إبحث عن:    
القائمة الرئيسيه
صفحة البداية
القصة القصيرة
القصص والروايات
دراسات و ابحاث
المقالات والترجمات
الكاتب يوسف العيلة
معرض الصور
شاركنا رأيك
English Site

تسجيل الدخول
إسم المستخدم:

كلمة المرور:


تسجيل
هل نسيت كلمة المرور

المقالات الأكثر قرائة
1 من الممات إلى البعث .... نظرة إسلامية تقليدية
2 تأملات - الفصل الخامس : موروثات
3 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المصادر والمراجع)
4 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المقدمة)
5 الإسلام دين الفطرة الإنسانية

الكاتب يوسف العيلة


جديد الروايات

 

صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في رام الله دراسة بحثية بعنوان " لسانيات الخطاب الشعري المعاصر ، ليليان بشارة - منصور نمرذجاً " للروائي يوسف العيلة . تضئ الدراسة بعضاً من واقع اللغة العربية في الداخل الفلسطيني . ويقع هذا الإصدار في مئة وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، وهو السابع عشر في سلسلة إصدارات يوسف العيلة النقدية والروائية .


قراءة المقاله



رؤى المدينة المحلية الفلسطينية/ الإسرائيلية في الخطاب الأدبي الحديث رواية "كبابير حيفا" نم
كتبت بواسطة: يوسف العيلة - el 01/09/2016 - 633 زوار        


\"هل حيفا مدينة التكوين الجديد؟\"
1- المُلخّص:
تبحث هذه القراءة النقدية في العناصر الدينية والعلمانية التي تشكل مكونات المدينة الفلسطينية/الإسرائيلية الثقافية, وتضيء الصراع القائم بينها على الأرض, كما يتجلى ذلك في رواية \"كبابير حيفا\" للروائي يوسف العيلة. وتحاول سبر غور التناقض الثقافي- الوطني بينها, وإضاءة التداعيات الناشئة عن تحول حيفا إلى خيفا, وأثره في تشكيل شخوصها الروائية. كما تهدف كشف مدى قدرة الوعي الفلسطيني, ممثلاً بالراوي أحمد الكرمي, على مواجهة التغييرات الديمغرافية والجغراسية التي طرأت على المدينة, وترقب محاولاته الاستعانة بالمهدي لإيجاد مخرج روحي لأزمته الوجودية التي عصفت به منذ النكبة عام 1948م. وترصد مدى تمكنه من استيعاب مؤثرات العلمنة والتهويد التي تعمل على تدوير مدينته وتراثه وملامحه وهويته الثقافية.

تتشكل الرواية من خمسة عشر فصلاً. يتناول الفصل الأول مناسبة كتابتها وزيارة الراوي قرية نوبا الخليلية وعلاقتها "بثيمة" المهدي. يبحث الفصل الثاني في تعدد أسماء حيفا عبر تاريخها. ويرصد الفصل الثالث جغرافيتها وتماهيها مع امرأة أسطورية تُدعى ليلى الكرملية. ويحكي الفصل الرابع قصة اللاجئ أحمد المجهول الذي أفقدته النكبة اسمه ونسبه وتحوله إلى واقع مجهول. ويتحدث الفصل الخامس عنها بصفتها فضاءً لهويات طائفية ومذهبية وعرقية ودينية متناقضة. ويرصد الفصل السادس صفتيّ القداسة والأسطورة التي تتحلى بهما حيفا. يضيء الفصل السابع بعض جوانب شخصية الإمام المهدي ويُبقى على إشكالية هويته. ويتحدث الفصل الثامن عن تكرار زمن اللجوء والنكبة. ويغوص الفصل التاسع في مأساة حيفا الصامتة التي تتنازعها مكونات متباينة. في الفصل العاشر, يحاول الراوي البطل الابتعاد عن ضغوطاتها بعد أن فتت نبوءات الدجّالين والواقع السياسي من عضده. ويتحدث الفصل الحادي عشر, عن محاولة اندماج شخصية الكرمي بشخصية يهوشع المغربي, وما يعقبها من نتائج عكسية. ويتابع الفصل الثاني عشر ملاحقة مآسي المدينة للمؤلف نفسه عبر اسم صالح العلي. ويرصد الفصل الثالث عشر استرجاع لحظات سقوط المدينة وتحول حياة أهلها إلى كابوس. ويضيء الفصل الرابع عشر خفوت ذاكرتهم وتناقض طرائق تفكيرهم. ويكتشف الراوي في الفصل الخامس عشر, خيانة الشيخ الهلالي له, وتعامله مع جون ليبكنز في مدينتيّ الرياض وبئر السبع, وتآمره على تسليم حيفا إلى الخواجة سبكتر ورفاقه.
--------------------------------------------------
2- المقدمة
كان محمول الرواية الأدبية, ولا يزال, نصاً من الحياة المعيشة, وكان النقد الأدبي نصاً من الأدب المُنجز. وظلت اللغة في عالم الخطاب, كما في عالم الواقع, سيدة الهوية التي بها ومن خلالها يُعبر كاتبها عن أحلام أهل مدينته وأوجاعهم ورؤاهم فيما يتصل بقضايا مصيرية غير منفكة عن ثنائيات الحياة والموت, الحرية والاحتلال, الفقر والغنى, ثم الخير والشر بكافة صورهما. فلا عجب أن يكون الروائي مُنهّماً برؤى روايته ومحمولاتها التراثية والمعاصرة بكل ما تحويه من مثاقفة جمعية, تهدف إلى الحفاظ على ثوابت هويته الحضارية لتسند شرعية وجود مدينته واستقلالية هويتها.
ويكون الأمر أكثر صعوبة في الرصد حين تصبح مدينته ثنائية اللغة والثقافة والهوية, وتعيش جواُ سياسياً متوتراً حيث ينتظر كل طرف الفرصة للانقضاض على الآخر؛ فالفلسطيني, أحمد الكرمي, ينتظر الفرصة لإزالة إسرائيل بمعونة الإمام المهدي الذي يُنتظر منه أن يسلبها مبررات وجودها. ويسعى الطرف الإسرائيلي بدوره إلى تقوية دفاعات مدينته العسكرية, ولحمتها الثقافية بتهجير أحمد اللجوني أو قتله للخلاص من مكونات ثقافية شرقية, وديمغرافيا معادية, تعيق تطهير هويته اليهودية الثقافية التي عانت دهراً من شوائب الثقافات المعادية لها, لحمايتها من التشتيت المجتمعي, والذوبان الثقافي التي عانت منهما في مجتمعات "الغوييم" في أصقاع الأرض.
وفي واقع مدينة حيفا, نراها مشحونة بتناقضات وجودية شاملة تجعل من الصدام بين مكوناتها الفلسطينية ومكوناتها اليهودية أمراً لا مفر منه. فهي تضم ثقافتين؛ القديمة, شرقية إسلامية عربية فلسطينية. والوافدة, يهودية ذات سمة غربية أوروبية علمانية بوجه عام. كما تتصارع أيضاً, منذ عدة عقود خلت, حول مُلكية وطن مقدس. فالمدينة الفلسطينية التي كانت أحادية الهوية, عربية الطابع, شرقية النسق المعرفي, وإسلامية في عمومها الثقافي غزتها لغة معادية, وثقافة مغايرة, وديمغرافيا متشاكلة وجودياً معها, إن لم نقل حلت محلها قسراً في كثير من الحالات. وعليه بات محمول الرواية حول سمات المدينة الفلسطينية/ الإسرائيلية مُلتبساً؛ حيث لغة الخطاب الأدبي شبه أحادية الطرح, تغازل واقعاً دموياً ثنائي اللغة, وتصادم تياريّ التشريق والتغريب, وتضاد مكونيّ التراث والمعاصرة, وتباين ثوابت دينين متصارعين حول أي منهما أحق بالسيادة على وطن مقدس. وعليه فإن الحديث عن صيرورة حيفا يعني الحديث عن كل مكوناتها السياسية, والإدارية, والثقافية, والمجتمعية, والاقتصادية, والدينية, وحتى السياحية.
لا يدور النقاش هنا حول التطور الحضري وتعاون الأطراف المتعايشة مع بعضها الآخر في أحوال السلم والتلاقي الودّي, كما هو الحال بين مُكونيّن مختلفين استطاعا بمحض إرادتهما التعايش في مدينة واحدة في سنغفورة أو لبنان أو سويسرا مثلاً. الحديث هنا مؤلم وجارح, ذو شجون, يدور حول ما أصاب المدينة الفلسطينية من تهتك وتهدم وتهجير قسري بقوة السلاح. أراه, أيضاً, يناقش تداعيات اندماج ديموغرافي يهودي إحلالي وسريع الوتيرة, مسلحاً بثقافة متعددة الأصول والسمات, غير قادرة على التعامل مع مكونات ثقافة الآخر بنديّة أو ليونة تستوعب الاختلافات الكامنة فيهما. وذلك أن "العودة الإسرائيلية إلى أرض إسرائيل" كانت دموية وغير قابلة للجسر, إذ حاصرت الوجود الفلسطيني في المدينة, واجتثته من القرى والدساكر, وطردته وماشيته من أماكن تجمعه ورعيه في البوادي والأرياف. لقد أصابته في سويداء وجوده اليومي, وحفرت فجوة نفسية وثقافية في وجدانه. والسؤال هنا: ما هو دور الروائي الفلسطيني ما دام النقاش يدور حول المدينة الفلسطينية/الإسرائيلية المحلية؟ هل المطلوب منه كتابة رواية توضح صراعه أم تعاونه مع القادم الجديد؟ وهل ستصل روايته المحافل الدولية إن قام بواجبه فنياً وفكرياً؟
أُجزم, وجزمي حقيقة ساطعة, أن الروائي الفلسطيني يعيش مفارقة من الوعي الإنساني لا يعايشها روائي آخر في أي مكان شبيه, سواء كان عربياً أو إسرائيلياً أو دولياً. ومردها أن روايته لن تكون سالكة الحركة, ولا نافذة المضمون.... ولن تصل المحافل الدولية كرواية فلسطينية خالصة, أي مستقلة بذاتها فنياً وفكرياً. والسبب عدم توفرها على "رقم دولي متسلسل للكتاب" الذي يمنح الرواية جواز سفر دولي سيادي, يؤهلها ويخولها الوصول إلى العالمية من خلال المحافل الدولية. لم ولن تصل أية رواية فلسطينية, لا تحمل رقم ISBN فلسطيني مستقل إلى أي محفل ثقافي دولي, سواء كان البوكر أو نوبل. وقد يقول قائل إن روايات لروائيين مثل المدهون, وليلى الأطرش, ويحيى يخلف, ومحمود شقير, وإبراهيم نصر الله أو دواوين شعرية لشعراء مثل محمود درويش وصلت إلى القائمة الطويلة أو القصيرة لجائزة بوكر بنسختها العربية. وأُجيب: ابحثوا عن إصداراتهم التي تُسمى فلسطينية زوراً وبهتاناً فلن تجدوا إصداراً واحداً منها يحمل رقماً فلسطينياً صادراً عن مكتبة وطنية فلسطينية, سواء أدرك أو لم يدرك الزملاء الأعزاء هذه الحقيقة المُرة. لا توجد في فلسطين مكتبة وطنية فلسطينية مخوّلة منح رقماً دولياً متسلسلاً للإصدار الفلسطيني, وبخاصة جنس الرواية الفلسطينية, وممنوع على الفلسطينيين إقامتها في الضفة الغربية أو قطاع غزة. وتبقى الرواية الفلسطينية تعمل عارية, بلا شرعية دولية, وتتحرك خارج السياق الثقافي الدولي, كونها بنتاً يتيمة لحكم ذاتي إداري هزيل, مؤقت وغير سيادي, ليبحث ناشرها أو كاتبها الفلسطيني عن رقم دولي, عربي أو أعجمي, لتغطية عورتها من أجل الوصول بها إلى المحافل الدولية. وفي حال وصولها لن يتم تقيمها كرواية فلسطينية مستقلة حتى لو كان كاتبها فلسطينياً من ظهر فلسطيني حتى الجد السابع, ويعيش في فلسطين منذ فجر التاريخ, ويحمل هوية شخصية فلسطينية.
والمؤسف أن القمع المُقنّع المُمارس على الرواية الفلسطينية في المحافل الدولية انطلى ولا يزال ينطلي على النخبة الثقافية الفلسطينية التي يجب عليها أن تدرك ما يجب إدراكه عن واقع روايتها الفلسطينية؛ ويحسموا مطلبهم في بناء مكتبة وطنية تحافظ على إبداعاتهم, وتحفظ ذاكرتهم, وتكرّس هويتهم الثقافية, دون النظر إلى تحقيق شهرة هنا أو جائزة مالية هناك بأية وسيلة كانت, وبشكل انفرادي مُسيء. وأحسبهم غير مدركين أنهم يجلدون روايتهم الفلسطينية وهم الضحايا أصلاً, فهم يمارسون الشطب عليها ويقبلون نفيها بقبولهم رقماً غير فلسطيني يوسمون به رواياتهم التي يتوهمونها فلسطينية.
أما نظيرتها الإسرائيلية, فهي بنت ثقافة دولة, ذات سيادية, لها مكتبة وطنية, تمنحها رقماً دولياً متسلسلاً, يجعلها مرحباً بها في المحافل الثقافية الدولية, ومسموعة المضمون. فماذا تبقى للروائي الفلسطيني من حيّز ثقافي كي يُعبر فيه عن فضائه الروائي؟

