إبحث عن:    
القائمة الرئيسيه
صفحة البداية
القصة القصيرة
القصص والروايات
دراسات و ابحاث
المقالات والترجمات
الكاتب يوسف العيلة
معرض الصور
شاركنا رأيك
English Site

تسجيل الدخول
إسم المستخدم:

كلمة المرور:


تسجيل
هل نسيت كلمة المرور

المقالات الأكثر قرائة
1 من الممات إلى البعث .... نظرة إسلامية تقليدية
2 تأملات - الفصل الخامس : موروثات
3 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المصادر والمراجع)
4 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المقدمة)
5 الإسلام دين الفطرة الإنسانية

الكاتب يوسف العيلة


جديد الروايات

 

صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في رام الله دراسة بحثية بعنوان " لسانيات الخطاب الشعري المعاصر ، ليليان بشارة - منصور نمرذجاً " للروائي يوسف العيلة . تضئ الدراسة بعضاً من واقع اللغة العربية في الداخل الفلسطيني . ويقع هذا الإصدار في مئة وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، وهو السابع عشر في سلسلة إصدارات يوسف العيلة النقدية والروائية .


قراءة المقاله



ليل فلسطين الرمادي - قراءة نقدية - الجزء الثاني
كتبت بواسطة: يوسف العيلة - el 10/11/2013 - 1187 زوار        


- المضمون الفكري:
قرأت نص الكاتب مرتين متتاليتين لكن المرة الثانية لم تضف إلا الشيء القليل من المقولات إلى تلك التي حصلت عليها في المرة الأولى. ويدل هذا أن لغة النص القصصي كانت سهلة, غير شاعرية, ذات طبقة واحدة, ولا تخبئ بين جنباتها إلا النزر القليل من المعاني. لم أجد فيه غموضاً يستفز ذاكرتي اللغوية. إن في غموض النص لحكمة, بحيث يكتنز من البلاغة والمعنى والأسلوب ما يغنيه ويثير في المتلقي غريزة البحث عن بعض جوانب الحقيقة المستترة. حصرت مقولاته فوجدت معظمها يتركز حول تحولات الشخصية العربية في فلسطين إبان الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي بدأت في عام 1987م في الضفة الغربية وقطاع غزة وانتهت في 1993م.

وقد وجدتها أسيرة ضعفها, تتقلب وتترنح بصورة مرتجلة بفعل ظروف الانتفاضة وما ورثته من مكونات تاريخية صاغت سلوكها الاجتماعي وحكايتها مع المتغير السياسي. وحين بدأت بوادر الحل السلمي تلوح في الأفق في أواخر الانتفاضة ضد الاحتلال الإسرائيلي تلعثم لسانها ولم تسعفها أطرافها فألفتها تستكين أمام بوابة السلام الوهمي الذي تخيلته يفتح لها باب مستقبلها الواعد.
وقد تمخض جدلها مع قضيتيّ الحرب والسلام إلى انشقاقها شاقولياً على كل الأصعدة النفسية والوطنية والثقافية: فرأيت انفصامها يغور في وجدانها الجمعي الفلسطيني. وبلغ تبعثر الشخصية الفلسطينية ذروته حين تأكد الكل الفلسطيني أن المنظمة على وشك التنكر لثوابتها التاريخية والدينية بالاعتراف بسيادة عدوها على أرضها المقدسة. وهكذا صار الفلسطينيون يتصورن فلسطين أل 48 كأنها نقيضاً وجودياً, وكابوساً يلاحقهم, يقول لهم بصمت إن خسارتهم فلسطين يعني خسارتهم قضيتيّ الحياة والموت. فكما شتتهم ضياعها في الحياة الدنيا فإنه سيحرمهم من دخول جنة الرضوان التي يؤمنون بها لكنهم لا يستحقونها بسبب بيع أرض المحشر والمنشر لعدوهم بثمن بخس. كانت تلك أزمتهم الكأداء المزدوجة التي لم يفقهوها حتى اللحظة ولا أعتقد أنهم سيخرجون منها سالمين إلا بتحرير كل ما ضيعوا من مقدس سيشهد لهم أو عليهم يوم البعث والحساب. فهم يؤمنون أن أرض المحشر والمنشر هي أرض القدس, بوابة السماء ومهبط الإسراء ومنطلق المعراج. لهذا كانت جزءاً من عقيدتهم التي من خلالها ينالون رضا الله ورحمته. وليس بمقدوري أن أزيد على قولي هذا قولاً آخر أبلغ. لم أجد مؤشرات تدلل على وجود هذا الغوص الأعمق في شخوص النص القصصي. فقد رأيته عاجزاً عن إضاءة مكامن الأزمة الحقيقية التي يعاني منها البطل رغم أن مرجعيته غير إسلامية.
وعلى صعيد أبرز مما ذكرت فإن أزمة البطل انطلقت من أن اعتراف القيادة الفلسطينية بضياعها يقول لهم بالفم الملآن إنهم كانوا كذابين في إدعائهم أنها كانت وطناً مقدساً لهم. كانت حلماً جميلاً يداعب ذاكرتهم ومخيلتهم فانقلبت فجأة إلى منفى يعمل على إذلالهم صباح مساء. سيقولون للعالم علناً إنها ليست لهم:" كان نضالنا كاذباً وجهادنا إرهاباً وحنيننا لها تطفلاً على وطن الآخرين. ليست لنا كما كنا ندّعي عبر تاريخنا الإسلامي الطويل". وأراني أشاهدهم, سياسيين ومثقفين, فرادى وجماعات يهربون من صورتهم البشعة في المرآة التي تقول لهم:" جاءت لحظة القرار الحاسم للاعتراف العلني بعدوكم, ليس بالتعامل السري معه, بل بقلب اسم فلسطين العربية إلى أرض إسرائيل اليهودية". وأؤكد أن كل من أدرك هذا الموقف منهم عرف لماذا انشطر إلى نصفين متصارعين حين أصم أذنيه لنداءات وجدانه وعقله وذاكرته. وأرى بقايا ضمائرهم المهشمة تصرخ بصمت الجبناء الرعاديد:" كيف أصبحت فلسطين لغيرنا"؟
وانطلاقاً من هذا التناقض النفسي والقلق الوجودي العميق الغور الذي يعيشه بطل النص القصصي فإنني أقول إن مأساته الحقيقية لا تكمن في الاضطهاد الذي عاشه من قبل محيطه الحزبي أو الأكاديمي بل بهشاشة مرجعيته الفكرية التي لم أجد لها دور في توجيه سلوكه وضبط مواقفه. لهذا لم أفاجأ أن يكون مذهولاً بسبب ثقل الأفكار التي كانت تدور في رأسه رغم كونه أستاذا جامعياً. وأجرؤ على القول إن مأساته كانت معرفية:" كيف يكون أستاذاً جامعياً ولا يثبت لقارئ النص أنه يُدرك طبيعة الصراع المحتدم بين الهوية العربية الإسلامية والهوية العلمانية الأوروبية؟"
أ‌- الجزء الأول:
رأيت البطل "يصحو من نومه" (ص (1 :, يتمتم كلاماً, يفتح المذياع, ثم لا يُعطي جواباً على ما سمع أو رأى في صبيحة يومه الأول. يتخيل أنه يسير في شوارع المدينة هارباً من شيء يرعبه وكأنه يسير وهو نائم. بعد جولته الوهمية تلك, ينهض من الفراش, يفتح الشباك, يشرب القهوة, يتصفح الصحيفة, ثم يعرب عن دهشته لما يرى من توسع في بناء المستوطنات. لم يتكلم البطل بشكل مباشر عن صدمته وخيبته مما يرى, السارد هو الذي حدثنا عما يدور في خلد البطل. لم يدعه يتكلم كي يخاطب القارئ مباشرة, وربما كان معذوراً حين انعقد لسانه فسكت عن الكلام المباح. لم يقل لنا إنه حزين على تبدل مواقف ياسر عرفات وياسر عبد ربه, السارد هو الذي قال هذا الكلام نيابة عنه. ربما كان البطل معذوراً في صمته: ماذا يقول وقد أوشك وطنه على الضياع؟ لقد أصمه وأبكمه الحزن فبدا إنساناً آلياً يتحرك ب "الرموت كونترول" حسب إرادة السارد الإله كما يتحرك الناس حسب مشيئة الحاكم المستبد في البلاد العربية. كان صمته في بدايات النص أقرب إلى الموت منه إلى الحياة رغم أن الجو العام كان مليئاً بالحركة والقتل والتهديد.
ثم تجيء وتروح الأفكار في رأسه كأنها أحلام مزعجة. وفي نهاية الصفحة الأولى من النص ينطق بكلام يبدو مبكراً لكنه يأتي بخلاصة تجربة البطل في الحياة. يقول:" على المرء أن يكون تافهاً حتى لا يخسر حياته والناس والحياة". وهو ذات المضمون الذي توصل إليه في آخر جملة من النص حين قال:" هذا العالم مهزلة, هذا العالم مهزلة!" وكناقد على إطلاع باللعب الروائي الذي يمارسه الروائي أو القاص فإنني لم أتفاجأ من إعلانه عن تلك المقولة في هذا الوقت المبكر من بداية الأحداث. لهذا أقبله فنياً وأصّدق محتواه على أرض الواقع, رغم أنه قاله دون أن يمر بعد بتجربة درامية مُرة تجعلنا نعذره. ولأننا مثله قبلنا شكواه المبكرة إذ انطلقت من ذاكرتنا المشتركة التي نعاني مثله من جراحاتها.
يتخذ البطل موقفاً أشد عبثية من موقفه الأول في محاولته الخلاص من ضغط الأحداث التي تحاصره حيث خلص إلى نتيجة مفادها أن:" على المرء أن يُشبع رغباته الجنسية, وتلك الحياة أفضل من الحياة الواقعية المفروضة عليه قسراً والتي تقضي أن عليه أن يعبد أكثر من إله كي يرضى عنه الناس" (ص:2). وهنا أقف لأقول إن الكاتب قد يصدم المتلقي الأجنبي حين يقرأ أن بطله يرسم النتيجة أولاً ثم يجعله يقف لاحقاً على الأسباب في النص. وهكذا نقبل خلاصة تجربة البطل قبل أن نقف على الأسباب الوجيهة التي دفعته للتصريح بها.
تتنقل كاميرا السارد إلى كل مكان يتواجد فيه البطل أو يفكر فيه أو يتذكره. شاهدنا كيف تكون بيوت المخيم متراصة ومسجده جميلاً. هنا مقاربة بين المخيم المكتظ والمستوطنة ذات الحدائق الخضراء والبيوت المتباعدة. لذا نجد السارد يستحضر مقولة الصهيونية:" حيث تجد العرب تجد الصحراء", وذلك توطئة لتمرير سياسة "الترانسفير" أي ترحيل الفلسطينيين من وطنهم إلى الصحراء العربية التي جاء منها أجدادهم (ص:3).
