إبحث عن:    
القائمة الرئيسيه
صفحة البداية
القصة القصيرة
القصص والروايات
دراسات و ابحاث
المقالات والترجمات
الكاتب يوسف العيلة
معرض الصور
شاركنا رأيك
English Site

تسجيل الدخول
إسم المستخدم:

كلمة المرور:


تسجيل
هل نسيت كلمة المرور

المقالات الأكثر قرائة
1 من الممات إلى البعث .... نظرة إسلامية تقليدية
2 تأملات - الفصل الخامس : موروثات
3 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المصادر والمراجع)
4 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المقدمة)
5 الإسلام دين الفطرة الإنسانية

الكاتب يوسف العيلة


جديد الروايات

 

صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في رام الله دراسة بحثية بعنوان " لسانيات الخطاب الشعري المعاصر ، ليليان بشارة - منصور نمرذجاً " للروائي يوسف العيلة . تضئ الدراسة بعضاً من واقع اللغة العربية في الداخل الفلسطيني . ويقع هذا الإصدار في مئة وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، وهو السابع عشر في سلسلة إصدارات يوسف العيلة النقدية والروائية .


قراءة المقاله



رواية لست..أنا ..... زمنُ الفؤاد
كتبت بواسطة: يوسف العيلة - el 04/06/2015 - 579 زوار        


خرجتُ من الغرفة الزرقاء مُحمّلاً بصدى الصراعات التي خضتها مع جيراني وخصومي وحسادي إبان جولاتي لاستعادة ما اقتطعوه من أرضي وفؤادي. دخلت الغرفة الثانية منتشياً بطعم العلكة البرتقالية, وفرحي بفوزي على بعضهم, وحزني على هزيمتي أمام بعضهم الآخر.