3- أهمية البحث:
تعالج هذه القراءة المتغيرات الجغراسية والديمغرافية والنمطية التي طرأت على مدينة حيفا وسكانها منذ عام 1948م, وتحاول إيضاح مكونات المشروع الغربي الأوروبي الشامل الهادف إلى أوربة حيفا وفضائها العربي بواسطة المُعطى الأشكنازي الأوروبي النمط. كل شخوص الرواية اليهود أشكناز ما عدا يهوشع, فهو مغربي وليس غربياً. وفكرة أن حيفا القديمة باتت "خيفا" الجديدة اليهودية تأتي في سياق جزئي لمشروع إعادة التشكيل الأوروبي الشامل للهوية العربية الإسلامية التي تبدو فيها المدينة الثنائية اللغة أهم تجلياته المضادة. وعليه فإن التدوير الأوروبي الثقافي العام يمس كل جوانب الحياة العربية الفلسطينية في أبعادها المادية والمعنوية والروحية. فالبنّية الفكرية والوجدانية والنفسية لأهل مدينة حيفا تهشمت بصورة دراماتيكية سريعة, وربما دون أن يدركوا أنهم تغيروا. إذ وجدوا أنفسهم فجأة يرزحون تحت نير متغيرين أساسيين؛ احتلال عسكري يقمع أحلامهم ورؤاهم وثوابتهم, وخلاء ديمغرافي عربي انبثق عن دراما الطرد والتهجير التي مارستها القوات الإسرائيلية عام 1948م ضد التجمعات العربية في فلسطين.
والأنموذج الثقافي الإسرائيلي الجديد الذي تلبّس حيفا ليس نمطاً جديداً, لأنه نمط أوروبي قديم, قائم في أوروبا لكنه جديد فوق الأرض العربية الفلسطينية. كما تقارب بين وعد الله الديني بإعطاء "أرض المعاد" لإبراهيم ونسله ووعد بلفور العلماني للورد ليونيل روتشيلد. ثم تعالج تداعيات الأزمات النفسية التي أصابت شخوص الرواية العرب, وترصد تغير ملامحهم, وتبدل مواقفهم, ولا تكاد ترصد مقاومتهم الهزيلة لسياسات الطمس والنفي التي تمارسها عليهم المؤسسات الرسمية الجديدة. وهم في معتركهم الوجودي ضعاف الإرادة, يحاولون جاهدين إيجاد مخرج يحفظ ثوابتهم الروحية والحضارية, ولكنهم لا يصيبون من النجاح إلا أقله, وذلك لعدم استكمالهم شروط المواجهة الحضارية المفروضة عليهم, فهم يعانون من تفشي الجهل والخرافة والتخلف والخيانة والاستبداد. لذا نراهم يركنون إلى مقولة نزول الإمام المهدي وعودة عيسى المسيح, كوسيلة غيبية, غير محددة المعالم الزمنية, كي يُحاربا المُحتل الإسرائيلي من أجلهم وبدلاً عنهم, لتخليصهم مما هم فيه من بلوى ومعاناة.
في رواية "كبابير حيفا", يبحث الراوي أحمد الكرمي, العربي الفلسطيني, وتحديداً المسلم, عن وسيلة للتواصل مع الأمام المهدي كي يمنحه حلاً لأزمته الوجودية التي خلقها اليهودي الذي سلبه وطنه, وطرده من مدينته, وصادر مستقبله. جاء ركونه إلى هذه الفكرة بعد أن فُت في عضده, وخاب رجاؤه في أمته العربية التي خذلته, والأمة الإسلامية, الممثلة بالشيخ الهلالي, التي تآمرت عليه, وتركته لقمة سائغة للعدو المدعوم بوسائل القوة العسكرية الفائقة, والتقنيات العالية, والعون المادي الوفير. لهذا يعاني من أزمة وجودية أضاعت بوصلة نجاته وخلاصه المنشود.
وفي رؤية المقابل, يعايش اليهودي, ممثلاً بيهوشع المغربي, أزمة وجودية لا تقل حدة عن نظيرتها لدى أحمد الكرمي. فاليهودي بلمون الأشكنازي تحديداً, يتعالى عليه ثقافياً واجتماعياً, ويعيب على أحمد الكرمي المهزوم انتظاره الإمام المهدي, لكنه يخفي معاناته من أزمة وجودية تمثل الوجه الآخر لأزمة الراوي الكرمي؛ فإذا كان بلمون لا يؤمن بالله ولا بتدخله المباشر في حل إشكالات البشر, أي قدوم المهدي أو عودة المسيح المخلّص إلى الدنيا مرة ثانية, فلماذا يتمسك بوعد الله لإبراهيم الخليل, ويصر على إعادة بناء هيكل سليمان ذي البعد الديني الصرف؟ وإذا كان يؤمن بالله أو ألوهيم, ولا يؤمن بالإسلام كدين سماوي أو مقولاته المهدية, فكيف يفسر تخليه عن شريعة موسى واستبدالها بقوانين وشرائع مستمدة من دساتير وضعية أوروبية ذات طابع إلحادي أو علماني على أقل تقدير؟ إن انشطار هوية بلمون إلى يهودية قومية علمانية, وأخرى يهودية دينية وطنية لا يعطي إجابة شافية لحل أزمته الوجودية التي تهدد كيانه. وإذا كان يعتقد أن غروره العسكري الذي حمى دولته من السقوط قادر على بناء ثقافة يهودية متماسكة فهو مخطئ. إن بناء الدول أسهل ألف مرة من بناء شعب موحد الثقافة, متناغم الهوية, ومتراص في بنيانه الاجتماعي.
إن التأويل الفلسفي أو الديني النهائي لمستقبل المدينة المحلية الفلسطينية/ الإسرائيلية التي هي التعبير الأرقى عن وجود كليهما لا يزال مبكراً, وغير واضح المعالم, والمتغير السياسي الدولي الذي أنتج إسرائيل بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية لا يمكن الركون إليه مستقبلاً. إن الفلسطيني واليهودي يعيشان أزمة مُركّبة, متشابكة الخيوط, يختلط فيها السياسي والديني والفلسفي والعلماني لتشكل صورة ضبابية تهدد كيانهما من قبل صاحب قرار أنجلو-أمريكي, يدير خيوط اللعبة الكبرى في الشرق الأوسط, بلحم ودم عربي-يهودي. وما يفعله الأنجلو-أمريكي من خلال صنيعتهما الإرهابية "داعش" مثال صارخ على استمرار الحرب الكونية على الشرق ذي الديانات السماوية الثلاث. وهي استكمال لحرب كونية أولى أسقط فيها هذا الحلف الخلافة الإسلامية قبل نحو مئة عام, وفي الذكرى المئوية لبداية تلك الحرب أنشأ "داعش" لتدمير مقدرات كل الدول العربية والإسلامية, وكي تكون درساً إستباقياً لإسرائيل في حال تحولها إلى دولة دينية كما يرغب المتدينون اليهود.
وخطر هذا الحلف ليس مقصوراً على العالم العربي بل يشمل إسرائيل أيضاً. فإذا ما أتجه اليهودي المتدين أكثر فأكثر إلى التدين, ومن ثمة تطبيق شريعة النبي موسى بدل القوانين الوضعية التي فُرضت على الدولة العبرية فرضاً منذ قيامها, فإن "داعش" اليهودية ستظهر بين اليهود أيضاً, لتعمل في دولتهم التدمير والخراب كما يحدث الآن في البلاد العربية. والسؤال المحوري في هذه المقدمة: ما خصائص الخلق اليهودي الجديد الذي تلبّس حيفا العربية؟ هل هو نمط ديني شرقي أم علماني غربي أم خُلاسي هجين لا ترضى عنه, ولا تقبل به الغالبية اليهودية؟ وأُذكّر أن المقولة المسيحية:" أعط ما لقيصر لقيصر, وما لله لله", أي فصل الدين عن الدولة, لا تنطبق على النظام السياسي- الديني في دولتيّ اليهود والمسلمين. كان ولي أمر المسلمين في دولة الإسلام, خليفة وسلطان. وكان ولي أمر اليهود ملك ونبي. فهل رئيس دولة إسرائيل يسير على خطى ملوك إسرائيل أم أنبيائها؟
في نهاية الرواية يدور حوار بين أحمد الكرمي ويهوشع بلمون حول قيام فوزي القاوقجي بعقد صفقة سرية في عام 1948م, برعاية كلوب باشا, تشمل بيع حيفا إلى اليهود مقابل صرف مئتي جنيه كراتب شهري له, ومئة جنيه أخرى لمساعده مهدي بيك صالح العلي. تكرر هذا المشهد في الاتفاق السياسي بين الخُلاسي ياسر عرفات, والأشكنازي إسحاق رابين في أوسلو عام 1993م, حيث تم الاتفاق بينهما على بيع فلسطين التاريخية بأكملها لليهود مقابل صرف رواتب تقاعدية لأزلام سيء الذكر ياسر عرفات, وأيتام منظمته الثكلى. وإذا كان اتفاق مشمار هعيمق "أول الحكاية" في هذا الخطاب الروائي, فهل كان اتفاق أوسلو "آخر الحكاية" في الخطاب السياسي؟ وهل الأوطان تُباع وتُشترى؟

