إبحث عن:    
القائمة الرئيسيه
صفحة البداية
القصة القصيرة
القصص والروايات
دراسات و ابحاث
المقالات والترجمات
الكاتب يوسف العيلة
معرض الصور
شاركنا رأيك
English Site

تسجيل الدخول
إسم المستخدم:

كلمة المرور:


تسجيل
هل نسيت كلمة المرور

المقالات الأكثر قرائة
1 من الممات إلى البعث .... نظرة إسلامية تقليدية
2 تأملات - الفصل الخامس : موروثات
3 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المصادر والمراجع)
4 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المقدمة)
5 الإسلام دين الفطرة الإنسانية

الكاتب يوسف العيلة


جديد الروايات

 

صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في رام الله دراسة بحثية بعنوان " لسانيات الخطاب الشعري المعاصر ، ليليان بشارة - منصور نمرذجاً " للروائي يوسف العيلة . تضئ الدراسة بعضاً من واقع اللغة العربية في الداخل الفلسطيني . ويقع هذا الإصدار في مئة وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، وهو السابع عشر في سلسلة إصدارات يوسف العيلة النقدية والروائية .


قراءة المقاله



لسانياتُ الخِطاب الشعري المُعاصِر ليليان بشارة- منصور نموذجاَ 10- ديوان
كتبت بواسطة: يوسف العيلة - el 18/09/2019 - 26 زوار        


-سيمياء العتبات الأولى: يتكون لون الغلاف الأمامي لديوان "حينما ينحني السبيل" من لونين متداخلين؛ لون القسم الأعلى أزرق فاتح, والقسم الأسفل أبيض. يربطهما رسم كاريكاتيري للفنان العراقي ضياء العزاوي. لا يكاد المتلقي يتبين عناصره شبه المتناثرة كأن انفجاراً أصابه فتركه مشوهاً.