كانت نشوتي بالفوز تعادل حبي لفتاتي, أما هزيمتي أمام عايدة فكانت أكبر من خسارتي أرضي. وسأتذكر بعد حين أنني ارتحت للون البرتقالي إذ ُيذكّرني بها, فيزداد عنادي وشوقي. قلت لسادنها:" ها قد أتيت! هل عرفتني, يا حباب؟ لم أنصع لنصيحة الحكيم ولم أعبأ بتحذيراته للعودة من حيث أتيت؛ كنت وما زلت مصراً على إكمال مشواري حتى نهايته؛ أليس هذا من طبع المُحبين الأحرار؟ هكذا أنا, خلقني الله عنيداً في الحب والكره, في الفوز والخسارة, وحتى في النوم واليقظة.
لن أتكر بفرح تهمة الحكيم أنني يساري وأُحب فكر غرامشكي, بيد أن الأخير جعلني "مثقفاً عضوياً" يقاوم السائد المستبد ويحلم بالمُتخّيل الممكن. وستتغاضى عايدة عن تلك التهمة, لتقول لي يوماً:" خليك سبورت! لا تأخذ الأمر بجدية أكبر مما يستحق". ويجيبني سادنها, العاشق لطعم العلكة البرتقالية:" أهلاً بأخينا الوفي! لقد وصلت وغنمت. لماذا لم تأت إلينا أولاً؟ لو فعلتها لكان ذلك أفضل". قلت له:" يقلقني تجاوزي مقامكم. لم أكن أتقن فن التعامل مع الآخرين, سلوكي مشاكس وسيرتي مقلقة". أجابني:" أراني أُحبك فأتغاضى عن عيوبك وأكتفي ببعض وفائك لشرعتنا". ضحكت عايدة واعترفت لي بنظرة عاشقة أنه أحن منها إلي.
لم يكن يخُيّل لي أنني سأسلك درباً طويلاً, تقف الشمس فيه طويلاً عند خط الزوال. كنت أسير أشعة شمس تندف نوراً على مدار الساعة. في تلك اللحظات مات توالي الليل والنهار في نظري؛ كأنني كنت أحياً حياة أتوحد فيها مع طيف ضياء لا يخبو.
تذكرت قول ابن عربي:" أنا مَن أهوى ومَن أهوى أنا". سألني السادن:" أيعجبك البرتقالي؟ هل ترى فيه صورتك"؟ أجبته:" لم يكن يعجبني منذ موت أبي في بيارة البرتقال. بعد غياب عايدة بدأت أُحبه لأنه يذكرني بالعلكة البرتقالية؛ بت أرى في طعمه شبابي في الجامعة العبرية, وأعقل ثوابتي الفكرية ولغتي العربية, وأتحسس معالمي, وأتذوق أشواقي الروحية". انشرح صدر السادن:" مرحا بك وألف مرحا, يا ابن ملتي! هذا بيتك فخذ مجدك وحريتك! أُطلب ما تريد"!
كنت في يوم خميس البرتقالية زاهياً منتشياً, وكان الكون لي رائقاً. اختلف مزاجه عن أول خميس عرفت فيه عايدة؛ أتذكر الآن كم كان ثقيلاً على نفسي وجسمي الذي أعيته أحداث الأربعاء الأول, يوم قضيت فيه معها ست عشرة ساعة بالتمام والكمال. كنت عشيته كنسر جريح يحتضر؛ وحال طيفها دون وصول الموت إلي. تصادف وصول ذكراها مع وصولي الغرفة الثانية. أذكر أنني قضيت يوماً كاملاً في بيت الحكمة في حالة يقظة؛ لم يغلبني النعاس أثناءها في منامي. وهل يأتي النوم عاشقاً يستقبل طيف حبيبته في حنايا فؤاده المكلوم؟
رحّب سادن الدهليز البرتقالي بمقدمي للمرة الثانية وكأنه يعرفني منذ زمن طويل:" هلا ومئة هلا بك, يا غالي! حللت أهلاً ووطئت سهلاً! لِمَ تبحث عن معنى هواك المحتل بعد مضي ثلاثة عقود على بدايته؟ أراك تتقلى بين حبيبة غائبة, وحلم جميل, وزمن غادر, أليس كذلك؟ احزم أمرك كي لا تتلاشى؟ أجبته:" لا أدري إن كنت أتلاشى أم أتسامى! ربما دفعني القلق على مصيري للقيام برحلتي هذه؛ لكن حنيني لفتاتي أشد.
بعث سؤاله في نفسي سوّرة غضب لحظية, ثم غمرني فرح شديد! كانت أحوالي في يقظتي أثناء نومي تتقلب بين مد الفرح العابر وجزر الحزن المُزمن. في زيارتي تلك اختلطت دهشتي بحزني. كم مرة تساءلت:" لماذا أحلم بالبهجة وأنا أتجرع مرارة الحرمان صباح مساء؟ ماذا أُريد منها؟ عما أبحث فيها؟ أأبحث عن ذاتي اليوم أم عنها أيام شبابي الذاوي أم عن خلود أتمناه أم عن شهرة أحلم بها؟ عليّ أن أُجيب الآن"! وأراني أُجيب سادنها والبِشر يعلو مُحياي:" لا أسعى لاستعادة شبابي؛ أبحث عن نص روائي أُخلّد فيه أشجان فؤادي الدامي لعلي أجد سلواي. تُشاغلني فأُبصرها في الليل والنهار, وتغازلني فلا أستطيع طيّ صفحتها. أخشى عليها من الفقدان".
شرّعت صيوانيّ أذنيّ لصدى صوته المجلجل عبر الثواني طيلة رحلتي أثناء نومي وهو يردد:" مَن قال إن حمامتك تشيخ؟ ألم تهبط إليك من السماء الأمثل"؟ شجعني مُضيّفي على المضي قدماً. نمت فيها ليلتي سعيداً كأنني لم أذق يوماً قط التعاسة في حياتي؛ كدت أنسى كل أحزاني. تجولت بلحمي وشحمي في بيت الهوى العذري بعناد أكبر من السابق. كم كنتُ مخطئاً حين اعتقدت ذلك في لحظات يأسي!
كنت طيفاً في عالم ذكرياتي المليحة. لم أشعر أنني أسير وحيداً فيها؛ كنت أرفرف مثل فراشة على أغصان شجرة برتقال في بيارتنا. كانت رائحة الزهر الفوّاحة تحف بي من كل جانب. كأنني أحيا بكامل حواسي الخمس حول عريش أبي, لا أخشى على نفسي من كوابيس النوم الثقيل أو القتل المفاجئ برصاص متسلل جاء يسرق ثمار الخيار فتفاجأ بوجودي فأراد التخلص من تهمة السرقة. وسأظل أتذكر أنني بدأت أُحب كل شيء حولي هناك قبل وبعد أن أستيقظ من جديد؛ واعترف الآن أنني اشتاق لمنظر "باب الواد" وسكانه من الضواري والإنس والجان. وآسف على مرور تلك اللحظات وأنا أرى عقارب ساعتي القديمة تدور بسرعة فائقة, كم حاولت إيقافها كي لا ينفد فرحي بسرعة. كنت أخشى أن ينقضي يوم الخميس قبل أن أتمكن من رؤيتها ولو عن بعد.
