إبحث عن:    
القائمة الرئيسيه
صفحة البداية
القصة القصيرة
القصص والروايات
دراسات و ابحاث
المقالات والترجمات
الكاتب يوسف العيلة
معرض الصور
شاركنا رأيك
English Site

تسجيل الدخول
إسم المستخدم:

كلمة المرور:


تسجيل
هل نسيت كلمة المرور

المقالات الأكثر قرائة
1 من الممات إلى البعث .... نظرة إسلامية تقليدية
2 تأملات - الفصل الخامس : موروثات
3 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المصادر والمراجع)
4 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المقدمة)
5 الإسلام دين الفطرة الإنسانية

الكاتب يوسف العيلة


جديد الروايات

 

صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في رام الله دراسة بحثية بعنوان " لسانيات الخطاب الشعري المعاصر ، ليليان بشارة - منصور نمرذجاً " للروائي يوسف العيلة . تضئ الدراسة بعضاً من واقع اللغة العربية في الداخل الفلسطيني . ويقع هذا الإصدار في مئة وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، وهو السابع عشر في سلسلة إصدارات يوسف العيلة النقدية والروائية .


قراءة المقاله



ليل فلسطين الرمادي - قراءة نقدية - الجزء الاول
كتبت بواسطة: يوسف العيلة - el 10/11/2013 - 1125 زوار        


المقدمة:
قبل ثلاثة أسابيع من تاريخ كتابة هذه القراءة النقدية كنت مدعواً للمشاركة في مؤتمر دولي حول "دور الترجمة في حوار الحضارات" بصفتي متخصصاً في اللغة الإنجليزية. وقبل دخولي مكان انعقاد المؤتمر في قاعة ظافر المصري دلفت إلى مكتب د. عادل الأسطة الذي أهداني نصاً قصصياً أسماه "ليل الضفة الطويل". وحين قرأته بعين الناقد رأيت أنه يضيء واقع ورمزية الليل الفلسطيني في الضفة الغربية أو الضفة الفلسطينية من حيث المبدأ. لهذا اخترت غزل عنوان لقراءتي النقدية, يتناص أدبياً مع عنوان هذا النص. وهكذا رغبت أن أصنع مقاربة لغوية بين نص قصصي اسماه د. الأسطة "ليل الضفة الطويل" ونص نقدي أسميته "ليل فلسطين الرمادي".