4- منهجية البحث:
وحين استقر رأيي على اختيار السؤال "هل حيفا مدينة التكوين الجديد"؟ عنواناً لبحثي هيأت قوسي وأحكمت نشّابي لاصطياد أجمل طيور لغتي, وأرخم بلابل أفكاري من أيكة التراث وغابة الثقافة السياسية. وهكذا جعلت عنوان البحث يربط بين ما جاء في سفر التكوين, وما احتواه وعد آرثر بلفور ليرصد ما بينهما من تناقض جذري في الهوية الأيديولوجية, والنسق الثقافي, والانتماء الحضاري. وقمت بترتيب فصوله حتى انتهت إلى ثمانية بعد العنوان؛ مُلخّص, ومُقدّمة, وأهمية البحث, ومنهجية البحث, وعتبات الرواية, وبنيتها الفنيّة, وبنيّتها الفكرية, ثم خاتمة. وكانت قراءتي نقدية ليس إلا, فهي ليست بحثاً يستجيب للشرط الأكاديمي الصارم. فخرجت كأنها مزيج من القراءة النقدية والشهادة الأدبية.
ولما كنت ملزماً بالإجابة على "السؤال العنوان" فقد أعددت عدتي الذاتية دون الرجوع إلى المصادر الخارجية, باستثناء الاستشهاد ببعض الآيات القرآنية, والأسفار التوراتية التي تتحدث عن موضوع القيمة في بحثي. أعدت قراءة الرواية عن كثب وتدقيق رويّ, سجلت جملة الأفكار التي سأناقشها في بُنيّة البحث الفكرية, والتقنيات التي تتصل ببنيّة الرواية الفنيّة حتى بلغت نحو مئتي فكرة وجدتها تتناغم مع الثيمة الرئيس/ موضوع القيمة في الرواية. وقد وثقتها في تضاعيف بحثي بالرقم المتسلسل لكل صفحة اقتطفت منها فكرة. وتركت باقي الأفكار والمواضيع الهامشية في الرواية جانباً. ثم أحصيت عدد تكرار المفردات المفتاحية في النص الروائي فكانت كما تم تسجيلها بالرقم في عتبات النص.
عمدت إلى تقسيم قراءتي إلى ثمانية فصول كما ذكرت آنفاً, لتقديم قراءة وافية عن روايتي. ولم ألجأ إلى استخدام الهوامش التوضيحية أو الملاحظات الذيلية لقناعتي أن النص النقدي لا يحتاج إليها لوضوحه وبيان مرامي الاصطلاحات التقنية أو الفنيّة أو الفكّرية الموظفة فيه. وقد استعنت بالحافظة الشخصية لدعم أفكاري النقدية أو استحضار بعض المقولات الفلسفية أو الدينية ذات الصلة بموضوع قدوم المهدي وعودة عيسى المسيح الجسمية مرة ثانية إلى الأرض المقدسة. استعنت ببعض الآيات القرآنية والأقوال المسيحية واليهودية المأثورة للنظر إلى موضوع بحثي من زوايا مختلفة, ذات صلة بالصراع القائم حول طبيعة الهوية الثقافية والولاية على الوطن المُقدّس.
كما استخدمت غالباً ضمير المفرد المتكلم في قراءتي لروايتي, فهو ذاته الذي رسمت فيه خطابي الروائي منذ ثلاث سنين. وفي فصل أو فصلين استخدمت ضمير الغيبة لموضوعية نبرته, وحيادية أفكاره. أما ضمير المُخاطب, سواء كان مفرداً أو مثنى أو جمعاً فلم أستخدمه إلا نادراً لنبرته الاتهامية, للمخاطَب, إذ أراني استشف منه أسلوب التحقيق البوليسي الذي أمقته.
حاولت جاهداً أن أكتب بموضوعية وحيادية ما وسعني الأمر, ولو أنها مهمة تكاد تكون شبه مستحيلة في خطاب روائي يضيء واقعاً مُلتهباً. ومع صعوبة الأمر جهدت في طرح أسئلة تُعبّر عن مواقف الأطراف المتصارعة, وحاولت الإجابة عليها بكثير من الموضوعية والحيادية التي لا تُسقط عني هويتي الفلسطينية أو انتمائي الإسلامي الصريح, فأنا لا أجيد كثيراً مجاملة الأصدقاء فهل أراني أُجيد منافقة الأعداء؟ والكتابة الموضوعية عن صراع الهويات لا تحتمل الحديث بوجهين أو بلغة مزدوجة كي لا تفقد معناها الجليل.
وأُشير أن منهجية قراءتي النقدية لم تعتمد على المراجع التي تتحدث عن موضوع البناء الإسرائيلي الجديد في فلسطين أو قضية عودة المهدي ومَقدم المسيح إلا ما كانت حافظتي قد اختزنته في السنوات الخوالي. وهنا لا أُشيد ببحثي ولا أؤكد صوابية رأيي في هذه المسألة, بل جل ما أبغيه هو التأكيد أنها قراءة نقدية ذاتية, تُعبّر عن رأي صاحب الرواية بروايته.
ولأنني كنت مؤلف النص الروائي, وكاتب النص النقدي فقد رأيت لغتي هنا وهناك تتشابه فنياً وفكرياً فيهما. وكنتُ في هذا التشابه غير متناص ولا متلاص مع غيري من النقاد أو الروائيين. لم أكن سارقاً لعبارات من النص الروائي أثناء كتابتي النص النقدي؛ ولم أكن ناقداً يكرر ما قلته كروائي أثناء كتابتي النص الروائي. لم أُجامل أياً من شخوصي, بل أغلظت القول لأحمد الكرمي, الذي يُشبهني حياناً ولا يُشبهني أحياناً أخرى كثيرة.
هذا لا يعني أنني جفوت أحد النصين أو حابيت أحدهما على حساب الآخر. عاملتهما كتوأمين متشابهين ومتساويين؛ مع التأكيد على اختلاف الجنس بينهما. كانت روايتي هي التوأم الأنثى, وكان نصي النقدي التوأم الذكر, وسيتبعهما نص ذكر أُسميه التأويل الفلسفي الديني. فهل كنت الأب الحاني عليهم دون تمييز في النفقة أو الميراث؟ ربما تحتاج الإجابة على سؤالي ناقداً آخر يكتب نصاً نقدياً على نصي النقدي كي يُتحفنا بالجواب.
في قراءتي النقدية انقلبت إلى ناقد يُقيّم الروائي الذي كنته في الرواية. فقد عايش كاتب "كبابير حيفا" منذ طفولته المبكرة وحتى أصبح كهلاً ثلاثة حروب وعدد لا يُحصى من الاشتباكات الحدودية المتفرقة, وانتفاضتين شعبيتين, مما خلق لديه حالة مستشرية من القلق الوجودي الذي دفعه دفعاً للإنهمام بصيرورة حلمه الوطني. لهذا غلب على أسلوبه في الكتابة الروائية والبحثية الطابع الذاتي, والوصف العيني لرصد التحولات الكبرى التي أصابت وطنه ومجتمعه. كان في صغره المروي له دائماً, المستمع لحكايات مأساوية لا حصر لها عما جرى لفلسطين وأهلها من قبل المنتصر اليهودي عسكرياً. وحين كبر اكتشف أنه أصبح روائياً وراوياً يعيد إنتاج ما رُوي له سابقاً لكن بقالب أدبي تخيلي مُغاير, لهذا غلب على أسلوبه الطابع الذاتي الذي تجلى في استخدام ضمير المتكلم المفرد.
5- عتبات الرواية:
1- النص المحيط : ويتشكل من المكوّنات التالية:
ا- الغلاف الأمامي : يحتوي على صورة مسجد "سيدنا محمود", وعنوانها "كبابير حيفا" باللون الأحمر, واسم المؤلف باللون الأسود وبشكل مائل, وشجر نخيل, وأعلام الأحمدية باللونين الأسود والأبيض, وحشائش مُصّفرة, وصورة مياه بحر حيفا الزرقاء, وسنة النشر, ومئذنتين, وقبة بيضاء في أعلاها قطعة نحاسية على شكل هلال.
ب- الغلاف الخلفي : لونه أبيض, ويتوسطه نص من الرواية باللون الأحمر, وعنوان الكاتب.
ج- عدد الصفحات : 222 صفحة من القطع المتوسط.
د- عدد الفصول : خمسة عشر فصلاً.
ه- عدد صفحات كل منها على النحو التالي بالترتيب من أولها حتى آخرها : 16-16- 16- 11- 10- 9- 16- 15- 18- 14- 12- 20- 11- 10- 13.
و- زمن الكتابة : 2012-2013م
ز- زمن النشر : 2013م.
ح- زمن الأحداث : 1958-2012م
ط- الرقم الدولي المتسلسل لها: لا يوجد بسبب غياب المكتبة الوطنية الفلسطينية.
ق- العنوان, "كبابير حيفا", وعلاقته بالنص الأساسي :
ورد العنوان في النص : (5) مرات
وردت كلمة كبابير ومشتقاتها : (101) مرة
وردت كلمة حيفا : (190) مرة
وردت كلمة حيفه: (1) مرة
وردت كلمة خيفا : (55) مرة
وردت كلمة خيفاس : (6) مرات
وردت عبارة جات خيفر : (4) مرات
2- النص الفوقي :
ا- دراسة حول التناص الذاتي في روايات يوسف العيلة, جامعة النجاح الوطنية,2015
ب- العيلة, يوسف, رؤى المدينة الفلسطينية/الإسرائيلية في الخطاب الأدبي الحديث, 2016