كان وجيب فؤادي يطير على بساط حلمي صوب قرية "أُم الحيطان", وهو يردد صدى أغنية عتيقة أحببتها في كل أيام يقظتي وليالي سهري رفقة عايدة:" إن كنت ناسي أفكرك! كنت الحب الغالي والذكريات والعهد الخالي". كأن أشجار السنديان والبلوط والصنوبر طربت فأصبحت أكثر اخضراراً, واغتبطت طيور الدوري فرأيتها تزفني إلى وجهتي. وكان حنيني لها في ذروة سنامه. وسيهبط فؤادي عند تقاطع طريقين يوصل أحدهما إلى قريتها الجبلية, بينما يستمر الثاني صعوداً صوب القدس المحتلة. سألت كهلاً ظننته يمر بالمكان مُصادفة:" هل أنت عابر سبيل مثلي أم من أبناء هذه القرية"؟ أجابني:" أنا من هنا؛ من "أُم الحيطان" العالية... ماذا تريد, يا أخ العرب"؟ سألته بصوت هامس:" أما تزال عايدة تسكن هنا؟ ما أخبارها"؟
انتفض شارباه ثم تأفف الكهل ذو العين النفاذة, حملّق في وجهي بتوجس عميق ثم قدحت عينه الوحيدة بسؤال مترع بالشك:" مَن أنت, يا غريب؟ وما حكايتك معها؟ ألا يكفيها فضيحتها في العام الماضي؟ أُتركها وشأنها! ألسنة أهل القرية تلاحقها بالسوء؛ ينتظرون الفرصة المواتية كي يوقعوا بهما! لا تتطاول على ناموسنا! ما زال رجال قريتنا شيوخ المنطقة؛ ورثوا السيادة كابر عن كابر. كان السيد فيهم يشير بسبابته لأية فتاة تعجبه من القرى المجاورة, فتأتيه طائعة وأهلها صاغرين. كيف انقلب حالنا؟ أنا لا أقبل تطاولك على بنات شيوخنا الأسياد؟ لقد أعذر مَن أنذر! عال والله! هل انقلب حالنا وزماننا فأصبحت بناتنا يعشقن أغراباً"؟
سرقت عنجهيته بسمتي التي تعودت عليها هناك. تحولت إلى سؤال كبير:" ما اسم الشخص الذي أحبته وأحبها؟ لماذا يتصيدون لهما"؟ أجاب وهو يشيح بوجهه عني:" شاهدها زوجها متلبسة مع شخص غريب يقال له "الطير الطنان". لو لم يكن متأكداً مما رأى لما اتهمها! لماذا أنت مهتم بحكايتها؟ هل جئت تجمع أخبار بناتنا؟ مَن تكون؟ وما اسمك؟ أخشى أن تكون من جماعته! إن كنت كذلك فأنصحك بالهرب سريعاً وإلا رأيت نجوم الظهر على أيديهم"!
لم يكن بوسعي في تلك اللحظات الحرجة الاعتراف أنني الطنان خشية مشاهدة النجوم السبعة ظهراً رغم حبي رؤيتهن ليلاً. لم يكن بمقدوري محو شكوكه أنني أشبهه أو أحد أعوانه. ولم يكن بالإمكان التأكيد أن حبنا كان طاهراً, ولم يمس شرف أهل قريته أو ناموسهم. لو أتيح لي ذلك لقلت:" لم تكن عايدة في يوم من الأيام فتاة فاجرة, وليست زوجة خائنة, ولن تكون امرأة ساقطة, وهي بالتأكيد ليست وطناً مستباحاً أو حضارة لقيطة. وسأدافع عن نفسي؛ لم أكن مُحباً عابثاً, ولا خائناً لزاد أهل قريتها"! كأنني سمعته يعاتب عايدة عتاباً عاطفياً بصوت خفيض:" آه, يا عايدة! ما الذي فعلتيه بي؟ أتحبين غريباً مجهولاً وترفضين ابن خالك الشهم؟ لو زاملتك في الجامعة العبرية هل كنت ستحبينني أم ستفضلينه عليّ"؟
عاود توجيه بعض الأسئلة المشككة في هدفي من وجودي هناك:" مَن أنت؟ لم تقل لي ما أسمك ومن أية مدينة؟ أخشى أن تكون هو! والله الفار يلعب في عبي"! ساوره الشك أنني لست إلا هو, فأنا من مدينة "قيلة" وكنت زميلها في الجامعة العبرية, فهل تراه أيقن أنه أنا وتأكد أنني هو؟ إن ازدادت شكوكه بي وتأكد من ذلك فلن أهرب, فأنا لم أتعود الهرب من وجه مستبد أو عدو أو حسود, قبل وبعد امتلاك الخرزة الزرقاء, فكيف أهرب من كهل يحسدني على حبي المُحتل؟
كنت أتمنى أن يصفني بحبيبها, حينها سأقول له بملْ فمي:" كل ما سمعته عن حبنا كان افتراءً؛ عايدة جمرة تشعل عاطفتي, وقناعاً فنياً أتخفى خلفه, وقنطرة في بيارتنا أعبرها إلى عالم السعادة. أتذكر الآن حلماً قد تلاشى على أسلاك حقلنا؛ يومها كنت ألج العتبة الثامنة عشر, في مرحلة التوجيهي, حين ساكنتي فكرة الدراسة في معهد "باث" البريطاني للملاحة الجوية. هذه مقاربة بين جناحيّ طائرة كان يمكن أن أقودها لو استجاب أبي لرغبتي تلك, وتحليقي على بساط الريح أثناء بحثي عن عايدة. لو لم تكن هي إيقونتي البهية لما توفرت على ذات أدبية في عالم القص. ولولاها لما حققت بعض أحلامي الأدبية؛ وبدونها لن أستطيع انجاز بحثي عن حقيقة ذاتي النهائية. اعتبرها عرّابة ميلادي الثاني في القدس؛ فهل تقصد أنني أنا الذي أُحبها وليس شبيهي؟ إن كنت تظن ذلك فظنك في محله"!
لو حدث هذا الحوار بيننا لكان مراوغاً في اتجاهين؛ تنقصه الصراحة من الطرفين؛ كنت لا أثق بنواياه وكان لا يُصدّق كلامي. قال متشككاً في نواياي وهو يُبرّم شاربيه المعقوفين أصلاً:" اسمع, يا غريب! لا تنطلي عليّ أساليب اللف والدوران! أنا مثقف جامعي أيضاً, درست علم الاجتماع في جامعة تل أبيب. اعرف أنساب كل عائلات فلسطين وجوارها, من خليج العقبة وغزة جنوباً حتى ميناء عكا وخليج حيفا شمالاً, فلا تكذب عليّ! قل لي من أين أنت وما أسمك الرباعي أقل لك مَن أنت! مَن يهوى بناتنا عليه أن يكون سليل نسب عريق! وما دمت لا ترغب بالبوح عن هويتك الحقيقية فأخشى أن تكون الطنان! قلت:"إذاً المشكلة بيننا هي مَن يخطو الخطوة الأولى تجاه الآخر, أليس كذلك"؟ أجاب:"نعم"! لم أُجبه أيضاً فقد اقتربت كثيراً من الاعتراف أنني "الطير الطنان", فتراجعت.
ابتسم سادن البرتقالية وهو يستمع إلى صدى حواري مع الطيف ذي العين النفاذة, فرحتُ بابتسامته التي أعلم مدى عمق معانيها؛ فهي تخفي ما أرغب فيه. اقترب مني وناولني باقة ورد بيمينه, وباقة زهر بيساره تضم كل ألوان الزهور المعروفة في فلسطين. قال مبتهجاً:" ليس عندي أفضل من هاتين الباقتين هدية لك"! سألته:" هل في الباقتين اللون الذي أُحبه"؟ أجاب:" فيهما كل الألوان, بما فيه لونها المُغري ولونك الطموح".