وللتضييق عليهم يعيق الاحتلال حركة المسافرين بالحافلات يومياً ويجعلهم يقفون ساعات طويلة على الحواجز. وهو نفس الاحتلال الذي شرّع قانوناً يجيز للجنود إطلاق الرصاص على سيارات الآخرين إذا حاولت تجاوزهم. حدث هذا الأمر ذات يوم وكانت النتيجة أن رصاصة أصابت شاباً في عموده الفقري (ص:4).
أما الوجه الآخر الذي تلتقطه كاميرا السارد فهو صوت المغني "أبو يوسف" وهو يغني أغنية "كعك بعجوة", وصوت شريط "فتحاوي فتحاوي", وشريط ثالث يصدح "هاشمي هاشمي", ثم نرى البطل يقرأ عناوين جرائد القدس والنهار والمنار والصدى والفجر فيكتشف أن لكل جريدة إلهها الخاص بها: فلسان حال كل منها يدين بالولاء لمولاه جلالة الملك, أو سيادة الرئيس, أو سمو الأمير أو الرفيق ياسر عبد ربه , وفي رواية أخرى "ياسر عبد ياسر".
كما تصوّر كاميرا السارد البطل وهو يتساءل في المطعم:" ماذا أفطر: فول أم حمص"؟ ويخلص إلى نتيجة أنه إن أكل فول فهو فتحاوي وإن أفطر حمص فهو حمساوي, وإن أكل جبنة فهو جبهاوي. إن روح الفكاهة في النص لا تجعل المتلقي أو البطل يضحك بل تدفعه إلى البكاء المر. يرى مشاهد ويقرأ شعارات مرسومة على مطالع أدراج البنايات: يرسم صورة كاريكاتيرية بالحرف لا بالريشة والألوان, يتلاعب بتقديم أو تأخير أو قلب حروف اسم بعض القيادات الفلسطينية: يصيغ اسم نايف حواتمة من جديد فيصبح ناتف حواجبه, ويُشبّه الجبهة الشعبية بالجبنة الدنمركية لسهولة انقسامها أو قسمتها إلى جبهات ديمقراطية وقيادة عامة وثورية, ثم يرصد لنا تقلب ياسر عبد ربه الذي أصبح فجأة ياسر عبد ياسر (ص:5).
وكأن الثورة الفلسطينية لم تُحدث شيئاً ايجابياً في مسلكيات الفلسطينيين طيلة مسيرتها التي استمرت ثلاثة عقود, لم تغير عقلية الناس فما زالوا عشائريين. لقد نقلوا العشائرية من العائلة والمجتمع إلى الفصائل الفلسطينية فأصبحت الحركة الوطنية فصائل عائلية متصارعة(ص: 6). لا تجمعها رابطة الوطن والذاكرة بل علاقات الاستقطاب وشراء الذمم.
يشكو البطل من تردي الحالة النضالية والاجتماعية والسياسية, باتت الضفة الغربية حاضنة لأناس يضمهم مشروع منحط يفضل أي شيء مهما كان تافهاً على مصلحة الوطن العليا. لهذا يصرخ من قحف رأسه محتجاً على ما يجري:" هذه الضفة, هذه الضفة", انقلبت فيها المعايير, يقتلون أنفسهم بلا رحمة. يسخر البطل من واقع الشعب الفلسطيني المتردي:" الاختلاف في الرأي جريمة, يصبح المرء وطنياً للحظة, وقد يصبح خائناً في اليوم التالي". يأسر الواقع السياسي والحزبي في الضفة الغربية صوت البطل فيهمس: هنا الحياة قصيرة, هنا موات فقط" (ص:7). كانت تلك الأسباب هي التي دفعت الكاتب كي يطرد الضفة وأهلها من وطن النص. فالنص أصبح منفى, يعيش فيه البطل غريباً عن نفسه وشعبه.
وهكذا يطرد الكاتب شخصيات النص من لغة النص الذي هو وطن الكلمات. فمنظر الفتاة المحجبة التي ترفض الجلوس في مقاعد شاغرة في الحافلة لأن فيها شباب أمر مضحك. والجامعة التي "لا يرى فيها الطالب سوى مكاناً للتفاهات الكبرى" (ص:8). لهذا يتساءل البطل:" ما دام الشعب الفلسطيني في طليعة الشعوب المتعلمة لماذا لم يغير هذا العلم سلوكهم؟ لماذا لا تجلس الفتاة بجانب الشاب"؟ لا تجلس بجانبه لأنه شيطان مفترض, وشيطان آخر يقتل الفتاة دفاعاً عن شرفه الفردي. هذا المشهد ينفي عن الشخصيات صفة المواطنة, فهم من عالم الشياطين لا الإنس. وشيطنة شخصيات النص لا تقف عند السياسيين فقط بل تشمل الشاعر م. المسجون الذي جعل المساجين ينهون إضرابهم عن الطعام مقابل عدم تمديد إدارة السجن له ب 6 أشهر أخرى أمر معيب ورخيص (ص:9).
يشعر البطل بالغثيان من حيثيات الواقع الفلسطيني الحركي والحزبي والثقافي فيقرر أن لا يتحدث مع الشعراء والكتاب عن الأدب, فهو لا يحب الأدب المحلي أو الحديث عنه. وسينصح الأصدقاء أن لا يتحدثوا في السياسة:" الأفضل لهم أن يتحدثوا عن التفاهات". ويؤكد أن أشعار الشعراء:"لا تستفزني, تستفزني تفاهتكم". يزوره شخص فتحاوي فيشتم حركة فتح بسبب السرقات فيها:" لطش فلان نصف مليون دينار ثم جمدوا عضويته" (ص:10). وهنا يجب أن أتوقف قليلاً للحديث عن ردة فعل البطل على سلبيات واقعه, فهو يفضل الحديث عن التفاهة لأنها أقل ألما من الحديث في السياسة. وهو بهذا القرار يكون قد تجنب السقوط في وهدة واقع موبوء بالكذب والنفاق والسذاجة التي يراها تسيطر على أذهان الناس. وهذا المشهد تراجيدي بامتياز فالبطل لا يبحث عن طوق نجاة ينقذه من الغربة الاجتماعية والضياع السياسي بل عن ميناء رحيل أقل غربة من دوامة الغربة التي تعصف به وهو بين ظهراني شعبه.
يضرب لنا مثلاً على الوصولي جوجو المسلم الذي أصبح فتحاوياً كي يصبح عميداً في الحركة. كان فقيراً فقرر أن يُطلّق الفقر إلى الأبد فنافق المسؤولين وبني الشقق وجمع المال وأصبح شعاره:" لأن تذر أبناءك أغنياء خير من أن تذرهم فقراء". ثم حكاية الأستاذ القروي الذي يهاجم نعرة أبناء المدينة: فلاح ومدني. ويتحدث دائماً عن مكر أبناء المدينة ثم نراه يغازل ابنة المدينة الجميلة. رغم أن تلك الجميلة تظل على رأيها في التعالي على تخلف وجهل أبناء القرى:" يبقى الفلاحون فلاحين حتى لو تمدنوا" (ص:11).
يغوص الكاتب في أغوار الشخصية الحركية التي تعتبر نفسها الفصيل الأول, الأكثر عدداً والتي تعطي نفسها حق احتلال الفصيل الثاني الأقل عدداً. كما تجعل فلسطين تتماها مع القائد الرمز. وهذا نقد للعقلية العربية والإسلامية التي نشأت وتربت على تقديس القادة والرموز باعتبارهم شخصيات نبوية تستحق التقديس. ويظهر هذا في الاحتفالات حيث تلصق صورة عرفات فقط, ولا تلحظ أية صورة لخارطة فلسطين أو صور للشهداء أبي إياد أو سعد صايل أو كمال عدوان. تهدف الحركة إلى جعل الشعب يعتقد أن للقائد شخصية إلهية تمكنه من احتواء الوطن والثورة, ثم يصبح هو المعبود الأهم.
ولتجنب ضغوط واقعه أدمن على شرب القهوة, وربما على مسكر, كي ينسى واقعه:" فهي تعيدك إلى هناك", إلى ألمانيا, إلى دفاتر الزمن الجميل. إنها مأساة البطل الأكاديمي الذي لا يجد سلوى تخفف عنه مصابه سوى بمحاولة التلهي بشيء آخر ربما ينسيه واقعه التعس. وعند د. الأسطة فهي تجعله يسهر حتى الصباح, وتحول بينه وبين النوم, فهي وسيلة جيدة لتخلّص البطل من نفسه ومتاعبه. للقهوة قوة خفية تعيده على جناحيّ رائحتها إلى أوروبا حيث قضى هناك وقتاً طويلاً أثناء دراسته. ويمكن أن تكون شبكة تصطاد فيها فتاة جميلة أو تصطادك بها فتاة مثل:" بربارة التي تحتفظ في بيتها بالشعار الإسرائيلي الذي يعيدك ثانية إلى واقعك المؤلم حيث الاحتلال والغربة. الشعار الإسرائيلي في بيتها يجعل فلسطين حاضرة في كل مكان فهذا الشعار هو الوجه الآخر لفلسطين الوطن والذاكرة" (ص:12).
إن غربة الإنسان عن وطني, وهو يعيش فيه وبين شعبه, أشد مرارة من غربته الجغرافية حين كان طالباً. وللتدليل على ذلك الشرخ النفسي العميق هو تناحر مواقف الحركات والجبهات فإن نفّذ المواطن ما يريدون يعتبرونه واحداً منهم, وإن خالف حماس فيتهم بالإلحاد, وإن خالف فتح فيتهمونه بالعمالة. هل كان للفصائل الفلسطينية دور إيجابي في تحقيق الوحدة الفلسطينية أما أنها كانت السبب في حدوث الشقاق (ص:13) ؟
يسوق الكاتب حكاية ياسر عبد ربه حين شتم ياسر عرفات ونايف حواتمة وجورج حبش في القنصلية الأمريكية ثم قدم الاعتذار لهم بعد نشر كلامه في الصحف. ويعتقد الكاتب أن أفضل طريقة للخلاص من حالة النفاق هي التحدث مع الطلبة التافهين الذين يرفعون شعار:" هذه هي الحياة" كي ينجون من لحظة سقوط المُنظر السياسي. كما يضرب مثالاً على نفاق المثقفين بحكاية إميل حبيبي الذي يكتب في جريدة القدس وهو الذي كان قد هاجمها ووصفها بأنها جريدة برجوازية رجعية. وقد استخدام الكاتب أسلوب التهكم على شخصيات أكاديمية بأن تلاعب بحروف أسمائهم:"د. فلان الفلاني..فلان...فلا..ف...الدكتو...الطور..." (ص:14).