6- البُنية الفنّية:
ولما كانت الرواية التقليدية تعيد إنتاج الوعي السائد, وتبقى معه بدلالاتها من أجل وحدة المعنى والتناغم العام في الثيمة, فقد فضلتها على الرواية الحديثة التي تعتمد بنيتها على جماليات التفكك والتشظي والإيهام. وكنتُ أعلم أن الرواية الحديثة أقدر على تصميم يجسد رؤية توثيقية للعالم. ولما كان النص الروائي بناءً من القيم يشيده الكاتب بواسطة اللغة, فإن المراحل الصعبة من حياة الشعوب والتحولات المجتمعية والصدامات الكبرى تدفع به نحو البحث عن قيّم فنيّة جديدة يعبر بها عن محمولات روايته.
لقد صاغت نكبة فلسطين عام 1948م, والنكسة عام 1967م حياة الرؤية أو الخطاب لدى النخبة مرتين متتاليتين في العالم العربي. مما دفع بالبعض منهم للتمرد على الجماليات الروائية التقليدية التي يرون أن الأحداث قد تجاوزتها. ومع احترامي لهذا الموقف الجمالي النقدي في النمط الروائي الذي يجاري المُتغير كثيراً فإنني لا أرى صوابية موقفهم. لقد شكلت الرواية التقليدية الوعي السائد وأسهمت في بنائه وتجذره. كما أن للحداثة بريقها الذي يجب مواكبته من أجل الإفادة من المفيد منه. فالتشظي والتفكك والإيهام التي تعتمدها الرواية الحديثة قد لا تكون البنيّة الأجمل والأنفع التي تجسد انفكاك الإنسان عن ذاته التراثية والمعاصرة. والرواية الحديثة تُشابه الرواية الجديدة- غير اليقينية- في عدم اهتمامها بتماسك المعنى والتركيز على فسيفساء التشظي والتهدم التي تعاني منها الشخوص.
وعليه كانت رواية "كبابير حيفا" تقليدية النمط, وتأخذ من تقنيات التشظي, وأسلوب التفكك, ولغة الإيهام, والأحداث المبعثرة ما يكفيها فقط دون تبنيها لكامل البنيّة الحداثية. فالمعنى في النص يبقى هو الرسالة السائدة على الأسلوب, فهو الذي يضيء التفكك والتشظي, ولا يتبناهما أو يتماهى معهما كبنيّة شاملة له. فالهدف التقليدي في وحدة المعنى, وتماسك الثيمة في المكان والزمان السرديين رسالة الروائي المُلتزم والمتجدد كي يكرّس قيمه التقليدية ويساندها. وتمسكاً بالنص أولاً فقد استخدمت في الرواية بعضاً من تقنيات الحداثة التي أراها ضرورية للنص قبل أن تكون دالة على الأسلوب الحداثي. علماً أن بنيّة الرواية الحديثة تقوم على الانحراف السردي من حدث إلى آخر, ومن مكان إلى آخر, ومن شخصية إلى ثانية, وعلى كسر التسلسل الزمني, وغياب وحدة الموضوع وتناغمه, وبعثرة أفكاره.
تجري أحداث الرواية في مكانين سرديين متقابلين ومتباعدين؛ الأول, في قرية جبلية, تقع في أكناف المسجد الإبراهيمي, حيث يلفها البرد والثلج شتاء, والخضرة اليانعة ربيعاً. والثاني, في حي الكبابير في مدينة حيفا, المتربع على قمة جبل الكرمل الذي ترتسم على صفحة تاريخه بصمات أنبياء وقديسين وحكايات أسطورية موغلة في القدم. وحين يكون مشهد الأحداث الدرامية في مثل هذه المواقع التي لها هالة في الذاكرة والتاريخ المحلي والعالمي فلا بد أن تكون هناك خلفية حضارية دينية تؤطر حاضر وماضي ومستقبل الأطراف المتصارعة أو المتعايشة إذا افترضنا أحسن الممكن. وهذا لا يعني أن الكاتب رسم الأحداث بحرفيتها, قدر ما يعني إعادة تشكيلها على نحو يشابه أحداثها الحقيقية. إذ يقع المكانان في حاضنة شرقية, تعج بقبور وأديرة ومقامات وحكايات تاريخية, منها الأسطوري ومنها الديني الثابت. هذا لا يعني أن نص رواية "كبابير حيفا" يقوم على الواقعية المحضة, بل على إنتاج هذا الواقع بسرد غير منفصل عن عناصره الرئيسة من لغة وشخوص وزمان ومكان وفضاء.
وهناك تشابه كبير بين المكان السردي في نوبا الخليلية ونظيره في الكبابير الحيفاوية؛ في المكانين هناك "علّية" قضى الراوي الكرمي في كل منها ثلاثة أيام. وفي المكانين عايش تجربتين روحيتين رفقة جماعتين تتشابهان في تعلقهما بثيمة المهدي المنتظر, رغم بعض الاختلافات الفكرية بينهما. فالهلالي وإمامه القواسمي لم يَدّع أي منهما أنه مهدي, بل يزعم أنه يتواصل معه في السماء. أما الجماعة الأحمدية فيعتقدون أن غلام ميرزا أحمد هو الإمام المهدي والمسيح الموعود في آن واحد.
ولا أدل على ذلك ترابط المكان العام الكرملي بالخاص الكرمي في قرية النبي إلياس. فالراوي, كما سرد حكاية الفتاة المسيحية في كهف دير مار إلياس, يسرد حكاية أمه وجدته في مقام النبي إلياس. وعربوناً على رجائها بتقبل الله دعاءها وضعت الحاجة آمنة في زاوية المقام كعكاً محشواً بالحلقوم النابلسي. وورقة مطوية فيها أدعية. ويمتد التعالق اللغوي بين أسماء الأماكن, الكرمية والكرملية, إلى أسماء الأنبياء والأشياء والأشخاص. فنابلس ونبي إلياس ومار إلياس تتعالق مع بعضها لإنتاج سلسلة من المعاني التي تدعم بُنّية النص المكاني ومعانيه. ولا عجب أن يمتد الفضاء الروائي من حيفا إلى طولكرم فهو أصلاً يشمل الرياض التي جاء منها الهلالي, والمغرب التي هاجر منها والد يهوشوع المغربي.
والملاحظ في بُنية الرواية انطلاقها من المكان الاستعاري المؤنسن. فأمكنتها السردية تتميز بملامح شخصية حية. يقول الكرمي إن ملامح إحدى المئذنتين في مسجد سيدنا محمود شرقية والأخرى غربية, ولهما صوت خافت كي لا تزعجا السكان اليهود.
يرصد الكاتب بحث الكرمي العمودي والأفقي(ص:53) عن ذاته المحتلة, كأنه يتماهى مع حركة الشمس في إشراقها وغروبها. تلك الحركة الكونية التي لا تتوافق مع سقوط رأس الهلالي أرضاً في مسجد قرية نوبا. كان سقوطه يعاكس حركة النفوس الحرة التواقة للإنعتاق من قيود الأسر والذل. كما تتعاكس مع حركة صعود سلم العلّية في مسجد نوبا ومسجد سيدنا محمود(ص:55) على حد سواء.
يمتد المكان السردي المقدس على الأرض الفلسطينية طولاً وعرضاً, وعلواً وانخفاضاً. فمسجد قرية نوبا الخليلي يقع على جبل, جنوب البلاد, جوار مدينة الخليل حيث يرقد أنبياء الله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وزوجاتهم. كما يقع دير مار إلياس على قمة جبل الكرمل, ويطل على بحر حيفا من جهتيّ الغرب والشمال. المسجد والدير مكانان مغلقان, لهما أبواب وجدران, لكنهما منفتحان على السماء والتاريخ والجغرافيا حيث يستشرف المؤمنون مصائرهم ويتواصلون مع الله في عباداتهم وطقوسهم في مختلف المناسبات والأيام.
يمثل معبَر ارتاح محطة مكانية في جغرافيا سياسية حدودية, تفصل إسرائيل وواقعها الثقافي والاقتصادي والسياسي عن واقع الضفة الغربية وأهلها المُحتلين ليلاً, والمُدارين من قبل السلطة الفلسطينية نهاراً. ويأذن المعبَر منذ إنشائه بمرحلة سياسية واقتصادية تحدد علاقة أهل الضفة بإسرائيل وسكانها زمنياً. فهو سالك نهاراً يومياً من السابعة صباحاً حتى المساء, ومغلق أيام السبت والأعياد.
ويُُبرِز النص عدة أماكن سردية احتضنت الثيمة الروحية. فالسماء وطن المهدي وبيته ومدينته, وإليها يضرع المؤمنون لله أن يُعجّل فرجه, كي يُخلّصهم من أزماتهم. وحيفا المدينة بشوارعها وأحيائها تمثل الحاضنة الوجدانية التي احتضنت شخوص الرواية وشكلت ذاكرتهم الشخصية, وحافظتهم الجمعية. أما الجامعة العبرية كمكان سردي فقد رعى العلاقة العاطفية بين أحمد الكرمي وعايدة المقدسية.
أما سجن "الجلمة" في الرواية فهو حيز مكاني مُغلق, محاط بأسلاك شائكة, له بوابات حديدية محكمة الإغلاق, ويحرسه عدد من أفراد الشرطة الإسرائيلية. وهو وسيلة لقمع المقاومين الفلسطينيين, المطالبين بحقهم في فلسطين الهوية والوطن. وهو سجن للمتسللين إلى أرض إسرائيل بطرق غير شرعية أو بالقوة العسكرية, ولكل المطالبين بحق العودة حتى لو كان احدهم الإمام المهدي, كما يعتقد يانيف بيركوفتش.
ويمثل مرج بني عامر حيزاً مكانياً ممتداً في الجغرافيا والتاريخ, وممراً منبسطاً للعابرين أرض إسرائيل أو فلسطين من الجنوب إلى الشمال وبالعكس. وهو يحمل اسم أهله من بني عامر الذين سكنوه وزرعوه ولهم فيه حكايات مُستبدة. كما يحكي قصة شيخ قبيلة بني عامر المزواج الذي أراد أن يتخذ من ليلى الكرملية جارية له, لكنها رفضت عرضه.
وتمثل باحة مسجد "سيدنا محمود" في حي الكبابير على جبل الكرمل الحيز المكاني الأهم, وبؤرة الأحداث والأزمنة السردية المُتخيلة التي حدثت في رواية "كبابير حيفا". إليها ذهب ومنا انطلق أحمد الكرمي في بحثه عن ذات المهدية. وقد اختاره السارد الكرمي لعلوه الجغرافي, وانفتاحه على السماء, وإشرافه على بحر حيفا. ومن خلال تبئيره استجمع السارد البطل كل خيوط حركاته وتخيلاته الزمانية والمكانية للتواصل مع المهدي في السماء, والانطلاق إلى جزيرة البراء أثناء غفوته على المقعد الخشبي المنصوب في باحته. فهو بؤرة مكانية ترتبط بزمن المهدي الذي يجسد محمولاً روحياً يوصله بالسماوات العُلا حيث الملائكة والجن وزوجة الهلالي جبرائيلا.
ويمثل بحر حيفا حيزاً مائياً يسكنه الحوت الرومي, والسمكة العبرية, والسمكة الإنجليزية, وقنديل البحر, وهم جميعاً تحت حماية الحوت الرومي الذي يتوفر على غواصات وبوارج بحرية تجوب البحر المتوسط , وتحديداً غواصات أنجلو-أمريكية.
أما الحيز الفضائي فهو الأفق الواسع الذي يظلل حيفا وجوارها العربي, ويشمل مساحة العالم العربي البالغة 14 مليون كم2. وهو الفضاء الذي شهد دراما عودة يهوشع المغربي وأسرته من المغرب إلى ميناء حيفا, ثم إلى مستعمرة مشمار هعيمق. كما شهد مجيء الهلالي من الرياض إلى بئر السبع, ثم حيفا, ومنها هروبه إلى جزيرة البراء بعد أن انكشف أمره. ويضم أيضاً حركة الشخوص اليهودية القادمة من العراق واليمن وتونس, وهم السفارديم. ثم قدوم يهود شرق أوروبا, من بلغاريا وبولندا وأُكرانيا ويهود الدونمة الذين كونوا دولة حول البحر الأسود ثم زالت بعد وقت قصير. وأحسب الخواجات بن توف وديامنت وبلمون وسبكتر وبيركوفتش من أحفاد أولئك.