أظنني أرى أطراف جسم أو جسمين آدميين؛ وجه بلا ملامح, ساق مبتورة, قدم بأصابعه الخمسة, بطن منتفخ باللون الأحمر, وكوب كبيرة, ثم خطوط سوداء متقاطعة عشوائياً. كما يُذيّل لوحة الغلاف توقيع بالإنجليزية اعتقده لصاحب لوحة الغلاف, ضياء العزاوي. ويعلو اللوحة عنوان الديوان, ثم خط أحمر رفيع, يعلوه مباشرة اسم الشاعرة الشخصي, واسميّ أسرتها وأسرة زوجها الدكتور جوني منصور وجميعها مكتوبة باللغة العربية. ثم تعلوها ترجمة إلى الإنجليزية لاسمها الكامل. وأعتقد أنه ليس من باب الضرورة الدلالية أن يرمز اللونان الأزرق والأبيض إلى علم الدولة الإسرائيلية. وربما لا يحملان الرمزية السياسية التي ذهبتُ إليها من باب الاحتمال لا الجزم. وتبدو صورة الشاعرة على الغلاف الخلفي أكثر وضوحاً وانسجاماً مع ألوان الغلافين, الأمر الذي كان غائباً عن صورتها ومحيطها الموازي على غلاف ديوانها "عندما يغتسل التراب". وأقصد بعبارة أكثر انسجاماً أن اللون الأحمر قاسم مشترك يربط صورة الشاعرة مع غلافيّ ديوانها . فاللون الأحمر يومئ إلى الوحدة العضوية التي تربط جسد الشاعرة بجسد قصيدتها. فأحمر الشفاه يتجانس مع اللون الأحمر الذي يصبغ لوحة الغلاف الأمامي وعنوان الديوان على الغلاف الخلفي. كما يتناسق مع مفردة "شعر" على الغلاف الأمامي. وهو يربط بين اسمها الشخصي وبين عنوان ديوانها على الغلاف الخلفي. وألحظ أيضاً أن صورتها الشخصية وعنوان ديوانها على غلافيّ ديوان "حينما ينحني السبيل" ليسا مرسومين بثلاثة ألوان هي الأبيض والأسود والبني الفاتح التي تميز غلافيّ ديوانها "عندما يغتسل التراب".
من المفيد الإشارة أن ديوانها "عندما يغتسل التراب" يتوسط تجربتها الشعرية زمنياً وربما نفسياً. وكان تاريخ نشر ديوانها الأول في عام 1994, والثاني في عام 2006, والثالث في عام 2018. وقد استخدَمت في تلوين غلافيّ الأول اللونين الموزي والبني الفاتح, واستخدَمَت في الثاني اللونين الأبيض والبني الفاتح والغامق. أما ديوانها الثالث فكانت ألوانه فاقعة وحرّى وأكثر وضوحاً بسبب استعمالها مواد التجميل الصناعية كالكحل الأسود على حاجبيها, وأحمر الشفاه على شفتيها, وال"ميش" الذهبي على بعض خصلات شعرها, والأسود في بلوزتها أل"جابونيز" الموشاة بخط أبيض حول جيبها. بجانب وجود ألوان طبيعية أخرى مثل لون عينيها المائل للخضرة, وأسنانها البيضاء الناصعة. إن دلالة استخدام هذا الألوان في ديوانها وعلى وجهها تشكل رسالة فنيّة وموقفاً فكرياً يتساوق مع عبارتها "قصيدتي جسدي". وهذا التمازج بين المُنتِج والمُنتَج يعد في نظري نضجاً معرفياً وفنياً لم أجده في ديوانيها "كلمات على حافة الدائرة الذهبية" و "عندما يغتسل التراب".
ويتكون عنوان الديوان "حينما ينحني السبيل" من جملة ظرفية تتألف من ظرف زمان وفعل لازم وفاعل. واللافت فيه عدم الانسجام بين دلالة المعنى ونحوية الشكل. كما يخلو العنوان من السجع المذكر الذي استخدمه قديماً الهيثمي في صياغته لمرجعه اللغوي "موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان", ويظهر هذا السجع في مفردتيّ "ظمآن" و "حبان". أو كما وجدته في سجع التأنيث في عنوان الباحث المُعاصر نادر حقاني "جماليات الإشارات الدينية في مجازيات الشريف الرضي"... (جماليات ... إشارات... مجازيات).
فالسبيل الفاعل نحوياً نشاهد مضمونه منكسراً ومنفعلاً بفعل فاعل مجهول. إذ أن الانحناء الذي يقوم به نحوياً كفاعل للجملة ينعكس عليه دلالياً بشكل منفعل أو مفعول به. وللتمثيل فحين ينحني المصلي لله فإنه يقوم بفعله كفاعل ثم يفرض عليه سياق فعل الانحناء أن يكون موقفه منكسراً أمام فاعل أفعل هو الله.