دخل على خط حوارنا حواري الأول مع حكيم بيت الحكمة مُحذراًً:" لا تراوغ من أجل تبرير هواك المُحتل, يا غريب! كيف تتباهى بحب امرأة تزوجت من احتلالين؟ كيف تجيز نفسك عشق زوجة عدوك؟ هل تعتبر حبك لها جولة عسكرية من جولات حربك ضده"؟ ارتجفت من توبيخ الحكيم؛ بيد أنني انتفضت كالأسد الجريح مدافعاً عن وطني المفقود:" حتى أنت لا تفهمني, يا حكيم؟ ما حيلتي في حب امرأة بحجم وطن مقدس, وتاريخ مجيد؟ كان عشقي لحمامتي روحياً فهل تصادق على الحديث الشريف:" مَن أحب فعف فمات فهو شهيد"؟
لا أظن أحداً يقتنع بمبررات حبي لها غير سادن البرتقالية. أنكر الحكيم عليّ شغفي بها. قال ساخراً:" لو كنتُ مكان زوجها لمحوت هذا الحب من قلبيكما بسهولة؛ لسمحت لها بزيارتك علناً كي أُطفئ جذوة الحنين التي تكوي قلبيكما. المرأة, يا غريب الدار, مدينة مُنيرة, لكنها تفقد فرادة أنوارها وجدارة أنوثتها إذا ساكنتها طويلاً, تصبح مشهداً يخلو من الإثارة. ولو قُدّر لك العيش معها وكشف سرها الجسدي لما اشتقت إليها كل هذا الاشتياق. أنت تحبها بعين خيالك, تتخيلها أفضل من باقي بنات جنسها؛ وهذا وهمٌ. لا تحاول أسطرتها. حمامتك امرأة, مثل باقي نساء العالم, في غضبها ومرحها, في عافيتها ومرضها الشهري, فلا تجعل منها حورية لا تحيض ولا تشيخ! ربما يستخف زوجها بعقلك إن قرأ ما تكتبه عنها؛ سيتهمك بالغباء لأنك لا تعرف طباعها السيئة التي عانى منها في الفراش كزوج. حبك الأعمى أسطرها, وضعها في سياق أكبر من سياق أنثى عادية".
اعترفت لنفسي بصمت أن كلام الحكيم مؤثر, كان قاسياً مثل قسوة كلام الكهل اللئيم, فقد رأيتهما يهزأان بولائي لوجيب فؤادي. بيد أنني لم اخضع لمنطقيهما. قلت للسادن:" أتعتقد أن حبي كان خيالاً اصطنعته, يا ابن ملتي؟ سأحكي لك حكايته بلغة فؤادي: كانت صورتها حينئذ تطابق مَن حلمت بها منذ طفولتي, وحين رأيتها قلت: ها هي حلمي! ساقتها الأقدار كي تحبني وأُحبها! فهل يُصدَق الآخرون ما أقول؟ ما زالت صورتها في لقائي الأول بها في المحطة المركزية يزلزلني كالوحي, يخطف روحي من جسدي, يجعلها تطير مثل باشق يحضن الأفق بجناحيه زهواً بها. وسأظل أؤمن أنني اعرفها منذ زمن قديم, أقدم من تاريخيّ ميلادي وميلادها. وسأتذكر ما قالته لي يوماً:" هل تعتقد أن لقاءنا الأول في المحطة المركزية كان صدفة أم قدراً لا مفر منه؟ اختارك قدري دون إذن من قلبي أو عقلي؛ والقدر يَصدُق دائماً"."
في مساء أربعاء صادقتها على همس اعترافها. اعترفتُ لها أنني كابدت غيابها المُزمن حتى أول لقاء بيننا؛ ثم مات غيابها حين حَضَرت بلحمها وشحمها. كانت نص حضوري الذي أبحث عنه منذ أصبحت راشداً؛ ثم رحل غيابها عني مدة سنة ونصف السنة حين كنت في حضرتها, ثم عاودني الغياب لحظة غيابها عني... عاد بصورة أشد قسوة من السابق. سألت حليفي السادن:" لم تغب هيئتها عني منذ افترقنا في عام 1980م. ما معنى غياب جسدها وحضور طيفها؟ كيف تفسر انشطار صورتها عن إطارها؟ في غيابها أجد طيفها يزاورني في يقظتي ونومي . أليست حالتنا أكبر من الحب"؟
سأتذكرها كل يوم أربعاء مرتين؛ مرة لأنها لا تغيب عن بالي, ومرة أخرى لأحتفل بذكرى لقائي الأول بها. اسمع يا صاحبي! هذا الغريب الذي هو أنا كان قدري الذي أحبها؛ وتلك الغريبة التي كانت هي قدرها الذي أحبني. كانت حكايتنا قدراً يعانق قدراً لا مفر منه, فلا تعجب وأنا أُطاردها في حياضك! لو شرب الآخرون من كأسنا لباتوا مثلنا! وستظل عايدة تحكي لي حكاية غيابي عنها وحنيني إليها.
كأن الكهل اللئيم سمعها وهي تُحدث سادن البرتقالية عني. دُهش من حياكتها لحكايتنا فسألني متشككاً في طبيعة زيي وجنسي وعددي:" ما الذي أسمعه منها عنك؟ هل سَحرتَ عقلها؟ هل أنت إنسيٌ أم جنّي أم موضة حب عفا عليها الزمن؟ مع مَن كانت تتحدث عايدة؟ أنتما تُثيرا عجبي ودهشتي! كم واحد أنت؟ هل أنت واحد أم اثنان أم ثلاثة؟ أم أراكما مجنونين تُحادثان بعضكما الآخر دون وعي؟ هل أنت أنت أم أنت هو أم أنت هي؟ وما الفرق بينك وبين الذي أحبته؟ ما هذه الحكاية التي تختلط فيها خيوط الحقيقة بنسج الخيال؟ أُدرك الآن لماذا يقول أهل قريتها إن حبها له كان أُسطورياً صادماً؛ تسبب في طلاقها من خطيبها الأول, وفي ترفعها على زوجها الثاني.
لم أكن أُحب اللؤم منذ طفولتي وحتى بلغت كهولتي. كنت دائماً أُقدر البراءة وأُجِل الرجولة في الأطفال الذين لم يبلغوا الحُلُم بعد. وحين ارتسمت علامات التحدي على ملامح طفولتي, ورأيتها تعانق براءة الرجولة على قسمات كهولتي سألت الكهل:" كيف تتهم مَن يحب حباً عفيفاً بالخيانة؟ وكيف عرفت أنه متزوج؟ لا تقارب بين ذاكرتين لا تعرف ما كان يجري فيهما, يا سيد"؟
أدرت له ظهري فرأيت طيفها ينتصب أمامي, يغازلني صمتاً؛ شاهدت هوانا البريء يجول بين أشجار الجامعة العبرية. رأيت بعين خيالي أشجار برتقالنا تزهر من جديد وأنا أُداعب خصلة شعرها الذهبي, وأُُقلّب حقيبتها البنّية. كنت أناولها حبة نعناع فتناولني "ويسكي دربس", ثم تناولني في أربعاء أخرى قطعة حلوى فأهديها حبة علكة برتقالية. كنت اعتدت على توجيه سؤال لها طالما طرحته عليها على سبيل المزاح:" مين أبيض كف إيدي ولاّ كف إيدك"؟ كنت, بل ما زلت, وسأظل أراها تسكر من دمعها من شدة ضحكها؛ فهي تعلم يقيناً أنني قمحي اللون وأنها بيضاء البشرة, وأن عينيها زرقاوان, وعينيّ سوداوين. ما أكثر لحظاتي الحالية معها رغم غيابها عني:" أتذكرين طاقية مُدرستنا "جابا" الإنجليزية؟ اكتب بخط قلمي البرتقالي اسمك على طرف دفترك:" تعالي يا أم الطاقية الخشب"! فتوقعين بخط قلمك الأزرق على صفحة دفتري:"وتربعت الطاقية"! لو أستطيع جمع لحظات حضورها قبل وبعد غيابها عني لقلت مجازاً إنها أطول من سنوات الزمن.