والحيز المجهول/ اللا مرئي هو الحيز السماوي الذي لا يراه أحد سوى الأنبياء والقديسين ويتصوره الكاتب بعين خياله. وهو المكان الذي يحيا فيه المهدي والملائكة والجن وجبرائيل الوحي وجبرائيلا زوجة الهلالي المزعومة. وسكان هذا الحيز غير مرئيين أيضاً, وربما يهبطون إلى الأرض في أوقات مُعينة, ويصعدون دون أن نراهم أو نحس بهم. إن الحيز السماوي يشكل العالم الآخر المُشتهى لدى شخوص الرواية الذين يبحثون عن ذواتهم المهدية فيه. وهو يختزن القوة الروحية الفاعلة التي ستنقذ شخوص الرواية من أزماتها النفسية والسياسية والوجودية. تلك الشخوص تؤمن بوجوده وفاعليته لذا فهي تشخص إليه داعية. وعلى العكس منهم لا تؤمن الشخوص الأشكنازية بوجوده ولا بفاعليته ولا تحسب له حساب في صراعها مع أعدائها العرب. كما أنها لا تعتقد بعودة المسيح ولا بمجيء المهدي.
ويمثل الحيّز النفسي المساحة الشعورية والوجدانية والمعنوية التي تضيق وتتسع لدى الشخوص العربية, حسب حالاتهم النفسية, وإمكانيات انفراج أزماتهم السياسية وإنعتاقهم من الأسر الجغراسي.
ولكل واحد من شخوص الرواية حيّز ذهني, وهي المساحة الزمنية التي تحتفظ بالأحداث وأسماء الشخوص والأزمنة وأسماء الأمكنة. وهي التي تمنح المكان ملامحه القديمة, وربما تتخيله أكبر وأجمل مما هو في الواقع. وهي الوعاء الأمين الذي يحفظ الأسرار الشخصية, والحكايات العاطفية, والحنين إلى الوطن ومسقط الرأس. وهي لا تنفك عن حيّز الذاكرة وسجل التاريخ المدون. وللتدليل فإن حكاية حيفا مع الاحتلال تشبه حكاية سعدة الهبل مع الغازي جون ليبكنز, كما تشبه حكاية عايدة المقدسية مع القنصل الأمريكي, مستر تاش.
وتتنوع الأزمنة وحركاتها في رواية "كبابير حيفا": فهناك حركة زمنية جسمية معاصرة؛ أي مكوثه ساعتين في معبر ارتاح, ودورانه بين غرف التفتيش. مغادرته غرفة النوم في "العلية" صباحاً, وتجواله في الباحة مدة ساعتين أخريين, ثم توجهه ظهراً إلى مسجد "سيدنا محمود" لتأدية صلاة الجمعة. وتنقّله من "العلّية" إلى باحة المسجد ومكوثه ثلاثة أيام بلياليها, متنقلاً بين المسجد وقاعة الاجتماعات والباحة. وركوبه الحافلة لزيارة دير مار إلياس, وسيره راجلاً في باحته وبين جدرانه مدة ربع ساعة.
تضم الرواية حركة زمنية تخيلية مرتدة إلى الخلف: وهي عودة طيف احمد الكرمي حين كان طفلاً إلى قرية نوبا, وسفره إلى زمن الحوت الرومي والسمكة وحوت النبي موسى وفتاه يهوشع بن نون أثناء رحلتهما إلى مجمع البحرين. وارتداده إلى زمن النبي إلياس واستحضار حكايته مع قومه الضالين وكيف استجاب الله لدعائه لمعاقبتهم على صدودهم دعوته, فكان انقطاع نزول المطر مدة ثلاث سنوات.
ثم حركة زمنية تخيلية إستباقية: وهي تصوره لو مات غرقاً أثناء رحلته البحرية إلى جزيرة البراء ماذا سيحصل لأبنائه وزوجته من بعده. وتخيله الإستباقي لو تذكر زيارته لمدينة حيفا بعد مدة من الزمن كيف ستبدو له حين ذاك. وتصوره لمكانة ومصير روايته الفلسطينية بعد مرور زمن طويل على نشرها؛ كيف سيكون حالها في منتديات محلية وعربية ودولية لا تعترف بها وتريد شطبها من الوجود.
وتمثيلاً للزمن النفسي أقول إن علاقة الكرمي مع عايدة في الجامعة العبرية استمرت نحو سنة ونصف السنة ولكنه شعر أنها مرت كأنها ساعة ونصف الساعة. كما كان غيابها عنه ليوم واحد يشعره بأنه عام.
إذا وضعنا سؤال مَن هو المهدي جانباً, أي تحدثنا عن زمنه الذي لم يأت بعد, فإنه ينقسم إلى قسمين: الزمن الجثماني الأول الذي قضاه بين الناس قبل أن يصعد إلى السماء, ثم زمن غيبته الذي استمر ألف سنة حتى الآن. كما لا نستطيع أن نعرف كم سيعيش من الآن فصاعداً؟ ومتى سيعود؟ وكم سنة سيعيش بعد أن يعود؟ أما إذا كان الحديث عن زمن حضرة ميرزا غلام أحمد فيمكن تحديده؛ فقد ولد عام 1835م, وبُعث عام 1889م, وتوفي سنة 1908م, ودفن في مدينة قاديان/لاهور.
وسيرة السيد المسيح لها زمنان: زمن الناسوت الذي مكثه بين أنصاره وأهله وحواريه, ونستطيع تحديده بنحو ثلاثين سنة, وتاريخ ميلاده, وظهور نجمة المجوس الثلاثة القادمين من الشرق, وتاريخ "صلبه", وقيامته من القبر بعد ثلاثة أيام من مكوثه فيه. أما زمنه اللاهوتي, فلا يمكن تحديد مدته. نعرف تاريخ رفعه إلى السماء, ولا نستطيع أن نعرف كم سيمكث فيها. وهل زمنه هناك زمن أحياء أم زمن أموات؟ كما لا نستطيع تحديد موعد عودته الثانية إلى الأرض كي يقيم فيها العدل والسلام.
أما زمن الاسترجاع في الرواية فبدأ في مدينة طولكرم بعد نحو خمسين سنة من زيارته الفعلية قرية نوبا, متزامناً مع نفس اللحظة التي تلقى فيها الدعوة لزيارة حيفا. وكانت مدة الزيارتين متساوية, ثلاثة أيام في نوبا, رفقة والده حين كان طفلاً, وثلاثة أيام في الكبابير, رفقة ضيوف آخرين. ثم بدأ زمن الكتابة بعد عدة أسابيع من انتهاء زيارته إلى حي الكبابير عام 2012م.
ورغم الاختلاف على مَن هو المهدي بين الجماعات الإسلامية, يمكن تحديد زمنين آخرين له؛ زمن ميرزا غلام أحمد المعيش كما يعتقد أتباعه, والذي يبدأ من عام 1989م حتى وفاته عام 1904م. وزمن انتظاره, إن لم يكن هو ميرزا غلام أحمد, كما يعتقد أهل السنة والشيعة. والخلاف بين الرحمانية والأحمدية يتصل أيضاً بمَن هو المهدي, إلا أنهما تتشاركان في الثيمة المهدية كرسالة روحية. فالهلالي الرحماني يزعم أنه يتواصل مع المهدي في السماء, ومتزوج من جنّية, وينتسب للهلال الإسلامي في كبد السماء. أما الجماعة الأحمدية فلا تنتظر المهدي كنظيرتها الرحمانية بل تعيش زمنه بطريقتها الخاصة. والاختلاف الآخر بينهما أن أفراد الرحمانية الخلوتية يمارسون الدروشة حين اتصالهم بالسماء كما حدث للشيخ الهلالي أمام سمع وبصر الراوي الكرمي, حيث فار الزبد من فمه, وتيبست عروقه, وفقد وعيه أثناء اتصاله بالجن.
يستخدم الكاتب الزمن كمكوّن بنائي من مكونات خطابه الروائي؛ فزمن الأحداث المتسلسلة ينسج حبكتها عبر سلسلة رابطة, تربط المكان كمكون شيئي متعين, والزمان كمكون حدثي يؤثر في ملامح شخوصه لتكريس معنى ثيمة النص من خلال مرور الزمن. ويستخدم الكاتب مكون الزمن في روايته كتقنية تؤطر مخزونه الفكري. فقد قسم روايته إلى خمسة عشر فصلاً متباينة في عدد صفحاتها وتنوع مضامينها في إطار ثيمة رئيس وهي البحث عن الذات؛ الذات التي تتمظهر في فضاء مدينة يغطي مساحة العالم العربي البالغة 14 مليون كم2. إن تباين عدد صفحات فصول روايته يشي بعشوائية تطور شخوصها وضعف وعيها بذاتها وزمانها وقضيتها. ودوال عناوين الفصول الخمسة عشر تعبر عن حالة من عدم التجانس المعيشي لشخوصها؛ إذ أن "أول الحكاية" مثل "آخر الحكاية" في تشظي شخوصها وخفوت ذاكرتهم, وسخونة لغتهم وانحسار مكانهم وتلاشي زمنهم. ما الذي يوحد معاني فصولها: "مدينة الأسماء" و "حوت وحروف" و "اللجوني المجهول" و"وقفة بين هويتين" و"دير مار الياس" و"سؤال المهدي" و"عودة المجهول" و"رقص على الجراح" و"حلم البراء" و"أحاديث الأحلام" و"تقاطع أطياف" و"رؤيا الكبابير" و"صور وألوان كرملية" غير ثيمة البحث عن ذات مبعثرة في حياة مُلتبسة؟
يستخدم الراوي في سرده للأحداث ضمير المفرد المتكلم في معظم الأحيان, وفي أماكن قليلة يستخدم ضمير الغائب في الفصل الثالث عشر. وكان استخدام ضمير المفرد كأنه يعبر عن تجربة شخصية للسارد ومن ورائه الكاتب. ورغم حميمية الطرح لهذا الضمير إلا أنه يواجه تحديات كثيرة منها أن تجربته الذاتية قد لا تُعبر عن تجارب القراء. لذا فهو ضمير يبتعد عن موضوعية الطرح قليلاً, أي قد لا تكون تجربة الراوي محور اهتمام القارئ. ورغم أن استخدامه يعطي حماوة للغة النص الأدبية لجرأته في الاعتراف بأسراره الشخصية, يبقى ضمن الذاتي الخاص المفارق للموضوع العام.
يلاحظ القارئ انكسار السرد في الرواية(ص:56), حين زار طيف الهلالي السارد الكرمي في منامه. قال له إنه يود سرد حكاية مهمة عليه وقبل أن يبدأ حكايته استيقظ الكرمي على وقع خطوات اللجوني المجهول الهوية. اعتقد الكرمي أن الهلالي هو الذي أرسله كي يكمل حكايته. تساءل: هل هو أنسي أم جني؟ كان منظره مرعباً؛ قميء الهيئة, كهل في نهاية السبعينيات من عمره, كث الشعر, أشيب شعر الرأس والذقن, ثيابه متسخة, غير مرتب الهندام, ضعيف البنّية, صغير القامة, تقاطيع وجهه ذاوية, كأنه من أصحاب الكهف. كاد الكرمي يسأله عن عدد أصحاب الكهف لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة خشية أن يكون شيطاناً فيضلله.
يعترف اللجوني المتشظي للكرمي أنه لا يؤمن بالله ولا بأنبيائه, ثم يوضح موقفه من ميرزا غلام أحمد قائلاً:" إذا كان هو المهدي فكل ما جرى لنا بعد ظهوره كان عدلاً وسلاماً؛ سقوط الخلافة العثمانية, وضياع فلسطين, وتهجير أهلها". يعتقد الكرمي أن الهلالي هو الذي أرسل اللجوني بصفته إنساناً خارقاً, وأن ما قاله للتو هو الحكاية التي كان الهلالي يريد أن يحكيها له(ص:63). كان الهلالي لا يزال, في نظره, "سوبرمان", يجتاز حواجز الزمان والمكان وتوالي الليل والنهار.
وفي مشهد يليه يرى الكرمي أعور الدجال يشبه هيئة اللجوني(ص:65-66), وكأنهما شخصية واحدة بإقنيمين. كانت لغته هذه المرة أشد قسوة من لغة اللجوني؛ طلب من الكرمي العودة من حيث أتى, فهو يبحث عن ذاته في مدينة السراب الحيفاوي. اعترف أنه لا يؤمن بالمهدي وينكر وجوده ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. وأدعى أنه هو الله, القادر على كل شيء, الواحد القهار, الموجود الصمد, والحي الباقي في هذا الكون. خارت قوى الراوي وهو يتساءل:" تدارك أمرك, يا كرمي! فالأمر جلل! ما لك ومال هذه الحرب الكونية؟ هل ستقاتل المسيخ الدجّال وحدك؟ ألا تعرف أنك تعيش بدون وطن وهوية وتاريخ وربما مستقبل في هذه المدينة؟ هل يعقل أن ينتصر عربي بدوني على دجّال متأله؟