ولم يستثني الكاتب الأيديولوجيين الماركسيين الذين هاجموا توفيق الحكيم لأنه كتب "عودة الوعي", ويعتبر أن التفاهة أفضل من الغوص في معمعمة المثقفين واليساريين والحزبيين المتقلبين. وقد وظف لغة مجازية مبتدعة على لسان شبان الانتفاضة مثل: المجنزرة/ عزيزة, انفجار قنبلة/تحركت برتقالة, الشاي رمزاً للشيوعية, والكولا الخضراء كناية عن حماس. كما توقف عند مزاجية الأحزاب ومناكفاتها ضد بعضها الآخر:" فإذا هاجمت رفيق قديم من الجبنة الدنمركية يرحب بك أتباع ياسر عبد ربه" (ص: 15).
يخلص البطل إلى نتيجة أن أفضل طريقة للتخلص من ضغط الأحزاب ومواقفهم هو أن يكون محايداً. وسؤال الدرامي للكاتب: كيف يختار البطل الحياد وهو يعيش دوامة انتفاضة شعبية: ألم يقل قاسم الشابي:" قف دون رأيك في الحياة مدافعاً إن الحياة عقيدة وجهاد"؟ ألم يمتثل سقراط الحكيم إلى قانون بلاده الظالم ورفض الهرب من السجن, ثم قبل تناول السم تنفيذاً للحكم الصادر بحقه؟ وعليه أقول إن بطل نص "ليل الضفة الطويل" لا يتوفر على عقيدة تشد من عضده, وليست له مرجعية فكرية تنير له الطريق. وأره هشاً مثل ياسر عرفات الذي أكد أنه سيصلي في القدس بعيد هزيمته في حرب بيروت علم 1982م. هذا الرجل أوقع في الشعب الفلسطيني مجازر أزهقت أرواحاً لا تحصى في كل من عمان وبيروت وتونس ورام الله (ص: 16).
يعود الكاتب ثانية إلى مهاجمة محاسيب القنصليات والسفارات الأجنبية المنتمين للنخب السياسية والأكاديمية الفلسطينية. فيرسم لنا تجربة شخصية عن اختراق السفارات الأجنبية لحرم وحرمة الجامعات إذ أخبرته السفارة الأجنبية عما يقوله عنه أبناء شعبه. كما فضح بعض أساتذة الشريعة الذين يهاجمون الغرب ثم:" يتهافتون كالذباب على العسل للذهاب إليه". كما كشف جوانب مظلمة من سيرة صديقه الحرامي عطا الله عطا الله يوم عمل مع مستشار الأمير حسن:" كان أردنياً حين لطش مبلغاً كبيراً من المال, ثم أصبح أوروبياً ثم أصبح فتحاوياً" (ص:17).
يشير الكاتب إلى قضية أكاديمية كبرى في الجامعات الفلسطينية والعربية ألا وهي ضعف المستوى العلمي فيها: أستاذ الدراسات العليا لا يقوى على إعطاء محاضرة لطلابه حين غاب طالب الدراسات العليا الذي كان مقرراً أن يلقي محاضرة في ذلك اليوم:" لم يعرف الأستاذ ما يقول لطلبته". ويحكي قصة الأستاذ الجامعي الذي يقرأ القرآن أثناء دخوله المكتب ولا يطرح السلام على زملائه إلا بعد أن ينهي القراءة. يطرح السلام ثم يبدأ بالشكوى من اختلاط الطلبة مع الطالبات. كما تضامن مع أهالي الطلبة الذين احتجوا على تدريس رواية فيها عبارات بذيئة. ذَكّر البطل هذا الأستاذ بالعبارات البذيئة في الأدب العربي, وكانت أبذأ مما ورد في الرواية (ص:18).
يتابع السارد حكاية الأستاذ الجامعي "المتعصب" حين وجده في مكتب زميل آخر وهما يتبادلان النكات البذيئة. يسأله البطل إن كان ما زال عند رأيه في الرواية البذيئة التي يخجل أن يضعها في منزله, فيصمت الأستاذ, قارئ القرآن. كما يُشهّر بزملائه الذين يذهبون إلى أوروبا لمدة شهرين كمبتعثين, فيمكثون هناك واحد وثلاثين يوماً كي يقبضوا راتب الشهر الثاني ثم يعودون إلى الضفة الغربية, دون أن يعرفوا شيئاً عن حياة الناس أو روح التمدن أو معرفة اللغة أو قراءة الجرائد هناك (ص:19).
يسأل طالب الأستاذ البطل عن رأيه بعرفات فيصمت, وما رأيه بالمنشقين فيصمت, وهل ينتمي إلى فصيل ما فيبادر الأستاذ الطالب بسؤال:" هل أنت مخابرات"؟ يشكو البطل مما سماه الغريزة الحيوانية عند الفلسطينيين في الضفة الغربية. يسألون:" من أنت؟ مع أي فصيل؟ لمن تنتمي؟ لماذا لا تنضم إلى فصيل"؟ ويأتي جوابه عائماً:" أنا مع الفصائل كلها وضد الفصائل كلها". يسأله أحدهم:"كيف"؟ فيصمت البطل كعادته. لماذا رسم الكاتب بطل نصه صامتاً طيلة أحداث عشرين صفحة من نصه القصصي؟ ولماذا كانت أجوبته إما ناقصة أو عائمة؟" ثم استخدم أسلوب الاسترجاع/ "فلاش باك" من أجل إكمال نصه. لقد استرجع السارد أياماً ماضية من الانتفاضة حين كان الجنود الإسرائيليون يخافون من السير راجلين في البلدة القديمة (ص:20).
يفسر الكاتب انتخابات الغرف التجارية في الضفة الغربية في عام 1989م كمرحلة جس نبض بالنسبة لياسر عرفات. كان معنياً أن تفوز فتح أو أي شخص عميل يلبس ثوبها في الانتخابات تلك. فوز فتح أو قائمتها بغض النظر عن سيرة أعضائها يعني فوز عرفات فيها, وفوزه هذا يؤهله للقيام ما كان يفكر في القيام به في مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو. وعليه كانت خسارته المحتملة في تلك الانتخابات تعني خسارة منظمة التحرير لدورها القادم بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. لقد جرت تلك الانتخابات تحت حراب الاحتلال وبدا الشعب بعدها ينظر إلى الوراء أيام كان الجنود الإسرائيليون لا يجرؤون على دخول البلدة القديمة سيراً على الأقدام (ص:21).
وكان من نتائج سياسة ياسر عرفات المالية إبان انتخابات الغرف التجارية وما قبلها وما بعدها أن ازدادت الحملات الضريبية على تجار وبائعي الخضروات في الضفة الغربية. وحين كان يشكو المواطن من الكساد وقلة المال كان موظف الضرائب اليهودي يسأله:" إذاً كنتم لا تملكون ثمن طعامكم فكيف تبنون بيوتاً؟" كما بدأ الإسرائيليون بشن حرب اقتصادية على أهالي ضاربي الحجارة, كانوا يسجنون الشاب ثم يحكمون عليه بغرامة مالية. الشاهد أن المحتل اليهودي كان يعرف أن أموال عرفات تتسرب إلى الفتحاويين في الضفة وقطاع غزة, سيما وأن بعض طلبة الجامعة المنظمين كانوا يملكون سيارات خاصة. وحين كان يشكو المواطن من ضيق ذات اليد أمام السجان أو القاضي كان يقول له:" خذ الوصل واذهب إلى أبو عمار"(ص:22).
يقرأ السارد بعين البطل جغرافية مدينة نابلس سياسياً: يقول لنا إن شارع رفيديا الغربي يشهد نشاطاً وحيوية لا نشاهدها في الجزء الشرقي من نابلس, حيث يوجد مخيم بلاطة. يتساءل البطل:" هل هذا نزوع غريزي نحو الغرب الغني وإبداء الولاء له؟ لماذا تقع المخيمات كلها تقريباً في شرق المدينة؟" وهذا الأمر ينطبق على عمان الغربية في الأردن, فيتساءل البطل:" هل هذا تخطيط أردني صهيوني؟ وهل معنى هذا أن لا يسأل العربي الفلسطيني عن الغرب الذي خرج منه؟ ويخلص إلى نتيجة مفادها أن:" اقنعوا بما أنتم فيه وإلا فليس أمامكم سوى شرق آخر صحراوي!" (ص:23).
يضيء الكاتب بعض مظاهر الروح العشائرية التي تتحكم في تصرفات الشخصية الفلسطينية حتى في معالجة مشاكلنا الصغيرة التافهة. يقوم التنظيم, مثلاً, بعقد صلحة بين شاب سكير وآخر حشاش حيث يدفع الجاني مبلغاً من المال للمجني عليه أو يدفع الاثنان مبلغاً من المال إلى التنظيم ويزعمون انه يذهب إلى المؤسسة المتسلطة. فجأة يرى الشعب أن مسؤولي الفصائل يزدادون غنى. يسأل البطل:" هل الانتفاضة ثورة أم شركة رؤوس أموال؟" ورغم هذا التسلط يظل حديث النسوة في البيوت يتمحور حول دخول وخروج المساجين:" متى اعتقلوه؟ ومتى سيخرج؟ الحمد لله على سلامته". ثم قيامهن بزيارة جريح في المستشفى أو الذهاب إلى بيت العزاء لمواساة الأهل, وتبقى المتنزهات ودور السينما مغلقة. حتى أنهم قالوا عن المُغني أبو يوسف: "تاب عليه الله وصار يصلي ومربي لحية طويلة". لا يوجد في السوق غير أغاني الانتفاضة:" شريط أبو يوسف "كعك بعجوة" أو شريط "هاشمي هاشمي" الذي يُعبّر عن الحب والولاء للملك حسين الهاشمي (ص:24).
