منصور نمرذجاً " للروائي يوسف العيلة . تضئ الدراسة بعضاً من واقع اللغة العربية في الداخل الفلسطيني . ويقع هذا الإصدار في مئة وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، وهو السابع عشر في سلسلة إصدارات يوسف العيلة النقدية والروائية .


قراءة المقاله



لسانياتُ الخِطاب الشعري المُعاصِر ليليان بشارة- منصور نموذجاَ 7- قصائد نثرية :
كتبت بواسطة: يوسف العيلة - el 18/09/2019 - 58 زوار        


لا تنتمي قصيدة النثر إلى أيٍّ من المدارس الشعرية العربية التي ظهرت قبلها, كمدارس الشعر العمودي الموزون والمُقفى, والنثر الشعري, والشعر النثري, والشعر الحُر, وشعر التفعيلة. فهي تأخذ من الشعر العمودي بعضاً من قالبه الشكلي وموسيقاه الخارجية التي تقترب حيناً وتتباعد أحياناً كثيرة عن سلم درجاته الموسيقي الذي يمكن اختصاره بالإيقاع الآتي: (سا... مي... ليه...ريه...قا...صي... ديه...).

كما تأخذ من النثر السردي شيئاً من إسهابه في المعنى وتطويله في الشرح. فهي ليست قصيدة منتظمة الشكل والإيقاع الموسيقي, ولا هي مُحّكمة البناء الفنّي كما هو حال القصيدة العمودية. ثم أنها ليست نثراً سردياً يسهب في التفصيل, كما هو حال النص السردي, فهي تأخذ من الشعر بعضاً من صرامته ونظامه, ومن النثر شيئاً من إطنابه وإسهابه. لذا سُميت قصيدة النثر؛ لأنها تجمع بين نقيضين/نصين متباينين شكلاً؛ أي الشعر والنثر دون أن تلتزم تماماً بشرط أي منهما فنّياً أو فكرياً.
إن اللافت فيها تشبهها بحالة من إيهام أو إلهام تنطلق من مُرسِل مُبهم, قد لا يتصف بصفة أو يحمل اسماً أو له عنوان واضح. وفي الحديث عن أنواعها أراها قد انقسمت إلى نوعين: الأول, فيه الغلبة للشكل الفني, والثاني, يركز على المضمون الفكري. وكان أدونيس من أتباع الشكل الفنّي, كما كان "رامبو" من أتباع المضمون, وهما على خطى الشاعر الفرنسي "بودلير", مؤسس هذا النوع من القصائد. وتبقى في الحالتين نصاً نقيضاً للنثر السردي والشعر المقفى والموزون على حد سواء. ويلحظ القارئ الحصيف أنها تجمع بين جنسين أدبين في جنس هجين واحد أسماه دعاتها قصيدة النثر. وأعتقد أن مُطلِق هذه التسمية قد أخطا في حق الشعر والنثر على حد سواء. ولو كنت أملك الحق في تسميتها, أو إعادة تسميتها لأطلقت عليها "النص الخنيث" الذي لا ينتمي لذكورة الشكل الصارم ولا لأنوثة الأفكار الجميلة. فهل تصلح الخنثى لتعمير بيت ثري أو يصلح الخنيث لحكم بيت شعري؟
وأذكر حينما قرأت بعض قصائد هذا النوع لأول مرة أن "دليلي احتار وحيّرني", ظللت أتساءل يومها أثناء قراءتي: مَن الذي يتكلم فيها؟ أهو رجل أم امرأة أم شيطان رجيم أم هاتف من السماء؟ أهو مُرسِل أم متلقٍ أم صوت آخر يتوسط بينهما؟ أهو راوٍ أبكم أم سارد أصم؟ ما أسمه وماذا يريد القول؟ لماذا أراه خائفاً متردداً؟ لماذا لا أسمع صوته بوضوح؟ لماذا تومئ كلماته إيماءً خفياً, وترتج حروف مفرداته رجاً؟ وكان أن خرجت بانطباع أن المُرسِل في تلك القصائد يتكلم في أغلب الأحيان بلسان متلعثم وعبارات مشتتة, لا يجمعها معنى ولا تفسرها دلالة واضحة المغزى. كأنه شخص مأزوم عاجز عن التعبير عما يختلج في وجدانه. وكان أن نفرت من الشاعرين؛ ابتعد اهتمامي عما كتبه الشاعر أدونيس, صاحب قصيدة الشكل ولم أعد إلى قراءة نتاج الشاعر رامبو صاحب قصيدة المضمون. أما الباحثة سوزان برنار فلم أقترب منها بتاتاً فهي "الداء الخبيث" الذي أصاب شاعرية صاحبيها السوري والفرنسي بحجج العصرنة والحداثة والتطور. كما لم تستفزني شاعرية الشاعر اللبناني الفرنكوفوني أنسي الحاج الذي كتب في القصيدة النثرية ولم يحسن صنعاً في فنه وفكره.
وكما وعدتُ آنفاً سأختار ثلاث قصائد نثرية من ثلاثة دواوين شعرية للشاعرة ليليان الكرملية لإلقاء الضوء الساطع عليها. وسنرى إن كانت تسير على خطى قصيدة أدونيس الشكل أم على خطى قصيدة "رامبو" المضمون, أم أنها حاولت شق طريق ثالث يخالفهما كما حاول ولم يفلح الشاعر مريد البرغوثي. أعجبتني قصيدة "وعد" من ديوانها الأول زمنياً "كلمات على حافة الدائرة الذهبية, 1994". ومن خطأ القول إن إعجابي بها يعني أنني من دعاتها المؤمنين بها أو السائرين على دربها. إن بعض المؤمنين بها يعتقدون أن بإمكانهم تجاوز الشعر العمودي, ديوان العرب, ورمز هويتهم الثقافية على مر العصور. ويتذرعون أن زمن التطور والتجديد تجاوز قواعد الفراهيدي, وعروض الخليل بن أحمد المتصلة بالوزن والقافية. أبدأ بتفكيك البنيّة الفنية لقصيدة "وعد", ثم أخلص إلى تحليل البنيّة الفكرية لها :
1-قصيدة "وعد":
أ-البنيّة الفنيّة:
تتألف قصيدة "وعد", ديوان "كلمات على حافة الدائرة الذهبية" (ص:15) من ثماني جمل طويلة تشكل ثماني فقرات تنتهي كل منها بنقطة باستثناء الأخيرة التي تنتهي بعلامة تعجب. ويشغل نص القصيدة أربع صفحات ورقية من القطع المتوسط, علما أن مساحة النص اللغوي لا تتجاوز صفحة واحدة إذا ما تم ضغطها كأنها نمط نثري. وتتشكل من اثنين وثلاثين سطراً متباينة الطول. ويتراوح عدد كلمات سطورها من كلمتين إلى سبع. ومن المعروف أن السطر الواحد يمكن له أن يضم ثلاث عشرة كلمة في تشكله النثري حسب البنط الحرفي رقم أربعة عشر. وهذا يعني أن نسبة مساحة الفراغ في صفحاتها أكبر من نسبة مساحة الامتلاء اللغوي, أي يقارب أربعة أضعاف.
ويستخدم المُرسِل في تعبيراته اللغوية أفعال ماضية متعدية. إذ يتكرر الفعل المتعدي "وعدتُ" اثنتي عشرة مرة في القصيدة. ويشي تكراره بحرص المُرسِل على تأكيد وعده ل "نفسي". ويحمل التكرار عادة في طياته دلالات عدة منها التأكيد والبوح واللوم والاتهام, ثم موسيقى داخلية. كما يعني أن المتلقي/الموعود له/ "نفسي"/ ضعيف الاستيعاب والفهم وربما يرفض رسالة المُرسِل. وتوظف الشاعرة في الفقرة الأولى إيقاعاً داخلياً ثلاثياً, يتشكل من تكرار شبه جملة مكونة من جار ومجرور: من قواميسي, من أحاسيسي, من كلماتي. كما تكررت الجملة الفعلية "وعدت نفسي" في القصيدة اثنتي عشرة مرة, وكان زمن الفعل فيها ماضياً. وتشي كلمة "بعد" في الجملة الأولى بأن المُرسل كان يُحب متلقياً غائباً لم يعد يحبه دون ذكر السبب. كما تشير الجملة/الفقرة أيضاً إلى أن المُرسِل يخاطب متلقيين آخرين في نفس اللحظة؛ الأول هو "أنتِ/ نفسي" التي تسمع ما يقوله المُرسِل, لكنها لا تحرك ساكناً وتلتزم الصمت حتى آخر سطر في القصيدة. ثم يخاطب ضميراً مستتراً تقديره "أنتَ" لم يكن يسمع أو يجيب على ما يقوله المُرسِل الأنثوي. وكأن ضمير الأنا الذي يمثل ويحل محل المُرسِل يخاطب الفراغ أو الصمت. وعليه فإن القصيدة في فقراتها الثماني تتأطر بهذا الحوار الثلاثي الوهمي القائم فنياً بين ثلاثة ضمائر هي: ضمير مستتر تقديره أنا/المتكلم, وضمير مُخاطَب تقديره أنتِ/نفسي القريب مكاناً, وضمير مُخاطَب ثانٍ تقديره أنتَ/المُتلقي البعيد مكاناً لكنه ليس غائباً لأن بوح المُرسِل يخاطبه, أي يخاطب الضمير المتصل بالفعل "أحبك أنت" وليس "أحبه هو" حين تكون القطيعة تامة.