وسنرى كيف يرسم النصان خطين متوازيين لواقع ورمزية الليل الفلسطيني في منطقة الاشتباك الرمادية التي تجمع بين الأبيض والأسود التي نعايشها في عالميّ الواقع والمجاز. وقد هدفت من وراء خلع عباءة رمادية على قراءتي النقدية إلى إطلاق رسالة فكرية وفنية تضع النص القصصي في مداراته الجغرافية والنفسية والوطنية العامة من أجل سبر غور سيكولوجية الشخصية الفلسطينية, ورصد تحولاتها المُرعبة خلال فترات تشكلها على مدار ست مراحل زمنية: ورثنا نهار الإرهاص العثماني, وعانينا من وطأة ليالي الاحتلال البريطاني منذ سقوط الخلافة العثمانية عام 1924م, وعايشنا ليالي النظام الأردني, ومزقتنا ليالي الاحتلال ألإسرائيلي, وأقلقتنا ليالي الانتفاضة الفلسطينية بعشوائيتها, حتى حطت بنا كوابيس الليل الغاشم في حضن أزمة "الزمن الوطني". وهكذا كان عجين هويتنا الفلسطينية من طحين بلدي وماء عربي وخميرة إسلامية وملح إنجليزي.
وأقول لمن لا يعرف كاتب هذا النص القصصي إنه الدكتور عادل الأسطة, أستاذ جامعي, يكتب الرواية ويُدّرس النقد وهو من النخبة الأكاديمية النشطة في مجال الإبداع الأدبي المحلي والعربي. أما عن سيرته ومسيرته فهو كغيره من الفئة العريضة من أبناء الشعب الفلسطيني اللذين شردتهم النكبة في عام 1948م وجرحتهم النكسة في عام 1967م وفتك بهم اتفاق أوسلو سيء الصيت. فهو من مُشردي القضية الفلسطينية الباحثين في أصقاع الأرض عن بيت حنون, الذين ذاقوا مرارة اللجوء وجرح الفقدان وضنك الحياة وضيق العيش على هذه الخرساء المقدسة. فقد عانى من المطاردة السياسية في غير وقت من أوقات الانتفاضة الأولى بسبب مواقفه السياسية الرافضة للأداء السياسي السيئ للفصائل الفلسطينية وزعمائها غير المُجتبين.
فمنذ بدايات الانتفاضة الفلسطينية الأولى صدح صوته وتردد صدى روحه المتمردة على واقعها الفلسطيني وهو يقلّب أبواب الذكريات حتى تناهى سهمه إلى أسماع منتسبي الفصائل الفلسطينية في مرحلة حرجة لم يشهد تاريخ النضال الفلسطيني زخماً عشوائياً, ولا جدلاً سياسياً يضاهيها. وعليه أسهم في إشعال حالة جدلية ومناكفات حركية واحتكاكات حزبية حادة اتسمت بالعنف الأهوج تارة والقمع المُقنع تارة أخرى. فمنذ عام 1987م شهد المجتمع الفلسطيني تحولاً ما في مسلكياته وعمل عقليته العربية الفلسطينية, وبخاصة لدى المرأة الفلسطينية وجيل الشباب بحيث تكرّست روح التمرد الشبابي والنسوي على الموروث من الأعراف والتقاليد التي كانت تؤله الأب في الأسرة, والقائد في المحيط الحركي, وتقدس العرف في الدائرة الاجتماعية. وقد تجلى هذا التحول في خروج الشباب عن/ وعلى إطار السلطة الأبوية التقليدية فأخذوا منها زمام المبادرة في قيادة الفعل الاجتماعي والوطني. وبرزت أصوات لاذعة في نقدها للأداء السياسي الارتجالي الذي اتسمت به سلوكيات القيادة الفلسطينية, خصوصاً مواقفها المشبوه من مسألتيّ مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو.
أما المظهر الأوضح لتلك الروح المتمردة التي تجلت في كتابات د. الأسطة فكان انتفاض بعض النخبة الفلسطينية ضد الطبقة التقليدية المتزعمة التي خنعت لإرادة العدو بحجة المتغير السياسي الجديد فبدت وكأنها أجساماً كاريكاتيرية لا مبدأ لها سوى المصلحة الشخصية. في تلك المرحلة المُلتبسة اشتعل الحوار الفلسطيني-الفلسطيني بين الفصائل والنخب المجتمعية خوفاً على القضية, ودخل في نفق من "الحرب الكلامية" العاجزة عن طرح خيارات وطنية تحافظ على الحلم الوطني ولو بحده الأدنى. وقد أدى عصف الانتفاضة وما تخلله من تحركات سياسية غامضة في حينه إلى تخلخل معادلة الحلم الوطني الفلسطيني وانقلابها من إستراتيجية للتحرير الشامل لكامل فلسطين المُحتلة إلى تكتيكات سياسية متواطئة مع العدو فقادت وتقود الوجود الفلسطيني برمته إلى ضياع وطني عارم.