وأسأل: ماذا تقصد الشاعرة بمفردة "السبيل"؟ ولماذا افترضت انحناءه؟ وهل السبيل طريق بالمعنى الحرفي للكلمة أم مجاز بمعنى العشق أو الانتماء أو المنهج؟ ولماذا لا يعني رسالتها للوطن أو الثالوث المقدس؟ وهل سبيلها هو الطريق التي يتحدث عنها غاندي في الاقتباس الأول في الديوان؟ واستحضر قوله "لا يمكنك الارتحال في طريق إلا حين نصبح أنت الطريق". أتراه تلك المسافة بين خيال الإنسان وإدراكه والتي لا يحققها أو يدركها سوى حنينه لمسقط رأسه كما يعتقد جبران خليل جبران؟ أهو الصيغة البلاغية الأكمل لمفردة سبيل المؤنثة أي منهجي إلى السموات العلى حيث نهاية النهايات وغاية الغايات وهو الله:" قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني" ( سورة يوسف:108) أم أنها مذكرة كما في قوله تعالى "وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاَ"(سورة الأعراف:146). وهل لي أن أختم حديثي عن دلالات السبيل في عنوان الشاعرة بقول علي بن أبي طالب في كتابه الشهير "نهج البلاغة": "آه من طول الطريق, وقلة الزاد, ووحشة السفر"!
وأخلص إلى القول إن عناوين دواوينها الثلاثة تخلو من صياغات السجع القديم الذي رأيته عند الهيثمي في كتابه المرجعي "موارد الظمآن على زوائد ابن حبان" كما تخلو من السجع الحديث عند نادر حقاني في بحثه "جماليات الإشارات الدينية في مجازيات الشريف الرضي". وفي المقاربة بينهما يستخدم الهيثمي سجع التذكير "ظمآن؟ و "حيان", أما نادر حقاني فيستخدم جمع التأنيث في مفردات "جماليات" و"إشارات", و"مجازيات". أما ليليان بشارة منصور فأراها تستخدم في صياغة ديوانيها الظرف الزمني لتحقيق الفعلين "يغتسل"و"ينحني". ويدلل الفعلان المضارعان على أن فعليّ "الاغتسال" و"الانحناء" محكومان بمنطق وحركة الزمن من خلال استخدامها لظرفيّ الزمان "عندما" و "حينما". وعليه فإن "التزمين", أي تزامن الفعل مع زمن حدوثه, ليس قائماً في عنوانيّ الديوانين "عندما يغتسل التراب"و"وحينما ينحني السبيل", ويدلل هذا على وقفية حدوث الفعل على ظرفية الزمن التي قد تعني حدوث أو عدم حدوثه مستقبلاً. وعليه فإن عناوين دواوين الشاعرة ليليان تخلو من سجع الموسيقى الخارجية التي تؤشر عادة على حالة استقرار ورضا يعيشها منتج النص.
كما ألحظ وفرة في الاقتباسات والأقوال المأثورة لأعلام ومشاهير لتهيئة المتلقي للدخول إلى عالم متن نصها الأصلي. وتدلل هذه الاقتباسات على سعة ثقافة الشاعرة وانفتاحها الجزئي على المشهد الفكري الإنساني في قارتيّ آسيا وأوروبا الشرقية. واعتبر خطوتها هذه نقلة نوعية ترفد ثقافتها العربية وتتيح لها أن تنهل من معين الإبداع الإنساني. إن اشتباك الشاعرة مع هواجس فلاسفة ونوازع مفكرين أثّروا في صياغة بعضاً من المشهد الإنساني الثقافي هو في حد ذاته سمة معرفية تدلل على نضج توجهها الإنساني في مسيرتها الشعرية. إنها ذات السمة الإنسانية العليا التي يتصف بها المثقف الكاتب والإنسان كمنهجية فكرية وسلوكاً مدنياً يطبع هويته على الصعيدين الشخصي والأدبي.
جاء في الصفحة الخامسة من ديوانها "حينما ينحني السبيل" الاقتباس الأول للفيلسوف الهندي بوذا. إن مقولته حول الطريق تتوازى مع مفردة "السبيل" في عنوان الديوان. وبالتدقيق في عبارة بوذا وجدتها أحجية تجعل من الطريق فكرة فلسفية تقتضي من الباحث عنها أن يكون هو طريقاً ومنهجاً فكرياً يتبناه الآخرون ويسيرون فيه وعلى دربه. وجاء في الصفحة السابعة من الديوان قولاً لجبران خليل جبران يرسم فيه فهمه لدور الحنين في رأب صدع الفجوة التي تفصل الخيال عن إدراك الإنسان المهجري لذاته البعيدة. فالحنين كفيل بأن يجسر الهوة بين الوطن والمهجر الذي هو في حد ذاته غربة الإنسان عن ذاته. أما الاقتباس الثالث, في الصفحة الحادية والثلاثين من الديوان, فهو لتشيخوف:"إن كان في وسعك أن تُحب ففي وسعك أن تفعل أي شيء". ولا أرى قاسماً مشتركاً بين هذه الاقتباسات التي تخلق جواً فكراً في متن النص دون أن تكون عناصره متسقة أو متضامة في دلالاتها.