يشتكي البطل من الظرف السياسي الدولي بضمير المخاطب الجمع:" كنا لاجئين أو حوّلنا إلى لاجئين لنصبح شحاذين" ثم يستطرد شاكياً:" كنا نتقاتل فيما بيننا في آخر كل شهر لاستلام بعض الطحين والسكر والرز والحمص المسوّس والفول المصري الخربان". واعتقد أن شكواه تختصر تاريخ النضالي الفلسطيني الذي بدأ منذ عام 1948م حين طرد اليهود 600 ألف فلسطيني من مدنهم وقراهم وعاشوا حتى اللحظة يقضمون البؤس في مخيمات غير إنسانية. وصدق شكواه ينبع من حقيقة كون الكاتب لاجئاً يافوياً. وحين قامت الثورة الفلسطينية من أجل إعادتهم إلى بيوتهم كان سوء الحظ لهم بالمرصاد فأصبحوا شحاذين, يستجدون المعونة من الدول التي كانت سبباً في نكبتهم.(ص:25)
تأسيساً, تأثرت سيكولوجية الشخصية الفلسطينية عبر مراحل نضالها المعاصر بعوامل داخلية وعربية ودولية. يقول: جاءت منظمة التحرير فحولتنا من ثوار إلى مرتزقة:" لا نناضل إلا بعد أن نحسبها, كم نربح وكم نخسر". وأسهم النظام العربي في قمع حرية الشعب الفلسطيني وعامله معاملة السيد للعبيد. أما السوق الأوروبية المشتركة والدول المانحة:" فحولتنا إلى شحاذين". وهذا الأمر ظاهر في معاملتها للسلطة الفلسطينية أيضاً. وكانت النتيجة تبعثر الوجدان الجمعي الفلسطيني فبات هشاً لقناعته أنه مستهدف من الجميع من حوله حتى أصبح أفراده أعداء لأنفسهم. يهمس البطل:" لماذا هذا العداء الذي نكنه لأنفسنا؟" لقد خلص إلى نتيجة مفادها أن الفلسطيني استبدل العدوان ضد العدو إلى عدوان ضد الذات. فيضرب مثالاً على سرعة انقلاب مواقفنا إلى ضدها كأن حربنا لم تعد ضد عدونا بل ضد أنفسنا بسبب عجزنا:" في عام 1987م قرر المنشقون عن حركة فتح خوض انتخابات مجلس الطلبة في الجامعة فما كان من جماعة فتح عرفات أن قرروا خوضها باسم روابط القرى العميلة التي أسسها الاحتلال الإسرائيلي". قال أحد الطلبة في حينه:" إذا وافق المسؤول على أن يخوض المنشقون الانتخابات فلن نعترض على أن تخوض روابط القرى العميلة الانتخابات معنا". هل كانت تلك المواقف الهشة مقدمة لما حدث لاحقاً للقضية الفلسطينية في مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو؟ (ص:26)
وكان من مظاهر الانتفاض ضد الذات الجمعية نعرات التمايز الطبقي والعرقي والاجتماعي بين أهل المخيم الواحد:" ما زالوا يقولون "أهل اللد" و "أهل يافا" و "الجماسين" و "عرب أبو كشك" وكان أهل يافا يعتبرون أنفسهم عائلات محترمة, أرقى نسباً ومكانة من العائلات الأخرى التي تنتمي إلى نفس المخيم بكل ما فيه من قذارة وما يحويه من تعاسة". والأمر المحزن أن هذا التعالي الفج قد انتقل إلى الفصائل الفلسطينية التي يفترض أنها حركات تحرير للوطن والمواطن. يقول رفاق ياسر عبد ربه:" إن اللذين ظلوا مع نايف حواتمة بعد الانشقاق هم القرويون, وإن المثقفين والواعين جميعاً انضموا إلى ياسر عبد ربه, وظلت الكوادر البسيطة الساذجة مع نايف حواتمة". وذات التمايز المؤسف في الجامعة, يقول السارد على لسان البطل:" فإذا أردت أن ترشح نفسك لانتخابات نقابة العاملين فيهمس لك أحد معارفك: يمكن أن نشكل كتلة خاصة بأبناء نابلس فقط". ولا يختلف الحال حتى داخل الفصيل الواحد, فهم يتحدثون عن "فتح نابلس" و "فتح" المخيمات" و "فتح القرى". ولقد رأيت صورة أبشع مما يذكر الكاتب في نصه في مدينة قلقيلية حيث يتحدثون عن فتح الحمائل: "فتح نزال" و "فتح شريم" و "فتح زيد". وكأن مهمة الانتفاضة والثورة هي إعادة إنتاج العصبية القبلية بأسماء عشائرية (ص:27).
وهنا لا بد لي إلا أن أثني على ما هو موجود في هذا النص القصصي الرائع الذي يضيء واقعنا النفسي والاجتماعي المهترئ: لقد كنا حقيقة بيضاء فأصبحنا كذبة سوداء, وكان عدونا كذبة سوداء فأصبح حقيقة بيضاء. أما من المسؤول عما حدث لنا فنحن أولاً. لم تكن بنيتنا الاجتماعية والنفسية والثقافية متماسكة كي تصمد في وجه الغزو, فتسربت فضلاته في دواخل نفوسنا كما يتسرب الدم في الشرايين. يضرب الكاتب مثالاً آخر على هشاشة مواقف الشخصية الوطنية بحكاية والد سجين جاء إلى البطل معتقداً أنه فتحاوي كي يقدم له المساعدة ولما اكتشف أنه ليس فتحاوياً انقلب فجأة وعبر عن مشاعره الحقيقية المناهضة للتحزب النضالي. فتقول والدة السجين:" كل اللذين ماتوا ماتوا هكذا, راحت عليهم." أما الشاب اليساري فيقول بصراحة:" نحن نحب الثورة إذا حققت لنا مكاسب فقط. لا أحد يريد أن يضحي دون ثمن مادي. وإلا ففسر لي مثلاً كيف تكاثر عدد التنظيمات وضمت لصوصاً وقوادين."
وما اعترف به الشاب اليساري نراه مجسداً في بعض من ينتمون إلى النخبة المثقفة اللذين يمثلون أيضاً سقوط المثقف الوهمي. يقول السارد مخاطباً البطل:"ينشق يحيى يخلف فيكتب رواية "نشيد الحياة" وينتقد الثورة الفلسطينية وقادتها, ثم يجوع أولاده فيعود إلى حضن أبو عمار من جديد ليصبح مستشاراً له فيكتب رواية تافهة عن سقوط طائرته في الصحراء. وهناك شعراء ينظمون قصائد في مدح الرئيس, وجميعهم يشتمه من وراء ظهره" (ص:28) .
أعتقد أن ذروة الأزمة التي يعاني منها البطل تتجلى في لعنه الضفة الغربية بسبب ما يسمعه وما يراه من نفاق أهلها وتقلبهم الارتجالي. يقول:" اللعنة على الضفة الغربية". واللعن هنا مقترن بشعوره أن ليلها طويل, طويل الساعات, ومحشو بكل أنواع التفاهات التي يتحدث بها أهلها. لا يدور حديثهم عن الجوهري من الأمور الحياتية المتعلقة ببناء المستوطنات, بل عن ارتفاع سعر الأرض في رفيديا:" اشترى أحدهم قطعة أرض ب 50 ألف دينار وبعد أسبوعين من شرائها باعها ب 120 ألف دينار". ثم تستمع إلى جمهرة من الناس حول الدكان الذي كان يقف أمامه البطل وهم يستمعون إلى مغنية تغني قصيدة "يا ابن النبي" للشاعر الجواهري. وهنا يعترف البطل بضرورة الخروج عن صمته. كان قبل هذا المشهد ما يزال صامتاً, ثم نراه ينفجر بسبب تلك التفاهة بعد أن كان مقتنعاً أن هذا الزمن هو زمن الصمت. يتغير البطل فيقول محتداً وبلغة عامية:" الملك خرى, والناس أخرى, والشاعر الجواهري خرفن" (ص: 29).
يتابع البطل خروجه عن صمته:" كان الجواهري شيوعياً وعاش في براغ مكرّماً معززاً. هل ذلته الغربة وأضعفه الحنين؟ تصورا أن التلفزيون الأردني يغني للملك ليل نهار, وحين يعود من مرضه يخرج مليون كلب لاستقباله, نحن شعب كلاب, نحن اللذين نصنع آلهتنا". وتظل السخرية في ذروتها حين يقول أحدهم:" ولأنه ابن النبي فسيعاملنا كما عامل النبي أهل مكة يوم عاد إليها فاتحاً, وسنقول له: أخ كريم وابن أخ كريم". وأرى أن هذه الفكاهة السوداء تعني أن الشعب ينسى ما يفعله به جلادوه, وإن دل هذا فإنه يدل على سذاجته وميوعة مواقفه السياسية (ص:30).
ثم يطالعنا مشهد عميق المعاني بعد تلك الذروة الفنية والنفسية. فالبطل مستعد في لحظة تفجره أن يقايض:" بكل شيء أملكه مقابل أن أعيش على شاطئ البحر. لعلني عرفت البحر في صلب والدي يوم كان في يافا". إن هذا الحنين الحالم إلى الوطن السليب يأتي تتويجاً عكسياً للواقع الإستلابي الذي يعيشه البطل في المخيم. وهنا لا بد من الإشارة إلى المفارقة التي رسمها الكاتب بكل اقتدار: فلحظات اليأس هي التي تقوده إلى استحضار الوطن السليب حتى لو كان ذلك الاستحضار حلم يقظة, غير قابل للتحقيق. ودلالة هذا الموقف تؤكد أن ضياع الوطن الجغرافي لا يمحو حضوره في أعماقنا وذاكرتنا حتى في أحلك أيام حزننا وإحباطنا. فالوطن يعرفه أبناؤه حتى وهم في عالم الذر قبل أن يخرجوا من أصلاب آبائهم (ص:31).
ولعل الكاتب يعيدنا إلى أسباب انفجاره الحقيقية حين يكشف لنا عجزنا عن تداول السلطة سواء على المستوى الرسمي أو الحزبي. فالشاب اليساري يجيب على مقولة أبو عمار:" أنتم قولوا ما تريدون وأنا أفعل ما أريد", بقوله:" إن تلك العبارة تجعل من وجودنا مجرد ظاهرة لغوية لا قيمة فعلية لها". أما صديق البطل فيعترف أننا نكذب على أنفسنا كذبة كبيرة حين نقمع منطق الديمقراطية الحقيقية. ويسأل:" أي قائد فصيل منذ أسس الفصيل تغير طوعاً؟ وإذا كنا غير قادرين على التعايش معاً بصورة حضارية فكيف سنعيش مع اليهود أو نقبل أن يكون نايف حواتمة رئيساً لدولتنا؟" (ص:32)
كما تحوي تلك الحوارات تفاهة المسائل التي تشغل بال المواطن الفلسطيني في الضفة الغربية. وإزاء هذه الواقع المرير يكرر البطل مقولته الانفجارية:" اللعنة عليك أيتها الضفة" ويتمنى أن يصبح حشرة كما تمنى كافكا أن يصبح مسخاً ومحمود درويش أن يصبح حماراً. في هذا الجو النفسي المشبع بالإحباط يعيش البطل حالة من الغربة عن أهله فيجدهم غريبين فيشتم الضفة مرة أخرى:" إلى الجحيم أيتها الضفة", يخرجها من جنة اللغة. وعلى إثر ذلك يتذكر الصبية التي دعته إلى فنجان من القهوة كي يُهدئ به نفسه المضطربة عله يتخلص من أثقالها. ومحاولته التحلل من أثقال نفسه حالة مرضية بحيث ينفصم الإنسان عنها. وأراه يعلن بصراحة عن تلك الحالة:" لا شك أننا مصابون بالفصام". ونراه في انتظار أهل المدينة يوم الجمعة كي يذهبوا إلى فلسطين, إلى ماضيهم الذي كان لهم. وفي تلك اللحظة الإسترجاعية يتساءل البطل:" هل كانت فلسطين تعني لهم شيئاً آخر غير الاستمتاع برحلة أسبوعية يفعلون خلالها أفعالاً مُشينة؟ مدينتهم التي كانت لهم لا تعني لهم شيئاً آخر غير ممارسة ما لا يستطيعون أن يمارسوه في مدينتهم في الضفة الغربية"(ص:33).