كان لا بد للكهل اللئيم من هز رأسه امتعاضاً مما كنت أقول, كأنه يستنكر ما كان بينهما أو ما كان بيننا من مداعبة وهمس دافئ. سألني:" ماذا كنت تتمتم حين أدرت ظهرك لي؟ هل ما زال حبيبها المجهول يحن إليها؟ إن كان كذلك فهو ما زال يُحبها"! قلت له بصمت:" ربما أكثر من الحنين؛ يزوره طيفها أثناء يقظته ونومه, في سجوده وركوعه, وفي حِله وترحاله, أيغضبك إن حصل هذا"؟ ابتعدت عنه قليلاً بسبب رائحة فمه الكريهة, وبدأت أُحادث نفسي كي لا يسألني: كيف عرفت"؟
ظللت أُسائل نفسي بصمت:" كيف لهذا الكهل الأعور أن يزعم أن هواي خرافة لا يصدقها عاقل"؟ رد عليّ طيف الحكيم, كان حديثه متقطعاً مثل صرير الريح الغربي:" آه! ألم ... تقل لي... إنك ...من أتباع ...أفلاطون ... في الحب؟ هل ... ما زلت ... تؤمن ... أنه إرادة ... ثابتة؟ حبك لها ... غير شريف مهما ... حاولت تلوينه بعبارات ... مجازية ... ورموز عاطفية؛ أراكما خائنين... أنت تخون زوجتك وهي تخون ... زوجها".
أغضبني رأي الحكيم في هواي المُحتل؛ كنت قد أتيته أولاً كي ينصحني فحقّرني؛ والمصيبة أن القول ما قالته الحكماء:" الخائن لا يحب وطنه أو لغته أو شعبه البتة". ذكّرني حديثه بحكاية مصطفى الحيطان:" أنا لم اعرف الحب قط فكيف لي أن أُصدق حكاية "روميو وجولييت"؟ هل تعرف, يا غريب, أنني لم أذق طعمه في حياتي؟ هل طعمه حلو كعسل زهر البرتقال أم مُر كالعلقم والصبار؟ حين سمعت بحكاية عايدة والطنان صُعقت. ازدادت على إثر سماعي بها الهوة بيني وبين زوجتي فبدأت أكرهها. كنت أُعاتبها:" هذا هو الحب الذي أحتاجه, يا بليدة"! أثارت تلك الحكاية حقدي القديم عليها. عقدت العزم على تطليقها رغم أنها أنجبت لي أربعة أبناء. فكرتُ جدياً في الأمر بعدما فطنت إلى سبب آخر لتعاستي في الحياة. لم تقل لي يوماً من أيام زواجنا: بحبك, يا مصطفى! هل تصدق هذا! لو أنها كانت تغني لي أغنية مصطفى, يا مصطفى! لشعرت بقيمتي المعنوية عندها, لكنها لم تفعلها مرة واحدة رغم أنها تحفظ الأغنية وتغنيها لابن أخيها مصطفى أثناء غيابي كي لا أتخيل أنني المقصود".
أشفقتُ على ذي العين النفاذة الذي أدرك متأخراً حاجته الماسة لإكسير الحياة. استدعت حكايته بعض هواجسي السابقة التي خشيتها يوماً؛ كان يعبّر عن بعض أحوالي قبل أن أعرف عايدة, فهل أدرك الكهل أن رحلتي لم تكن إلا بعض نقائصه المنسية؟ وما الدليل أنه أدرك مغزاها ما دام لا يعرف الحب كما هو حال أزواج كثر مع زوجاتهم؟ ما الفرق بين هذا التعيس وأولئك التعساء"؟
انثنيت إلى طيف الحلاج الصوفي أسأله:" ما هو الحب العفيف إن كان حبي دنساً كما يقول الحكيم"؟ أجابني بصوت جهوري فخم النبرة:" حب الملكوت, يا غريب! لولاه لما سعيت إلى معرفة حقيقتك؛ تحيا في هذه الدنيا كي تحقق حلمك, وحين يسمو بك فؤادك يتجلى لك جمال الكون فتدرك حكمة الحبيب الأول".
شطح الحّلاج بعيداً عن معنى حكايتي, انتابني شعور جديد أن حكيم بيت الحكمة ربما يكون مثل الحلاّج, قطباً من أقطاب الصوفية بعد الذي سمعته منهما؛ حاولت اكتشاف شخصيته في حلمي:" هل أنت من أتباع الحّلاج, يا حكيم؟ هل تعجبك قصيدته الصوفية:" أنا من أهوى ومن أهوى أنا"؟ وإذا كان الهوى بهذه الرفعة فلماذا أوضعته مكانة دنيا في بداية حوارنا؟ أليس من الإنصاف الإشادة به بدل تحقيره"؟
أخرج سؤالي الحكيم عن طوره كما سخرج ميّ طربيه صورتي من إطارها:" أُحذرك! لا تعم على عوم الحّلاج في بحر لا تجيد السباحة فيه! هل تعتبر هواه الملكوتي صنواً لهواك المُحتل"؟ أراد الحكيم أن يفك اشتباكي مع صورتي, إذ ظن أنني أورطه في صدام مع علم من أعلام الصوفية العظام. كررت سؤالي إليه بقصد إحراجه. قال متلعثماً:" أتقصد صاحب فلسفة الحلول"؟ أجبته بسرعة:" نعم, هو! ألم تقرأ ما قال في موضوعة الهوى العذري"؟ قال:" بلى! قرأت قصيدته التي تثير جدلاً عقدياً منذ ولادتها في القرن العاشر الميلادي وحتى اليوم. عقبتُ قائلاً:"هل قرأت وصف حبه للذات الإلهية:
"نحن روحان حللنا بدنا أنا من أهوى ومن أهوى أنا"
أغمض الحكيم عينيه... لا أدري إن كانت كلماتها صدمته أم أصابه نعاس يشبه نعاسي. غفا طويلاً على إيقاع قصيدة الهوى الملكوتي, ربما "حل" النوم في جسده, مثلي, دون أن يعي ذلك. رأيته يدندن:" الفن دروب, والهوى ضروب". كنت قد ردّدّتُ أبياتها عدة مرات على مسمع عايدة, بلهفة مُحب لا يمل من حديث الهوى. سألته بعد أن اختمر عشقاً:" ما رأيك في هوى الحّلاج, يا حكيم الزمان"؟ أجابني بصوت خافت:" بصراحة! أنا لست أنا حين أُحب, أُصبح طيراً بلا لون أو هوية, فهل أنت كذلك"؟ أجبته:" نعم! لكنني أُحب طيفها الأزرق, فما هو لون فتاتك"؟
لم أنتظر إجابته على سؤالي فقد ساقني حديث الهوى الصوفي غرباً, حملني على جناحيه بعيداً عن شرقنا المأزوم, إلى أندلس الماضي, إلى شاعر رأيته يبحر مع مُحبين في سفينة تمخر عباب البحر صوب غرناطة قبل سقوطها. لم تكد تلك السفينة تصل بر الأمان حتى كنت في استقبالها. سمعت شاعراً يقرأ على محبوبته صفحات من كتاب ابن حزم "طوق الحمامة في الألفة والإيلاف"؟ كان يقرأ حكاية حمامة شبت عن طوقها لتغزل عشاً لطيرها الطنان على الطريقة الغرناطية؟ وقبل أن تصل السفينة بر الأمان حتى باتت فتاتي أندلسية الهوى؟ وسأسأل الشاعر:" لِمَ تهاجر حمامة من "أم الحيطان" إلى غرناطة؟ أتراها في إسراء جديد"؟ وسأكتشف أنها بنت لي عشاً في أعلى شجرة سنديان على سفح جبل قبالة "عين كارم" قبل لحاقها بي إلى غرناطة.