كان انكسار السرد في الرواية فرصة للسارد الكرمي/المفكك كي يعلن عن تمرده على النص كمعنى شامل, وربما ليستعيد أنفاسه ويراجع مواقفه من قضية البحث عن ذاته المهدية. تلك المحطة تحولت إلى منارة تنوير تضيء له موقفه الراهن في حي الكبابير:" هل يستطيع الكرمي أن يحارب الدجّال وهو يعجز عن محاربة عدوه الذي يحتل مدينته؟ ثم امتدت به أسئلة الانكسار:" هل الشيخ الهلالي والملحد اللجوني هويتان متناقضتان أم هوية شيطانية واحدة بوجهين مختلفين شكلاً؟ وهل هناك فرق جوهري بين ملحد لا يؤمن بوطن مقدس, وشيخ يخون عهد الله؟ أيهما أنكى على نفس الإنسان الباحث عن ذاته في مدينة تتعرض للتدوير الثقافي بكافة تجلياته: الكفر بالله أم الكفر بالوطن؟
إن انكسار حركة السرد الداخلية(ص:88), من راوٍ يسرد حكاية بحثه عن ذاته في مدينة محتلة إلى مستمعٍ في حافلة يُروى له حكاية شاب كرملي تبحث عنه امرأة كرملية تشبه حيفا علامة واضحة على التشظي النفسي والوجداني الذي يعاني منه الكرمي. والملفت هنا أن الراوي ينحرف بسرده للأحداث كدالة حداثية على وعي الكاتب بضرورة مواكبة الحداثة في بنية الرواية. يقول راوي الحافلة إنه رأى في منامه امرأة تبحث عن شاب كرمي من منطقة بني صعب في المثلث الأوسط يشبه الراوي الكرمي في ملامحه, وهويته. عرف الراوي الكرمي أن الحديث يعنيه, وأدرك من خلال هذه الزاوية السردية الجديدة بل تأكد أن حيفا لم تعد وهماً, بل امرأة من لحم ودم وشحم. إنها فنتازيا الحب التي تجمع ولا تفرق, تضم ولا تشتت الأحباء حتى لو كانوا مشتتين في الواقع.
يبرز الراوي الكرمي كسارد جزئي المعرفة والتجربة, وليس راوياً كلي المعرفة. فقد استطاع الهلالي خداعه بسهولة وتوريطه في مواقف جعلتنا نشفق عليه حيناً ونلومه أحياناً أخرى. أظهر تردي حالته النفسية أن كل الشخوص في الرواية تَخلّوا عنه بشكل أو بآخر؛ خدعه الهلالي, ورفضته ليلى الكرملية في حديقة السفرنامة, وطرده المصلون من مسجد أحمد باشا الجزار, وأشاحت الفتاة "الخيفاوية" ذات السروال القصير والبلوزة الزرقاء بوجهها عنه, ورفض كاهن دير إلياس مصافحته, ثم افتراقه عن عايدة المقدسية. وكانت نتائج تلك الصدمات أن انفصم صوته في الفصل الثالث عشر إلى صوتين مختلفين؛ صوته الذي كان يبحث فيه عن ذاته فأخفق, ثم صوت شبيهه الذي كان أجرأ منه في طرح الأسئلة على كاهن الدهر, سيراموس, زوج الكاهنة الزبراء.
في صفحة (ص:194) نرى صوت الراوي الكرمي ينفصل إلى قسمين: صوته الذي سمعناه منذ بداية الرواية وحتى عودته إلى مدينة طولكرم, ثم نستمع إلى صوت شبيهه في الفصل الثالث عشر بعنوان "رؤيا الكبابير" بعد انتهاء زيارة الراوي الكرمي إلى حيفا. وعليه فإن الكاتب استخدم ضمير الغيبة في الفصل الثالث عشر, كما استخدم ضمير المفرد المتكلم في الفصول السابقة واللاحقة. والطريف هنا أن الراوي الشبيه كان يجول في حديقة السفرنامة, ويسرد للراوي الكرمي حواراته مع عدد من شخوص الراوية أجمعوا أن محمد الهلالي كان عميلاً للجون ليبكنز ويأتمر بأوامر سيراموس الذي يؤمن بأعور الدجّال. كما يستمع الراوي الكرمي الذي تحول إلى مسرود له إلى حكايات النسوة الثلاث في حديقة السفرنامة. يبدأ الراوي الشبيه بالارتداد إلى الخلف فيسأل ليسترجع أحداثاً ومواقف سبقت. يسأل ليلى الكرملية:" لماذا أغضبت شيخ مشايخ بني عامر"؟ وتجيبه:" أراد أن يتخذني جارية له, وليس زوجة, فرفضته". ثم يسأل الراوي الشبيه عايدة:" ما قصتك مع الراوي الكرمي؟"" فتجيبه:" كنا زملاء على مقاعد الدراسة في الجامعة العبرية, لم أكن أعي مقدار حبي له إلا بعد انقطاع علاقتنا بسنوات طوال, فندمت على خسارتي له". ثم يسأل سعدة الهبل عن زوجها الهلالي:" هل صحيح ما قيل إن أفعى لدغتك فمتِ"؟ وتجيب:" لا تصدقوه فهو كاذب"!
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة(ص:197): لماذاً استخدم الكاتب تقنية الراوي الشبيه في الفصل الثالث عشر من روايته؟ ربما تكون الإجابة عدم ثقته بالراوي الكرمي بعد الذي حصل منه مع الهلالي. وربما يعود السبب إلى ما قاله الراوي الكرمي نفسه:" إن الأسئلة المهمة تضيع منه في أوقات الأزمات. والدليل أن الراوي الشبيه طرح سؤالاً مهماً على سيراموس كان قد نسي طرحه الراوي الكرمي سابقاً حين قابله رفقة يهوشوع اليهودي:" لماذا تعيش في كهف مظلم وحديقة السفرنامة أمامك مشرعة الأبواب؟ لماذا لا تعيش فيها مع اللحم الشرقي, يا رجل؟ ألا تحب لحم جميلات الشرق"؟ الشاهد هنا أن الشخصية العربية الراهنة ضعيفة الوعي ومتهدمة البنيان.
يستعيد الراوي الكرمي صوته السردي من شبيهه في بداية الفصل الرابع عشر(ص:198), ويبدأ النظر إلى روايته من زاوية مستقبلية جديدة, أي منظور استباقي مستقبلي. يتخيل فيه انقضاء زمن طويل على زيارته مدينة حيفا, وأنها أصبحت مجرد حكايات. والسؤال: هل تغيرت نظرته إلى حيفا بعد مرور الزمن المفترض على زيارته لها؟ لقد تحولت وقائعها إلى خيالات وصور زاهية وأخرى باهتة. فصورة النسوة الأحمديات احتفظت بألوانها الخمسة الرئيسية, تحتضن خمسة ألوان زاهية, وخمسة أخرى باهتة؛ كان لا يزال الأحمر يحتضن البني, والأخضر يعاتب الأسود الفاتح, والأبيض الناصع يغازل الرمادي, والفوشي يقبّل التركوازي, والنقي يطارح المُقلّم.
ومن الملاحظ أن الكاتب استخدم ضمير المفرد المتكلم في سرديته, ليقنع القارئ بحرارة تجربته الذاتية كي يتعاطف معه. وكان في هذا تضخيم وإبراز للذات الساردة للراوي بقصد تحويلها إلى محور أساس لأحداث نصه السردي الذي يسرده. فضمير المتكلم يمنح السرد طابعاً حميمياً كأنه سيرة ذاتية.
همس الهلالي للراوي أحمد الكرمي حين كان طفلاً تركت أثراً بيناً في بحثه الوجودي عن ذاته المأزومة. بدأ يتخيل وجه الهلالي يفيض نوراً وبشراً(ص: 14), لكنه استغرب سقوط الهلالي أرضاً أثناء اتصاله بالجن. تساءل:" لماذا لم يرتقي إلى السماء, إلى حضن زوجته جبرائيلا بدل سقوطه على الأرض"؟ بدأ الكرمي يستغرب من الفرق بين ما يراه وما يتخيله:" لماذا تزوجت جبرائيلا من كهل دميم الخلقة, أعور, أسمر البشرة, ملابسه متسخة, ورائحته عفنة, وقامته محدودبة, وعظام وجهه نافرة رغم ادعائه أنه ينتسب لسلالة الهلال الإسلامي الجميل في كبد السماء"؟
كما أن تعدد أصناف الطعام(ص:143) الذي أحضره الكرمي للهلالي له دلالة رمزية تخدم بُنيّة النص الفنيّة وتأخذ المعنى العام للرواية إلى فضاءات مكانية وزمانية واسعة؛ رغيف الكابوري يمثل حيفا في الماضي, والقِدرة الخليلية تدلل على تجربته الروحية في قرية نوبا, والكبسة الخليجية تذكره بمنشئه الاجتماعي وحكايته القذرة مع جون ليبكنز في مدينة الرياض. أما نبع الماء في الكهف الإغريقي فيرتد بنا خلفاً إلى سيطرة روما وأثينا في قديم الزمان على الأرض العربية.
إن البعد السيميائي(ص:166) للغة الرواية يحمل منطوقاً صراعياً جديداً بين الطرفين المتحاربين وداخلهما. وعلى سيل المثال فالتشابه بين اسم القائد الفلسطيني مهدي بيك صالح العلي والمروي له في رواية "كبابير حيفا", صالح العلي يخلق مشكلة للأخير على اعتبار أنه من المحتمل أن يكون قريبه. ويمتد الإشكال اللغوي إلى الكاتب نفسه؛ فلو وضعت ياء بعد حرف العين مباشرة في كلمة العلي لأصبح مهدي بيك ينتمي إلى اسم عائلة الكاتب. تعقدت وتشابكت أسماء بعض شخوص الرواية لتطال اسم الكاتب وتنال من وطنيته. وتشكل مجموعة أسماء الأحمدات في الرواية محطة لغوية متنافرة رغم تشابهها الشكلي. فهل كان الاسم أحمد علامة شؤم للمعنى الكلي للنص أم قاسم مشترك سيميائي يوحد مواقف الشخوص ويسهم في بنيّة الرواية الفنيّة والفكرية؟
كما أن استخدام تقنيات النوم واليقظة في سرده للأحداث(ص:186) يدلل أن الراوي لم يكن حُراً في حركته الجسمية في حيفا؛ إذ لا يخوله التصريح الممنوح له بالتجوال في أي من مناطق حيفا أو خيفا. بحث عن ذاته في حي الكبابير, ودير مار إلياس, وحاول صعود المئذنة الغربية للمسجد وهو بكامل هيئته الإنسية؛ وسافر إلى جزيرة البراء حلماً, وطار في فضاء حيفا وعكا شبحاً, وتوغل في أزمنة الإغريقي والرومان والعبرانيين والمسلمين والمسيحيين ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. ورأى في اقتحامه للجغرافيا والتاريخ السرديين عالم من الفنتازيا العجيبة, حيث تداخلت الأزمنة بالأمكنة والشخوص, حين تبدلت أعلام الدول, وألوان الثقافات, وأصوات اللغات, وقلوب البشر, وتقولبت الهويات, وبقي جبل الكرمل على حاله شامخاً, كما خلقه الله, ما عدا بيوت تظهر هنا وأخرى تختفي هناك.
ثم تأخذ صورة خيفا المادية تصغر في وجدانه(ص:199)؛ أصبحت بحجم خاتم أصبعه, بينما تضاعفت مساحة حيفا العربية حتى طفح وجدانه بهيئتها. والملاحظ أن الصورة الفنيّة في الرواية تعاكس واقع حيفا الحالي, وربما تنقضها من الوجود. ويوحي الكرمي للقارئ أنه مهما صغرت حيفا العربية, وتهدمت معالمها تبقى في وجدانه أكبر من مساحة خيفا. ثم تتحول الصورة الفنيّة إلى صورة أخرى تبدو فيها خيفا مجرد وجوه عبرانية عابرة للمكان والزمان الحيفاوي العربي. لذا تبرز صورة طفل فلسطيني, ضاع أثناء تهجير أهله من حيفا عام 1948م, إذ تنتشر نسخاً لا حصر لها على أوراق أشجار السنديان, والصنوبر والكينا كي تزف ميلاداً فلسطينياً جديداً في مدينة حيفا. لقد تحولت حيفا في خياله إلى أيقونة, مركبة من صورتين فنيّتين, تقلبان واقع خيفا إلى واقع عكسي مجهول, لا يراه سوى الراوي.
كما أراد تعزيز نهايتها بتقنية تناص جزئي يذكرنا بمأساة ضياع الأندلس في الماضي البعيد, فهل كان ضياع حيفا من جنس ضياع الأندلس أم أشد وقعاً؟ إن عبارة "ودمع العين يسبقها" تتناص أدبياً مع قصيدة لسان الدين الخطيب الأندلسي.