وحالة الفصام التي يتحدث عنها السارد يعيشها كل المواطنين سواء كانوا من الأصليين أو اللاجئين, المتعلمين وغير المتعلمين, فهم جميعاً سكان مدينة فاسدة. والدليل على فسادها أن المتدينين منهم يعارضون وجود مسرح فيها وحين تم إنشاء مسرح اعتبروه احتلالاً ثانياً لها. وحين يشكوا البعض من عدم وجود مسبح يرد عليهم آخرون:" هناك لا يرانا أحد, نفعل ما نريد. وقد تسبح نساؤنا حيث اللحم الأبيض المتوسط". ومن فساد مدينتنا أن حب الصبية للبطل مراوغ:" تدعوك فتذهب إليها لشرب القهوة, ثم تغادر خوفاً من أهلها وحين تتصل بها تراوغ في الإجابة على مكالمتك". والشاهد هنا أن الشخصيات في هذا النص غير صادقة. ويتساءل بحرقة:" أين التغيير الذي أحدثته الانتفاضة في سلوك الناس؟" ويرد شخص له أخوان في السجن على تساؤل البطل:" طز في الانتفاضة". ويعلق البطل على كلامه:" والشهداء! والله مصيبة! نحن زفت.... نحن زفت" (ص:34).
يسرد الراوي الخفي بعض الحكايات المؤلمة التي جعلته يفقد الأمل في ناسه: حكاية أبي بندر العميل الذي يستغل حاجة الناس ويأخذ من الشخص الواحد عشرين ديناراً مقابل مساعدته في استصدار وثيقة سفر, وحكاية الصاغة الذين يقدمون القهوة للجنود الدروز, وحكاية قريب البطل الذي كان يستقبل جندياً درزياً في بيته (ص:35).
يُجري البطل حواراً مع الجندي الدرزي, يسأله:" لماذا لا تمتنعون عن التجنيد في الجيش الإسرائيلي"؟ فيجيبه:" أنتم لا تعرفون أوضاعنا جيداً". يعاكس هذا المشهد الفلسطيني مشهدا فرنسياً إبان الاحتلال النازي لفرنسا. كانت بائعة الجرائد الباريسية التي لم تك تكلم الجندي النازي حين يأتي لشراء الجريدة:" يدفع لها النقود فتعطيه الجريدة مضطرة". وكان الجندي النازي يقول:" لم أخف من السلاح بقدر ما أخافتني نظراتها". كما يذكر البطل موقف الباريسيين في كتاب سارتر" تحت الاحتلال النازي", كان الباريسيون يعتذرون حين يسألهم الجندي النازي عن الوقت:" إننا لا نملك ساعة". وفي رؤية المقابل يسرد الراوي موقف قريبة البطل المتزوجة التي أعربت صراحة عن نيتها السفر إلى دالية الكرمل وعسفيا لحضور فرح صديقهم الدرزي (ص: 36).
أما المناضل السابق الذي كان مطارداً أيام الانتفاضة فحكايته مع المحتل الإسرائيلي أكثر ألماً. فهو رفيق قديم, قاد انشقاق الجبنة الدنمركية عن بعضها, وهو اليوم يلعب بالدولارات من تجارته بالبضاعة الإسرائيلية التي كان يمنع تداولها في السوق في عهد الانتفاضة. وحين سأله البطل لماذا يتاجر بالبضاعة الإسرائيلية إدّعى أن القيادة تريد بضاعة إسرائيلية" (ص: 37).
يسخر الكاتب من أبي وردة وأمثاله ممن بدّلوا مواقفهم الوطنية إلى الخيانة. يرسمه بصورة كاريكاتيرية مضحكة, فهو منافق, يتلاعب في مواقفه بين اليسار واليمين, يزعم أنه لا يرى بعينه اليسار ولا يسمع بأذنه اليمين بسبب التعذيب في الزنازين الإسرائيلية. لهذا أقسم أن لا يجلس على يسار عروسه حين يتزوج. كان ابن المرحلة القذرة: كان فتحاوياً فأصبح فولاً ثم أكل انتماءه الفولي (ص:38).
يهرب البطل من ضغط واقعه الفلسطيني إلى الوراء, إلى أيام دراسته في ألمانيا, فيقلّب أبواب الذكريات. يستحضر حواره القديم مع فتاة سألته عن أحوال الضفة الغربية. لم تصدق وصفه بأن الضفة الغربية تشبه أوروبا الخربة بعيد الحرب العالمية الثانية. مل البطل من تناقضات واقعه فحن إلى الحياة الثقافية في ألمانيا, حفلات المسرح والموسيقى والأوبرا, وزيارة متاحف الفن والمعمار والجمال الحي. كانت رسائل أصدقائه تحثه على الاستمتاع بالملذات كما يفعل الألمان. أما الغريب في حكاية تلك الرسائل أن أصدقاءه كانوا أول من عمل على تشويه سمعته ومحاربته بعد عودته من ألمانيا إلى الضفة الغربية(ص:39).
تتأزم غربة البطل عن وطنه وأهله فيتساءل:" هل يمكن أن يكون الناس جواسيس أباً عن جد؟" وربما يكون الجواب إشارة للتاريخ الاستعماري للمنطقة العربي الذي بدأ باحتلال الإنجليز لمصر ثم محاولاتهم الدؤوبة للسيطرة على البلاد العربية من خلال تجنيد وجاهات اجتماعية ورجالات بارزة في كل مدينة عربية كي يشكلوا رديفاً اجتماعياً وثقافياً للاستعمار البريطاني. وما زال هذا الواقع الاستعماري المُقنّع قائماً في بلادنا حتى اليوم, فهناك علاقات وطيدة تربط عائلات فلسطينية وعربية بالملحق السياسي والعسكري للقنصليات البريطانية في شتى البلاد العربية. وما رسائل هنري مكماهون والحسين ابن علي إلا دليل ساطع على تلك الخيانات.
يرصد البطل مظاهر التزمت في المخيم بخصوص لباس الفتيات مترافقة مع الولاء للمحتل فالفتيات في المخيم ممنوعات من لبس "بنطال التايت", ومقابل هذا القمع يرسم الكاتب مشهداً أوروبياً يصف فيه مدى تسامح زوجة مع عشيقة زوجها وكيف تستقبلها في بيتها (ص:40).
كما ينتقد سلوك شباب الانتفاضة وعدم احترامهم للكبار في السن ويقول لو بقي نعيم النقي حياً لما سمح لهؤلاء الأطفال أن يذلوا الناس. لقد قتله اليهود لأنه كان يشكل ظاهرة نبيلة في المجتمع الفلسطيني. كما أن روح الشباب في المخيم تتطاول على قدر الشيوخ الذين لا يحترمون أنفسه أيضاً. فالرجل الطاعن في السن يرى فتاة يهودية فيتذكر ماضي شبابه في يافا ويعترف متفاخراً أنه عرف أكثر من مئة فتاة وحين يعاتبه البطل أن تلك المسلكيات أضاعت وطناً يخرج عن طوره. يحاول الكاتب إبراز التناقض النفسي في تركيبة الشخصية الفلسطينية التي تعترف بأخطائها لكنها غير مستعدة لأن تتحمل مسؤوليتها. وهذا يغريها كي تزعم بعض الحكايات البطولية لتغطية فسادها لتثبت لمستمعيها أن تلك التصرفات لم تسهم في ضياع فلسطين (ص:41).
إن عدم احترام الشخصيات لنفسها يشمل أيضاً تلك الفئة التي تصورت أنها تمثل الشعب الفلسطيني. وإذا كان سامي الكيلاني يقبل الذل لنفسه عندما تجاهله عضو الوفد الإسرائيلي حين حاول السلام عليه فهذا يعني أنه بلا كرامة شخصية ولا يستحق أن يكون ممثلاً لشعب يسعى لنيل كرامته. ولم يكن هذا السامي هو الوحيد المهزوم من داخله بل يذكر الكاتب جماعة ياسر عبد ربه ويقول:" لو نظروا إلى ما كانوا يقولونه قبل عدة سنوات لخجلوا من أنفسهم اليوم" (ص:42).
يطرح الكاتب أسئلة حول صراع البطل الوجودي حين يصر الناس من حوله على سؤاله:" من أنت بالضبط؟" يتذكر الفتاة أندريا التي سبق أن سألته نفس السؤال. الشاهد هنا أنه غريب عن أهله كما كان غريباً عن تلك الفتاة الأجنبية, والدليل أنهم سألوه نفس السؤال. ويعتقد البطل أن مشكلته لا تكمن في مسألة عدم الانتماء للفصائل الفلسطينية بل في الانتماء لأحدها, عندها يتم تصنيفه بالضبط فيصبح كائناً بيولوجياً فاقداً لعلاقاته الإنسانية لأنه يتحرك داخل قفص الفصيل كما يتحرك الحيوان الشرس داخل قفص من حديد في حديقة حيوانات.
وعليه يتمنى أن يصبح حشرة كي يتخلص من ضغط تلك الأسئلة:" هل أنت أردني أم إسرائيلي أم ألماني؟" أما ظل البطل فيضيق ذرعاً بالبطل فيسأله:" لماذا لا تكتب إلا ما هو أسود؟ ولا تقول إلا ما هو أسود؟" (ص:43).
ينتقل السارد بالكاميرا إلى مشهد آخر إيجابي: مشهد الشهداء الذين أجابوا بدمائهم على مضامين تلك الأسئلة الجارحة التي وجهوها للبطل. يتذكر أبا إياد, ماجد شرار, كمال ناصر, يوسف النجار, جيفارا غزة وآلاف من الشهداء الآخرين ثم يرى صورة ناجي العلي فيتذكر عز الدين القلق ونعيم خضر وبقية الشهداء الذين اغتالهم الرصاص الفلسطيني فينحني إجلالاً لهم لكنه يتساءل حين يرى المستعمرة:" لماذا نخسر دائماً؟" ثم يهمس حين يرخي الليل سدوله:" هل سيأتون الليلة لاعتقال شاب ما؟ لقد أصبحنا يهود النازيين الجدد؟" ويغطس في دوامة الليل من جديد:" تذهب في ليل فلسطين الطويل". وكأن البطل أدرك أخيراً أن ليل المخيم هو ليل نابلس, وهو ليل الضفة الغربية وقطاع غزة, ثم هو بالتأكيد ليل فلسطين الواحدة غير المجزأة.