وكانت تلك المواقف الفلسطينية المعاكسة لطموحات الشعب على حساب منطق الانتفاضة الشعبية الصادقة في حربها ضد الاحتلال الإسرائيلي. كما كان انقلاب الحلم الفلسطيني- من تحرير الوطن السليب إلى المساومة عليه- صفعة كبرى للوعي الوطني الفلسطيني الذي نشأ وترعرع في أحضان أدبيات ثورية تُحرّم المساومة على تراب الوطن, وتُجرّم خيانة عهده المقدس. هكذا تحوّل الوطني بالأمس إلى صورة تجسد عدوه اليوم, وبات أداة فاعلة لكسر الإرادة الشعبية وتفريغ الوجدان الجمعي من حلمه الوطني. وهكذا ارتعش صواب الشعب إزاء الانقلاب المفاجئ لمعادلة الحرب والسلام.
فكان من شبه المستحيل تقبل احتمال أن تكون ذاكرتنا الوطنية الفلسطينية وهمية, أو أن أدبيات نضالنا الفلسطيني هراء مرحلي, أو أن شعاراتنا الوطنية كذبة كاذبة. لهذا انشق الوجدان الجمعي الفلسطيني بشكل عميق وصامت بسبب انهيار طواويس الخطاب السياسي الفلسطيني الذين كانوا يزعمون أنهم عازمون على تحرير كل شبر من أرض فلسطين. وأدى انبطاح السياسي إلى أزمة فكرية أطاحت بمواقف بعض أصحاب القلم الوهميين وزّهت الخرساء فخراً بأقلام بعض الكتاب والمثقفين غير المساومين.
وهكذا رأيت د. الأسطة أحد تلك النخبة القليلة العدد, الكبيرة التأثير ممن رفضوا تجويف مضامين النضال الفلسطيني أو الخضوع لتقلبات العامل السياسي الذي وجد فيه ذوو المصالح الشخصية والنفوس العفنة فرصتهم في حرف حلم الشعب الفلسطيني تحت ذريعة المُتغير الدولي. ومع مرور الليالي الثقال تبدى لنا وجه الفاجعة القبيح دون تورية أو استعارة. سألتنا فاجعتنا فسمعناها بملء جوارحنا:" هل تقبلون أن تصبح حقيقة وجودكم على أرض المعراج كذبة, وتتحول كذبة وجود عدوكم الغاصب عليها إلى حقيقة؟" فلا عجب أن يُدرك ذووا العيون النقدية الثاقبة أصداء صوتها وهي في مهدها, وأن يكتشفوا نزعة القيادة الفلسطينية الاستسلامية لمشيئة العدو في وقت مبكر.
وأظن أن د. الأسطة كان سبّاقاً في تسليط الضوء الأدبي على الخلل العميق الذي أصاب الشخصية العربية الفلسطينية على مستويات وجودها كافة: رسمياً وحزبياً وشعبياً ونخبوياً. فنصه القصصي يكشف لنا كذبنا ونفاقنا وخبايا نفوسنا المريضة ونحن ندّعي حرصنا على مصلحة الوطن العليا. كما كان له قصب السبق, في حدود معرفتي, في الكتابة "الأدبية السياسية" الصريحة عن هذا الخلل الإستراتيجي الذي أسهم في إضاعة القضية الفلسطينية بعد تجربة نضالية تكدست عبرها جراح المقاومين وعذابات الأسرى. وهكذا دق نصه الجريء, "ليل الضفة الطويل", ناقوس الخطر الداهم منذ عام 1993م أي قبل أن يستشري سرطان الخنوع الفلسطيني الحالي في أوصالنا لكن الأكثرية الصامتة منا لم تستجب أو تستمع لدقاته.
وفي قراءتي النقدية هذه أقدمه للقارئ ككاتب لنص قصصي, يجمع بين عناصر القصة الطويلة والرواية دون أن يكون أياً منهما. فقد رأيت نصه غير مُلغز بالرموز ويخلو غالباً من الخيال الخصب ولغة البيان الضروريان لكتابة النص القصصي أو القصة والرواية. أقول هذا مع إدراكي أن نصه يتوفر على حوارية كثيفة, وبعض التشبيهات البليغة المتعلقة ب"الفول" و"الحمص" و"الجبنة الدنمركية". ووصفي لنصه بالعاري من الاستعارة والكناية والمجاز ينبع من اعتقادي أن لغته كانت أقل ترميزاً وثراءً من ثراء لغتيّ الرواية والقصة.