لقد لحظتُ أن المسافة الورقية/الرقمية بين الاقتباس الثاني وبين الثالث أربعُ وعشرون صفحة. وهذا الرقم يساوي تماماَ المسافة الزمنية التي تفصل بين ديوانها الأول (1994) والثالث (2018) والتي كانت أربعاً وعشرين سنة, أي أنها توازي عدد الصفحات التي تفصل بين مقولتيّ بوذا وجبران وبين مقولة تشيخوف الروسي حول الحب وقدراته الفائقة في فعل الوعي وصنع الواقع. ثم كان الاقتباس الرابع بتوقيع الصوفي الإسلامي جلال الدين الرومي في الصفحة السابعة والثمانين. وأرى أن مغزى مقولته قد يتسق مجازياً مع مضمون مفردتيّ الطريق والحب اللتين تحدثا عنهما بوذا وجبران. كما أجد تضامَّاَ دلالياً بين المفردات/النواة الثلاث: الطريق/السبيل, الحب/الحنين, والعين/النور الذي يوصي ابن الرومي بإبقائها مُفتحة كي تظل العين/البصر/ البصيرة/الرؤيا ترى وتشاهد. ويصبح السؤال الوجودي الذي يقرر حكمة بليغة : كيف لنا تحقيق ذواتنا من غير طريق/منهج يحف جانبيه الحب/ الحنين كي نسلكه بهدي من نور يُنير لنا ظلام مسالكنا ونفوسنا؟ ورغم عدم اتساق هذه المكونات في مشهد متضام كلياً إلا أنها تبقى تجارب فكرية إنسانية يجب التوقف عندها.
ويكفي ليليان الشاعرة أنها تسير على هدي خطى أعلامٍ أراهم "أنبياءً"؛ كان بوذا "نبياً" بفكره الشمولي, وجبران "نبياً" في إبداعه الأدبي, وتشيخوف "نبياً" في لبراليته الأرثوذكسية, وجلال الدين "نبياً" في تصوفه وعرفانيته. وأراني منصاعاً لهاجس يسألني: لماذا اخترت مفردة "نبي" لتصف هؤلاء البشر الذين ليسوا أنبياء بحق؟ وأجيب أنهم كانوا أصحاب رؤى نافذة وصادقة استطاعت فهم الطبيعة البشرية في تقلبها وتشتتها وتماسكها وصدودها. لقد استنبطوا من نوازعهم البشرية خارطة طريق لبني البشر تنير لهم درب الانعتاق من قيود القهر. كما جمعت مقولاتهم بين ثراء الفكر, وبلاغة القول, وعمق الحكمة. فهم الذين نحتوا بأصواتهم جوامع كلم خلدها الفكر الإنساني بين دفتيه الذهبيتين. ثم أنني لم أمنحهم صفة "رسل" الله بالمعنى الديني؛ فهم ليسوا رسلاً يحملون رسالات من لدن الله.
أما اللافت هنا فكان عدم اقتباس الشاعرة لأي قول من أقوال حاخامات اليهود أو أحبار المسيحيين على كثرتهم. فهل أراها مُصرة على السير على خطى "أنبياء" الشرق الآسيوي, والشرق العربي, والشرق الأرثوذكسي دون مفكري الغرب الأوروبي العلماني؟
2-مكونات متن النص الأصلي:
يبلغ عدد صفحات النص الأصلي لديوان "حينما ينحني السبيل" نحو مئة صفحة من القطع المتوسط, تضم ستاً وثلاثين قصيدة نثرية, مصنفة في أربعة أقسام. يضم القسم الأول عشر قصائد, وعدد صفحاته ثلاثون صفحة, ويسبقه اقتباسان؛ الأول, لبوذا:"لا يمكنك الارتحال في طريق إلا حين تصبح أنت الطريق". والثاني لجبران خليل جبران :"بين خيال الإنسان وإدراكه ... مسافة لا يدركها سوى حنينه". ويضم القسم الثاني اقتباساً لتشيخوف الروسي:" إن كان في وسعك أن تحب , ففي وسعك أن تفعل أي شيء" وعدد قصائده تسع وعدد صفحاته ثماني عشرة صفحة. ويضم القسم الثالث اقتباساً للمتصوف الإسلامي جلال الدين الرومي:" لا تجزع من جرحك وإلا كيف للنور أن يتسلل إلى باطنك", وقصائده ثلاث عشرة, وصفحاته إحدى وثلاثون. كما يضم القسم الرابع اقتباساً ثانياً لجلال الدين الرومي:" أبقِ عينيك على النور لتعبر كل هذا الظلام", وعدد قصائده أربع, وعدد صفحاته أربع عشرة. ويلي مكونات النص الفهرس ونبذة مختصرة عن حياة الشاعرة وأعمالها الأدبية والبحثية.