إن استخدام المُرسِل للفعل المتعدي في الزمن الماضي "وعدتُ" يشير إلى أن فعل الوعد الذي قطعه المُرسل على نفسه قد انتهى. ولو كان يقصد قطع علاقته بالمتلقي فعلاً لاستخدم فعلاً مضارعاً له أبعاد مستقبلية أيضاً: "أعد نفسي". فالوعد أصلاً يعني أن يكون حدوثه مستقبلياً لا ماضياً. لهذا فإن المُكوّن الحَدَثي/ الزمني للفعل وَعَد أو وعدتُ يؤكد أن مضمونه ودلالته كانت موقوفة على الماضي الذي حدث فيه وليس على الراهن الذي نقرأه فيه. لهذا لا يوجد في فعل وعدت "تزمين" بين الحدث وزمانه. أجد انشطاراً بيّن بينهما يلغي فاعلية الوعد في وعدتُ, ويثبّت تجرده من دلالاته الراهنة والمستقبلية. وتأسيساً, فإن مفردة "وعدتُ" تحمل مضموناً نقيضاً لدلالات "أعد" المستقبلية وكأن المُرسِل يقول إنني وعدتُ نفسي لكنني اليوم لستُ ملزماً بهذا الوعد. لهذا فإنني أعد نفسي لمحاكمتها على خطيئة وعدها السابق بأن لا تُحبك.
إن اللغة العاطفية التي استخدمها المُرسل /الأنثى في قصيدة "وعد" تجعل منها رسالة عتاب أكثر منها موقفاً يُعلن فيه المُرسِل قطع علاقته العاطفية بالمتلقي. فلغتها متناقضة إذ تعد نفسها بأن ترى عينيه وتتجاهل لونهما... فهل هذا الفصل بين العين ولونها ممكن؟ كما تعد نفسها أن ترى ملامح أماكنهم السرية ثم تكابر وتقول إنها ليست من سكان تلك المدينة؛ أتراها تكذب على نفسها أم علينا أم هو طبع بنات حواء في مواقف الحُب؟
ب- البنية الفكرية:
إن تكرار الجملة الفعلية "وعدتُ نفسي" ثماني مرات يحمل دلالتين اثنتين؛ الأولى, أنه وعد وهمي بين المُرسِل وذاته الدنيا. ورغم بوحه بالوعد والتأكيد اللفظي عليه ثماني مرات إلا أنه وعد افتراضي لم يحدث عملياً بين طرفين مستقلين منفصلين, بل كان بين طرف واحد هو "أنا عليا" يملأها الغضب وبين "أنا دنيا" مأزومة عاطفياً. إن الحوار الداخلي الذي ترسمه الجملة النواة "وعدتُ نفسي" في القصيدة تومئ أنها رسالة ذاتية من مُرسِل إلى نفس مُرسلها وكأنها حوار داخلي بين المُرسل ونفسه. فلا انفصال بين "أنا" المُرسِل و"نفسي" فكلاهما صدى ضميرين شخصيين للمُرسل ذاته, أي أنا المتكلم وهي/نفسي المُخاطَب/أنا. كما أن الفقرة الأخيرة تقفل بجملة "أعددتُ نفسي" والتي تشير صراحة أن المُرسِل يُعد "نفسي" لمحاكمة ذاتية تثير العجب. فهو يعترف بحبه الذي كان بصيغة الفعل الماضي المتعدي. فإذا كان وعد الحُر دين فإن وفاء المُحب بوعده لنفسه مثل وفاء الحُر بوعده لمن يُحب. إن المُحب الحقيقي لا يستطيع أن يحاكم نفسه لأنه أحب, وإن فعلها فإن حبه لا يكون صادقاً. وحين يكون صادقا فإن الزمن لا يطوي صفحته, ولا تُبدله الأيام, ولا تلغيه الليالي. والدليل أن الجملة الفعلية "أعددتُ نفسي" تقلب المعنى العام لفقرات القصيدة السابقة لها رأساً على عقب. إن انقلاب زمن نهايات الجمل السبع من الماضي إلى المستقبل يؤكد أن المُرسِل يكابد حباً لن يستطيع إلغاءه أو نفيه برغم تأكيداته السابقة. وإلا لماذا يحاكم نفسه/"نفسي" إذا لم تكن ترفض وعده لنسيان المتلقي الثاني "هي" والتي هي في حكم الصامتة أو الغائبة؟ لماذا انتهت جملة "أعددت نفسي للمحاكمة" بعلامة تعجب ولم تنته بنقطة ككل جمل القصيدة السبع التي أقفلتها بسبع نقاط؟ لِمَ يَعجَب المُرسِل من محاكمته لنفسه/ "نفسي" إن لم يكن بينهما صراع حول الوعد وحيثياته الزمنية؟ لماذا انتهت جملة القصيدة الأخيرة بتعجب يفيد التغيير والتبديل في موقفه من الوعد من خلال تعلية نغمة الإيقاع النهائي للقصيدة؟ أني أراه يتراجع عن وعده السابق كأنه يستغرب أن مثل هذا الوعد قد صدر عنه في يوم من الأيام.
ويعني ظرف الزمان/المكان "بعد" أن المُرسِل كان يُحب متلقياً غائباً لم يعد يُحبه دون ذكر السبب. كما تشير الجملة/الفقرة أيضاً إلى أن المُرسل يخاطب متلقيين في نفس اللحظة؛ الأول هو "أنتِ/ نفسي" التي تسمع ما يقوله المُرسل لكنها لا تحرك ساكناً وتلتزم الصمت حتى آخر سطر في القصيدة. ثم يخاطب ضميراً مستتراً تقديره "أنتَ" لم يكن يسمع أو يجيب على ما يقوله المُرسِل الأنثوي. وكأن ضمير الأنا الذي يمثل ويحل محل المُرسِل يخاطب الفراغ أو الصمت. تتأطر القصيدة في فقراتها الثماني بهذا الحوار الثلاثي الوهمي القائم فنياً بين ثلاثة ضمائر هي: ضمير مستتر تقديره أنا/المتكلم, وضمير مُخاطَب تقديره أنتِ/نفسي القريب مكاناً, وضمير مُخاطَب ثانٍ تقديره أنتَ/المُتلقي البعيد مكاناً لكنه ليس غائباً لأن المُرسِل يخاطبه, أي يخاطب الضمير المتصل بالفعل "أحبك أنت" وليس "أحبها هي" حين تكون القطيعة في العادة جدّية.
إن استخدام المُرسِل للفعل المتعدي المضارع "وعدت" يشير أن فعل الوعد الذي قطعه على نفسه قد انتهت صلاحيته مع انقضاء زمنه. ولو كان يقصد قطع علاقته بالمتلقي فعلاً لاستخدم فعلاً مضارعاً له أبعاد مستقبلية مثل "أعد نفسي". فالوعد أصلاً يعني أن يكون حدوثه مستقبلياً لا ماضياً. لهذا فإن المُكوّن الحَدَثي/ الزمني للفعل وَعَد أو وعدت يؤكد أن مضمونه ودلالته كانت موقوفة على الماضي الذي حدث فيه وليس على الراهن الذي نقرأه فيه. لهذا لا يوجد في فعل وعدت "تزمين" بين وقوع الحدث ولحظة وقوعه. أجد انشطاراً بيّن بينهما يلغي فاعلية الوعد في وعدتُ, ويثبّت تجرده من دلالاته الراهنة والمستقبلية. وتأسيساً , فإن مفردة "وعدتُ" تحمل مضموناً نقيضاً لدلالاتها المستقبلية وكأن المُرسِل يقول إنني وعدت نفسي لكنني اليوم لست ملزماً بهذا الوعد. لهذا فإنني أعدُّ نفسي لمحاكمتها على خطيئة وعدي لها بأن لا أُحبك/تُحبك.
إن اللغة العاطفية المستخدمة في قصيدة "وعد" تجعل منها رسالة لوم عتاب أكثر منها بوحاً يعلن فيه المُرسِل قطع علاقته العاطفية بالمتلقي. فلغتها متناقضة إذ تعد نفسها بأن ترى عينيه وتتجاهل لونهما... فهل الفصل بين العين ولونها ممكن؟ كما تعد نفسها أن ترى ملامح أماكنهم السرية ثم تكابر وتنكر أنها من سكان تلك المدينة؛ أتراها تكذب على نفسها أم على المُتلقي؟
2-قصيدة "عتبة البيت":
أ-البنية الفنيّة:
تتألف قصيدة "عتبة البيت", ديوان "عندما يغتسل التراب", (ص:40) من جملة واحدة طويلة تنتهي بنقطة. وتنقسم هذه الجملة إلى فقرتين يفصل بينهما ثلاث رسومات صغيرة على شكل دوائر أو نجوم سوداء اللون. ولا يملأ النص اللغوي معظم الصفحتين المخصصتين لفقرتيه الاثنتين, فلا تزال الغلبة لنص الفراغ. واللافت للأمر أن قالب القصيدة له ملامح نثرية تفوق ملامح قصيدة "وعد" في ديوان "كلمات على حافة الدائرة الذهبية". لا يوجد في قصيدة "عتبة البيت" تَعادل بين نص الامتلاء ونص الفراغ, أي أن الغلبة لا تزال لصالح نص الفراغ على نص الامتلاء. وهذا يرمز إلى أن قوة الهدم التي يمثلها الفراغ أقوى من قوة البناء التي يمثلها الامتلاء.