2- البنية الفنية:
يتكون النص القصصي" ليل الضفة الطويل" من ثلاثة أجزاء هي: الغلاف الخارجي أو النص المجاور, والجزء الأول, ثم الجزء الثاني كما أسماه الكاتب. ويوجد على الغلاف الأمامي للنسخة التي قرأتها سؤال مكتوب بخط اليوم: هل طُبعت الروايتان في المغرب؟ وذلك إشارة إلى نصيّ الكاتب القصصيين "ليل الضفة الطويل",1993م, والنص الأدبي "خربشات ضمير المخاطب", 1997م. وربما قامت أستاذة مغربية باحثة- لم أتمكن من قراءة اسمها المكتوب على الغلاف- من مدينة فارس بطباعته ونشره, لكنني لم أقرؤه. كان النص الذي قُمت بقراءته قراءة متأنية نسخة مصورة ومجلدة يدوياً ولونها أخضر وتاريخ نشرها أو انتشارها في عام 1993م, وأظنها مصورة عن كتاب مطبوع. ولا أتوفر الآن على أية معلومات أخرى تتعلق بالنسخة التي طُبعت في المغرب كي أقارب بين الطبعتين وأُبين ما فيهما من تعديلات لمناقشتها خلال قراءتي هذه.
ويمكن أن تكون الطبعة المغربية صادرة عن دار للنشر مُرخصة ويملكها ناشر مُرخص. وفي هذه الحالة تأخذ رقماً دولياً تمنحه المكتبة الوطنية في البلد المذكور من خلال الناشر الذي تولى عملية نشرها, وهذا الرقم يُعرف دولياً بISBN , أي الرقم الدولي المتسلسل للكتاب. ولما كانت السلطة الفلسطينية كياناً غير سيادي فقد قامت بعض المؤسسات الأجنبية المانحة مثل مؤسسة NORAD النرويجية بدور المحلل الدولي للسيادة الفلسطينية المستباحة, فأخذت على عاتقها نشر بعض العناوين الفلسطينية تحت رعاية رقم نرويجي خاص لإضفاء الشرعية المؤسساتية على تلك النصوص المنشورة من قبلها.
والأمر المُخزي والمُحزن أن إسرائيل تمنعنا من إنشاء مكتبة وطنية فلسطينية في فلسطين كونها تُعتبر في العرف الدولي رمزاً سيادياً من رموز الثقافة الوطنية. فالكتاب الصادر عن ناشر وله رقم وطني يعتبر ممثلاً سيادياً لثقافة كاتبه وشعبه. ولتغطية هذا العجز السيادي تقوم وزارة الإعلام الفلسطينية في رام الله بوسم العناوين الصادرة عن دور النشر الفلسطينية برقم نشر "مؤقت" تماشياً مع مكانة السلطة الفلسطينية التي لا تتمتع بالسيادة. لهذا يضطر الكاتب الفلسطيني الذي يُدرك هذه الحقيقة المُرة إلى البحث عن عراب أردني يؤمّن لكتابه رقماً دولياً من المكتبة الوطنية الأردنية, سيما وأن الأردن موصوف كدولة ذات سيادة. وقد علمت أن هناك ناشرين فلسطينيين يعملون وكلاء نشر لناشرين أردنيين للتغلب على قضية غياب الرقم الوطني للكتاب الفلسطيني.
وهكذا كتب د. عادل الأسطة نصه الإشكالي في هذا الجو المضطرب سياسياً ومؤسساتياً. وأرى أن هذه البيئة النافية لهوية الكاتب والكتاب انعكست من حيث يقصد أو لا يقصد على النص شكلاً وموضوعاً. ومن خلال قراءتي للنص, رأيت السارد خفي يخاطب بطلا بلا اسم أو عنوان وبضمير المخاطب المفرد. واستخدام هذا الضمير مألوف في الكتابة, لكنني أعتبره هنا معبراً عن بيئة ثقافية مرتجة عنوانها الشك والتشكيك في الأداء السياسي الفلسطيني. وعليه أرى أن الراوي الذي يحدثنا عما كان يقوم به بطل النص من أفعال ومواقف وحوارات هو صورة موازية تضيء لنا ما كان يجري لنا باسمنا في عالم السياسة. علماً أن حضور البطل في النص كان أوضح من الواضحات من الفاضحات. وأعتقد أن المعنى العام الذي أستخلصه من غياب الراوي العالم بكل بواطن الأمور, وحضور البطل الذي نعرف ضمنياً أنه د. عادل الأسطة, ووجود كل منهما بصورة مُقنّعة هو مفارقة فلسطينية بامتياز. فقد أبدع في رسم شخصيات متصارعة مع وجودها الفلسطيني الذي أمسى بعد اتفاق أوسلو حاضراً غائباً.
وقد وجدت لغة النص مكونة من جمل فعلية, طويلة حيناً وقصيرة أحياناً أخرى, وهي تعكس حالة الارتباك والتناقض الجوهري لشخصية البطل, هذا اللاعب المتعب في عالم الأدب, يبحث عن الاستقرار في مخيم مضطرب, وعن العدل في عالم ظالم, وعن السلام في وطن يعيش تحت حراب الاحتلال. فاللغة تعكس حالة الشخصية فإن كانت في حالة استرخاء وأمن نجد لغتها منسابة وجملها طويلة وهادئة. أما إن كانت متوترة فنرى لغتها متشنجة, قليلة الكلمات متقطعة وكأنها لا تريد أن تتكلم أو لا تستطيع الكلام من شدة توترها الناتج عن حالة القلق الوجودي الذي تعيشه هنا. لهذا نرى البطل يعود القهقرى إلى ماضي دراسته في ألمانيا كي يتصفح دفاتر الزمن الجميل هناك.
كما رأيت حركة الأحداث الفعلية في النص أفقية وقصيرة وبطيئة ومتعرجة تعرّج طرقات المخيم. فهي تنحصر في المسافات القصيرة التي يقطعها البطل/ الأستاذ الجامعي من بيته في المخيم إلى الدوّار, إلى الجامعة, وأحياناً من نابلس إلى مدينة رام الله. أما الحركة المُتخيلة فهي أبعد مدى وأطول مسافة, فهي تصل البطل في المخيم بيافا, ثم مدن كارل وشتوتغارت وميونيخ في ألمانيا أيام دراسته فيها.