ترصد حركة الأحداث في الرواية حركة الراوي وثيمة الرواية, فهي تتقاطع كما يتقاطع المعنى مع النص, والبنية مع التقنيات كي يكتمل مشهدها الأدبي العام. وتشهد الرواية عدة حركات متباينة في الاتجاه :
تظهر الحركة الأفقية الجسمية في سفر الراوي البطل أحمد الكرمي رفقة والده حين كان طفلاً بالحافلة من مدينة طولكرم إلى قرية نوبا في محافظة الخليل في الضفة الغربية. وسفره بالحافلة مع مسافرين ضيوف من طولكرم إلى حيفا. تنقله بالحافلة في شوارع حيفا, وتجواله راجلاً في شوارعها, ثم انتقاله بالحافلة إلى شاطئ بحر حيفا وتجواله على الساحل.
أما الحركة الأفقية التخيلية فتتجلى في ذهاب طيفه وحيداً إلى مسجد نوبا لحظة تلقيه دعوة لزيارة حي الكبابير من الأحمدي شادي مدلل. وسفر طيفه, أثناء غفوته في باحة مسجد "سيدنا محمود", بقارب مطاطي بحراً, رفقة يهوشوع المغربي, من ميناء حيفا إلى جزيرة البراء للبحث عن شيخه محمد الهلالي. تجواله سيراً على الأقدام في جزيرة البراء, وحديقة السفرنامة, ثم العودة بحراً إلى حي الكبابير, على جبل الكرمل, في حيفا.
وبرزت الحركة العمودية الجسمية في صعود الكرمي اللولبي درجات سلم المئذنة الغربية لمسجد "سيدنا محمود" في الكبابير. وركوبه الحافلة من جبل الكرمل نزولاً إلى شاطئ حيفا حيث غاصت قدماه في رمل الساحل ومياه البحر.
أما الحركة العمودية التخيلية فكانت تحليق احمد الكرمي عمودياً إلى أعلى في سماء مدينتيّ حيفا وعكا كشبح, ومشاهدته شوارع حيفا وأحياءها, ومسجد الجزار ومئذنته من فوق. صعود الشيخ الهلالي إلى السماء لمواقعة زوجته جبرائيلا, والتواصل مع الإمام المهدي.
ويدلل عنوان رواية "كبابير حيفا" المرسوم باللون الأحمر على بعد الصراع على المدينة الذي يتمظهر على شكل كبارات تحيل خشب الأشجار إلى فحم أسود, ثم الخطر المحدق بسكانها العرب بعد نكبة عام 1948م. ويُعبر اللون الأسود على حالة الحداد والخيبة التي عاشوها بعد النكبة, بينما يرتبط اللون الأصفر بحالة الموات الثقافي للغة العربية والحالة النفسية المخبوءة داخل نفوس سكانها العرب. ويأتي اللون الأزرق كي يشير إلى الامتدادات اللانهائية للمدينة على المستويين الروحي الصاعد عمودياً, والمادي الأفقي الممتد بحراً وبراً. وتداعي العلاقة بين الشخوص وعنوان الرواية يطرح سؤالاً وجودياً عليها: هل يستحق الهلالي نسبه للهلال الإسلامي أم تراه ينتسب إلى كبارات حيفا؟
تشكل شخوص الرواية مكوناً رئيسياً لبنيّة النص الفنيّة. إذ يرصد النص الفارق بين حركة وهيئة شخوص الأحمدية ومثيلتها الرحمانية الخلوتية, وبخاصة في حلقات الدروشة التي يُعتبرونها تحرراً من قيود الجسد وشرور الدنيا. وهنا لا بد من الإشارة أن البطل في المشهد الرحماني يفقد توازنه في محاولاته البحث عن ذاته بين الأرض والسماء. كما تتصف شخصيته بالتوتر النفسي, والحماوة اللغوية في تعبيرها عن خلجات نفسه ودوافع شهيتها, ونوازع شهوتها, وحنينها للحرية والانعتاق من كوابيس حياتها.
وفي رؤية المقاربة, فإن شخوص الكبابير تعاني من توتر نفسي هادئ يغاير التوتر النفسي الرحماني العنيف؛ فقد شهد الراوي الكرمي بالمعاينة الشخصية توترها وقدرتها على إخفائه وقمعه وكأنها تعيش سلاماً مهدياً حقيقياً. وجد شخوصها تتجاوز ذاكرتها المكانية وما يشي به عنوان روايتها من معاني تراثية. وكأنها تعاني من غربة أحر لظى من كبارات حيفا القديمة التي كانت تحيل جذوع الأشجار إلى فحم أسود. وتسري ثيمة الاحتراق النفسي والروحي الصامت من بداية الرواية حتى نهايتها سريان الدم في العروق لإضاءة واقعها الحيفاوي.
وتمثل شخصيتا المسيح الموعود والمهدي المنتظر في هذا الخطاب الروائي نصاً بنيوياً غائباً عن الأبصار, تبحث عنه الشخوص كي تتواصل معه في السماء. وبالرغم من أن الراوي لم يحدد سمات شخصيته الدرامية في النص, ولم تفصح عنه الشخوص كثيراً أثناء السرد إلا أن أهميته كانت بارزة, وتنعقد عليها ثيمة الرواية رغم تشابكها مع ثيمة ثانية تتمحور حول الصراع على ملكية وطن, وتنافس على هوية ثقافية أرقى. فالهلالي المُفترض به أن يحدثنا عن المسيح المنتظر أو المهدي الموعود, وما كان يجري بينهما كان كاذباً أصلاً في تواصله معهما. وكل ما قاله عنهما كان نسخاً عما يعرفه الراوي أحمد الكرمي من حافظته الخاصة, وليس تعبيراً عما حدث بينهما في الرواية. فدروشة الهلالي كانت حركات انفعالية عصبية, يزعم فيها أنه كان يتواصل مع المهدي وزوجته جبرائيلا في السماء.
وكذلك بالنسبة لشخصية السيد المسيح, فكل ما قاله الراوي عن رؤياه أثناء حلمه كان يطابق الخطاب الديني المسيحي, وليس الإسلامي الذي ينتمي إليه. فالمسيح المصلوب في الرؤيا يُفترض أنه المعادل الموضوعي للمسيح المصلوب حسب التصور المسيحي, وليس الإسلامي. ربما فضل الكاتب عدم رسم شخصية أي منهما في خطابه الروائي كي لا يكون مسئولاً عما يقوله الهلالي أو الكرمي. وعليه فإن غياب الشخصيتين المذكورتين كان له وظيفة أخرى؛ ألا وهي أن دراما البحث عن المهدي والمسيح في الرواية كانت مجرد نصاً من الغياب, نتصوره موجود في الواقع, لكنه من الغيب الذي نحياه. فالذين يؤمنون بأن المسيح لم يصلب عاجزون عن معرفة أين ذهب, وأين هو الآن؟ وهل هو حي أم ميت؟
وكذلك المؤمنون بصلبه على صليب الصلبوت, لا يعرفون أين هو الآن. وهل هو حي يرزق في السماء أم أن الله توفاه هناك؟ ومتى سيعود إلى الأرض ثانية إن عاد؟ وعليه آثر الكاتب أن يكون خطابه الأدبي لا يصادم المألوف الديني الشائك, كي لا يتحمل وزر منظوره الروائي القائم على الخيال المحض. وللتذكير فإن الجماعة الأحمدية لها رأي مخالف لوجهتيّ النظر المسيحية والإسلامية في مسألة الصلب؛ فهم يعتقدون أنه لم يُصلب, ولم يُشبّه لهم أنه صلب, بل وضعه الرومان على الصليب فغفا عليه من شدة الألم, فتوهم الحاضرون حوله أنه مات صلباً. بعد ذلك هرب إلى كشمير وتوفي هناك وفاة طبيعية.
بالنسبة للمهدي, لا يوجد اتفاق بين المسلمين على زمن عودته أو اسمه أو مكانته في العقيدة, رغم أن الطرفين, السني والشيعي يجمعون على عودته الجسدية ثانية إلى الأرض. ولا يتفقون على اسمه؛ هل هو محمد بن حسن العسكري أم محمد بن عبد الله القرشي؟ وبخصوص ميرزا غلام أحمد فسيرته الشخصية ونبوءته وأسمه وتاريخ ميلاده وتاريخ وفاته معروفة.
يرى الخطاب الفقهي الإسلامي أن المسيح أرفع مرتبة من المهدي, فهو نبي مرسل, وأمه العذراء مريم صدّيقة. أما المهدي فهو رجل صالح, من أولياء الله, كلفه الله بدور مستقبلي لإصلاح البشر وأحوالهم حين يعم الشر والفساد في الأرض. وهو ليس نبياً ولا رسولاً لكن يُعتبر الكافر به أو بالمسيح خارجاً عن ملة الإسلام. أما حاخامات اليهود فلا يعترفون بهما؛ إذ لا يعترفون بالمسيح ولا محمد كرسولين نبيين, فكيف يؤمنون بعودة المهدي أو المسيح؟
تعتبر كل شخوص رواية الكبابير مهمة للنص وذلك لأنها تضيء ثيمة الرواية الرئيسة, ألا وهي البحث عن الذات المهدية من أجل الخلاص من الظلم والاحتلال. عودة المسيح الموعود ثانية, وقدوم المهدي كي يتعاونا على قتل أعور الدجّال. فالسارد هو البطل الباحث عن خلاصه وذاته المهدية, بينما المهدي هو الشخصية المبحوث عنها, المُتأمَل بها الخير والعدل والسلام وهي ذات القيم التي يعاني الكرمي وباقي الشخوص العربية من غيابها على أرض الواقع المُستلب. كما أن الفارق بينهم جوهري؛ فالسارد شخصية ضعيفة, مترددة, تشعر بالاضطهاد والحصار وتعيش قلقاً وجودياً عارما, بينما شخصية المهدي, وأكثر منها شخصية المسيح, مصدر للرجاء والأمل والقوة غير المرئية التي يقع على عاتقها تخليص البشرية من الظلم والظالمين وعلى رأسهم أعور الدجّال.
وتتناول بعض الشخوص اليهودية مثل بن توف وسبكتر وبلمون وديامنت ويانيف موضوع المهدي بكثير من الخفة والاستهزاء, الأمر الذي يتطابق مع مواقف الشخوص العربية المقابلة التي مثّلت أدواراً دينية وهي في الحقيقة لا تؤمن بدين, ولا بالمهدي, ولا حتى بالله. وأبرز هذه الشخوص المتمشيخ محمد الهلالي, وأحمد اللجوني المُلحد.
تهيمن قضية انتظار الإمام المهدي والمسيح الموعود على حركة الأحداث وملامح الشخوص وفضاء النص من بدايته وحتى نهايته. ورغم عدم وضوح هويته في الرواية إلا أن شخصيته تبقى هي الهدف الأسمى لكل المؤمنين به والباحثين عن الخلاص من أزماتهم الوجودية. فالهلالي الذي زعم تواصله معه ومعرفته به لم يرجح إن كان هو محمد بن الحسن العسكري أو محمد بن عبد الله القرشي أو ميرزا غلام أحمد, رغم استبعاده الأخير في كثير من مواقفه والأحداث التي عايشها. والدليل أن بحث الكرمي عن الهلالي ليوصله إليه استمر بعد وصولهم الكبابير, وكان يفترض على الهلالي وتلميذه الكرمي أن يتوقفا عن البحث عنه في مسجد "سيدنا محمود" في حي الكبابير لو كان ميرزا غلام أحمد هو المهدي المقصود.
وتأتي ثيمة الوطن المفقود أو المُتخيل أو المستعاد في الدرجة الثانية بعد "ثيمة" المهدي الدينية. ولعل أبرز الشخوص الذين تأثروا بها وعانوا جراءها كان أحمد اللجوني؛ فقد قرية اللجون, ففقد وطنه وتداعت عليه المصائب تباعاً حتى بات يشعر أنه لا شيء في هذه الحياة. إن اسمه يدل على حالة الضياع التي يعاني منها. ولاسمه بعداً رمزياً يعبر عن واقع غير مرئي للناس باستثناء الكاتب الذي يرى اللا مرئي كي يضيء المرئي.
أما الثيمة اللغوية التي ترسم الصراع بين ثقافة خيفا الوافدة, وثقافة حيفا القديمة فتسير بشكل متوازٍ مع كل الثيمات الآنفة الذكر جنباُ إلى جنب. فالصراع بين حرف الحاء وحرف الخاء يمتد ويتوسع حتى يشمل المواجهة الشاملة بين حضارة عربية إسلامية شرقية وحضارة أوروبية علمانية غربية.