تتشكل القصيدة من خمسة وعشرين سطراً, تتراوح كلمات السطر الواحد من كلمتين إلى سبع كما هو حال عدد الكلمات في قصيدتها السابقة الذكر "وعد". وهذا يعني أن مساحة الفراغ في صفحاتها لا تزال أكبر من مساحة الامتلاء اللغوي, أي أنها تقارب الضعفين. ومع هذا التباين في نسب الامتلاء والفراغ وعدد الكلمات إلا أن قصيدة "وعد" تبقى الأقرب إلى قالب قصيدة النثر من قصيدة "عتبة البيت" التي هي أقرب إلى قصيدة الشكل منها إلى قصيدة المضمون رغم المساحة النثرية الكبيرة فيها.
يستخدم المُرسِل في بداية القصيدة أفعالاً لازمة مضارعة مثل: "تتوارد", "تدب", و"تسقط" ....وأخرى متعدية ماضية مثل "حضنت" و"أخرجت" و"نما" ثم يعود فيستخدم الأفعال المضارعة ولكنه يستبدل الفعل اللازم "تسقط" وفاعله"آلاف الشهوات"بالفعل المتعدي "تحضن" وفاعله الثاني "ذراعي" والفاعل الأول الذي تسبب "بنزفه" مجهول وتقديره السيّاف, والمفعول به "لوح صبار".
في الفقرة الأولى, أسمع إيقاعاً داخلياً ثنائياً, يتشكل من تكرار شبه جملة مكونة من جار ومجرور: "على العتبات, على العتبات" ثم ينكسر إيقاع جمع المؤنث السالم/ في العتبات/ ويتحول إلى إيقاع منفرد مؤنث مجروراً بحرف الجر أو الظرف المكاني "بين". ثم يعود الإيقاع مرة ثانية في بداية الفقرة الثالثة من القصيدة مع استبدال الفعل "تسقط" بالاسم "صرخة". والملاحظ في الفقرة الأولى والثالثة أن الفاعل في كل جملة هو ضمير الجمع المؤنث "الظلال" و"الأقدام" أي الضمير "هذه/هي". أما في الفقرة الثانية فإن الفاعل هو الضمير المستتر وتقديره "أنا" المتكلم أو المُرسِل. على أنه من الأهمية بمكان الإشارة إلى عدم وجود متلقٍ أو مُخاطًب مباشر في القصيدة كلها. وغيابه السلبي يتسق ويتضام مع دلالات النص التي تومئ أن البيت مهجور. وعليه لمن يتحدث المُرسِل؟ هل يناجي الفراغ؟ وعلى الرغم أن العتبات والبيت ولوح الصبّار قرائن لغوية تؤكد على وجوب وجود متلق يقرأ أو يسمع رسالة المُرسِل إلا أن هذا المتلقي سلبي أو منفعل أو غائب أو ميت.
واللافت في بُنية عنوان القصيدة استخدام المُفرد المؤنث "عتبة", ثم استخدام الجمع المؤنث في فقرات القصيدة الثلاث حيث تنتهي الفقرة الثانية بعلامة تعجب, كما تنتهي الثالثة أي الأخيرة بنقطة للدلالة على انتهاء الفقرة الأخيرة التي تختم القصيدة. والانطباع الأول الذي يشي به استخدام المفرد المؤنث "عتبة" في العنوان أن البيت/المذكر لصيق جداً بالعتبة/ الأرض. كما تومئ العتبة الواحدة أن البيت/المُذكر ليس شامخاً إلى أعلى بينما العتبات في تضاعيف النص تقول عكس ذلك. على أن العتبات لها وضعية المفرد المؤنث إذ إن بين كل عتبة وعتبة تنفخ الشمس بذوراً فينمو العشب, أي أنها ليست في حالة جمع وتماسك بل تجثم منفردة على هيئة مفككة, عتبة عتبة, وليس عتبات متماسكة تشكل هيئة واحدة مستقرة وثابتة.
إن تباعدها يعني أنه لم تتم صيانتها, منذ زمن طويل بسبب غياب أصحابها. والمكون البنائي الوحيد هو ريح الحنين التي حملت البذور على ظهرها وزرعتها في تراب الوطن حيث شربت من نداه ومائه, ثم أمدتها الشمس بنبض الحياة/ الحرارة فنهضت من سباتها واخضرت. لذا بدت البذور فرحة تارة بزائريها, وغاضبة تارة لغياب أصحاب البيت, وتارة أخرى ثورية ترفض واقع الغربة والتهجير. وسيطرة مكون التأنيث/ البذور يتسق مع تأنيث العتبة ومثنى التأنيث وهو المذكر/البيت.
إن تكرار مفردة العتبة ست مرات, والعتبات أربع مرات يرمز إلى غلبة الحالة الانفرادية على الحالة الجمعية المتآلفة بسبب طرد أصحابه منه. إن عبور السيّاف بسيفه جعل للبيت تاريخين: تاريخ البناء والاستقرار, وتاريخ الهدم والهجران. واللافت في فنيّة صياغة زمن البيت وزمن القصيدة أن كليهما يقعان متلازمين في زمنين: الزمن الماضي من خلال استخدام أفعال تامة ماضية مثل : حضنت, أخرجت, غسلت, نما, عبر, وفوجئت. كما استخدمت أفعالاً مضارعة تامة مثل تتوارد, تدب, تنفخ, وتحتضن. وكأن حاجز الزمن الحَدَثي الذي يفصل بين الماضي والحاضر قد أزال حاجز المكان الشيئي الذي يفصل بين البيت وأصحابه. فإذا كانوا قد غادروا البيت بأجسامهم فإن البيت لم يغادر ذاكرتهم ووجدانهم. لذا أرى المُرسِل في القصيدة يلعب بالزمن الدرامي كما لعب به الزمن التاريخي, إذ يبوح أنه نظف عتبات البيت في الماضي لكن ذراعه اليوم تحتضن لوح الصبار الشائك. ويرمز احتضان ذراعه للوح الصبار النازف أن عودته جارحة وجزئية ومؤقتة كما هو حال الذراع الجريح من الجسم.
لقد جاءت الجملة النواة في وسط القصيدة تقريباً (سطر: 14) وكأن عبور السيّاف بسيفه فجأة قد قسّم الوطن/ المكان الواحد والزمن الواحد/ إلى قسمين غير متساويين, وزمنين غير متكافئين, وهويتين متصارعتين, وقوتين متضاربتين. كما قسم القصيدة إلى نصفين: نَص الغياب ونَص الحضور, أو نَص الامتلاء ونَص الفراغ, أو نص الموت ونَص الحياة. إن استخدام المُرسِل عبارة لم يتخثر بعد عند حديثه عن نزف لوح الصّبار يدلل أن أحداث البيت لم تنته بعد حتى لو انتهت أحداث القصيدة. وأشير أن رمزية مفردة "الصبّار" تحيل إلى مضمون مفردة "الصبر" لما بينهما من تشابه لغوي. الدليل أن القصيدة تسرد أحداث البيت ماضياً وحاضراً, وتشير بصراحة أن جرح لوح الصبّار النازف لم يندمل ولن يندمل سيما أنه يوازي حالة الصبر الممتدة التي يتصف بها أصحاب البيت ومرفقاته القديمة.
إن التغيير في نحوية وصياغة الجملة الفعلية "تدب آلاف الأقدام" إلى جملة "تدب من شتى الأقدام" يشير إلى تطور لغة الشاعرة وقدرتها على التحكم بلغتها لرسم دلالات متعددة لمفرداتها. فإذا كان دبيب آلاف الأقدام يعني أقداماً ذات هوية واحدة تعبر عن شعب واحد, فإن العبارة الإستعارية "من شتى الأقدام" تدلل على "بانوراما" دولية شاركت أو كانت وراء تهجير أهل البيت. ولا بد من الإشارة في نهاية حديثي عن البنية الفنيّة لقصيدة "عتبة البيت" إلى شبه الجملة "وعلى العتبات صرخة الموت والحياة" أنها صرخة ترح وصيحة فرح: صرخة موت الحياة العربية في البيت, وصيحة النصر اليهودي على البيت/الوطن وأهله/ الشعب.
2-البنية الفكّرية:
تحكي القصيدة حكاية المُرسِل مع عتبة بيته/عتبتي/ في الماضي والحاضر. والدليل أنه يستخدم في رسالته إلى بيته أفعالاً ماضية وأخرى مضارعة لتأكيد العلاقة الحسية القديمة والراهنة التي تربطه بالبيت وعتبته. إن علاقته ببيته أمست اليوم قديمة, عمرها عدة أجيال حين كان ينظف باحته وعتباته بقبل الاستقرار فيه ثم بقبل الاغتراب عنه بعدما طُرد منه. ويتضح من تعاطيه مع العتبات أنه يتألم آلاماً عميقة الغور بسبب تهجيره, كأنه لوح صبار نازف. إن انفصاله عن بيته يوازي انفصال العتبات عن بعضها بعض. وهنا فإن حالة النزف التي يعاني منها لوح الصبار تعني "تذويته" أي تصفه كأنه ذات حية لها روح. لذا فإنه يستشعر أن بين كل عتبة وعتبة ألماً يروح وآخر يأتي في دوامة نفسية لا نهاية لها. وهو يرى أموراً شتى لكنه لا يستطيع حصر واحد منها دون الآخر. ويظن, وظنه صادق, أن الأرض في دورانها السنوي حول الشمس لا تزال تمارس طقوس الخصب والنماء في بيته المهجور على مدار الفصول الأربعة. وكأنها تقوم بطقوس كان يجب هو أن يقوم بها في مواسم الحرث والبذار, ومناسبات الأفراح والأتراح, وحالات الثورة والثروة, ومواقف الرضا والغضب, ثم مواسم الانبعاث والحصاد.