لم يُصدق المالكي تفاصيل رحلة عايدة والطير الطنان إلى الأندلس. تساءل:" أيرحلان من بلاد محتلة إلى أخرى بعيدة ومحتلة؟ ما الحكمة في ذلك؟ أنا أحببت فتاة من مدينة رام الله, ثم رحلتُ عن كفر مالك كي أكون بقربها؛ كانت المسافة بين قريتي ومدينتها قصيرة. كان رحيلي ممكناً! فقد انتقلت من قرية محتلة تقع في منطقة "ج" إلى مدينة محررة في منطقة "أ"! لا أصدّق أن حمامة ترحل من "أُم الحيطان" كي تحط بجوار طيرها في غرناطة! المسافة بعيدة والزمن مختلف والهويات متباينة. لن تحل الخرزة الزرقاء هذه التناقضات.
لن يطول انتظاره في رام الله؛ سيقرأ المالكي حكايتي على الناس من أوراق صهره الكهل اللئيم قبل أن أكمل روايتي عني. سيقرأ وربما يرى أيضاً صورة لا تشبهني بالضبط, أو ليست صورتي. وسيقسم أنها أدهشته وأن صورتي التي شوهتها الغربة ليست إلا صورتي الحقيقية. يا إلهي كم كانت فريال صادقة في حدسها:" لو قالوا لي إنك ستتغير مستقبلاً لأقسمت أنهم لا يعرفونك. ستظل كما أنت؛ صورة في إطار محكم لا يستطيع رسام أو مصور رسمها بالضبط, ولا حتى أنت. تذكر كلامي كلما سمعت وصفاً ليس فيك. لا تنساه حين تقرأ وصفاً يعجز عن وصف ما فيك".
كان يتناوب على قتل صورتي في "أم الحيطان" ثلاثة أوغاد. زعم جهمان أنه قرأ في خيوط فنجاني حكاية فرارها من عشي:" حين هربت من عشكما كانت بيضاء الريش, ناعمة الأهداب, ناعسة الطرفين, وزرقاء العينين. وكنت أنت قمحي البشرة, كث الشعر, أنيقاً وطموحاً. بعد ثلاثين عاماً من فراقكما, ستراها صدفة على رصيف مدينتك؛ سيجن جنونك, وتفقد توازنك أمامها. ستديم النظر في بقايا ملامحك القديمة, وتفرح بنظراتك الولهى, المُعمّدة بدمع الغياب. ستنفش ريشها زهواً بوصلك, وتمد جناحيها شوقاً لك, وستهدل يمامة الدوح احتفاءَ برؤية طيرها الطنان. ستغرّد لعودتها العتيدة, وماضي أيامك السعيدة. ستعيد عودتها تدوين حكايتكما على صفحة قلبيكما من جديد. ربما تسألك بصمت:" أما زلتَ تكتبني قصيداً على صفحات وجّدك البديع؟ أوصيك أن تغنيّ وتسهر ولا تسكر... بكرا اللقا"!
سألني الحكيم عن نبوءة جهمان وعن موقفي منها:" قيل لي إن حمامتك ستغزل لك حكايتين؛ واحدة قبل سقوط غرناطة في أيدي فردناند وإزابيلا, وأخرى بعد سقوط القدس في يد ذي العين الواحدة. ويقال إنها ستشكو من طغيان زمن الثعبان:" ألا ترى كيف فقدت جدائلي الذهبية لونها أثناء غيابك الطويل عني؟ انتظرتك ولم تأت, لماذا تأخرت عليّ كثيراًً؟ لمن أُصفف جدائلي وأُكحل عيوني؟ أليس لفارس يأتي من الشرق ليصنع لي أملاَ عتيقاً وبقايا أغنيات؟ كم ناديتك بصمت العذارى فلم تسمع همسي الرنان". أجبته:" إن تحقق حلم عودتها سأعاتبها:" أيا حمامتي العنقاء! أتأتينني في يوم أربعاء جديد بلا أُغنياتك الملاح؟ كيف اغتال الغياب قسماتك المليحة؟ ليتك لم ترحلي عني! أكلني الشوق وهدّني الحنين! أخشى, يا سيدتي العنقاء, أن تصبح حكايتنا رواية بلا لون أو عنوان؟ أما زلت تحنين لعشرتي وهديلي, يا وطن الأحلام"؟
أما بائع الكعك المقدسي فسيصف حكايتي بنبرة لا تخلو من النفاق:" سمعت من إحداهن في قريتي قبل طردنا منها أنكما اجتمعتما بعد طول غياب. كان لقاؤكما حاراً, مليئاً بأسئلة الغياب والرحيل. وأنك سألتها:" أما زلت تريني كما أراك؟ كيف حالك في "أُم الحيطان"؟ أجابتك:" مثل حالك في "قيلة"! أتذكر, يا سيدي, أغنياتي العتيقات بين أشجار الجامعة"؟ ستندم يومها على صمتك المدوي ونومك الطويل! اسألها! تحقق من هويتها لو أنك تسألها:" أأنت حقاً حمامتي العنقاء؟ هل سترحلين عني مرة أخرى؟ وهل سألقاك مصادفة بعد ثلاثين عاماً من الغياب؟ يا تعس قلبي إن صحت هواجسي بعد هذا الانتظار"!"
سأُنهي بظلفي حكايتي التي تناقلتها الألسن في كل اتجاه:" اسمعوا كل الحكايات ولا تصدقوا غير حكاية قلبي! بعد غيبتها الثانية أمسى طنيني صهيلاً, وجرس قصيدي صراخاً؛ أصحو وأنام على ذكراها خلف جدار عازل, أنتظرها وحيداً, وأشواقي ترف فوق الغمام. كنت أُعاتبها على غيابها عن أتراحي وأعيادي. كانت تقول: لن أعود! وكنت أسألها: إلى أين تسافرين بفؤادي؟ كيف أستعيد هديلك في بلاد الغربة؟ أنسيتِ حكايتي وبرتقالي الحزين"؟ كنت أحسبها تجيبني:" وهل نسيتك يوماً كي تلمني على غيابي الطويل"؟"
حين أنهيت سرد حكايتي قهقه العقيد حسام المُهنّد ساخراً. قال:" أهذه حكايتك, يا طنان؟ لا أظنها حدثت في "أم الحيطان"! لو حدثت لعلمت بها. أنت تكذب على قلبك, وقلبك يخدعك! حكايتك خرافية, لا يصدقها أحد, فكيف يصدقها مَن كان حبه شحيحاً"؟ سأظل أعذره: لم يُصدّق أنها تحدث في قريته الجبلية الصغيرة, ذات الجدران الواطئة, والنوافذ الواسعة, والشوارع العريضة. كيف له أن يُصدّق حكاية حب لم يذق طعمه من قبل؟ لم تخبره زوجته, ولا جاره الصامت, فمن يخبره بتفاصيلها غيري.
بيد أن حكايتي شدّت انتباهه, رغم زعمه أنها أسطورة قديمة حبك خيوطها مُنجّم يسكن خيمة على سفح تل يقع شرقي القدس. احتلته خيوطها كما يحتل مرض السرطان خلايا مرضاه. ظلّت توسوس له خيالات وهواجس فتبعني ليستفسر عن عنوان حمامتي:" ما اسمها الحقيقي, يا غريب؟ وما أسم حبيبها الطنان؟ لماذا تطلق عليها أسماء مجازية؟ إن كنت صادقاً في حكايتك قل لي أين تسكن الآن"؟ لم أُجبه فأنا حريص على كتم سرها, فأسياد قريتها المحتلة لن يرحموا حمامة استسلم قلبها لطير غريب الأطوار. وأحسبه سيظل يسخر من أُسطورة هواي الأسير:" روايتك خرافية؛ ليس لها سجل واقعي أو رقم دولي متسلسل؛ وحتى يأتي الوقت المناسب لقبولها في المحافل الأدبية الدولية ظل غنيّ واسهر ثم اسكر... بكرا الفَنا"!