7- البُنيّة الفكرية:
1- المضمون:
تنهض وحدة المعنى وبنيته في نص رواية "كبابير حيفا" على عدة ثيمات فكرية رئيسة متشابكة, يصل عددها إلى أربع: وهي الثيمة الدينية 2- الثيمة العلمانية 3- الثيمة المهدية 4- والثيمة الوطنية. انبثقت فكرة الرواية عن تجربة سابقة عايشها الراوي احمد الكرمي في حياته الخاصة. كانت زيارته تلك, رفقة والده, إلى قرية نوبا الخليلية, مقر الجماعة الرحمانية الخلوتية التي أسسها عبد الرحمن شريف القواسمي. هناك عايش تجربة الدروشة التي كان بطلها الشيخ الشبح محمد الهلالي. في الفصل الأول من الرواية يرى القارئ الصورة الفنيّة للمهدي مركبة من شخصيتين دينيتين هما؛ محمد الهلالي وميرزا غلام أحمد حيث يتشابه دوريهما في التماهي مع المهدي المنتظر في الفضاء التاريخي والأدبي.
تبدأ أحداث رواية "كبابير حيفا" في عام 2012م حين يتلقى السارد دعوة لزيارة حي الكبابير في حيفا لمشاركة الجماعة الأحمدية جلستهم السنوية التي تعقد في العادة في آخر جمعة من شهر حزيران في كل عام. واختيارهم يوم الجمعة الموصوفة لم يأت اعتباطاً, بل جاء كمكوّن حدثي يستحضر مضمون سورة الجمعة التي تشير حسب اعتقادهم إلى مقدم المهدي ميرزا غلام أحمد عام 1889م. ثم يتجه السارد إلى الوراء بأسلوب- الارتداد خلفاً/ فلاش باك – لتوظيف الماضي الزمني بنائياً عبر إعطاء الذاكرة مساحة أكبر للتذكر واستدعاء الأحداث.
من المكان السردي, مدينة طولكرم, (ص: 8) ركب أحمد الكرمي, بطل الرواية, جناحيّ ذاكرته الشخصية وعاد ثانية إلى مسجد قرية نوبا الخليلية الذي كان قد زاره بناء على دعوة من الشيخ جمال القواسمي لحضور اجتماع الجماعة الرحمانية الخلوتية لمناسبة عيد الأضحى في عام 1958م. زرعت زيارته, رفقة والده إلى ذلك المكان الجبلي, أحلاماً مدهشة ونوازع وجدانية مشتعلة أججت نار خياله المتقد في بداية وعيه بالحياة الروحية وأثرها في حركته اليومية.
كانت أوصاف العلّية(ص:10) التي مكثوا فيها المُحفز الأول لبداية وعيه بتجربة روحية لم يسبق له التعرف على شخوصها أو أحداثها أو أماكنها أو مضمونها؛ كان للعلّية, التي مكث فيها ثلاثة أيام, ثلاثة شبابيك واسعة, تطل على أفق ممتد حتى السماء, ذات زجاج شفاف, مطلي أسفله باللون الأزرق السماوي, لها باب خشبي سميك, يفضي إلى فضاء جبلي يضج بدمع غزير. وكان يشاهد من خلال الشبابيك جمع الدراويش, وأبرزهم شيخ يُدعى محمد الهلالي, أو الشيخ الشبح. كانت له قامة مهولة وهو واقف, وحين سقط على الأرض من شدة دروشته كانت أطرافه ترتعش مثل ديك ذبيح, والزبد يفور من شدقيه, وعيناه جاحظتان إلى أعلى, تحلقان في سماء لا يعرف أحد حدودها.
كان يفوح من العلّية (ص:11) عبق عتيق, يغمر ساكنيها بألفة ناعمة, وتقوم على أعمدة ملساء دافئة, لها سقف حاني وحنون, ولها رأس مقبب يشبه عمامة شيخ صوفي بالية.
شاهد الراوي شبهاً غريباً بين اتساخ القبة واتساخ ثياب الدراويش في ساحة المسجد. كانت ملابسهم(ص:12) من الصوف والوبر, تفوح منها رائحة الكيروسين النفاذة. قال له والده:" يؤمن الدراويش أن رائحة النفط تطرد الشياطين من المكان, وتنقي أجسامهم من القمل, وتنظف ثيابهم من العث, وتطهر ملابسهم الداخلية من البق العالق بها. لا يستحمون بدعوى أن النظافة الحقيقية هي نظافة الجسم وطهارة الروح وصفاء القلب, لا نظافة الجسد الفاني والملابس المؤقتة".
ما أدهش الراوي أكثر هرولة الدراويش(ص:13) في حلقات ذكرهم في ساحة المسجد. كانوا يهرولون أشواطاً من الشرق إلى الغرب, وبالعكس. كانت حناجرهم تصهل "الله أكبر... الله حيّ". كانت أقدامهم تدك الأرض كما تفعل حوافر الخيل الشاردة من معركتها. وكانت تلك اللحظات ذروة اتصال الشيخ الشبح بالسماء التي يتربع فوقها المهدي, وتحتضن زوجته جبرائيلا التي منحته حواس الجن السبعة, حواس الإنس الخمسة مضافاً إليها حاستيّ الحدس والكشف. وبهما كان الهلالي يرى اللا مرئي؛ يرى المهدي حاضراً ومستقبلاً يطارد المسيخ الدجّال في الجبال الواقعة بين القدس ومدينة اللد(ص:14). فهو يراه حاضراً في هذا العالم وغائباً عنه, عيناه مفتوحتان دائماً؛ يرى ويسمع ما يعاني منه المسحوقون, فهو الرائي المرئي للخاصة, والقائد الروحي للدراويش والعامة.
هذا ما همس به الهلالي للراوي حين كان طفلاً. وقد ترك همسه أثراً بيناً في نفس الكرمي الذي بدا يتخيل وجه الهلالي يفيض نوراً وبشراً(ص: 14), لكنه استغرب سقوطه أرضاً أثناء اتصاله بالجن. تساءل:" لماذا لم يرتقي إلى السماء, إلى حضن زوجته جبرائيلا بدل سقوطه على الأرض"؟ بدأ الكرمي يدرك الفارق بين ما يراه وما يتخيله, فيتساءل:" لماذا تزوجت جبرائيلا من كهل دميم الخلقة, أعور, أسمر البشرة, ملابسه متسخة, ورائحته عفنة, وقامته محدودبة, وعظام وجهه نافرة رغم ادعائه أنه ينتسب لسلالة الهلال الإسلامي الجميل في كبد السماء"؟
كانت تلك حادثة أثارت وعيه في عام 1958م, ثم تعزز صداها حين سمع صوتاً يشبه صوت الهلالي في متجره في عام 2012م يحثه على الذهاب إلى الكبابير كي يتيقن من زواج الهلالي من جبرائيلا أم لا (ص:16). والسؤال هنا: مَن هو الصوت الدفين الذي حثه على الذهاب إلى الكبابير؟ هل هو صدى صوت الهلالي أم ذاكرته الشخصية أم محفزات الوعي الجمعي لديه؟
تداعت الأسئلة في مخيلة الكرمي(ص:17) وأنتجت سؤالاً آخر: كيف كان تصوره لمدينة حيفا قبل زيارته لها؟ لقد تخيلها وطناً من حكايات غامضة, تشبه ذكرياته حيناً ولا تشبهه في كثير من الأحيان؛ فهو من لحم ودم وعظام, وهي من تراب وصخر ومياه وأشجار وكبارات. هذه المقاربة تحمل تأويلاً يقارب بين لحمه وترابها, وعظامه وصخرها, ودمه ومياهها والذي بدوره يفضي إلى فضاء مكاني يغطي العالم العربي, وآخر زمني يمتد على مساحة التاريخ, من الأبد وحتى الأزل.
تلك المقاربة الآنفة (ص:18) تعبر عن تواصل عضوي بين أرض حيفا وجسم الكرمي والتي تشكل بدورها علاقة عاطفية تجسدها عايدة المدينة والكرمي الحبيب. إنه يتذكر عايدة عندما يرى أو يتخيل مدينة تشبه وطناً يحبه, وطن يشبهه في حبه لها, ومدينة تشبهها في حبها له.
وكيف تصور "خيفا"؟ ... تصورها امرأة لعوب تغازل الرجال العابرين لها, عارية, ليس لها قرار, تشبه معلمته الإنجليزية فولتون في عريها وانفتاحها المجاني. أما خيفاس فلم يتخيلها امرأة, مجرد أيقونة زمنية جامدة, تخلو من دفق الحياة, وتعيش عزلتها في كهف مهجور, تحرسه فكرة عفا عليها الزمن تسمى جات خيفر.
وما هو تفسيره الأولي لكلمة كبابير؟ اعتقد أنها مجرد كبارات(ص:19) لصنع الشيد, ومكوّن حدثي زمني يحمي أهل حيفا من ريح الشتاء العاصف, المحمل بكرات الثلج البيضاء, النازلة من السماء كأنها حجارة من سجيل, تشبه تلك التي قذفتها طيور أبابيل على رؤوس جنود أبرهة الأشرم عندما حاول احتلال مكّة المكرّمة وهدم الكعبة المشرفة.
عارض محمد شريف, أمير الجماعة الأحمدية, التفسير الناري الذي أوحى به طيف الهلالي إلى الكرمي(ص:20) مؤكداً أن كلمة الكبابير مشتقة من اسم نبات جليلي يانع الخضرة اسمه الكُبّار, ذي خاصية دوائية لعلاج المرضى الكرمليين. وكان الفرق بين تفسيريّ الشخصيتين أيديولوجياً؛ فالهلالي الخلوتي درويش ناري, ومحمد شريف أحمدي مُسالم, لا يعادي أحد ويُحب الجميع.
كان هذا تأويلاً نسبياً لمعنى كلمة كبابير(ص:24). فالباحث عن ذاته فيها مُلزم بالتوقف عند أسمائها المتعددة, وعادات أهلها, والتماهي مع طبيعتها الجبلية الشامخة والمستفزة والتي تشكل حافزاً للوعي الفردي والجمعي, وترسم فضاء يتسع طولاً وعرضاً. وفي سياق متصل بأهل حيفا أثار طيف الهلالي عدة أسئلة تدين الطرف العربي لخنوعه وتخاذله أمام سقوط حيفا (ص:27) والتي يستشف منها القارئ تمهيداً لدوره المُنافق في مسألة التخلي عن الكرمي في مسيرة بحثه عن ذاته.
وكان الخلاف الأول بين طيفه والراوي الكرمي(ص:31) حول مَن المسئول عن هزائمنا وتردي حالنا: هل هم الآباء الدراويش أم الأبناء الصعاليك؟ يأتي رد الراوي محملاً الجيلين المسئولية, فجيل الآباء كان ساذجاً بالقدر الذي كان فيه جيل الأبناء مُستهتراً. وتعبر نكتة الشيخ "أبو مهاوش" (ص:32)عن انحطاط العلاقة التي كانت تربط بين الجيلين. فالشاب صاحب التيس الذي يمارس التضليل على جاره الشيخ الأعمى يريد من التيس أن يفط حليباً ومن العنزة أن تنط على التيس ليحمل منها!
إن عدم منطقية لغتيّ الآباء والأبناء أفضت إلى نبوءة غامضة تُعبّر عن تسفيه روح الدعابة لشعب قديم مقابل ما يمكن أن يحدث له مستقبلاً على أيدي شعب جديد. فإذا كان من غير الممكن استيعابها نكتة هزلية فكيف ستستوعب التغيير الجذري الجاري الذي سيغير ملامح شعب بكامله(ص:33), ويقلب سلوكه رأساً على عقب. هل عقلية العنزة والتيس تستوعب تحول وطنها إلى منفى لا يصدق حدوثه عاقل؟
ومن باب سخرية الكاتب على الوضع القائم فإن أحد المسافرين "العباقرة" استطاع قراءة ما جرى في الكبابير قبل خمسين سنة(ص:34). فركاب حافلة إيغد العرب استغربوا رأي زميلهم عندما قال(ص:35):" هوية الكبابير السياسية مثل هوية الأمة العربية, خليط غريب؛ طحين عربي, وماء يهودي, وملح إنجليزي, وتوابل هندية, وهي تشكل فضاء وطن كبير لا يحمل هوية مستقلة أو نهائية".
وفي رؤية المقابل(ص:39) فإن الجغرافية الحيفاوية رغم طبيعتها المزدوجة أصدق حالاً من أمتها القديمة؛ ومع هذا التباين ظلت أم الطبيعة الشامخة, تجمع بين صلادة الصخر ورخاوة المياه, وبين العلو المتسامي والغور البحري العميق, وبين خضرة الأشجار ويبوسة حشائشها في الصيف, بين حضارة الحاء العربية القديمة وثقافة الخاء اليهودية الجديدة, بين جلال الحشمة الشرقية, وجاذبية العُري الأنثوي المتلألئ, بين صهيل القمة وقعقعة القاع. إن طبيعتها مُدهشة وصادمة للكرمي الذي تخيلها على أربع هيئات؛ فهي في الربيع امرأة يانعة, وفي الصيف شمس وضاءة, وفي الخريف أيقونة تغالب الزمن, وفي الشتاء ملاك أبيض هبط من السماء. حولتها النكبة إلى جنّية متقلبة اللغة والهيئة والهوية. هكذا رآها الكرمي خلسة وهي تستحم في مياه عين الست ليلى اللجونية, التي شرب من مائها الشعراء فكتبوا أجمل قصائدهم في الحب. رآها ترتدي في الصباح عباءة ملائكية كتلك التي كانت ترتديها ليلى الكرملية ومريم الجليلية اللتان علمن أبنائهن عبادة الله الواحد.
في زيارته لها عام 2012م رآها الكرمي (ص:40) نقيضاً للزبراء, كاهنة الدهر في جزيرة البراء. تخيلها تعلم أبناءها ومحبيها نصاً أدبياً أغنى معنى وأعمق بلاغة من سجع الكهان كي لا يخذلوها, لكنهم خذلوها وهم يرددون قولاً بديلاً تعلموه من كاهنة الدهر:" واللوح الخافق, والليل الغاسق, لن تجدوا مدينة أجمل من حيفا. والصبح الشارق والنجم الثاقب لن تفرحوا بجمالها للأبد". باتت تلاعب زوارها العابرين النرد, وتغني لروادها الأجانب أغنية الودع.
رآها الكرمي بصور مختلفة في آن واحد؛ شاهدها حيفا بعين ذاكرته العربية, ثم رآها خيفا بعيون يانيف بيركوفتش الحلّاق, ثم رصدها بعين سيراموس الوحيدة مدينة كرملية قديمة. حيفا لها واقع ثلاثي الأبعاد؛ وجهها اليهودي, وذاكرتها العربية, وامتدادها الروماني القديم. ثم اشتط به الحنين إليها وهو في حضنها؛ رآها مدينة فنتازيا (ص:41) وهي تداعب حوتاً بحرياً هائل الحجم. كانت تراقصه في عرض البحر, لماذا وكيف أحبت لونه الرمادي القديم؟ لا أعلم! هل كانت سعيدة بصمته المهول وحركاته العنيفة الممتدة حتى آخر الدنيا؟ خاف الراوي على حيفا من صمته وصدحه وغموضه وانفتاحه على كل احتمالات الخطر. سرق منه شغفه بعالم الخضرة الكرملي. حولت تلك الفنتازيا الراوي الكرمي إلى كهل خرافي اسمه دراكولا, يقف بجانب زنار زمن هرم, يلف شرفة مسجد "سيدنا محمود". انقلبت, ولا يدري لماذا, حيفا إلى جنّية بحجم البحر, ترتدي ثوباً مطرزاً بزمن قديم, تجر أذيال أيامها على بساط بحري مترامي الأطراف, يغطي حدود العالم المعاصر.
ظل الراوي منتصباً على طرف الشرفة الصماء(ص:43) , وقتاً كافياً كي يصبح إغريقياً قديماً, صارخاً بلا صوت في زمن خيفا:" هنا حيفا الحية!.... هنا الكبابير العالية! من هنا أشاهد ما لم أشاهده منذ جئت إلى هذه الدنيا... وربما لن أشاهد أحسن منه بقية حياتي. من هنا سأقفز إلى البحر كي اعرف حقيقتي فيها. سأحذو حذو سارق نار المعرفة الإلهية, بروميثيوس البطل. ما ضرني ذلك حتى لو احترقت بنارها أو غرقت بمياه بحرها!
يسترجع الراوي الزمن الإغريقي القديم, ويستبق الزمن الآتي فيتصور نفسه أقدم على الانتحار فبات حكاية عفا عليها الزمن, يلوكها الفضوليون دون اهتمام يُذكر(ص:44). يستحضر أسباباً وتفسيرات وتأويلات متباينة لانتحاره المُفترض, لكنه لا يعتبر الانتحار في حيفا ومن أجلها جريمة, فلا يأبه بكلام المشككين في قصده ونيته, ولا يعبأ بمن يتهمه بالإلحاد أو الإيمان بالمسيخ الدجّال.
لماذا تماها الراوي الكرمي(ص:45) بإغريقي قديم عاد إلى وطنه يوماً؟ هل لتبيان المفارقة العميقة بين وقوفه على جبل الكرمل, قبالة البحر الأبيض المتوسط ووقوف نظيره الإغريقي على صخرة عالية قبالة بحر إيجة؟ أظن ذلك بالضبط. لكن أية مفارقة يقصدها كاتب رواية "كبابير حيفا"؟ أستحضر موقف الإغريقي وهو يصرخ بأعلى صوته:" هنا وطني رودس... هنا بحري القديم وعشقي العميق. من هنا اقفز كي أمارس حُريتي". المفارقة هنا أن الإغريقي يقفز حراً في/من وطنه إلى بحره, لكن أين وطن الكرمي كي يقفز منه؟ وأين هو بحره كي يمارس فيه حريته؟ سيحتاج إلى تصريح بالقفز في بحر حيفا من سيد خيفا. إن نجح في الحصول على تصريح ثم أنجز مهمته سيتندر عليه اليهود قائلين:" انتحر مرتين... لماذا انتحر مرتين؟ مرة واحدة تكفي. كان عليه إما أن ينتحر من أعلى الجبل أو يغرق في أعماق البحر. وقد يهاجمه العرب قائلين: لو كان يؤمن بالله والمهدي أو يُحب وطنه لما انتحر. وربما يتهمونه أنه من أتباع المسيخ الدّجال, وليس من شهداء الوطن. وربما يفضي انتحاره إلى فضاء زمني موغل في القدم. سيعمل البعض على تأويل حادثة الانتحار:" آه! سار على خطى جده المسكين عباس بن فرناس؛ حاول الطيران إلى أعلى فسقط إلى أسفل, ثم مات".
كان صاحبي الكرمي متناقضاً؛ لا يضحي بنفسه من أجل حيفا بالرغم من قناعته أن الانتحار من أجلها ليس جريمة. شعر بغربة قاتلة (ص:46) فيها أحالت صورة حيفا الوطن إلى وحش كاسر, إلى حوت له أنياب, وفك مهول, وأسنان قواطع, وزعانف مخيفة. كانت مفارقة عجيبة أن يرى الكرمي الوطن يتحول إلى حوت يلاطم أمواج البحر. كان مشهداً غرائبياً يدلل على عدم اتزان حاسة البصر عنده. نصحته السمكة الإنجليزية بالهرب من وطنه خوفاً على حياته من الحوت. وكانت المفاجأة العكسية في السرد؛ أنه لم يحاور السمكة الإنجليزية, ولم يصارع حوت البحر, ولم يفكر في الهرب من حيفا.
الغريب أن السمكة الإنجليزية ذكّرته بفتاة يهودية شاهدها سابقاً تقطع أحد شوارع حيفا الجديدة. يومها أشاحت بوجهها عنه تحاشياً لسطوة رغبته بها. كانت جميلة, مشرقة الوجه, متلألئة, تسير الهوينا على رصيف شارع نظيف, تم شقه حديثاً ويجاور بحراً قديماً. كانت غزالة موج, تتقافز أمام رجل الثلج, وهو يتعقبها بصمت. كانت ترتدي ملابس بسيطة؛ سروالاً قصيراً, أزرق اللون, و"تي شيرت" أحمر اللون قانياً, لا يتجاوز ثمنها سبعين شيقلاً. هل كان الكاتب يقصد من وراء وصفه العيني للفتاة اليهودية القول إن الكرمي الذي أحبطه انقلاب صورة الوطن إلى حوت وجد السلوى بمشهد تلك الفتاة اليهودية النضرة؟
إن تقلب الكرمي بين جاذبية خيفا المعاصرة وسحر حيفا المُتخيلة, القابعة في ذاكرته جعلته يضيع في أزمنة حيفا(ص:50). وتوتره النفسي تزامن مع تصاعد وهبوط حركة الأحداث. فقد تراجع بعد صعوده إلى أعلى المئذنة الغربية عن الانتحار. ومما شجعه على الصمود في حيفا شمس الجمعة الساطعة. كان صباحها أبلجاً, منيراً كأنه سحر ساحرة. باتت مدينة الخطاب سحرية, نورانية(ص:70), متصلة بضوء الشمس. أنسته حبيبته عايدة مدة ساعة واحدة, كانت المرة الأولى التي تتغلب فيها مدينة على حبيبته. على جبل الكرم عاش الكرمي ساعات من الهناء, عايش فيها ثالوثاً من الحب؛ حب الله, وحب عايدة, وحب حيفا. في لحظات التوحد تلك انفصل الكرمي عن طيف الهلالي الدجّال. لم تعد مدينة الخطاب تشبه مدينة الواقع القديمة؛ باتت الأخيرة مجرد ذاكرة للشهداء, وأسماء للشوارع المشطوبة, والمقابر الدارسة, والكهوف المهجورة, والكبارات المنطفئة.
وجاء طيف يهوشع بلمون كي يفسد عليه لحظات هنائه (ص:76). عاود طيفه الحديث عن اتفاق الهدنة بينه وبين القاوقجي برعاية كلوب باشا في أعقاب معركة مشمار هعيمق. قال له:" لا تفرح! اتفقنا يومها على بندين اثنين لا ثالث لهما: انسحاب جيش الإنقاذ إلى جنين, وتسليم مدينة حيفا لنا مقابل منح القاوقجي راتباً شهرياً مقداره مئتي جنيه, ولمساعده مهدي بيك مئة جنيه أخرى. ألا ترى أن الذي باعنا المدينة هو أيضاً "مهدي"؟ هكذا هم زعماؤكم, يبيعون الوطن وأهله بالمال". رد عليه الكرمي قائلاً:" لو شققتم في يوم من الأيام عصا الطاعة في وجه أحفاد كلوب باشا ستعودون عبيداً مثلما





تعليقات حول هذه المقاله
العنوانالكاتبوقت الإضافه

تصويت
ما رأيك بالموقع ؟
ممتاز
جيد
مقبول
سيء
نتائج التصويت

حجة بالوان العصر


لوحاتي




كتاباتي

غزل الذاكرة
زمن المرايا
وطن العنقاء
كثبان الذهب الأسود
أبو علي إياد
تأملات مصطفى صبري
الأولاد والشمس
إنشطار الذات
معركة النفق
مكانة القدس
جدار الفصل العنصري
وطني ليس حقيبة
إمبراطورية النفايات
قراءات أمنية
امرأة لا تغار
صراع لا يموت
أصحاب الملايين
صوت الذاكرة


الساعة

صدر حديثا


 
Qalqilia NetWork