وكأن المُرسِل بدأ يشعر أنه مطمئن على سلامة واستقرار بيته المهجور, فلا آلاف الأقدام التي تدب على عتبته أخفته أو أخافته, ولا ظلال القادمين الجدد على أبوابه فتفتته أو فتت من عضده. إن ذاكرته التي تختزن نشاطه اليومي في البيت الذي كان له لا تزال حية, فهو يستحضرها لتدعيم علاقته العاطفية به من خلال تذويت عتبته ولوح صباره. أليس هو الذي قام قبل أجيال مضت باحتضان عتبته أكثر من مرة؟ ألم يحتضنها أولا حين بناها, وحين سكن البيت, وحين تزوج, ثم حين ودعها قبيل رحيله عنها؟ أليس هو أيضاً من أخرج الحصى من زوايا باحة البيت بيديه وغسل عتبته بسيل من القُبل, وأقام جدرانه, ورفع عمدانه, ومد أرض غُرَفه, وزرع البنفسج حولها ذات زمن مضى فازدهر البيت بأصحابه وضجت العتبة بالخضرة والحياة؟ واليوم! ماذا يرى غير أشباح وظلال وهيئة سيّاف غاضب يقطع بسيفه رقاب أصحاب البيت؟
3-قصيدة "ظلال" ديوان "حينما ينحني السبيل" (ص:66):
اخترت قصيدة "ظلال" من بين ست وثلاثين قصيدة تضمها دفتا ديوان "حينما ينحني السبيل" لسببين اثنين: أولاهما, لأنها تضيء ثيمة إنسانية لا تنحاز إلى أل "جندر"/ النوع الاجتماعي الذي يفرق بين المرأة والرجل على أساس الجنس فقط. وثانيهما, رأيت في مضمونها إضاءة على قيم إنسانية تهم الإنسان في كل مكان وزمان ولا تنحاز إلى هوية بعينها أو اسم بذاته أو انتماء مناطقي أو جهوي.
أ-البنية الفنّية:
تتألف القصيدة من أربعة وأربعين سطراً, يتراوح عدد كلمات أسطرها من كلمتين إلى أربع كلمات, وتعتبر من القصائد الطويلة في هذه الديوان. وهي من القصائد القليلة فيه التي تتكون من فقرة واحدة مكونة من نحو ثلاثين جملة وشبه جملة لا يفصل بينها سوى تراخٍ فراغي عدده أربعة, يتشكل الأول من أربع نقاط متتالية. أما الثلاث الأخريات فيتكون كل منها من ثلاث نقاط. وكأنها جملة واحدة طويلة تتألف من عدة جمل قصيرة تشكل سيلاً شعرياً متدفقاً نحو مصب واحد ينتهي عند نقطة واحدة وحيدة تختم القصيدة. وتضم جملها نحو ثمانية وعشرين فعلاً مضارعاً وماضيا, مفرداً وجمعاً, ومتعدياً ولازماً.
ويستخدم المُرسل جمع التأنيث "ظلال" أربع مرات, ثلاث منها في حالة الرفع بالضمة المنونة ورابعة مضافاً إليه, يتصل به ضمير جمع متصل. والأمر المهم في استخدام هذه الأسماء النواة أن بعضها تم أنسنته في الجملة الفعلية "ظلالنا تتنفس عالياً". واسم الجمع ظلالنا حالة إيمانية تم النفخ فيها من روح المُرسِل الشعرية فباتت تتنفس كأنها كائن حي. ثم وصفها ككائنات حيوانية أسطورية, تجر ذيولها وتتوفر على حواس الإنسان وصفاته؛ فهي تشبهنا وتنادي بصوتنا, وتحاورنا, وتنصت لهمساتنا والأنكى من هذا وذاك أنها تضحك عالياً حين نكون في حالة حزن, عندما يملأ الدمع عيوننا.
ويصور المُرسِل في القصيدة العلاقة بينه/بيننا وبين ظلاله/ظلالنا على أنها ليست على أحسن حال, بل ربما تكون عدائية. فهي لا تتعاطف معنا في حزننا برغم أن مُرسلها قام بتذويتها كي تصبح شبيهتنا بل من نسل ذاتنا, من ظهورنا, وحملتها أرحام نسائنا, وعاشت معنا لصيقة كأنها بناتنا. إن الرسالة التي يحاول المُرسِل إيصالها إلى المتلقي/إلينا من خلال أنسنة الظلال تقول إن هذه الظلال عنواننا الحقيقي الذي يلبسنا ونلبسه كأنها نحن بلحمنا وشحمنا ودمنا وعظمنا, وكأننا هي بذيولها وضحكاتها ومشيها وشكلها.
وما دامت ظلالنا صورنا ونحن إطاراتها الطينية فهل يجوز القول أيضاً إننا ظلالها وهي أجسادنا؟ وما الفرق بين الحالتين ما دمنا نتبادل الأدوار في هذه الحياة بكل سهولة ويسر؟ ما هو المنطق من وراء أن نمنحها أجسادنا وتمنحنا ظلالها؟ وإذا كنا كهذا فهل نحن/الأحياء أجساد تشيئت وظلالنا أشياء تأنسنت؟ هل هذا التماهي هو نص امتلائنا أم نص فراغنا؟ أهو حضورنا فيها أم حضورها فينا؟ لماذا نحن غير قادرين على تحديد علاقتنا بظلالنا؟ مرة تسبقنا ومرة أخرى نسبقها! وإذا كنا قادرين فعلاً على ذلك لماذا تمسك بأيدينا وتمشي بمحاذاتنا وتأكل الرغيف معنا دون أن نستطيع الفكاك منها ساعة واحدة في نهارنا وليلنا؟ أهي التي تطاردنا أم نحن الذين نلاحقها؟ مَن منا سبق الآخر في هذا الوجود؟ أنحن الذين سبقناها؟ ويحضرني ما ذكره جلال الدين السيوطي في كتابه "الدر المنثور" : أما ظلك فيسجد لله, وأما أنت فتكفر به (4). لماذا تسبقنا حين ندير ظهورنا للشمس ونسبقها حين تستقبل وجوهنا الشمس؟ هل هي مخلوقة مثلنا, تحيا بحياتنا وتموت بموتنا؟ هل نحن وجوهها أم أقنعتها؟ مَن منا يمثل الآخر؟ هل هي الضد المُكمّل لنا أم شبيهنا النقيض؟ أليس كل منا يستبق الآخر في مواقفه منذ وُجِدنا؟هل نحن أجسام لها ظلال أم ظلال لها أجسام؟ وحين نكون وجوهاً لها أقنعة فهل لظلالنا أقنعة لها وجوه؟ وإذا كنا نراها نهاراَ وتغيب عنا ليلاً فهل ضوء الشمس خالقها أم كاشفها؟ فإذا كانت تسجد لله فهل من المنطق أن نكفر به؟
(4) السيوطي, جلال الدين, "الدر المنثور, 4/630"
ب-البنيّة الفكرية:
كانت أكثر الدلالات التي أشعلني وميضها في هذه القصيدة عمق العلاقة الجدلية التي تربط بين ظلالنا وأجسادنا. إن الجسد والجسم يتشابهان في تشكلهما المادي من لحم ودم وعظم وشكل وهيئة وملامح ووظائف يومية سواء كانت غريزية أو معنوية. وحين لا أغض الطرف عن الفارق بينهما أقول إن الأول هو الكينونة البشرية التي تتشكل من مادة وروح وعقل فعّال فاض عن العقل الكلي حسب نظرية الفيض الإلهي. ولا نقول عن غير الإنسان أنه يملك جسداً... ففي قول الشاعر حسان ابن ثابت كلام الفصل في التفريق بين المفردتين: " لا بأس بالقوم من طولٍ ومن عظمٍ.... جسم البغال وأحلام العصافير" فالإنسان جسد وجسم, والحيوان والطير جسمان وليسا جسدين. فالجسد له دلالات أيقونية فوق جسمية تتشكل من ثلاثة أقانيم مهيأة للتجسد والتجسيد كما سنرى في المنظور اللاهوتي المسيحي من قضية إلهية أو ناسوتية السيد المسيح . لذا فإن الجسد الآدمي مهيأ أكثر من الجسم للاتصال والتواصل مع عالم الغيب. وحين تتشابك العلاقة بيننا وبين ظلالنا فهل يكون تشابكها مع أجسادنا أم أجسامنا أم مع الاثنين؟
وقد اخترتُ قصيدة "ظلال" للنقد والتحليل لسببين اثنين: الأول, معرفتي المسبقة أنها تتوفر على معانٍ دينية وفلسفية وعرفانية تجعلها المفردة النواة في أي نص إبداعي توجد فيه. والثاني, أن الشاعرة ليليان اجتزأت سطوراً منها لتزين الغلاف الخلفي لديوانها مما يدلل على قصدية فنيّة تحمل دلالات عميقة أرادت إيصالها للمتلقي. وأرى أن هذه الكلمة تحمل عدة دلالات ألخصها بالنقاط الآتية: 1- وردت في القصيدة (سطر:8) بمعنى أجسام غير منظورة 2- كما وردت بمعنى أشباح (سطر:24) 3- وبمعنى خيالنا (سطر:24) 4- ثم بمعنى أجساد نورانية تجمع بين الناسوت واللاهوت ومثالها الكامل السيد المسيح 5- ثم ظلال بلا أجساد أي هيئات من نور مثل الملائكة أو من نار مثل الجن6- وظلال بمعنى أجساد ثنائية الوجود, لا تنفصم ولا تنفصل (سطر:29)7- وظلال بمعنى معانٍ متكثرة8- وظلال بمعنى مخلوقات حية.