ظلت صورة الكهل اللئيم تخامرني, لم أستطع رميها في مكب النفايات الجاثم على مقربة من قريته أعلى "باب الواد". لو فعلت ذلك لما تعرفت على أنساب عائلات "أُم الحيطان", وسلالات ثعابين "باب الواد". ولو لم أفعل لذهبت برفقته إلى وكر الخواجة "جيلو", الثعبان الأكبر. أُوجدت العذر لنفسي للذهاب معه؛ وهل يحتاج النائم لمبررات كي يُصدّق ما يرى ويسمع في حلمه؟ كأنني لحظتها تذكرت ما قاله زميلي في جامعة بيروت:" في بيروت لا تجد من يشد أزرك إن لم تكن جيبك مملوءة بالمال. أما في قرية "أُم الحيطان" فلا أحد يقف معك ضد استبداد الكابتن راسم حواجبه حتى لو أسدلها وأغمض عينيه أإلى الأبد. شعب "أم الحيطان" تعود على القمع والأسر وحياة الاستبداد. هل يتوقع منه أحد أن يقف في وجه مَن يريد تحويل عايدة إلى عروس أرملة.
لن تكون هذه الحكاية أعجب حكايات روايتي؛ حين سافرت من "قيلة" إلى مطارح ذكرياتي أخفقت في حبك حكاية تحمل اسم حمامتي. كان هذا الإخفاق يؤلمني. ربما لم أفلح في رسم صورتي الحقيقية في فؤادها. ما استطعت رسمه لشخصية عايدة في حلمي كان حلم الآخرين عني وعنها. كان هذا الانطباع أقل قيمة مما رسمه الكهل اللئيم عنها من صور. وسيظل يحيك تفاصيل حكاية ابنة خاله والطير الطنان. أنا لا ألوم خصمي حين يعاتب فتاتي على رفضها الزواج منه؛ رفضها له يسعدني:" الكل يدّعي وصلاً بليلى... وليلى لا تٌقرُ لهم بذاكا". سيعنفه الآخرون على تقاعسه:" لِمَ سكت على حكاية حمامتك التي أحبت طيراً طناناً, يا جار"؟ لم أكن على اطلاع بحمى الغيرة التي كانت تحرق قلب الكهل اللئيم, ولا على مدى لؤمه وهو يقنعني بمرافقته إلى وكر الثعبان. كان فؤادي بريئاً عاشقاً. قلت في خاطري:" أتَعرّف على زوج حمامتي, وربما أسأله عنها إن وجدت الظرف مناسباً هناك. لقد قطعت الفيافي والقفار من أجل رؤيتها أو توديعها الوداع الأخير".
قررت رسم خطوات رحلتي على ورقة برتقالية فوق طاولة برتقالية في مطعم الزهراء المقدسي. استعدت يومها تفاصيل جلستنا الأخيرة حين كنت أنظر إليها عن قرب, واشرب قهوة المساء وتحكي لي بداية حكايتنا مع الفراق:" سأتزوج من غيرك! لا أظن أهلي يوافقون على الزواج منك, فأنت متزوج! روحي أمانة بين يديك حتى يأتي الفَرَج؛ ومنحت جسدي الفاني للثعبان, لا أظنه يطلب أكثر من هذا, هل توافق على عرضي"؟ صمتُ ولم اعترض على ما قالت.
لم أكن أتخيل أن حمامتي ستفصل روحها عن جسدها كي ترضيني وترضي أهلها. كانت تضحي بالغالي من روحها والنفيس من جسدها كي لا تخسرني أو تخسر أهلها؛ هذا الذي حدث بالفعل! كانت عايدة وستظل أُضحيتي العزيزة في غير عيد مبارك, وأغنيتي البهيجة في غير عرس من أعراس حنيني الأسير. طلبت فنجاناً آخر من القهوة التركية المُرة كي أهربَ من لحظات وداع حتمي. أنا لا أُحب لحظات الوداع. أراها تمزقني, وتشعل روحي, وتنزع روحي عن جسدي. في ذلك الغروب الحزين رأيت تنافراً, لأول مرة, بين لونِ عينيها الزرقاوين وأضواء مدينتي! لم أكن قبلها أُفاضل بين اللون الأزرق واللون النحاسي الباهت الذي يحتل شوارع القدس! كنت فيما مضى أُحب لونين ولا أرى فرقاً بينهما: الأزرق السماوي والأخضر السندسي. ما يزال ذلك التناغم الغريب بين اللونين يثير شجني واستغرابي لكنني بقيتُ صامتاً وأنا أتساءل:" كيف يتعايش الأزرق مع النحاسي في لحظة حب ويتنافران في لحظة فراق"؟ همستُ في خاطري وما أكثر همسي في حضرة غيابها:" لا تيأس, يا غريب! ما زال لونُ حمامتك يُشبهك. ربما تتحرر عايدة من اللون المُحتل, ويعود إليك لونها الذي كان لك في سالف الأيام"!
سأكتب في صفحات روايتي عنها حتى يجف حبري؛ سأقول إن جفنيها كانا مغلقين في لحظة اتخاذها القرار المصيري الصعب, ووجها منكمش القسمات, متوتر الهيئة, وشفتاها ترتجفان كطير ذبيح. أسكَنَت يمناها في يمناي كما يدفن المشيعون ميتهم في قبره, وما يزال كفها في كفي مضرجاً بدم أحلامي. ظللت أهمس ندماً:" لِمَ وكيف افترقنا؟ هل استسلمت للفراق أم أصابني مس من جنون"؟ ستجتاحني غفلة غريبة؛ حالة من خدر كأنني بت محنطاً بالصمت المطبق, والأسى الشديد على ما حدث. وسأظل أسمع صدىَ الفراق يقولُ لي:" ساق الله على اللي كان! كانت حمامتك الورقاء تسكن هنا في عين كارم, وهناك في "أُم الحيطان". ويرفرف جناحاها هناك في شارع صلاح الدين, وتجول كثيراً بين حدائق الجامعة العبرية, وتنتظرك طويلاً في مكتبة قسم اللغة الإنجليزية في بناية "لوترمان"...ماذا تود القول لصورتها المدفونة في يمناك, يا ذا الراحل عن قلبك القديم"؟ صمت وما يزال صمتي على حاله.