وإذا كان بطل النص قد أدرك مصدر الألم الحقيقي ومساحته وأهدافه فمتى يدرك أبناء الشعب الفلسطيني أن صراخهم الوجودي العميق منذ معمعة مؤتمر مدريد كان حول خوفهم من ضياع مناطق 48 فقط. ماذا سيفعلون حين يدركون أن صراخهم القديم كان, دون أن يعووا ذلك, حول ضياع كل فلسطين, الخرساء المقدسة: أي الحلم اليافاوي القديم والواقع الضفاوي المُحتل؟ لم يكن يدرك البطل ولا السارد أن مؤتمر مدريد سيقود أيضاً إلى ضياع الضفة الغربية وقطاع غزة. ولم يتوقع أن المفاوضين الفلسطينيين سيعترفون لاحقاً بأن كامل فلسطين يهودية أي أنها لم تكن في يوم من أيام التاريخ فلسطينية عربية إسلامية. لم أجد في نص "ليل الضفة الطويل" مؤشراً واحداً يقود إلى هذا الاستنتاج. وهذا يعني أن البطل لم تكن لديه رؤية مستقبلية ثاقبة لما ستؤول إليه العملية السلمية التي كان يديرها أناس لا كرامة لهم فكيف يحققون الكرامة لوطنهم وأبناء شعبهم؟
وعليه لا أتفاجأ من اهتزاز الشخصية الفلسطينية من أعماقها كما يفعل أحياناً الديك البلدي بعد ذبحه بسكين ثلم. ومن الطبيعي أن ينعكس جرح الوطن على صفحات الإبداع الأدبي كما سنرى في مواقف الشخوص العلنية والسرية الذين يرتعدون من حقيقة أن فلسطين:" لم تكن في يوم من الأيام لهم." وأعتبر الكاتب مؤدباً كثيراً معهم, ولو كنت أقف مكانه لأغلظت لهم القول أكثر. فإذا كان الخائن يسمح لنفسه بأن يكون خائناً فلا يحق له ولا لغيره أن يتهم الكاتب بأنه يشتمه. وحتى يكون كلامي معبراً عن معنى النص, ولا يشتط بعيداً خارجه أرى أنه من الضرورة بمكان إظهار حقيقة ما جرى للقضية الفلسطينية التي يختلف حولها السياسي المتآمر مع الثقافي المُلتزم. ومن البديهي القول إنها قضية حربنا مع العدو الإسرائيلي. تلك القضية أرّقت كل المهتمين بها, سواء كانوا عرباً أم يهوداً أم أوروبيين. وكان السبب وما زال مكانتها الفريدة التي تميزها عن كل القضايا السياسية والوطنية والثقافية التي يتصارع حولها الإنسان مع الإنسان عبر التاريخ البشري.
وحين تكون القضية الفلسطينية بهذه الفرادة النوعية فعلام كان يفاوض المساومون الفلسطينيون إذاً خلال العشرين سنة الماضية؟ هل ما زالوا أصحاب قضية؟ هل هم شركاء قانونيين في عملية السلام الأجوف والحوارات الحمراء الدائرة بين صائب عريقات وتسيبي لفني؟ ولما كان القانون الدولي يؤكد أنهم ليسوا كذلك فإن هؤلاء قد أضاعوا وطناً مقدساً, والصفة التي يستحقونها ليس أقل من خونة في نظر شعبهم وبموجب الموازين الدينية والقانونية.
لقد غيّرت أحداث الجزء الأول من هذا النص القصصي موقف البطل الذي قرر منذ البداية أن يكون صامتاً لقناعته أن هذا الزمن هو زمن الصمت. وحين لم يستطع إلى ذلك سبيلاً انفجر تحت وطأة الأسئلة الوطنية الجارحة. وظني أن كاتب النص كان يُدرك منذ البداية وحتى النهاية أن بطولة البطل كانت على المحك السياسي والواقعي. لهذا أعطى الكاتب أهمية لواقع البطل أكبر من تلك التي أعطاها للبطل نفسه, فالبطولة والخيانة بنات الواقع. كان البطل صامتاً كي يفسح المجال للخطاب الجمعي الفلسطيني ليأخذ دوره الطبيعي في التفكير والكلام والفعل, إلا أن ذلك لم يحدث فانفجر وبدأ يتكلم نيابة عن شعب معظم أفراده إما منافقين أو خونة أو سُذّج. انفجر بعد أن كان مقتنعاً أن هذا الزمن هو زمن الصمت. لقد كان تطور البطل ضرورة لا بد منها وذلك لمأساوية الواقع الذي جلده بعنف بينما كان يحتضن بحنان جلاده العربي المستبد وغازيه الأجنبي الغاصب.
ج- الجزء الثاني:
تأسياً بالقاعدة النقدية الذهبية التي أرسى قواعدها الإمام الشافعي- رضي الله عنه- في إقامة الحوار الموضوعي بين أصحاب الرأي للوصول إلى الحقيقة أقول إنني سأطبّقها على قراءتي للجزء الثاني من النص القصصي "ليل الضفة الطويل" والتي مفادها أن:" رأيي صواب ويحتمل الخطأ, كما أن رأي مخالفي خطأ يحتمل الصواب". وانطلاقاً من احترامي لها فإنني أحترم رغبة كاتب النص د. عادل الأسطة في اعتبار الجزء الثاني جزءاً أصيلاً من النص رغم تمسكي برأيي إنه يمثل الفضاء القصصي للنص المذكور وليس جزءاً منه. وذلك أن الفضاء الروائي يكتب عنه القارئ أو الناقد كي يوضح أثر النص في عقل المتلقي: فهو المساحة الذهنية التي يتركها النص على ذهن المتلقي. ولا يكتبه كاتب النص لأي سبب كان.
لقد ذكرت أسباب ذلك في غير مكان من هذه القراءة والتي أظنها دفعت الكاتب للقيام بهذه المهمة التي ليست من اختصاصه النقدي ككاتب للنص. وفي تقديري أن الكاتب يدرك تماماً وجهة نظري النقدية, لذا أراه يبدأ نصه الثاني أثناء عمل الطابعة وهذه اللحظة هي التي تفصل بين زمني النص, أي مدة كتابة النص حتى طباعة آخر حرف فيه, وبين زمن الفضاء النصي الذي يبدأ لحظة استلام المتلقي للنص منشوراً. لهذا يدافع الكاتب عن دوره في الكتابة عن الفضاء القصصي كنص أدبي في غير مناسبة قائلاً:" إنه انتشر ولم ينشر".
وأي كان الحال سواء انتشر أم نشر فإن النص وصل إلى أيدي قراء كثر بوسائل عدة: من خلال طباعته بآلة طابعة وليس مطبعة, واستخدام الفاكس أو آلة التصوير. نشاهد مريم, وهي الشخصية التي تنبأت في الجزء الأول من النص بحدوث مشاكل للكاتب إذا قام بنشره, وإذا بها تتصدر المشهد الأول من الجزء الثاني. فقد طلبت من الكاتب نسخة مطبوعة كي تقرأها. ثم نصح صاحب مكتب ثقافي الكاتب بإرسال نسخة إلى تونس كي تقرأها القيادة هناك. هذا يعني أن النص كُتب وطُبع في عام 1993م أي قبل عودة ياسر عرفات إلى غزة بتاريخ 1/7/1994م. ثم يلتقي الكاتب بأحد الأشخاص اللذين تم ذكرهم بالاسم حيث قال له الكاتب وبضمير المفرد المتكلم:" ذكرت اسمك", فرد عليه:" لا ضير, أنا أدير خدي الأيمن لمن يلطمني على خدي الأيسر" (ص:45).
لكن صديق البطل الذي تلبّس بأخلاق المسيح قام بصياغة حوارهما ونشره بالجريدة ناعتاً الكاتب ب "الرجل الشرنقة". ثم التقى الكاتب مرة ثانية متهماً إياه بالكذب وهدده قائلاً:" لولا أنني اعرف مشاكلك الشخصية لعاقبتك" (ص:46). كما التقى الكاتب مرة ثالثة وسأله:" هل أنا كلب؟ أنت كلب وستين كلب". أجابه الكاتب:" أنا لم أذكرك بالاسم: كتبت عن كلب, وإذا كنت تعتبر نفسك هكذا فأنت كذلك".
ثم نقل أحد معارف الكاتب ويُدعى إبراهيم - كان يركب سيارة ويحمل طبقاً من الطعام الجاهز لزوجته العائدة من عمان للتو- خبراً مفاده أن أبا وردة غاضب عليه ويريد "إرسال جيش له" كي يعاقبه على اتهامه إياه بالسرقة (ص:47). وبعد أن تناهى إلى مسامع الكاتب كل تلك التهديدات قرر أن يكتب نصاً:" لا يثير مشاكل", لكنه لم يفلح (ص:48).
تبلغ ردود الفعل السلبية على النص القصصي ذروتها عندما تلقى مكالمة هاتفيةً من متحدث نقابي في جامعة النجاح يسأله فيها عن النص. وفي الاجتماع الذي عقد بينهما سأله رئيس المؤسسة عن النص وأخبره عن الشكوى التي تقدم بها زملاؤه ضده, فأجابه:" النص لم ينشر بعد", ثم أحضر الكاتب النص وقام بتصويره وأعطاه نسخة عنه(ص:49). ومن جميل الصدف الرباني أن الكاتب شاهد الرئيس ياسر عرفات على شاشة التلفاز وهو يجيب على سؤال الصحفي اليهودي يوني بن مناحيم بشأن الخلافات الفلسطينية-الفلسطينية المحتملة بسبب اتفاق أوسلو. أجاب:" احنا ديمقراطيون, وديمقراطيتنا سكر زيادة". لهذا قرر الكاتب أن يستشهد بتصريح الرئيس عرفات للدفاع عن نفسه أمام لجنة التحقيق التي شكلتها الجامعة قائلاً:" جاءت واحضرها القائد" (ص:50).
وكان سبب قيام المجموعة التي يعمل معها الكاتب بتقديم الشكوى ضده أنه يجرحهم شخصياً, وكانت موقعة من قبل شخص مهم في الجامعة يُكنى أبو نصير, ولعله رئيس المؤسسة. ويصفه الكاتب بأنه:" أرنب أيّد النص ثم انقلب على صاحبه. ومن عادته أن يقول:" كلاماً أمامك ثم يغيره في غيابك". أما رد فعل رئيس المؤسسة على كلام الكاتب فكان مُضحكاً. يقول: يقول عني الكاتب إنني قلت:" كيف أنا ما بعرف لغة عربية. عربي بعرف" (ص:53). إن التجربة المريرة التي مر بها الكاتب وما تعرض له من غدر وخذلان من قبل زملائه ومعارفه من الفصائل الفلسطينية جعلته يُصر أكثر على النص ورضي عن طيب خاطر أن يكون:" ضحية الدولة الديمقراطية".