وفي التوظيف الأدبي للمفردتين يتضح الفرق بينهما على المستويات الجمالية والفلسفية والدينية واللغوية. يقول الشاعر حسان ابن ثابت "لا بأس بالقوم من طول ومن عظم..... جسم البغال وأحلام العصافير". كما أن السياق الصرفي يلقي ضوءاً ساطعاً على الفرق بين المفردتين: جسد يجسد تجسيدا.... ثم جسم يجسم تجسيما. والفعل الثلاثي "جَسّد" يعني حوّل الفكرة وصبها في جسد له روح. و"جَسَم" تعني حوّل المادة الأساسية إلى أجسام ليس بها روح مثل صناعة الفخاريات من الطين والصلصال. ولا يزال الخلاف قائماً في الفكر اللاهوتي المسيحي حول طبيعة السيد المسيح: هل هو ناسوت أم لاهوت أم مزيج بينهما؟ أما المنظور النسطوري فقد خرج عن نطاق هذه الجدلية العقدية, وأعلن أن طبيعة السيد المسيح بشرية, ونادى بعدم صلبه مما أثار غضب الأكثرية المسيحية المؤمنة بعملية الصلب كجوهر للعقيدة المسيحية التي تقوم على فكرة الفداء من أجل الخلاص الكلي لبني البشر. ولم يعد لهذه الطائفة وجود في استانبول منذ اختفائها من القسطنطينية في القرن الخامس ميلادي.
كما أن العلاقة الجدلية بين الظلال والأجساد (سطر:30) كما تم توظيفها في قصيدة "ظلال" تومئ إلى وجود أربعة أنواع منها تشكل مكونات نصيّ الواقع والفن: أولاً, الظلال كمكون شيئي مكاني كما هو واقع كنيسة القيامة التي ترمز إلى أن السيد المسيح قام من القبر صاعداً إلى السماوات العلا بظله وجسده, أي بروحه وجسده من القبر بعد ثلاثة أيام من صلبه كما يعتقد الأخوة المسيحيون. ثانياً, كمكوّن حدثي زماني كما حدث في رحلة الإسراء والمعراج حيث كانت رحلة ظل وجسد أي روح وجسد. ثالثاً, كمكوّن عيني محسوس حيث نستطيع أن نرى بأم أعيننا ظلالنا تمشي رفقتنا وهي متصلة بأقدامنا؛ تسبقنا أو نسبقها. رابعاً, كمكوّن دلالي على تعددية معاني النص, نقول: ظلال المعاني. خامساً, كمكوّن فلسفي: هل أنا ظلي أم ظلي أنا؟ سادساً, ظلال بمعنى قامات رفيعة المنصب, عظيمة القدر كما جاء على لسان محمود درويش في قصيدته الخالدة "مديح الظل العالي".
4-قصيدة "صورة":
كانت قصيدة "صورة" من بين عدد من القصائد التي قرأتها من ديوان "قصائد مختارة", الصادر عن وزارة الثقافة الفلسطينية عام1994 للشاعر مُريد البرغوثي. وقد شدت انتباهي أكثر من غيرها, رأيتها تختلف كثيراً عن باقي قصائد دواوينه الأخرى في تمثلها لسيرة ومواقف وأحلام وأيديولوجية الشاعر نفسه. وقد فضلتها على قصائد "الشجرة" و"الشاعر"و"رضوى" و"غمزة" لما تجمعه من عناصر فنيّة وفكّرية تجعلها الأجدر في تعبيرها عن رؤى صاحبها الفكّرية والفنّية.
علماً أنه لا يوجد لهذه المجموعة الشعرية عتبات يمكن أن تضيف شيئاً يمكن التعليق عليه حول سيمياء الغلاف والعنوان ومتن النص الأصلي. وكأن الذي قام بتجميعها يجهل أهمية العتبات الأولى لهذه المجموعة على ضوء نظريات النقد الحديثة. ومما يزيد من جهله وقلة درايته بأهمية العتبات أنه لم يشر إلى أصل القصائد؛ هل كانت مخطوطات تم طبعها من قبل وزارة الثقافة الفلسطينية أو مجتزأة من دواوين أخرى للشاعر مُريد البرغوثي؟ وقد أدهشتني عبارة "صادرة عن وزارة الثقافة الفلسطينية" التي يُفترض في القائمين على النشر فيها أن يكونوا على بينة من الأمر. وعليه أنظر إلى هذه المجموعة كإصدار لقيط لا يتمتع بأدنى درجات الموثوقية المؤسساتية.
ا- البُنيّة الفنّية :
في قراءتي المتأنية لها وجدتُ بنيتها الفنّية تتساوق مع مدينة شعرية خيالية تتكون من مشهدين شيئيين رئيسين هما: مكاني أفقي يتجلى على هيئة شوارع ممتدة ومتعرجة ومُنحنية, ثم مكاني عمودي على شكل بناية من سبعة طوابق لها سبع شرفات. المشهد الأول الأفقي يخلو من الحركة والناس ووسائل النقل باستثناء عربة موتى متوقفة أمام البناية. أما المشهد الثاني العمودي فيعج بالحركة باستثناء شرفة الطابق السادس. راقبت ما يحدث في شرفة الطابق الأول بعين خيالي فرأيت شابين بلباس عسكري على أهبة الاستعداد للدفاع عن مدينتهم القصيدة أو قصيدتهم المدينة. وشاهدت في شرفة الطابق الثاني رجلين يلعبان النرد. وفي الثالث لمحت صَبيَّة تنفضُ سجادةٍ قديمة, وفي شرفة الطابق الرابع, تقوم سيدةٌ بنشر أقمطةٍ بيضاء على حبل الغسيل. وفي شرفة الطابق الخامس أبصرت ولداً ينطط طابة ملونة. أما شرفة الطابق السادس فكانت تخلو من الحركة النشطة الموجودة في الطوابق الأخرى. وفي الرؤية النقدية العميقة يعني غياب الحركة فيها هيمنة قطب الهدم المتمثل بالموت أو رحيل ساكن بيت تلك الشرفة. وبالتوازي مع غياب الحركة هناك تتوقف عربة الموتى أمام البناية لنقل جثة ذلك الراحل إلى مثواه الأخير. وفي شرفة الطابق السابع, يشي وجود حشد من النساء بحدث ما سواء كان حفل زواج أو بيت عزاء أو جلسة ضيافة على الطريقة اللبنانية.
ألفت مدينة المُرسِل الخيالية التي أسماها "بيروت" تتجاوز بيروت الواقع. فبيروت هنا ليست بيروت اللبنانية هناك؛ إنها بيروت الخيالية القائمة على أحاسيس مرسلها/شاعرها, وتتحكم بها هواجسه ويؤطرها توتره وتمرده. أي أن "بيروت الدرامية" المكوَّنة من بنايةٍ ذات سبعة طوابق وشوارع ممتدة ومتقاطعة ومُنحنية تختلف عن بيروت الواقع المكونة من بنايات وشوارع وألوان على اختلاف تموجاتها الطائفية والدينية والعرقية والمذهبية. كما أن الألوان التي تنسج شعارات هويات مدينة الشاعر هي الأبيض والأزرق والأخضر والأصفر والرمادي فقط, بينما مدينة الواقع فيها كل الألوان ومشتقاتها وأولها اللون الأسود الذي تخلو منه مدينة الشعر النثري هنا. على أن الفارق بينهما هو ذات الفارق بين موقف المُرسِل /الشاعر الإنساني الذي يعاني من وطأة الحصار والاستبداد والاحتلال والغربة داخل الوطن كما كان يعاني من جهامة غربته الجغرافية في المنفى. وكانت صدمته كبرى في كتابه " رأيت رام الله" بعد عودته الجسمية إلى جزء من وطن محتل كله. لذا بدت نظرته الحالمة في العودة إلى وطن يخلو من الأزمات الوجودية وهماً.
رأيت الشاعر يُعاني من واقع عودة منقوصة يشاكس حلمه القديم في العودة إلى وطن من ذهب وأحلام, ويناقض وجوده وينفي هويته. وكأنه كان أمام هذه الواقع الإستلابي مرغماً على إعادة إنتاج مصدر وجعه بصفته ضحية تقلد جلادها دون أن يعي ما يفعل. فمدينته المُتخيلة التي كانت تعج بالبراءة والهدوء والاستقرار تزخر اليوم بالكهولة والعجز والعقم, وتفيض مرارة وقهراً. أليس هو ضحية مدينة الواقع التي لم تجد سبيلاً يحررها من قيود جلادها لتعود كما كانت حرة أبية؟ ألا يريد الشاعر التعبير عن خيبته الكبرى في عدم تحرير وطنه من قيود واقع لا يزال محكوماً بقبضات الاحتلال وأعوانه؟ لذا وجدته يعيد إنتاج مدينته غير المشتهاة التي تعاني من نوازع الهدم والفوضى. ولقد رأى ما رأى, كما رأيت ما رأيت؛ رأيت في مدينته الشعرية كهولة خاملة تقترب من حالة الموات, وربما تستغرق فيها بمحض إرادتها. وفي رؤية المقابل فإن قوة البناء في القصيدة لا تزال قائمة؛ ففي شرفة الطابق الرابع, نرى سيدةً تنشر أقمطةً بيضاء دلالة على وجود علامات الانبعاث والتجدد والبراءة والتحدي لقوى الموت والهدم.