بيد أنني لم أكِل من مواجهة صوت الفراق. أنا أكره الاستسلام حتى لو كان في الحب. استسلام حمامتي لغيري يعني عدم بقاء شيء من أنوثتها أسعى إليه:" سأبحث عن نغمها الحزين في فندق الزهراء! سأنتظرها هنا في "قيلة" وسأصافحها في "أُم الحيطان" حين تعود من غيابها الطويل. تخيلت "المهدية" تعود في الربع ساعة الأخيرة من عمر الزمن. سأشاهد حيطان قريتها تترنح, وأشجار حدائقها ترتجف تحت وقع صرخاتها في وجه الفراق. سيصرخ الكهل اللئيم, مصطفى الحيطان, منادياً أهل قريتها الراحلين عنها:" تعالوا! عودوا إليها! رحبوا معي بعودتها سالمة من كف الغريب! عادت وعاد نغمها إليكم! غنوا ودقوا طبول النصر على الأغراب"! لن أستسلم لطقوس احتفالاتهم بنصر موهوم. سأصرخ:" لن تعود إليكم! لن تنتصر حيطانكم العالية على جرحي! ولن تستطيع نوافذكم الضيقة منع صوتي من الوصول إليها! نكّسي يا جبال "أم الحيطان" رؤوسك الشاهقة عشية فراقنا! وجلجلي يا رعود القدس في ليل هزيمتنا"!
هدّأ من روعي صوت أعرف لكنته المقدسية منذ زمن بعيد:" تروّى قليلاً في أحلامك, يا عزيزي! حلمتُ البارحة أثناء نومي في القدس أنها عادت إليك, وليس إليهم! لا يخيب حلمي المقدسي, فلا تيأس! تشجع! لقد رأيت قلبها ينبض حباً وحنيناًً؟ انتظرها! لا ُتقلّب لها مواجع غيابك الطويل! دعها تبرأ قليلاً من جراح غربتها القديمة! ثم اصرخ بعيداً عنها كما تشاء في "باب الواد" العميق"!
أيقظني شوقي من كابوس فراقها في اليوم الثاني, أجلست طيفها على سريري, وضعت رأسها على كتفي, ورميت حقيبتها السوداء أمام باب مطعمٍ يقع في شارع فرعي يُطلُ على المسجد الأقصى. كنت أتناول معها قهوتي المُرة, وأضرب أخماساً في أسداس على خيباتي المتتالية, ثم تخيلت أشباحاً غريبة تأتي إليها من خلفِ معراج أبيض, تُحادثها وترحل, ثم تعودُ ثانية برسائل شوق صامتة إلي. رأيت سماء مدينتي نِصف غائمةٍ, شوارعُها عطشى لأصوات العاشقين, مكتظةً بأشباحٍ تتحركُ دون صوتٍ أو صدى. كانت شمسها مكسوفةً في ذلك اليوم الحزين, شبه غائبة عن الوعي, تخجلُ من الدوران فوق جثة تغرق بالدموع تجتاحها حكاية فراق عجيب.
أخبرني بائع مقدسي, تعودت ابتياع كعكة بسمسم منه في غير صباح أمام باب العامود:" شاهدت مساء أمس جثة غريبة الملامح, ملقاة بجانب عمارة الترهي في شارع صلاح الدين...لا اعرف إن كانت لطير أم لطفلة! تعال وشاهدها! لعلك تتعرف عليها! هل تستطيع قراءة قسمات جثة مسروقة الملامح والفؤاد؟ أخشى أن تكون من قريتي "أُم الحيطان"! إذ يُبدي أهلي اليوم اهتماماً كبيراً بحكاية جثة لفتاة من قريتنا فقدت ملامحها وأضاعت عنوانها! ما هذه الحماقة التي ألمت بها إن صح زعمهم"؟
كأنني سمعت صوتها العذب يعاتبني من بعيد:" هل تعرفت على جثتي بعد فراقنا, يا غريب؟ أنا حمامتك الذبيحة إن لم تكن تعرفت عليّ بعد! ألم أُساكن روحك ثلاثين عاماً ولم أزل نائمة في كف يمناك؟ أوصيك! تَذَكَرني ولا تَذكُرني أمامهم! أغمض جفنيك على طيفي كي لا تنساني! ستظل أنت ذاكرتي, شراع أحلامي منذ رحيلي الأسود حتى عودتي البيضاء. ألا ترى هذه الأشباح التي تزاورني اليوم؟ تأتيني برسائل ليس لها عنوان, بلغة لا أفهمها, تصافحني ثم تتخفى في خرائب قريتي المُحصّنة. قلت لأحد الأشباح:"هذه ليست رسائل حبيبي فلماذا تأتيني بها؟ كيف ولمن أُغنيها؟ هل تكتب لي رسائل جوفاء كي أنسى وطني؟ لن أفعلها ما دام فؤادي غائباً عن عيوني!
كأنني عدتُ أثناء نومي من زيارتي الأخيرة إلى قريتها مهزوماً للمرةِ الثالثة؛ لم أجدها هناك. أحبطني الوهم, لم يعد حنيني إليها حلماً جميلاً... باتت "أم الحيطان" كوابيساً, لها مخالبٌ مثل أعوادِ المشانق, تكاد تتخطفني. همس في أذني أحد الجالسين في مقهى مدينتنا المُحاصرة:" هل عدت من رحلتك, يا غريب؟ الحمد لله على سلامتك! أنصحك! إذا كانت حكايتك حقيقية, فلا تضحي بنفسك من أجل فتاة عادت إلى مسقط رأسها! وإذا كانت خيالية فلِمَ لا تستل سيف "أبو زيد الهلالي" الأسطوري وتستعيد حمامة خرافية بحده القاطع؟ إن كنت ما تزال مصراً على استعادتها قل له:" أتيتك, يا سيدي! السيف منك والعزم مني! إن فعلتها ستستعيد حمامتك". تعاظم توتري بعد كلام صاحب النرجيلة الساخر؛ أعطاني حلاً خرافياً مُضحكاً. استحضرت همس الكهل اللئيم في أذني غير مرة, توقفت أمام طيفه الذي اعترض طريقي أثناء إيابي إلى بيتي. كدت أسأله عن سيف "أبو زيد الهلالي" لكنه قال ساخراً:" عدت إلى بلدتك والعود أحمد, يا غريب! روح روّح على بيتك! ما في فرق بين أسطورة "أبو زيد الهلالي" وحكايتك الوهمية"؟
وصلت بيتي مثقلاً بتداعيات حكاية تشارف على نهايتها, تغلغل الخرابُ في عُشنا, سكنته خرافة صاحب النرجيلة فلم أعد أسكنه. لم أعهد مثل فظاعته فيما عايشتُ من أزمات عاطفية. ثار قلبي على عقلي...فانشطرت شطرين. أراد عقلي أن يفهم ما جرى ويجري لقلبي؛ كأنه كان يحتج على جُبني. وأراني أُسائل نفسي همساً اليوم, بعد نحو ثلاثة عقود مرت على فراقنا:" هل أصبحتُ راوياً لأحزان فؤادي العتيق؟ لِمَ أُعيد نسج حكاية تمزقني إرباً؟ أتراني أبحث عن "وجع راس""؟ أجابني طيفٌٌها الأزرق المُغري بصوت عالٍ:" تماسك, يا طنان! لا تنحني أمام عواصفهم الهوجاء وخرافاتهم الخرقاء! أليس هوانا قصيداً قدسياً لا يموت؟ ظل غنّي واسهر ولا تسكر... بُكرا اللقا!"





تعليقات حول هذه المقاله
العنوانالكاتبوقت الإضافه

تصويت
ما رأيك بالموقع ؟
ممتاز
جيد
مقبول
سيء
نتائج التصويت

حجة بالوان العصر


لوحاتي




كتاباتي

غزل الذاكرة
زمن المرايا
وطن العنقاء
كثبان الذهب الأسود
أبو علي إياد
تأملات مصطفى صبري
الأولاد والشمس
إنشطار الذات
معركة النفق
مكانة القدس
جدار الفصل العنصري
وطني ليس حقيبة
إمبراطورية النفايات
قراءات أمنية
امرأة لا تغار
صراع لا يموت
أصحاب الملايين
صوت الذاكرة


الساعة

صدر حديثا


 
Qalqilia NetWork