لقد شنف أذنيّ الصوت الأنثوي وهو "يلعلع" في سماء قصائد ديوان "حينما ينحني السبيل", وبخاصة قصيدتها الأولى"شمس النافذة". وأعتقد أن السبب الأهم وراء هيمنة صوت الأنثى الطاغي وبوحها العارم في أجواء النص أنها اعتبرت مفردة "السبيل" في عنوان ديوانها مُذكراً. لذا يتردد صدى الأنوثة الآمرة, كمثنى التذكير, مناجياً ومعاتباً المذكر الذي هو بالتالي مثنى التأنيث. رأيتُ هذا في كلمة "استيقظي" في قصيدة "شمس النافذة" (ص:9) وفي عبارة "عاشقتك حواء" (ص:102) في آخر قصيدة "وطن" في الديوان. وبرغم وجود الصوت المذكر في تضاعيف سطور قصائدها, وعلى مداخل أقسام ديوانها إلا أن الصوت الأنثوي ظل يتمتع بالغلبة على الصوت الذكري/ الضد/المُكمّل من غير أن ينفي نبرته أو يصادر دندنته أو يمحو بصمته.
تستهل الشاعرة قصيدتها بمخاطبة الأنثى أو آخر ذاتها الأنثوية بفعل الأمر "استيقظي" إذ تفترض أن المرأة الشرقية/المتلقي تغط في سبات عميق برغم بزوغ فجر الحُرية والانعتاق من قيود مجتمع متخلف. تكرر مفردة استيقظي ثلاث مرات في القصيدة, وهذا يعني أنها مُصرة على إيقاظها بالأمر الصارم أو التحذير الحاد. كما يحمل التكرار نبرة فيها تحد للمتلقي/ المؤنث. ويرفد المُرسِل في القصيدة صوته بأفعال مؤنثة بلغ عددها ست مفردات متصلة بياء التأنيث كي تمنح صوتها إيقاعا موسيقيا داخليا يحمل دلالات هازئة بها: أتركي, ارمي, اسحبي, انزعي, ارتدي, انظري! وكأنها تأمرها بجملة واحدة لا انقطاع فيها بتنفيذ أمرين يبدوان متناقضين لكنهما في حقيقتهما متكاملين؛ انزعي عنك خوفك وانكسارك وارتدي ثوب حريتك وتحررك!
أسمع صوت المُتلقي/المؤنث خافتاً على نقيض صوت المُرسِل/المؤنث الصارخ. وسواء كان صامتاً أم صارخاً فإن صوت الأنثى يظل مُجلجلاً في القصيدة على اعتبار أنه صوت يسأل صداه ويُجيب على أسئلته الذاتية. إن جلجلة الصوت الأنثوي, سواء كان مُرسِلاً أم متلقياً له وقع مسموع إذ ينطلق في/من بيئة حيفاوية أكثر انفتاحاً على عالم البوح من نظيراتها العربيات في جنوب فلسطين. وربما يعود هذا إلى سمة عالمية في جغرافيا البلدان أن مناطق الشمال تكون دائماً أكثر تقدما وغنىً من مناطق الجنوب. لا عجب أن أرى وأسمع صوتاً حيفاوياً شامخا متحرراً من أغلال النفي وبطش المصادرة وأعراف القيعان الجرداء.
وشمس النافذة التي تصرخ عالياً في وجه الكرملية الأنثى هي قوة كونية تنتصر لبنات جلدتها... بنات حواء. وفي عرف لغتنا العربية فإن الشمس مؤنثة والقمر مُذكر على نقيض سجية اللغة الإنجليزية التي تقلب ذكورة القمر إلى أنوثة, وأنوثة الشمس إلى ذكورة. وكانت شمسنا أنثى تغازل قمرنا, وكانت نافذتنا أنثى تناغي جبلنا وسهلنا من غير قبول بأحكام تعدد الأزواج والزوجات. أليست قهوتنا أنثى تغلي اشتياقا لشاربها مثلما تتوهج أشعة شمسنا الأنثى عشقاً لضوئها الساطع؟ وكما تثور أنثانا وقهوتنا يثور فجرنا في وجه ليلهم الدامس وظلامهم الكابس على نفوسنا. ألا تستحق حورية الجبل أن تظل شامخة فوق جليلها وعاشقة لكرملها؟
وبالعودة إلى صراخ "شمس النافذة", أرى المُرسِل/الأنثى صوتاً يتحسس جسدها القصيدة وقصيدتها الجسد عضواً عضواً وكأنه يقوم بعمل "مَسّاج يمسُج" كامل أحاسيسها كي تثور وتنتفض ضد جلاديها. وأصغي إليها تخاطب قدميها, وقلبها, وأضلاعها, وثوبها المُعلق, ووجهها, وعنقها ثم أرى النافذة عارية بلا ثوب/ستارة, سيما أنها خلاء تحيط به كثافة الجدران من الجهات الأربع. واللافت في وصف غرفة القصيدة أن الشاعرة لم تذكر أن لها باباً مثلما لها نافذة. وهل هناك غرفة أو شرفة أو قصيدة أو امرأة لها نافذة وليس لها بابا؟ ثم أليس سياق التأنيث والتذكير يقتضي منها ذلك؟ فكما أن النافذة الأنثى هي مثنى المذكر فإن الباب هو مثنى المؤنث, أي الضد الذي يُكمّل ضده كي ينسجما. وربما اكتفت الشاعرة بأن نافذة القصيدة يخترقها ضوء الشمس المُذكر, لكن هذا لا يكفي لتحقيق أل"جندر".