وفي الغالب ينحصر زمنها في فترة الانتفاضة الأولى, بين عاميّ 1987-1993ثم نراه يطير على أجنحة الحنين إلى فترة ما قبل سقوط يافا, مسقط رأس والد البطل. على أن زمن الليل في هذا النص له رمزية كبرى, فهو أطول من النهار, تشاؤمي, ويمثل زمن الحصار والغربة والوحشة. فهو يبدأ من الساعة الثالثة عصراً ويستمر حتى صبيحة اليوم التالي, بلا حركة مثمرة.
أما البنية العمودية للنص فلا تكاد ترتفع عن سطح الأرض أكثر من طابق أو طابقين داخل بنايات الجامعة. وكأن الشخصيات تزحف زحفاً على سطح الأرض. وهذا يعني عدم تقاطع البناء الأفقي مع البناء العمودي الذي من شأنه إعطاء النص شكلاً هندسياً متماسكاً له معاني فكرية وسامية تعبر عن تطلع الشخصيات إلى تحقيق حلم الاستقلال والكرامة الوطنية.
أ- العنوان:
استخدمت أسلوب التناص الأدبي في صياغة عنوان قراءتي النقدية بحيث استعرت كلمة" ليل" من النص القصصي "ليل الضفة الطويل" وأضفت إليها عبارة "فلسطين الرمادي" كي تشكل جميعها عنواناً لنصي النقدي. وقد فعلت هذا اعتقاداً مني أن عنوان قراءتي, "ليل فلسطين الرمادي", هو أشمل معناً وأدق وصفاً للواقع الفلسطيني العام الذي تُشكل الضفة الغربية أو الفلسطينية جزءاً أساسياً من جغراسيته وديمغرافيته العربية الفلسطينية. وأشير هنا أن الكاتب يدرك هذه الحقيقة حين كتب العبارة الأخيرة في النص:" وتذهب في الليل, تذهب في ليل فلسطين الطويل" (ص:44), لكنني أستغرب لماذا تجاوز هذا العنوان وعاد ليطلق على نصه عنوان "ليل الضفة الطويل".
وتحفظي على استخدام كلمة "ضفة" في عنوان نصه القصصي يعود إلى تداعياتها الجغرافية السياسية/ الجيوبوليتيك. فالمضمون السياسي للكلمة يُفترض أنه يتعارض مع موقف الكاتب ومقولة الحرية والاستقلال التي حملت لواءها الثورة الفلسطينية واكتنزها بفرح الوجدان الشعبي الفلسطيني. ومنذ إنشائها أعلنت الفصائل الفلسطينية جهاراً نهاراً أنها تقاتل من أجل إزالة إسرائيل وبناء دولة فلسطينية حرة مستقلة على ترابها الوطني, وليس من أجل إعادة ربط الضفة الغربية- ولو أدبياً- بالأردن الشقيق الذي ما عاد يعتبرها جزءاً من أراضيه إثر إعلانه فك الارتباط القانوني والسياسي معها في عام 1987م بعد أن كانت جزءاً من أراضيه طيلة الفترة الواقعة بين عاميّ 1951-1967م.
أما تحفظي الثاني على عنوان النص القصصي فهو وصف الكاتب ليل الضفة ب "الطويل" زمنياً والذي يوحي باستمرار المعاناة والاحتلال المُقنّع إلى أمد غير منظور مستقبلاً. وهذا المعنى التشاؤمي القاطع الذي أستشفه من هذه الكلمة يثقل النص الأدبي. فالأدب, كما الحياة, رمادي اللون والمضمون. وظني أن الكاتب استخدم كلمة طويل في عنوان نصه لتذكيرنا بحقيقة مفادها أن ليل الضفة إبان الانتفاضة كان يبدأ منذ الساعة الثالثة ظهراً حتى فجر اليوم التالي وليس بعد غروب الشمس كما هو حال الليالي الملاح في زمنيّ الأمن والرخاء. وكان التلاعب بالزمن, أي تقصير النهار وتطويل الليل, تنفيذاً لأوامر قيادات الانتفاضة, وتكريساً لمنطق رفض الاحتلال واحتجاجاً على ممارساته التعسفية واحتراماً لمناسبات الحداد وتضامناً مع الأسرى والمعتقلين. وكانت الفصائل تدعوا إلى الالتزام بأوامرها عبر مكبرات الصوت.
ولا أعتقد أن عدد ساعات الليل كان السبب الوحيد الذي دعا د. الأسطة إلى وصفه بذلك. وإذا كان عدد ساعات الليل الكثيرة هي التي تحدد معنى زمن الليل في هذا النص فماذا نقول عن ليل سكان القطب الشمالي الذي يستمر عشرة شهور متواصلة من كل سنة؟ وهل تسمية الليل القطبي بالأطول تعطي نفس الدلالة التشاؤمية التي تخيّم على الليل الفلسطيني في الضفة؟ لا أعتقد أن ساعات الليل الستة عشرة هي التي دفعت الكاتب لاعتماد تلك الكلمة في نصه.
وأراني أتحفظ أيضاً على عبارة "ليل الضفة" لأنها لا تنسجم مع مقولة النص العامة التي أراها تضيء جوانب جوهرية من سلوكيات فئات الشعب الفلسطيني كله عبر أزمنة الاحتلال البريطاني, والوصاية الأردنية والاحتلال الإسرائيلي, وفترة الانتفاضة, ثم عهد السلطة الفلسطينية . كما أغبط الكاتب على اختياره كلمة "ليل" في عنوان نصه لما تشي به من دقة وشاعرية ورمزية واسعة المعنى والمبنى. مع العلم أنه كان الأولى به أن يخاطب فلسطين بدل مخاطبته الضفة الغربية التي صب لعناته عليها أكثر من مرة. ولو قدّر لي الاطلاع على لحظة قيامه بعنونة نصه لاقترحت عليه عنوان دراستي "ليل فلسطين الرمادي" بدل "ليل الضفة الطويل", كي أجعل النص يمتح أملاً للقارئ. وتلك هي مهمة الأدب الإنساني الذي يُضيء جراح البشر كي يساعدهم على تضميدها ويُنير لهم طريق الحياة من أجل بلوغ أملهم المنشود. فالنص الأدبي يتعامل مع منطقة الاشتباك المجازي بين الأسود والأبيض, التي تضيء الاشتباك الواقعي بين ثنائيات تتصارع على/في الحياة مثل: قضايا الحياة والموت, الخير والشر, الحق والباطل, القبح والجمال, الفقر والغنى, ثم السعادة والشقاء.