ثم أتفاجأ بحركة فوضوية غير رتيبة كتلك التي شاهدتها للتو في الطوابق الأخرى. كانت تلك لعب الولد في الطابق الخامس حيث انقلبت الرتابة والانتظام إلى حركة فوضوية غير رتيبة امتدت إلى الشارع أسفل البناية. ويمكنني الاستنتاج أن نقل جثمان الراحل من شرفة الطابق السادس إلى عربة الموتى هو الموازي الموضوعي لسقوط طابة الولد من الطابق الخامس إلى أرض الشارع.
أما المُكوّن الحَدَثي لحركة الفعل في القصيدة فيرسم الدائرة الزمنية التي تحكم الزمن الدرامي للقصيدة. ويتجلى هذا المُكون الزمني في القصيدة بالجملة الاسمية "ضحى بيروت", ثم لحظة توقف عربة الموتى في السطر الثامن. وتبقى دائرة زمن وأحداث القصيدة مفتوحة حتى يتم إغلاقها في السطر الخامس والثلاثين الذي يختم أحداث القصيدة.
إن بُنية القصيدة الفنّية تأخذ أبعاداً تتجاوز المكونين الحَدَثي والشيئي بحث رصدت تساوقاً بين الصياغة اللغوية الفوضوية ومضمونها العشوائي: فالقصيدة تتكون من ستة وثلاثين سطراً, يفصل بين سطورها سبع فواصل وثماني نقاط. وفيها شبه جملتين معترضتين هما "- بلحيتين كسولتين- و كلمة "مضطرباُ"التي تضفي على القصيدة جواً من العشوائية والفوضى. كما أن استخدام الشاعر تقنية الطابة يشي بمعنيين: الأول حركة منضبطة شكلاً في حيِّزٍ مُحَدد وهو شرفة الطابق الخامس. ثانياً, حركة عشوائية فوضوية غير منضبطة في حيز غير متناه وهو الشارع الممتد. إن الفارق بين دلالتيّ المعنيين لفعل الطابة يلقي الضوء على الفارق بين قصيدة النثر الشكلية التي يؤيدها الشاعر السوري أدونيس, ويحكمها نظام ما, وقصيدة النثر الفوضوية التي تعتمد على الجرس الداخلي للكلمة فقط دون الالتفات لأي نظام شعري تام كما يظن الشاعر الفرنسي رامبو.
كما أن بنية القصيدة تتنازعها قوتان متنافرتان تؤديان إلى خلخلة فيها: قوة البناء المتمثلة بالبناية ذات الطوابق السبعة, وقوة الهدم التي يمثلها الموت المتجسد في عربة الموتى المتوقفة كأنها تابوت ينتظر مقدم تابوت آخر أصغر يضم جثة ميت يهبط من الطابق السادس. إن عدم تفصيل الشاعر لهوية أو اسم الراحل يعني أن الراحل يمثل حالة تعايشها بعض شخصيات القصيدة كما يعاني منها أهل المدينة الواقعية التي تشبه بيروت في الحالة والمصير. وتلك المدينة يغلب عليها الطابع العربي الذي هو طابع بيروت الواقع.
وفي رؤية التشخيص الفني لشخوص القصيدة نجدهم يمثلون "الجندر" بنوعيه الاجتماعيين: الذكورة ممثلة بالولد, والشيخين, وسائق عربة الموتى, ثم الأنوثة الممثلة, بصبّية تنفض سجادة قديمة, وسيدة تنشر أقمطة بيضاء, ونسوة يجلسن بهدوء في الشرفة السابعة. لكن قوة الهدم في الجنسين قائمة بوضوح؛ ليس هناك ذِكر لمفردتيّ زوج وزوجة. فقوة الهدم في القصيدة تركت أثرها على شيخين ملتحيين نائمين, وقوة البناء تشي بها صبيّة تحمل مضرباً من خيزران, وسيدة تعمل على تنظيف أقمطة طفلها الذي يرمز إلى ديمومة الحياة وتجددها رغم الفوضى والعشوائية وقوى الهدم والنفي. وفي المعنى الأعمق يرمز الشيخان إلى بعض الموروث الديني الذي تمرد عليه المُرسِل/الشاعر في حياته الواقعية والأدبية على حد سواء. وأراه ينادي بفكرة تحرير القصيدة العربية المعاصرة من القيود التقليدية لنظام الخليل ابن أحمد العروضي الذي يرى فيه حائلاً يعيق تطورها.
وتأسياً, أرى أن قوة البناء الممثلة بالبناية ذات الطوابق السبعة يوازيها في الشكل والمضمون تابوت يسكنه الأموات مؤقتاَ, كما يسكن الخلاء والموت الطابق السادس. والفرق بينهما يتجلى في الوضعية؛ أي بينما تقف البناية عمودياً فإن التابوت يتمدد أفقياً, علماَ أن كليهما متماثلان في الاستطالة والجمود. وكما أن التابوت يحمل اسم صاحب الجثمان مؤقتاً في العادة فإن الطوابق وشرفاتها تحمل أسماء ساكنيها المؤقتين أو أصحابها الدائمين.
وكان من الواضح لي أن القصيدة ذات وحدة عضوية خاصة بها إذ تضم درجة عالية من التكثيف وحشد التفاصيل المتنوعة بل المتناقضة بخاصة عندما يصف الطوابق السبعة التي هي الموازي الموضوعي للسموات السبع المُسترجعة في لاوعي الشاعر. لذا أراها محشوة بتفاصيل ذات معانٍ متباينة في حركتها والتي تُبعد القصيدة عن كونها قصيدة نثر بالمعني الذي قَصَدَته سوزان برنار التي أفاضت في تقعيد قصيدة النثر. فهي تراها لا تسعى إلى رصد المعنى التقليدي بل التركيز على الشكل الفنّي. وكان أدونيس أحد اللذين حذوا حذو موقفها الفكّري ومنهجها الفنّي طبق النعل بالنعل.
إن درجة التكثيف الوصفي في النص تنحى نحو استبدال الواقع الخارجي بواقع شعري منثور وحالم تمثله القصيدة الهجينة التي يرسم فيها واقعاً آخر يُعاكس نقيضه الفراغ القائم فيها بقوة واتساع ملحوظين. لذا كانت مساحة الفراغ الذي يلعب فيه الشاعر كبيرة. أراه يحاول من خلال توظيفه على رقعة الورق الأبيض أن يعبئ سطور القصيدة بخلاء طاغٍ على مجمل مساحتها كي يعطي اللا معنى دلالة تساوي بين أهمية الامتلاء اللغوي وأهمية الخلاء الدلالي. وفي المقاربة بين مساحتيّ الامتلاء والفراغ اللغويين أرى أن مساحة الثاني تساوي أربعة أضعاف مساحة الأول. وللتوضيح فإن قصيدة "صورة" تتكون من سبعة وثلاثين سطراً غير مكتملة الامتلاء. لو قمنا بصف كلماتها في سطور كاملة كما هو حال السطر النثري لما بلغت مساحتها نصف صفحة من ورق A4. وهذا يعني أن ربع حجم القصيدة قائم على الامتلاء وثلاثة أرباعها المتبقية حاضرة في الخلاء الخالي من تشكيلات الحروف وصياغات الكلمات وتراكيب الجمل.
وفي التعمق أكثر في بُنيّة القصيدة فإن تنقيط الجُمل والعبارات يصبح مهماً لتفكيك النص ووصف بُنيته وعلاقتها بالمضمون المباشر والدلالات المرتبطة بالمعنى العام إن وُجد. لقد وجدت أن عدد كلمات سطور القصيدة يتراوح بين كلمتين في حده الأدنى وسبع كلمات في حده الأقصى. علماً أن فراغ السطر يتسع لأكثر من ست كلمات أخرى كحد أدنى.
ولما كانت الوحدة العضوية لقصيدة "صورة" تتأرجح بين الكثافة والفراغ أو بين الامتلاء اللغوي والفراغ الدلالي فإن هذه التأرجح يُكرس مشهداً عشوائياً وفوضى عارمة يمنحان نصه وفضاءها خاصية "جديدة" تعارض خصائص نظيراتها القصائد المنتمية إلى مدارس الشعر العمودي والنثر الشعري والشعر النثري وقصيدة التفعيلة.