ومن الملاحظ أن موقف بطل النص القصصي شهد تطوراً جذرياً بعد أن مر بأربع مراحل: مرحلة الحياد, مرحلة الصمت, مرحلة الإصرار على ما كتب, ثم مرحلة تحدي خصومه حيث أعلن ساخراً:" ليكن لنا سجننا الوطني, فهذا أفضل من سجن الاحتلال", ثم يستشهد بقول الشاعر مظفر النواب:" قاومت الاستعمار فشردني وطني".
ويذكرني موقف الكاتب د. الأسطة بموقف سقراط الحكيم حين تم الزج به في السجن من قبل خصومه الأثينيين بسبب مواقفه المعارضة لنظام الحكم في أثينا. أصر على مواقفه وحين زجوا به في السجن امتثل لقرارهم, ثم رفض مساعدة مؤيديه لتهريبه منه. وقد اتخذ موقفاً صلباً سجله له التاريخ حين تقبل حكمهم عليه بالموت سماً حيث قال قولته الشهيرة:" أتجرع السم وفاءً لوطني وقوانين دولتي حتى لو كانت ظالمة". وقد أعلن تبنى الكاتب موقفاً يشبه موقف سقراط حين سأله قائد القوات الضاربة في الجامعة عن قصده من وراء كتابة هذا النص فأجابه متحدياً:" كتبته من أجل أن أفضح أنفسنا أمام أنفسنا" (ص :54).
ورغم سلسلة التهديدات التي اعترضت حياة الكاتب وهددت بقطع مصدر رزقه, سواء في المخيم أو الجامعة أو أثناء سفره من رام الله إلى نابلس, إلا أن نصه القصصي لم يفقد روح الدعابة المُرة. يقول إن قريبته, التي لم تنهي الصف الخامس الابتدائي, تروي نكتة متداولة عن سبب حمل السيدة سهى عرفات بطريقة أكثر دراميةً من تلك التي سمعها سابقاً من شاب يساري. قالت:" أعلنت ثلاث منظمات مسؤوليتها عن حبل السيدة سهى". ويضيف أن قريبته سألته إن كان يعرف الفرق بين عمر بن الخطاب وياسر عرفات. هز الكاتب رأسه بالنفي, فأجابت بتشبيهات بليغة تلاعبت فيها بحروف وكلمات اللغة العربية. قالت:" الأول إمام عادل, أما الثاني فعادل إمام"(ص:55). كانت تلك الفتاة تتوفر على فهم عميق للواقع السياسي الفلسطيني, يفوق فهم السياسيين وبعض الأكاديميين.
ثم يلتقي الكاتب بشخص يقرأ الأدب لكنه لا يعتبره أديباً أو كاتباً. أشاد هذا القارئ بالنص القصصي قائلاً:" لو كنتُ صاحب قرار لأعطيتك جائزة", كما حاول الكثيرون ممن شدهم النص معرفة أسماء الشخصيات الواردة فيه. أجابهم الكاتب:" كل شخص يجد نفسه في النص فهو مقصود" (ص:56).
ونتيجة للضغوط التي مارسها خصومه عليه توقع الكاتب تدخل الشاعرين محمود درويش وسميح القاسم لإنصافه, لكن أياً منهما لم يفعل, إما أنهما لم يقرأا النص أو خذلاه كما فعل بعض المثقفين والأكاديميين به سابقاً. وحين أُسقط في يده اقترح على اللجنة التي شكلتها الجامعة أن يقرأ النص ناقد روائي لكن الجلسة انفضت دون نتيجة (ص:57). وبتواضع جم, وبلا مجاملة أقول إنني حققت حلم الكاتب في أن يقرأ نصه روائي عادل لا يشبه عادل إمام.
أما أستاذ الأدب الإنجليزي الذي قرأ النص ولم يحبذ ذكر الملك حسين فيه. فإنني أرى هذا الأستاذ يمثل غلبة الأكاديمية الجبانة على الإبداع الجريء. فنحن نعيش في عالم عربي مستبد, يخضع فيه صوت الثقافي لسوط السياسي. وعليه لا أرى أن خشية هذا الأستاذ الجامعي من عواقب ذكر اسم الملك حسين في النص تصب في مصلحة شرفه الأكاديمي. ويكشف جواب الكاتب عن مأساة الأكاديمي العربي الذي يخاف على لقمة عيشه أكثر مما يخشى تأنيب ضميره:" أما يكفي أن أبا عمار والثورة الفلسطينية برأت الملك؟" وأعتقد جازماً أن الكاتب يدرك دوره الطليعي في قول الحقيقة والتمسك بها لكشف المتورطين في سفك دم الشعب الفلسطيني والتآمر على هويته ومصيره.
ثم قرأنا رأي الأستاذة الجامعية التي تصف النص بأنه "أدب مظلم". قالت للكاتب:"ثمة أشياء مشرقة في هذه الدنيا ولدى هذا الشعب". وعلى الرغم أنني لم أعرف اسمها ولا تربطني بها علاقة إلا أن الموضوعية تقضي أن أصفها بالناقدة الموضوعية. نعم ليس هنا أو هناك أدب مظلم أو أسود, فالأدب لونه رمادي, يضيء منطقة الاشتباك الكوني بين اللون الأبيض واللون الأسود في عوالم الواقع والخيال والمجاز. كما أنني لست مع استحضار الكاتب لمقولة شاعرنا الكبير محمود درويش حين تساءل ذات يوم:" لماذا تكون القصيدة بيضاء والواقع أسود؟" لماذا وكيف تكون القصيدة سوداء أو بيضاء حُكماً؟ لماذا لا تكون رمادية متوازنة؟ وحين تكون رمادية يستطيع القارئ أن يستخلص منها اللون الذي يعبر عنه, إذ ليس هناك في أرض الواقع سواد خالص ولا بياض خالص, ولا يجب أن يكونا في الأدب كذلك قياساً على الواقع لأن الأدب نص من الواقع (ص:58).
يثير الكاتب في نصه القصصي إشكالية عويصة تكرّست في العقلية العربية الفلسطينية. فحين يختلف متحاوران حول قضية ما فإن أحدهما يتهم الآخر بالخيانة أو الردة أو الانبطاح للأعداء. وهذا ما عانى منه الكاتب بسبب نصه, إذ تعرض لحملة تشكيك واتهام له بالتجسس على ما يقوله زملاؤه:" أذن تسمع وتدون ما يقال"(ص:59). وقد انضم أخو الكاتب في اتهامه إلى جوقة اللائمين:" لم تترك واحداً من الناس إلا كتبت عنه, فهل أنت أحسن من الناس؟" وأقول إننا نحن العرب تربينا على الاستبداد فأصبح جزءاً من شخصيتنا دون أن نعي هذه الحقيقة. ما زلنا لا نتقن الحوار مع بعضنا الآخر رغم أن إرثنا الإسلامي ترك لنا منهجاً ولا أرقى في إدارة الاختلافات وصياغة الحوارات. ماذا لو تبنينا القاعدة الذهبية للإمام الشافعي: رأيي صواب ويحتمل الخطأ, ورأي محاوري خطأ ويحتمل الصواب"؟ لو فعلنا هذا لكنا ما أسعدنا من أمة! لو كنا كذلك لوفرنا على أنفسنا قتل إخواننا وتهديم مدننا وتخريب مجتمعاتنا بأيدينا العابثة الجاهلة.
وحين هدأت الضجة ضده بعدما سافر أحد المكتوب عنهم إلى الخارج:" ذهب كالكلب الذي يبحث عن عظمة" (ص:60). شعر الكاتب أن عليه التوضيح أن موقفه إيجابي من قضية الشعب الفلسطيني ويُقدّر عالياً التضحيات التي قدمها الأسرى والشهداء. وكأني به أدرك أخيراً أن بعض ما يُقال عن سواد نصه القصصي صواب. وهكذا عدّل من سوداويته بأن أردف نصه بمشهد أبيض يروي قصة ظلم اليهود لشعبه المسكين. وأقول إن الكاتب حاول رفع نسبة اللون الأبيض في نصه لتكون أكثر من نسبة اللون الأسود كي يرسم لوناً رمادياً موجباً في نصه. لذا أضاف موقفاً وطنياً- لم يذكره في الجزء الأول من النص- من العدو الإسرائيلي حين التقى عمانوئيل اليهودي ذات يوم. قال له:" إن ما تفعلونه بالفلسطينيين يشبه ما فعله النازيون بكم". كما رفض حذف بعض العبارات التي من شأنها خفض نسبة المقولة السلبية في أدبه:" كتبتُ النص وانتهيت منه, ولا أعتقد أنني أفعل ذلك" (ص:61).
في الصفحة الأخيرة من نصه يُمجد الكاتب شجاعة المثقف الملتزم في مجاليّ النقد والكتابة التي في رأيه لا تعرف مُحرماً:" ما دام الكاتب يرسّخ قناعات فلسطينية أصيلة". وأقول إن الحرية تقتضي المسؤولية,وإن العبرة بالخواتيم. ثم يقول بلهجة التحدي:" إذا أرادوا أن يحاكموني فليحاكموا الثورة الفلسطينية ومحمود درويش والأدباء الفلسطينيين الذين صاغوا وعينا الوطني. ليحاكموا الشعارات التي ربونا عليها طيلة خمسة وعشرين عاماً!" ثم وجه نقده للشعب قائلاً:" شعب لا يحتمل وجود نص أدبي فكيف سيتقبل المعارضة؟ هل سيتحول أبو عمار إلى ملك"؟
وبصراحة جاء نقده للمستوطنين اليهود الذين يحرقون الشجر والمدن والسيارات في غير مكانه فنياً. فهو يسخر من ديمقراطية اليهود التي لا تختلف في دمويتها عن ديمقراطية العرب:" اللهم إلا أننا لم نطردهم من ديارهم لنقيم دولتنا على أنقاضها". إن الخلط بين القضية الديمقراطية والمواجهة الوطنية خطأ فكري. لا يمكن القول إن بناء المستوطنات يتقاطع جدلاً مع الديمقراطية. فما بيننا وبين اليهود ليست مسألة ديمقراطية بل صراع وجودي حول كل شيء. ويُلخّص الكاتب مقولاته بمقولة خرجت كصيحة حرّى من أعماق فؤاده الجريح احتجاجاً على عالم يظلمنا هنا, بينما يُمجد الديمقراطية وحقوق الإنسان هناك:" هذا العالم مهزلة! هذا العالم مهزلة!" لأنه يكيل بمكيالين في وقت واحد (ص:62).