وفي رؤية التوازي, أرى العنوان الذي أسبغته على قراءتي "ليل فلسطين الرمادي" يعمل على توسيع أفق النص القصصي. كما يعمد إلى تعميق مفهوم الليل جغرافياً ونفسياً ورمزياً كي يرسم لمسة من أمل منشود من خلال استخدام كلمة "رمادي" التي هي مزيج من التفاؤل الأبيض, والخيبة السوداء. فالأدب كما الحياة اشتباك نسبي بين متناقضات, ولا وجود للمطلق فيهما. فما يجري على الساحة الفلسطينية منذ عام 1948م. إنما هو إعادة إنتاج للتآمر العربي الرسمي بهيئة فصائلية فلسطينية جديدة أفرزتها منظمة التحرير الفلسطينية التي أنجبت قيادات فلسطينية أسوأ أداءً من قيادات النظم العربي الرسمي التي أشرفت على تسليم جزء من فلسطين لليهود عام 1948م. وعليه أقول إن ليل الضفة الغربية الذي يخيم على أهلها هو فيض من ليل فلسطين التاريخية الذي ما زال يحاول أن يُعمي العيون ليضلل عموم الشعب الفلسطيني, منذ عام 1924م.
وفي اعتقادي أن ليلها الطويل أو ليل فلسطين الرمادي لا يختلفان رمزياً عن الليل العربي أو الإنساني , فمصدر الوجع واحد مهما تباينت الحيثيات من قطر عربي إلى آخر. وعلى هذا المستوى فإن لليل فرحه وحزنه النسبيين. فليل الشاعر المصري مصطفى محمود رومانسي ومنير:
"الليل يا ليلى يناديني ويقول لي سلم على ليلى
الليل لا تحلو نسائمه إلا إذا غنى الهوى ليلى".
فهو يراه قريناً للحبيب, تأتلف نسائمه مع صبابات الوجد حين يغني لحبيبته ليلى. كما أن ليل الشاعر لسان الدين الخطيب الأندلسي رداء للفرح الذي لا يستطيع أن يخفي قسمات حبيبته التي تشبه القمر, كما أنها لا تخاف عتمته أثناء سيرها في طرقاته الموحشة طلباً للقيا حبيبها:
"جاءت معذبتي في غيهب الغسق كأنها الكوكب الدري في الأفق
فقلت: نوّرتني يا خير زائرة! أما خشيت من الحراس في الطرق؟
فقالت ودمع العين يسبقها من يركب البحر لا يخشى من الغرق".
أما ليل امرؤ القيس فهو بحر مظلم, غويط القاع, ثقيل الظل, بطيء الحركة, عبوس الوجه حتى أن الشاعر يرى ضوء النهار صنواً لعتمة الليل من شدة حزنه على حاله:
"وليل كموج البحر أرخى سدوله عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه وأردف إعجازاً وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا نجلي بصبح وما الإصباح منك بأمثل".
ب- الجزء الأول:
في قراءتي النقدية التي أتناول فيها هذا النص بالتحليل الفني والفكري أتكئ على عاملين أساسيين: أولهما رأيي النقدي القائل إن الجزء الأول يمثل بُنية هذا النص القصصي الدنيا, المكون من خمس وأربعين صفحة من القطع المتوسط, كما تشكله عشرة عناصر فنية تعالج قضايا سياسية عامة لا سبيل إلى حرمان المتلقي من حقه في إبداء رأيه فيها بحُرية, دون مواربة أو لف أو دوران أياً كانت المخاطر أو التحديات. وهو ذات الهدف الذي عبر عنه الكاتب بكل صراحة وإقدام, واضعاً روحه على راحتيه, غير مبالٍ بالأخطار. وثانيهما, قناعتي الفكرية أن للكاتب الحق في أن يقول ما يشاء كيفا شاء, كما أن للقارئ الحق في فهم وتقييم النص كما يراه. ويبقى القول الفصل في المطابقة أو المناقضة بين النص القصصي والنص النقدي خاضعاً لشرط الموضوعية في النقد.
ولتوضيح الفرق بين النص المادي وفضائه المعنوي أقول إن "الجزء الأول" هو النص المحسوس, المكون من حروف وكلمات, وجمل قصيرة وطويلة مطبوعة, وعدد صفحاته أربع وأربعين صفحة من القطع المتوسط. كما أن له غلافاً أمامياً أخضر اللون, وتحمل صفحاته أرقاماً تبدأ من واحد إلى أربعة وأربعين. ويضم هذا النص المادي اللغة والأسلوب والشخصيات والأحداث والزمان والمكان والحبكة والخيال والذروة والخاتمة. أما الفضاء القصصي فهو المعاني العامة مجتمعة التي تطلقها مكونات النص المادي, أي المساحة الذهنية التي تستوعب المقولات والمفاهيم وردود الفعل التي يطلقها النص المادي فتؤثر على المتلقي سلباً أو إيجاباً.