إن إسهابها في وصف جسد أنثى القصيدة يومئ أنه كبير ومترامي الأطراف بحيث يتشكل على هيئة عوالم منفصلة, لكل عضو فيه سمته الخاصة به. وأن كل واحد منها يقف وحده في مواجهة سواد الليل. إن أنثاها ليست جسماً هامشياً في سرير المتعة بل جسد متعالٍ لكائن متعدد المواهب والخصائص والقيم. إنها أمة/مؤنثة تنسل أمة بعد أمة, وإلا لماذا تصرخ شمس الكون في وجهها كي تتحرر وتحرر جسدها من ظلام الذكورة وبطش الاستبداد؟ ورأيت المُرسِل/المؤنث يدعوها إلى الوقوف أمام المرآة كي ترى ذاتها عبر المكان المتعدد والزمن المتطور؛ أماماً ...وخلفاً, ثم قبلاً ....وبعداً.
والنافذة في قصائد ليليان على حالتين: الأولى مُشرعة للريح والنسيم العليل, والثانية (ص:15) مُغلقة لكنها شفافة الجسد, تسمح لضوء الشمس ونور القمر أن يتخللاها ليملآ فراغات جسدها وتشققات روحها. ألم أر كيف أتاحت نافذتها لضوء الشمس ونور القمر أن يناجيا نهديّ امرأة ولهاث رجل يستبقان البوح اللذيذ؟ إنها هي.... ثنائية الخصب والانبعاث شتاءً وربيعاً, ثم العقم والعقر صيفاً وخريفاً.
إن ثائية التذكير والتأنيث/ و/النور والعتمة/ و/الرجل والمرأة/ و/الشمس والقمر/ و/الجدار والنافذة/ في قصائد ليليان يومئ إلى صراعات قوى الهدم والبناء في قصيدة النثر. وبالرغم من سيطرة لون السواد, كمكوّن هدمي, على لونيّ الخضرة والبياض, كمكونين بنائيين, إلا أن نبرة تمردها على النفي والحصار والشطب لا تخفت, فهي التي تعشق عشقها/الحب/البناء أكثر مما تكره كرهها/الموت/الهدم. كما أتصور نافذة روحها برهة زمنية تلتقطها لحظة لتعيد صياغتها في ثانية كي تناجي قمر ليلها وشمس نهارها. تقول للأول كما للثاني: أنت الدهر وأنا الثواني, أنت سرمدية الذكورة وأنا لحظية الأنوثة. أنت البصمة الأبدية التي تحفرها ثواني الأنثى في جبين الزمن المُذكر. أنا لا أسعى لكسر ذكورتك بل لتأكيد أنوثتي؛ إنه نظام الفراشة الذي أرسمه لكلينا.
إن قصيدة "شمس النافذة" تسعى لتأكيد الصوت الأنثوي في صيرورته الشعرية ومسيرته الحضارية ونضجه الفني وحراكه الواقعي. إنها قصيدة "مذوّتة", أي ذاتاً شاعرة كما أمست الشاعرة ذاتاً مُشيَئة. فمفرداتها مخلوقة من حرف وعظم, من نغمة وروح, من حبر ودم, ومن معنى ولحم. وبالرغم من هاجس الصراع بين الذكورة والأنوثة على أرض الواقع, وبين مقولتيّ السلب والإيجاب في صياغات دوريّ التأنيث والتذكير في قصائدها عامة إلا أن المُرسِل/الأنثى في قصيدة "شمس النافذة" لا تسعى إلى قهر المُذكر الغائب الحاضر, فهي لا تتحداه لكنها لا ترغب في الخضوع إليه. وهذه الحيادية ليس انكسارا له ولا انتصارا لها بل أراه"الموتيف"/المُحرّك لنوازعها الشعرية وملكاتها الفنيّة والفكرية. نعم إنه مُحرك الطبيعة البشرية الذي يسعى جاهدا إلى تحقيق ازدواج النوع الاجتماعي, فلا الذكورة تقوى وتكثر, ولا الأنوثة تُخصب وتنجب حين ينفصلان, أو يعيش كل لوحده في ظلام الزمن الأحادي. إنهما كالضوء الخارق والنافذة الفراغ, لا حب ولا حياة بدون تمازجهما, فالقصيدة هنا كائن حي يسير على ساقين, إحداهما مذكر يسعى للتأنيث, والأخرى مؤنثة تسعى للتذكير كي ينجزا الخصب والانبعاث. ألم تأخذ قصيدة النثر شيئاً من جاذبية التأنيث/ القصيدة, وشيئاً من جلال التذكير/ النثر؟ وما جدوى ألق التأنيث بدون تمازجه مع جلال التذكير؟
ثم رأيت أن معجم الشاعرة قد تقهقر إلى مستوى بدايات ديوانها الأول بدل أن يستمر في صعوده كما شاهدت في ديوانها الثاني. لقد أحصيت مجازياتها الشعرية في ديوانها "حينما ينحني السبيل" فوجدتها أقل بكثير من نظيراتها في ديوانها الثاني "عندما يغتسل التراب", وأكثر بقليل من ديوانها الأول "كلمات على حافة الدائرة الذهبية". لقد أحصيت مجازاتها/مجازياتها الشعرية التي تشكل معجمها اللغوي في ديوانها الثالث فكانت كالآتي:
1-تطحن الأفكار (ص:12) : تشييئ الأفكار من أجل إعادة تشكيلها.
2-هل أمضغ قيدي؟ (ص:14) : تجاوز المُحرم من أجل العشق.
3-إيقاع مبلل (ص:17) : تشييئ الصوت المعنوي إلى ماء.
4-يتدحرج اللون (ص:22) : يتغير اللون حسب إيقاعها النفسي.
5-يسكت... يترنح النخيل (ص:25) : أنسنة الشجر لرصد معاناته.
6-إيقاع أصم (ص:26) : تشبيه الصوت بإنسان أصم.
7-عمدات (ص:26) : أعمدة؟
8-خيوط أنثوية (ص: 30) : تشبيه جرعات الماء بخيوط تشبه الأنثى.
9-همهمات الكرسي (ص:37) : أنسنة الجماد لرصد شكواه.
10-ترتعش اللحظات (ص:36 ) : أنسنة الزمن وتذويته كأن اللحظات الزمنية كائن حي.
11-الزمن للزمن (ص:38) : حكمة للانسلاخ عن وجع الأيام.
12-كلام يزرع القمح (ص:47) : أنسنة اللغة.
13-أذوب ثم ازداد تصلباً (ص:58) : تحوّل من حالة الصلابة إلى السيولة ثم الصلابة.
14-لغتي خريطتي (ص:58) : لغتي منهجي وهويتي.
15-Cinque Terre (ص:63) : إشارة إلى "المدن الخمس" على شاطئ الريفيرا الإيطالية. وأظن السبب في تسميتها بهذا الاسم الأعجمي محاولة الشاعرة تسجيل مفردة في الموقع الإلكتروني العالمي/ ويكيبيديا.
16-أقوال تأتي وتهاجر (ص:78) : الأقوال كناية عن أصحابها.
17-حواس اللوز (ص:84) : تذويت النبات وجعله كائناً حياً له حواس.
18-وشوشات الصمت (ص: 95) : أنسنة الصمت وكأنه إنسان يهمس.
19-يغمض وجهه (ص:97) : إزاحة المعنى من الجفن إلى الوجه.
وأختصر ما قلته عن الشاعرة ليليان بشارة-منصور برسمين بيانيين يمثلان جانبين من حياتها في ربع قرن. لذا قمت بإجراء مقاربة بين عدد المجازيات اللغوية/الفنيّة التي وردت في دواوينها الثلاثة وحاولت ربطها بمراحل تطور سني عمرها خلال مدة ربع قرن على ضوء نظرية علم النفس اللغوي (psycho-linguistics) التي تربط بين النص المُنتَج وكاتبه المُنتِج. وقد تبين لي أن معجمها اللغوي عاش قمة ازدهاره في ديوانها "عندما يغتسل التراب, 2006". فعلت هذا بعدما وضعت جانباً نظرية "رولان بارت" الشهيرة التي نادت ب "موت المؤلف". إذ تنفي هذه النظرية أن تكون هناك وشائج نفسية وفسيولوجية عميقة تربط بين المكونات الجسدية للمُنتِج, كذات فاعلة, والمكونات الفنّية والفكّرية للنص اللغوي كمُنتَجٍ إبداعي. واستذكر عبارات الشاعرة: "لغتي خريطتي", ثم "ومن ثمار الشعر أكلت". لذا ارتأيت المقاربة بين مسيرة الشاعرة الأدبية وبين مسيرتها العمرية كي أرى وأُري إن كانت هناك علاقة تفاعلية وطيدة كما تؤكد عليها نظرية علم النفس اللغوي أم لا.
وبالتدقيق في تاريخ نشر ديوانها الثاني "عندما يغتسل التراب,2006" يتبين أنه نشر في منتصف المرحلة الزمنية تماماً التي عملت على رصدها. هذا يعني أنه أنتِجَ في منتصف المسافة الزمنية التي تصل بين ديوانها الأول "كلمات على حافة الدائرة الذهبية"عام 1994, وديوانها الأخير "حينما ينحني السبيل" عام 2018. ولقد خلصت إلى نتيجة أن ذروة ازدهار لغتها كانت في عام 2006. والرسمان البيانيان الآتيان يوضحان العلاقة التفاعلية بين مسيرتها الشعرية ومسيرتها العمرية خلال الحقبة الزمنية ( 1994 - 2018). وسأبدأ بالمقاربة التزامنية بينهما على النحو الآتي:
1-رسم بياني لمسيرة الشاعرة الأدبية في ربع قرن: يوضح هذا الرسم البياني تواريخ نشر دواوينها الثلاثة: رسمتُ ثلاثة أعمدة بيانية لتوضيح مستوى إبداعها اللغوي في دواوينها الثلاثة حسب ترتيبها الزمني. ويتوازى ارتفاع كل عمود منها مع عدد المجازيات الشعرية التي أبدعتها في كل ديوان من دواوينها الثلاثة:


وكما يظهر في الرسم البياني أعلاه فقد وجدت عدد المجازيات الشعرية الواردة في ديوانها الأول "14". لذا اعتبرت ارتفاع عموده البياني يساوي "14" وحدة سنتيمتريةً. وهكذا فعلت بعمود الديوان الثاني الذي رسمته بارتفاع "36" وحدة, ثم بعمود الثالث الذي رسمته بارتفاع "19" وحدة. وخلصت إلى نتيجة أن ذروة إبداعها المعجمي تجلت في ديوانها الثاني "عندما يغتسل التراب"عام2006 حيث حلَّقَت مجازيات معجمها على ارتفاع ست وثلاثين وحدة إبداعية.
2-رسم بياني لمسيرة ليليان العُمرية:
يوضح هذا الرسم البياني الثاني المحطات الزمنية العُمرية التي شهدت ولادة ومراحل نمو الشاعرة البيولوجي والفسيولوجي والنفسي. لقد استنتجت من قصائدها أن ميلادها كان في عام 1964. بدأ إبداعها في ديوانها الأول عام 1994, ثم تصاعد في ديوانها الثاني عام 2006, لكنه تراجع في ديوانها الثالث عام 2018. ويوضح الرسم البياني الآتي هذه المحطات الثلاث:

وقد اعتمدتُ في معرفة تاريخ ميلاد الشاعرة ليليان وسني عمرها على ما ورد على لسان قصيدتها "أنا فلسطينية", في ديوانها الأول "كلمات على حافة الدائرة الذهبية, 1994". تقول: "فمن أحب بلاده ثلاثين سنة...هل يعجز أن يُحب إنسان؟" (ص:61سطر:19) ثم "أريد أن أُحبك ... كابنة الثلاثين" (ص:70 سطر:3). ورأيت أن هاتين الجملتين النواتان تدللان أن عمر ليليان المرأة عندما نشرت ديوانها الأول في عام 1994 كان ثلاثين سنة, أي كان تاريخ ميلادها في عام 1964. كما تشيران أن عمرها, عندما نشرت ديوانها الثاني عام 2006, كان اثنتين وأربعين سنة, وأصبح أربعاً وخمسين سنة عندما نشرت ديوانها الثالث عام 2018.
ولا أستطيع الجزم النهائي عن سبب تراجع عدد المجازيات الفنيّة/اللغوية من "36" في ديوانها الثاني "عندما يغتسل التراب" إلى "19" في ديوانها الثالث "حينما ينحني السبيل" عام 2018 . وقد يعود ذلك إلى التغيرات البيولوجية والفسيولوجية التي تطرأ عادة على جسم المرأة مع تقدم عمرها مما يؤدي أحياناً إلى تدني المستوى الإبداعي. وعليه فإن هناك تزامن بين خفوت شعلة المثاقفة الفكرية وضعف قوى المفاعلة الأنثوية. وهذا أمر مألوف تكابده "المرأة المُعدّل" خلال محطاتها العمرية؛ أي انتقالها من مرحلة الصبا والجمال, إلى مرحلة اكتمال الأنوثة, ثم مرحلة العقم وانقطاع الطمث. ويبقى النص الأدبي الإبداعي, سواء كان نثراً أم شعراً, محاولة لإضاءة نوازع الطبيعة البشرية, والتمظهرات النفسية, والمعايشات الروحية, والمكاشفات الوجدانية للإنسان, سواء كان ذكراً أم أنثى.
لا أزعم أن ما ذهبتُ إليه من تحليل أدبي-نفسي هو الحقيقة بعينها, بل إنها قراءتي النقدية لما قرأت وعاينت. فإذا كنت أخطأت في قراءتي دواوين الشاعرة ليليان بشارة-منصور فلي عند الله أجر المحاولة, وإن كنت أصبتُ فلي أجريّ المحاولة والفلاح فيما أصبت. كما لا أدّعي أن قراءتي النقدية لنصوصها قد اكتملت كاملة بما كتبت. هناك عدة قضايا أدبية كان يجب الحديث عنها لو أسعفتني أيامي. فماذا كنتُ سأقول حول التنظير والتظهير, والخطاب الأيديولوجي, والتطويل والإسهاب, والتسطيح والمباشرة؟






تعليقات حول هذه المقاله
العنوانالكاتبوقت الإضافه

تصويت
ما رأيك بالموقع ؟
ممتاز
جيد
مقبول
سيء
نتائج التصويت

حجة بالوان العصر


لوحاتي




كتاباتي

غزل الذاكرة
زمن المرايا
وطن العنقاء
كثبان الذهب الأسود
أبو علي إياد
تأملات مصطفى صبري
الأولاد والشمس
إنشطار الذات
معركة النفق
مكانة القدس
جدار الفصل العنصري
وطني ليس حقيبة
إمبراطورية النفايات
قراءات أمنية
امرأة لا تغار
صراع لا يموت
أصحاب الملايين
صوت الذاكرة


الساعة

صدر حديثا


 
Qalqilia NetWork