تتألف القصيدة من ثماني جمل طويلة فعلية واسمية وشبه جملة, تنتهي كل منها بنقطة. تبدأ الجملة الأولى من كلمة "سماء" في بداية السطر الأول وتنتهي عند كلمة "النوم" في نهاية السطر الحادي عشر, وكلماتها ثمانٍ وثلاثين كلمة. وتبدأ الجملة الثانية بظرف مكان "في الشرفة" في بداية السطر الثاني عشر وتنتهي عند كلمة "صبر", و كلماتها ستٌ. وتبدأ الجملة الثالثة بظرف مكان "في شرفة" في بداية السطر الثالث عشر وتنتهي بكلمة "عسكرية", وكلماتها تسعٌ. وتبدأ الجملة الرابعة بظرف مكان "في الشرفة" في بداية السطر الرابع عشر وتنتهي عند كلمة "النرد", وعددها ستٌ أيضاً. وتبدأ الجملة الخامسة "في الشرفة" في بداية السطر الخامس عشر وتنتهي عند كلمة "قديمة", وعددها سبعٌ. وتبدأ الجملة السادسة بكلمة "بمضرب" في بداية السطر السادس عشر وتنتهي عند كلمة "الغسيل", وعددها عشرون. وتبدأ الجملة السابعة بظرف مكان "في الشرفة" وتنتهي عند كلمة نساء في نهاية السطر الأربعين, وعددها خمس وعشرون كلمة. وتبدأ الجملة الثامنة والأخيرة بكلمة "فجأة" في بداية السطر الأربعين وتنتهي بآخر كلمة في السطر السادس والثلاثين وهي "التابوت", وعددها اثنتان وثلاثون كلمة.
كانت أقصر جمل القصيدة الجملتين الثانية والرابعة. وكانت أطولها الجملة الأخيرة التي تفاجئنا بطولها وكلمة البداية فيها, وهي كلمة فجأة التي تمثل مركز التبئير - أي بؤرة الأحداث- في القصيدة. فالفوضى وقوى الهدم كانت لها الكلمة الأخيرة في القصيدة, إذ أحدثت اضطراباً لدى الولد الذي أحدثها. وعليه فإن المُرسل/الولد في القصيدة هو ذاته الشاعر مُريد البرغوثي على أرض الواقع الذي أراه"يريد" لقصيدته أن تُحدث في عالم الشعر نفس الفوضى والجلبة التي أحدثتها طابة الولد في الشارع. فالمُرسل يُريد ما يريده الشاعر مُريد البرغوثي !
وقد استخدم المُرسِل في نصه سبع فواصل على النحو الآتي: تفصل الأولى كلمة "زرقاء" عن "غيوم" في السطر الثاني. وتفصل الثانية كلمة "ممتدة" عن "متقاطعة" في السطر الثالث. وتفصل الثالثة كلمة "متقاطعة" عن "منحنية" في السطر الثالث أيضاً. وتفصل الرابعة كلمة "خضراء" عن "متضاربة" في السطر الخامس. وتفصل الخامسة كلمة "متضاربة" عن "بيروت" القصيدة في السطر السادس. وتفصل السادسة المفردة النواة/ "الضحى" عن "أمام" في السطر السابع. ثم تختفي الفواصل من نهاية السطر السادس لتظهر السابعة منها في السطر الرابع والثلاثين لتفصل بين كلمة "الشارع" عن "حيث".
والشاهد هنا أن الدور الذي تؤديه الفواصل يختلف عن الدور الذي تؤديه النقاط في وقف إيقاع القصيدة. والفرق بين دور الفاصلة ودور النقطة هو ذاته الفرق بين التوقف المؤقت والوقوف الكامل لاكتمال معنى الجملة. فالنقطة تختم الجملة ذات المعنى التام أو الفقرة لاكتمال معناها, أما الفاصلة فدورها بناء إيقاع متقطع للعبارات المتتالية, ما أن يتوقف الإيقاع مؤقتاً حتى يعاود الاستمرار دون تحقيق المعنى الكلي في كل منها. وفي هذه القصيدة أرى التوقف له صدى إيقاعي متتالٍ وللوقوف مدلول نهائي. فالنقطة هنا تُنهي مشهداً وتمهد لمشهد آخر منفصل عن سابقه ولاحقه, كما هو الحال في النصر النثري.
إن تفصيلات الحدث في كل مشهد من مشاهد الصورة واضح ومشرق في حد ذاته ولا يحتاج إلى إسهاب لتوضيحه أكثر. لذا فإن المشاهد الثمانية التي تؤلف صورة "الصورة" متباينة ومتعارضة ومنفكة عن بعضها الآخر, لكنها تشكل وحدة موضوعية واحدة يجمعها إطار الصورة التي تشكل عنواناً لها جميعاً. فالأصل في توالي مشهدية الجمل المتتالية أنها لا ترتبط ببعضها من خلال وحدة المعنى, بل لكل منها حيثياتها الخاصة بها بغض النظر عن تآلفها أو تضاربها أو تشتتها وتبعثرها, فهي شعر منثور لا يخضع لقواعد الشعر العمودي الصارمة.
وللتمثيل فإن معنى العبارات أو الجمل التي توقفها الفواصل مؤقتاً يختلف عن مدلولات العبارات والجمل التي تنتهي بنقاط. فالطوابق السبعة التي تشكل هيئة البناء الوحيد في القصيدة تتصل مع بعضها من خلال منظومة من الفواصل الإسمنتية التي لا يمكن لها أن تُكوّن نقاطاً تفصل كل طابق عن الطابق الذي يعلوه نهائياً. وإن حدث أن قام الشاعر بعملية فصل نهائي لطبقات قصيدته فإن معمار القصيدة سينهار كلياً, كما ينهار البناء الإسمنتي إذا حاول صاحب البيت فصل الطوابق السبعة عن بعضها الآخر. وفي رؤية الاسترجاع الخَلفي للقصيدة فإن طوابقها السبعة تسترجع في أذهان المُرسِل والمتلقي هيئة السموات السبع, بالرغم من أن سكان تلك السموات الست هم من الملائكة والشهداء والنبيين حيث تنتهي السماء السادسة عند سدرة المُنتهى وجنة المأوى حسب المنظور الإسلامي. أما سكان القصيدة فهم عسكريان, ورجلان وصبيّة وسيدة وجثة راحل وجمع من النسوة, أي ستة أصناف من البشر ذوي المشارب والحالات المتباينة.
إن اللعبة الفنيّة التي أدارها المُرسل/الشاعر في قصيدته تهدف إلى ملاحظة محاولاته المتكررة لإعادة صياغة المُكوّن الزمني الحَدَثي والمُكوّن المكاني الشيئي بشكل جديد أفضل من القديم من خلال معادلة الهدم وإعادة البناء. فالسجادة القديمة التي تنفض الصبيّة الغبار عنها تحتاج إلى تجديد أو على أقل تقدير تنظيف من الشوائب التي علقت بها على مر السنين.
واللافت في تكوين الشكل العمودي للمكان المتمثل في البناء الوحيد القائم في القصيدة أن المُرسِل يحدده جزئياً بالشرفة فقط, مع العلم أن لا شرفة دون بيت يتكون من غرفة وصالون وحمام ومطبخ على سبيل المثال لا الحصر. وأرى الشاعر يوظّف كلمة شرفة في شبه جملة من جار ومجرور: "في شرفة الطابق الأول .... ويكررها سبع مرات حتى ... شرفة الطابق السابع". وكأنه يوحي للمتلقي أنه يستخدم أشباه الجمل في وصف مكون شيئي في القصيدة يوازي مكوناً شيئياً آخر على أرض الواقع لكنه لا يشبهه.
إن حركة الأحداث في القصيدة هي حركة عمودية نازلة من أعلى إلى أسفل فقط. فعربة الموتى التي يفترض بها أن تتحرك أفقياً في شوارع القصيدة الطويلة والممتدة والمنحنية متوقفة من بداية ظهورها في المشهد الشعري في السطر الثامن حتى نهاية حضورها في السطر الخامس والثلاثين الذي يختم القصيدة. كما ألحظ غياباً تاماً لنظيرتها الأفقية التي تشكل الجانب الأهم لحياة المدينة القصيدة أو القصيدة المدينة. وهذا يدلل على اضطراب سكان القصيدة الذين يعيشون بنصف حركة,"نطنطة", غير مثمرة لأنها عشوائية لاهية, فهي لعب طفولي ولهو ساذج لا طائل من ورائه. فكيف يستقيم وجود مدينة بنصف حركة لو لم تكن شعرية الشكل, فوضوية المضمون؟ إنها مدينة المُرسِل التي تعيش في إحساسه المتقد, ولا يعيش فيها على أرض الواقع. إنها قصيدة تنبع من فيض تعبيره الحالم بعدما أصابته الخيبة من عودة جزئية تحت الاحتلال.
وترصد علامات التنوين في الكلمات الأولى في سطور القصيدة إيقاعاّ منفرداً لموسيقاها. فعلامات الضمّ والشدّ وألف المثنى تعمل على رفع نغمة السطور وبخاصة في الكلمات الآتـية: سماءٌ, غيومٌ, بيروتُ, سائقٌ, شابان, رجلان, صبيّةٌ, سيدةٌ, ولدٌ, وحشدٌ. ثم ينكسر الإيقاع في كلمة "فجأةَ" التي تفاجئنا بإيقاع معاكس. ويتبع ذلك استخدام الشاعر لعلامتيّ الكسر والجر بين السطور لإحداث فوضى إيقاعية داخلية, كما نرى في العبارات الآتية: في الشرفةِ الأولى ويكرر عبارة "في الشرفة" سبع مرات. ومن خصائص قصيدته الإيجابية أن الشاعر يلتزم باللغة الفصيحة صرفاً ونحواً مما يعني انتماءه لبعض الموروث الذي يقف منه موقفاً نقدياً سلبياً على وجه العموم. فهو لا يستخدم اللهجة أو اللغة العامية, بل الفصحى المبسطةَ الخالية من التمثيل والمجاز والمُحسّنات البديعية. فليس في القصيدة محسنات بديعية, كما هو الحال في القصيدة العمودية وشعر التفعيلة والحُر.