لقد كتب الكاتب نصه بأسلوب ضمير المخاطب. يبدأ السارد مخاطباً البطل المجهول الاسم بجملة "تنهض من نومك". وعلى طول صفحات النص يتأكد للقارئ من خلال معطيات الأحداث وحديث السارد عن/ مع البطل أنه نفس الكاتب د. عادل الأسطة. فالأمكنة المذكورة في النص تؤكد أنه هو: مخيم بلاطة, جامعة النجاح حيث يعمل الأستاذ الجامعي, مدينة يافا مسقط رأس والد البطل, مدينة نابلس المجاورة للمخيم, ومدن كارل وشتوتغارت وبرلين حيث أكمل الكاتب درسته العليا. والملاحظ أن السارد أكثر غموضاً وتستراً من البطل, وهو عارف بكل تفصيلة من تفصيلات حياة البطل, ومطلع على ما يفكر فيه بصمت: حبه لشرب لقهوة والشاي, مداومته على قراءة الصحف والمجلات, تمشيه ليلاً في شوارع المخيم, علاقته بالنساء, مثل رورو ومريم وغيرهما, علاقته السياسية مع بعض أعضاء الجبهتين الشعبية والديمقراطية, ومناكفته لكوادر فتحاوية مثل "أبو وردة" و"أبو بند"ر وأبجد هوز, وامتعاضه من أداء قيادات فلسطينية مثل سامي الكيلاني وياسر عبد ربه وغيرهما.
أما اللافت للنظر في شخصيته فهو صمته الطويل إزاء ما يسمعه من أخبار سياسية وما يراه من أحداث اجتماعية, وما يواجهه من تهديدات شخصية من قبل بعض من تم ذكر أسمائهم بسوء في النص. وقد رأيته في الصفحات الأولى من النص بطلاً سلبياً غير مصادم ولا مقاتل لخصومه السياسيين والحزبيين والحركيين. وهو على غير عادة البطل المناضل نراه في بدايات النص منفعلاً بصمت, وقد ظهر توتره على لغته المتوترة, وجمله القصيرة وكثرة حواراته مع خصومه وزملائه وطلابه في الجامعة.
والصفة السلبية الثانية التي استشعرتها فيه افتقاره إلى مرجعية فكرية أو هوية حضارية تؤهله التعبير عن رؤيته للحياة والصراع الدائر بين شعبه ودولة إسرائيل الغاصبة. وباستثناء شعاره حول حرية التعبير, الذي يتمسك به حتى نهاية النص, لم ألمس منه موقفاً يُقنع القارئ تماماً بعدالة قضيته الفكرية التي يقاتل من أجلها داخل النص. لماذا أمضى وقتاً طويلاً مكتفياً بقول الشعارات العامة دون التعبير عن رؤيته الشخصية حول ما يحدث في المشهد الفلسطيني؟ ألم يكن يملك البديل الفكري أو العملي لعملية التفاوض التي أساء إدارتها أعضاء الوفد الفلسطيني المفاوض في مدريد وأوسلو؟ ولماذا فهو أستاذ جامعي؟
كنت أتوقع من السارد أن يضيء للقارئ أبعاد شخصية البطل التاريخية وهويته الإسلامية أو القومية أو الماركسية, وحيثيات موقفه الفكري من عدم قناعاته بالحركات والأحزاب الوطنية على الساحة الفلسطينية. إن اكتفاء البطل بقول السارد إنه يشبه أتباع فتح ب "فول" وأتباع حماس ب "حمص" وأتباع الجبهات ب "الجبنة النمركية" لا يستجيب لشروط البطل الدرامي الذي يتوج بطلاً لمواقفه التي يدافع فيها عن قضايا وطنية واجتماعية يراها عادلة.
وأظن أن البطل عاني من أحداث الانتفاضة الأولى 1987م - 1993م كما عانى من حياة المخيم قبلها. وهناك إشارات متناثرة تدلل أن استمرار تلك المعاناة كان من فعل بعض الشخصيات العميلة بالوراثة التي ورثت تلك الصفة القبيحة من حقبة الاحتلال البريطاني للأرض الفلسطينية على إثر سقوط الخلافة العثمانية عام 1924م. لقد قام الإنجليز بتجنيد وجوه فلسطينية بارزة في كل المدن الفلسطينية منذ احتلالهم مصر عام 1882م, تمهيداً لبسط نفوذهم الاستعماري على كامل التراب العربي بالاتفاق مع الفرنسيين. وقد تمكنوا من تحقيق سيطرتهم على الوطن العربي عقب الحرب العالمية الأولى, وما زال نفوذهم ساري المفعول حتى يومنا هذا.
على أن حركة الأحداث المحلية في النص القصصي تتسم بالبطء والأفقية والسكون. لم أر أياً من الشخوص يُحلق عالياً في النص, ظلت حركتهم, بما فيهم البطل, تزحف على وجه الأرض, يسيرون على الأقدام, يتوقفون عند الحواجز لمدد طويلة, يركبون حافلات مكتظة, يعيشون ليلاً يستمر ستة عشرة ساعة يومياً, ثم يتكدسون في بيوتهم دون القيام بأي عمل مُثمر. لهذا كانت حركة الأحداث والشخوص خاملة, ولا يجد القارئ أية حركة عمودية إلى أعلى تحكي قصة صمود أو شموخ أي منها. إن غياب الحركة العمودية لبنية النص وعدم وجود تقاطع مع حركة الأحداث الأفقية يجعل بنيته كسيحةً, لا قوام لها, بلا أعمدة تنهض بأحلام الشخوص وتسمو بهم إلى أعلى كمؤشر لتمسكهم بالحياة والحرية والكرامة الإنسانية من أجل بناء مستقبل واعد يمثله بنيان مادي يتعالى على واقع الاحتلال.