إن تكراره استخدام أداة الجر "في" إحدى عشرة مرة يدلل أنه يرسم إيقاعاً داخلياً وليس إيقاعاً خارجياً عروضياً كما هو حاصل في بحور الشعر التقليدية. وهذا يعني أنه يعايش دلالات شعوريةٍ جوانية تعبر عن دخيلة نفسه من خلال إيقاع داخلي . لذا أرى صيرورة أحداث قصيدته تقع في مكان وزمان وسطيين؛ أي في شرفة/ فسحة مكانية/ تتوسط مكاناً مغلقاً وفضاء مفتوحاً غير نهائي. وكأنه يقول لنا إن أحداث قصيدته تقع في مكان بينيّ وزمان وسطي مما يجعلها غير منضبطة بقوانين جاذبية المكان وانفلات عوالم الفضاء. والدليل أن معظم أحداث قصيدته تقع في شرفة مُعلّقة بين خلاء السماء وهيولية الأرض. وأسأل: لماذا لم يذكر من توقيتات الزمن سوى الضُحى؟ هل لأنه نهاية الشروق وبداية منتصف النهار؟ وماذا يعني هذا؟ وهل ضحاه هو الضحى القرآني في سورة "والضُحى والليل إذا سجى" أم ضُحى موسى والسحرة في يوم الزينة؟
ربما أراد المُرسِل إظهار مدى فداحة حالة السُبات التي يُعايشها المتلقيان /الشيخان في عربة الموتى. فالنوم صنو للموت, وكلا النائم والميت يعيشان خارج الزمن النشط في عالميّ الواقع والخيال سواء بسواء. والشيخان نائمان في مكان مغلق يشبه القبر؛ مكان مُعد لنقل الموتى. إن التشابه بين سبات الشيخين وموت الراحل الذي تقف عربة الموتى لنقله إلى القبر جوهري الدلالة إذ لا يرى المُرسل فرقاً يُذكر بين سلبية المتلقي في مشهديّ الفن والواقع. ولا بد من الإشارة أن المتلقي/المتلقين في هذه القصيدة يعايش/يعايشون الكثرة في العدد والقلة في الحركة المثمرة. وهذه إشارة إلى حالة الكسل الحضاري التي تعيشها الأمتان العربية والإسلامية.
ب- البُنية الفكرية:
تحوي قصيدة "صورة" عدة "ثيمات" أو موضوعات مختلفة لها معانٍ متباينة ودلالات متناثرة لا تؤسس لمعنى عام واحد للقصيدة. وبرغم كثرتها وتعددها أراها منقوصة قياساً لموضوعات الحياة في بيروت الواقع. إن معانيها المتشعبة تشكل عالمها الخاص وتشاكل معاني الحياة الواقعية في بيروت اللبنانية التي عشت فيها طالباً طيلة أربع سنوات كاملة. والفرق في عدد المضامين بين المدينتين, الدرامية والواقعية, أن الأولى شعرية خيالية وتفتقر لمكونين أساسيين موجودين في مدينة الواقع وهما البحر بغموضه واتساعه, والجبل بشموخه وخضرته. وكأن المُرسِل يقول للمتلقين/ العائدين بعد اتفاق أوسلو: بعد عودتكم الخائبة أنتم لا تعايشون شموخ الجبل ولا تنعمون بحُرية البحر الواسع.
على أن هذا الحذف في مكونات قصيدة "صورة" لا ينقص من جمالها الفني. أراه ليس مَعيباً ولا جوهرياً ولا عائقاً أمام المُرسل/الشاعر الذي حاول إضاءة رسم لمعنى المدينة التي يشتهيها ويحلم بها. الشاعر في قصيدته لم ينهد صوب تصوير بيروت الواقع بقضها وقضيضها تصويراً فوتوغرافياً. ولم يهدف أيضاً إلى مدح ضحاها ولا القدح في لياليها الملاح. كان غرضه رسم صورة شعرية تعتمل في وجدانه وتساكن خياله دون غيره من الناس, فكانت له صورة لم تكن كما تمنى وأراد. فهو ليس مصوراً فوتوغرافياً ولا رساماً في ورشة تُحترفات ينصبها على الكورنيش البيروتي لتصوير بيروت البحر والجبل والميناء وصخرة الروشة. كان كل همه التعبير عن خلجات نفسه, وهواجس روحه في منفى الوطن بعدما "عاد" من منفى الشتات دون أن يعود عودة مستقلة ترضي أحاسيسه. لقد رأيته يرسمها عارمة في سطور قصيدته وفضائها الضيّق بسبب تضاد قوى البناء والهدم, قوى بناء الوطن وقوى الاحتلال الهدّامة.
لا أراه يقصد مطابقة صورة الفن على صورة الواقع بل رسم صورة للفن تتجاوز واقعه المؤلم. لذا أرى ولا أرى سوى بناية متطاولة عالياً, مُعلّبة الهيئة, لها طوابق سبعة, وشرفات سبع, وشوارع طويلة ممتدة, ومنحنية, يسكنها عشرة أشخاص سلبيين بالإضافة إلى حشد من النساء غير مُحدد العدد. لذا كانت "ثيماتها" متعددة وبرغم كثرتها بانت ناقصة التكوين. نشاهد ولداً ينطنط طابته, ورجلين يلعبان النرد, وشابين بلباسهما العسكري, وصَبيّة, وشيخين نائمين بلا وضوء. أراهم جميعاً على سجيتهم الكسولة وروتينهم اليومي الخامل دون تكلف أو تمثيل, كما أرى أمثالهم في الواقع.
إن تعدد موضوعاتها لا يعني بالضرورة اكتمال نصابها الفكري الذي تتوفر عليه عادة المدينة القصيدة أو الواقعية. كما أن عناصر مدينة "صورة" لا تتطابق في العدد والنوع والجنس مع عناصر ومكونات مدينة الواقع لأنه لا يجب عليهما أصلاً أن تكونا متطابقتين, فالفن له شروطه وأحكامه. ومع هذا فإن قصيدة "صورة"تخلو من قيم الحُب والجمال المتواجدة في حارات ونفوس أهالي مدينتي الواقع والخيال على حد سواء. لم أقرأ إشارة واحدة تصف ملامح جميلة أو مناظر خلّابة في القصيدة. أراها قصيدة عابسة, متوترة, وصارمة القسمات كأنها الأرملة أو الثكلى التي تتحلق حولها النسوة في الطابق السابع. مَن هم سكان البناية تلك؟ ولماذا هم في سبات وشرود وانشغال بال دائم؟ أكانوا كذلك لأن عناصر الغياب والهدم في قصيدتهم/ المدينة رابية؟ أغاب الحب والجمال عن قصيدتهم لأن الموت والغياب حاضران ومسيطران على أوساط مجتمعهم المُعلّب؟ أيشكل هؤلاء مجتمعاً حياً حقاً؟ هل هم سوانا أم نحن؟
رسم البرغوثي صورة, كانت مجرد صورة وليست الصورة الوحيدة التي التقطها المُرسِل/الشاعر عن عالمه الداخلي الذي يعايش عالماً خارجياً يجلده بقسوة. إن غياب "أل" التعريف عن عنوان القصيدة يشير إلى مقدار وعي وموضوعية الشاعر الذي أدرك سلفاً أن قصيدته ليست الصورة الوحيدة لعالميه الداخلي والخارجي. إنها صورة من الصور الكثيرة التي يمكن رسمها فنياً, لكنها ليست الصورة الوحيدة. ولو أضاف لها "أل" التعريف لكان كارهاً لشعبه ومتشائماً من مدينته. لذا جرد الصورة من معرفتنا المسبقة بها, وعمل على تنكيرها كي لا تكون عنواناً وحيداً له ولقصيدته النثرية التي تعاني من الهدم والخلاء والحضور المُر والغياب المُمتد على طول وعرض سطورها بل وسطور الوطن المحتل أيضاً. أليست الصبيّة عزباء والسيدة خادمة؟ أليس الشيخان كسولين وسائق عربة الموت ضجراً والولد شقياً؟ أليس الطابق السادس خالياً من الحياة؟ أليس الرجلان لاهيين يلعبان النرد؟ ثم أليس المُرسِل رافضاً متمرداً ومشرداً؟ ألم يفقد سائق العربة - في تمثله لشخص الشاعر - صبره بسبب سوء أحواله؟ ويداهمني سؤال: لماذا أشار المُرسل, ومن ورائه الشاعر مُريد البرغوثي, أن النائمين رجلان, وليسا امرأتين أو رجلاً وامرأة؟ هل تشي مفردة "الشيخان" بأنهما مذكران مسلمان؟ أتراه , بصفته يسارياً, ينحي باللائمة على الإسلام بسبب تخلف العرب والمسلمين؟






تعليقات حول هذه المقاله
العنوانالكاتبوقت الإضافه

تصويت
ما رأيك بالموقع ؟
ممتاز
جيد
مقبول
سيء
نتائج التصويت

حجة بالوان العصر


لوحاتي




كتاباتي

غزل الذاكرة
زمن المرايا
وطن العنقاء
كثبان الذهب الأسود
أبو علي إياد
تأملات مصطفى صبري
الأولاد والشمس
إنشطار الذات
معركة النفق
مكانة القدس
جدار الفصل العنصري
وطني ليس حقيبة
إمبراطورية النفايات
قراءات أمنية
امرأة لا تغار
صراع لا يموت
أصحاب الملايين
صوت الذاكرة


الساعة

صدر حديثا


 
Qalqilia NetWork