والشيء الذي استفزني في النص هو غياب الخيال الخصب, فكيف للقارئ أن يقرأ نصاً أدبياً غير مؤثث بالخيال الوفير. لقد اقتصرت لغة النص على وصف مشاهد وأحداث بطريقة ميكانيكية كأن الكاتب أعطى السارد كاميرا خفية وقال له: صوّر هذه الأحداث"! أما حبكة النص فمخلخلة غير مترابطة, لو حدث أن انتزعنا منه حكاية أبجد هوز أو "أبو بندر" لما تأثرت بنية النص المفككة أصلاً. ولو حذفنا أكثر من حكاية من الحكايات الكثيرة لما شعر القارئ أن لبنة من لبنات النص قد هُدمت. فالأحداث لا تؤدي إلى بعضها الآخر, ولا تشكل مجرياتها وحدة عضوية تضبط إطار النص ومكوناته الفنية. كانت حكايات حلم يقظة لا يدري القارئ إن كانت محسوسة من قبل شخوص النص أم لا.
ج- الجزء الثاني:
يبدأ هذا الجزء من صفحة خمس وأربعين وينتهي بصفحة اثنتين وستين. أعتقد أن وجوده ليس ضرورياً, فهو في الأصل فضاء معنوي, ومساحة ذهنية وليس مساحة ورقية محسوسة. وعليه اعتبر الجزء الثاني مُحتلاً لفضاء النص الأساسي الذي أسماه الكاتب الجزء الأول. والفضاء النصي أو الروائي هو مجموع المقولات التي يطلقها النص الأدبي بعد نشره وقيام المتلقي بقراءته وتخزينه ضمن مساحة ذهنية, غير محسوسة بواسطة الحواس الخمس لكونه أفقاً متخيلاً. وعليه فهو يمثل التأثير الذي أحدثه النص في وعي القارئ. إنه ردة فعل المتلقي التي أحدثها فعل النص القصصي في عقول وأذهان المتلقيين. إذاً لا اتفق مع الكاتب في اعتبار نصه القصصي مكوناً من جزئين: فهو نص واحد والجزء الذي أسماه "الجزء الثاني" هو الفضاء رغم أنه محسوس ونقرأه مكتوباً على الورق. كما أنه لا داعي فني أو فكري لتشييئ الفضاء القصصي, إذ ليس من حق الكاتب أصلاً اعتباره كذلك. وفي رأيي أن الكاتب تجاوز حريته في الكتابة وحقه في التعبير حين قام بعمل استبدادي ليس من اختصاصه ككاتب للنص الأساسي. كما أراه يغمط القارئ حقه في قول رأيه فيه. وربما فعل الكاتب ما فعل لقناعته أن نصه لم يأخذ حقه في التلقي والنقد, لهذا انتدب نفسه للقيام بمهمة نقد النص بالنص. وقد تكون تلك خطوة غير مسبوقة في الكتابة عند الكُتاب العرب, لكنني أراها استبدادية أكثر منها إبداعية حتى لو كانت متبعة لدى كُتاب أجانب.
وميلي لاعتبار الجزء الثاني ليس جزءاً من النص الأدبي الأساسي يعود إلى عدة أسباب:أولها, هناك اختلاف بيّن بين أسلوبيّ الكتابة في الجزأين. فالجزء الأول مكتوب بأسلوب ضمير المخاطب المفرد وأحياناً الجمع. أما الجزء الثاني فمكتوب بضمير المتكلم المفرد. ثانياً, أرى أن الشخوص التي عاود الكاتب رسمها مرة ثانية في الجزء الثاني مستبدة في رأيها أيضاً. واقصد بذلك أنها حاولت مصادرة آراء المتلقين الآخرين اللذين لا ينتمون إلى بُنية النص الأساسي. ماذا تركت مريم للقارئ حين تطلع علينا مرة ثانية وبعد انتهاء دورها الدرامي لتخبرنا أنها كانت صائبة في تحذيرها الأستاذ البطل من عواقب كتابة ونشر نصه القصصي؟ نحن النقاد الذين يجب أن يقولوا هذا. لذا كان يفترض أن تأتي مقولات نص الكاتب على لسان القرّاء الذين قرؤوه وتأثروا به فأبدوا رأيهم فيه, وليس على لسان الشخصيات نفسها التي خلقها الكاتب من بنات أفكاره.
وإذا جاز لي التعمق في شرح هذه الجزئية النقدية أقول إن ظهور شخصية مريم وغيرها من الشخصيات الدرامية في الجزء الثاني هو محاولة انقلابية فاشلة للإطاحة بدور فضاء النص القصصي الأساسي. ولا أقصد أن الكاتب قاد هذه المحاولة عن قصد, إذ كيف له أن يعمد إلى تدمير نصه؟ كانت خطوته استبداداً غير مقصود, أنجبه ليل الاستبداد المزمن الذي ذاق مرارته الكاتب شخصياً فورّثه لشخصياته دون أن يشعر بذلك أو يقصده. فالضحية, كما يقول علماء النفس, تتشبه وتتماها أحياناً مع سلوك جلادها في لحظات معينة لأنها تريد أن تنتصر على الاستبداد الذي ذاقت مرارته من قبل الآخرين. لقد نجح الكاتب المُضطَهَد في صياغة شخصيات مستبدة على شاكلة من ظلموه حين كان رهينتهم. وعليه فإن لحظة تحرر الطريدة من أنياب جلادها قد تتحول إلى لحظة استبداد غير واعية من خلال محاولتها الثأر لنفسها وتعويضها عن ضعفها وارتهانها لجلادها فيتماثل سلوكها مع سلوكه كي تثبت أنها ما زالت موجودة على قيد الحياة وقادرة على الانتصار على جلادها.





تعليقات حول هذه المقاله
العنوانالكاتبوقت الإضافه

تصويت
ما رأيك بالموقع ؟
ممتاز
جيد
مقبول
سيء
نتائج التصويت

حجة بالوان العصر


لوحاتي




كتاباتي

غزل الذاكرة
زمن المرايا
وطن العنقاء
كثبان الذهب الأسود
أبو علي إياد
تأملات مصطفى صبري
الأولاد والشمس
إنشطار الذات
معركة النفق
مكانة القدس
جدار الفصل العنصري
وطني ليس حقيبة
إمبراطورية النفايات
قراءات أمنية
امرأة لا تغار
صراع لا يموت
أصحاب الملايين
صوت الذاكرة


الساعة

صدر حديثا


 
Qalqilia NetWork