4- الفضاء النصي:
أثار لدي النص القصصي, "ليل الضفة الطويل", أسئلة نقدية جمة. وأول هذه الأسئلة: لماذا رسم الكاتب بطل نصه بلا اسم خاص أو عنوان واضح؟ هل أراد أن لا يتحول نصه إلى سيرة ذاتية. لكن ما الًإشكالية التي قد يثيرها هذا الجنس الأدبي الذي رفض الكاتب الأخذ به؟ أظن أن وراء ذلك عدة أسباب: أولها, أن السيرة الذاتية تقضي أن يكون اسم وعنوان بطلها معروفين وموثقين داخل النص. فصاحب السيرة الذاتية يكون معروفاً مكاناً وزماناً وسلوكاً للقارئ. وحين يعرف القارئ اسم البطل يجوز له أن يسائل الكاتب عن مصداقية ما كتب في نصه. ولما كان الكاتب يختبئ دائماً خلف السارد والبطل اللذين يخلقهما في نصه فإن ذلك يصبح غير ممكن فنياً بعد أن يرسم سارداً في نصه يخاطب بطلاً درامياً بضمير المخاطب "أنت" وأحياناً "أنتم".
كما جعلني النص استحضر قول الشاعر:" عش دون رأيك في الحياة مجاهداً إن الحياة عقيدة وجهاد". فهل يتوفر البطل على مرجعية فكرية؟ وما هي؟ أغلب ظني أنه انتحل صفة الحيادية المؤقتة كي يخفي عن عيون القراء شيئاً ما لا يحب الكاتب أن يعرفوه. ما هو هذا الشيء الممكن, يا ترى؟ هل هو افتقاره إلى مرجعية روحية تشد من أزره لحظة الضغط على زناد الكلمة؟ أتراها قناعته الجوانية أن الانتفاضة عشوائية وأضعف من أن تحقق حلمه في التحرير والعودة؟ وربما آثر أن يعبر عن مواقفه من أحداث الانتفاضة الأولى خاصة وآرائه الفكرية عامة برسم بطل فوق وطني كي يكون شخصية إنسانية, يتماها معها القارئ ويعتبرها قصته الشخصية, وأراني أحد هؤلاء المتماهين.
السؤال النقدي الثاني الذي أراني أستشعر وطأته حتى اللحظة هو الحوارات الكثيفة بين السارد والبطل. فمن خلال تتبعي للنص وجدت السارد خفياً, غير معروف الاسم أو العنوان أو الصفات أو السلوك, كأنه نصف إله, كلي العلم والقدرة, يعرف كل صغيرة وكبيرة عن البطل: يعرف أحلامه وهواجسه ونقاط ضعفه وقوته. والبطل كما أسلفت آنفاً بلا اسم أو عنوان أيضاً, وكأن التشابه بينهما مقصود كي يخلق حالة درامية أشبه ما تكون بالحلم بحيث لا يستطيع القارئ العادي أن يفرق بين ما يقوله السارد وما يؤمن به البطل. وعلى أي حال تبقى العلاقة الشكلية بينهما مسألة فنية لا يمكن للناقد أن يعترض عليها, أما الحوارات بين البطل وباقي شخوص النص فتجري بشكل متقطع, دون رابط يربط اللاحق بالسابق.
وأظن أن صفات ومواقف البطل في هذا النص تثير أسئلة نقدية أخرى: لماذا نراه سلبياً في البداية ثم يهتم بما يجري حوله من أحداث سياسية لاحقاً؟ كيف له أن ينفعل ولا يتفاعل في جزء كبير من النص؟ وهل يكفي أن يتكلم جملاً قصيرة كي يقنعنا أنه يتفاعل لغوياً مع الأحداث حوله؟ وربما يعارضني قارئ ليقول: ماذا تريد منه أن يفعل؟ هل تطلب منه أن يحرر فلسطين بعد أن أخفقت ثورة شعبه المسلحة؟ هل تنتظر منه أن يفك الاشتباك بين الفصائل الفلسطينية المتصارعة؟ وحين أسمع مثل هذه الأسئلة المحقة أتذكر أنني أتعاطف معه ولا أهاجمه لأنه يشبهني , وأسئلته الوجودية هي أسئلتي بالضبط.
وسؤالي الثالث يتصل بمكون أساسي للنص الأدبي ألا وهو الخيال الخصب. وأرى أن غيابه شبه كامل. وحتى لو صنفناه أدباً سياسياً فإن الحد الأدنى من نسج الخيال لم يكن موجوداً: فالمشاهد الني يرسمها الكاتب تكاد تكون صوراً فوتوغرافية تحكي جوانب من قصة أستاذ جامعي, يصارع عوامل النفاق السياسي والتقلب الفكري والحزبي في بيئته الاجتماعية والأكاديمية والسياسية. وأكاد أجزم أن تلك المشاهد لا تكون عالماً رحباً يتسع لأحلام البطل بل أراها ترسم واقعاً محاصراً جداً, يشبه السجن أو المنفى, يشكل الصمت الطويل والحركة البطيئة والنقاشات الساخنة افقه الواطئ والضيق. لماذا رسم الكاتب نصاً محكوماً بالضيق والسكون كأنه زنزانة تحوي خلف جدرانها بطلاً مقيداً بلا سلاسل منظورة, لا حول له ولا قوة؟ لماذا أفقد نصه تلك القوة المعنوية الخلاقة التي تصنع من الضيق التزاماً والحصار انطلاقاً ومنع التجوال حركة تحلق بالبطل في عالم رحب يعوضه عما هو فيه من معاناة وتشققات نفسية حادة؟ هل أراد أن يرسم بطلاً ضحية؟
أما سؤالي الرابع فيدور حول لغة النص السهلة ومفرداته الواضحة وتراكيبه البسيطة وتوظيفه كلمات عامية في بعض الجمل. لم أجد في لغته بياناً يُثري النص بالكنايات والاستعارات والتشبيهات إلا فيما ندر من بعض المشاهد الوصفية: مثل تشبيهه فتح بالفول, وحماس بالحمص, والجبهتين بالجبنة الدنماركية. وأرى أن هذه العبارات المجازية تثير الضحك والسخرية أكثر مما تثير الخيال والشعرية لدى القارئ أو الناقد. فالأصل في اللغة البيانية أن تعطي النص بتعميق معانيه, وترسم مشاهد مركبة مكونة من طبقات من الأفكار. ما وجدته كان لغة مكشوفة النقاب, سهلة, سردية, تقريرية, عارية عن جمال المحسنات والصور الخيالية التي تعطي النص بعداً إضافياً ومعنى خلاقاً.
أما سؤالي الخامس فيتعلق برسم شخصيات النص وتطورها المفترض. كانت شخصياته جامدة, مسطحة, لها بعد واحد, غير قابلة للتطور الدرامي, لا نعرف عنها سوى صفة أو صفتين عمد الكاتب إلى توظيفهما كي تعبر عن آرائه السياسية فقط. ليس لها شخصيتها الإنسانية, باستثناء البطل الذي تغير وتطور. لم تتطور تلك الشخصيات, بقيت في النص وفي أذهاننا كما شاهدناه من خلال قراءتنا لدورها القصير. ظلت كما عرفناها أول مرة, ساكنة, غير فاعلة في سياق أحداث النص. وربما يعود ذلك إلى كون النص قصصياً, قصير النفس, وليس روائياً طويلاً ذا مساحة عريضة. لهذا بدت شخصيات النص, رغم صدق ودقة ما قيل عنها, كأنها نماذج تقليدية تمثل قيماً سلبية نعرفها مسبقاً على أرض الواقع أكثر مما عرفناها في النص. وهذا أمر معاكس لدور الأدب عموماً, فوظيفة الأديب أن يضيف للواقع معانٍ وأوصافاً جديدة لا يراها الشخص العادي في أرض الواقع. وليس من صفات النص الأدبي أن يكون أقل معنى من الواقع. وعليه بدت لي تلك الشخصيات نماذج تقليدية نعرفها على أرض الواقع قبل أن نقرأ عنها في النص, ولم تزدنا قراءة النص دهشة بها أعمق من احتقارنا لها على أرض الواقع. لهذا ما زلت أتسأل: ماذا أضاف النص لي كمتلقي؟ ولعلي أرى الكاتب معذوراً في تقصيره في خلق شخصيات مركبة ومشاهد مؤثرة في نصه: فقد كان عدد الشخوص الدرامية كبيراً ومساحة النص لا تتيح فعل ذلك.
كما كانت أحداث النص قصيرة ومبتورة, غير ممتدة في المكان والزمان الدراميين, وليس لها صدى استشعره في وجدان الشخصيات ذاتها. فكما تخلق الشخصية حدثها فإن حدثها يعيد صياغتها معنوياً: فالذي يرتكب جرم الخيانة يكتسب لاحقاً صفتها فنسميه خائناً. أي رغم أنه هو الذي قام بفعل الخيانة إلا أنه بتصف بصفتها فنسميه خائناً. كما كانت حركة الأحداث بطيئة, أفقية, وضاغطة على الشخصيات. وكونها كذلك تعني أنها تتعرض للقمع المُقنّع الذي يمنعها من أن ترفع رأسها لتحلق بأحلامها عالياً, وتسمو بروحها. إن غياب الحركة العمودية للأحداث في النص تؤكد انكسار الشخصيات المشاركة فيها: البطل أولاً وباقي الشخصيات الثانوية ثانياً. رأينا الحركة الأفقية تتجلى في سير البطل في السوق, وركوبه الحافلة إلى الجامعة, وجلوسه على الكرسي خلف مكتبه, ثم قراءته الجريدة وشربه الشاي أو القهوة. وتلك الحركات تمثل حركات الحد الأدنى من الحياة المعاصرة, فهي عادية غريزية يمارسها أدنى الناس نشاطاً في المجتمع, ولا تنم عن أي مسؤولية يتحملها إزاء قضايا الوطن المصيرية أو أيديولوجيا المجتمع الذي يعاني من الاحتلال والتفكك الحزبي والتناقضات السلوكية لأفراده. سمعت كلاما وشاهدت وصفاً قام به السارد لشخصيات النص ولكنني لم أرهم يقومون بأي فعل أحدث أثراً سلبياً أو إيجابياً في نفسي, اللهم ما لدي من موقف مسبق عن هذه الفئة, السارد هو الذي قال لي كل شيء عنهم.
أصدقكم القول إنني لم أجد الكاتب يمتلك جملته الخاصة به في النص, والتي يجب أن تميزه عن أقرانه من الكتاب. كانت جمله فعلية ولا وجود جليل للشخصية فيها, فاللغة الأدبية الإبداعية إما أن تكون وطناً أو منفى للشخصية. فابتكار اللغة في النص مثل ابتكار الدليل في الوجود, والميلاد الجديد للمخلوقات. كما أنه لم يُقم فلسطين في نصه, حتى أنه طرد الضفة منه, فقد لعنها عدة مرات. لهذا لم يتجدد شوقي للنص بسبب غياب سؤال قضية الوطن فيه. لقد وجدته يخلو من التأويل الضمني, يشبه الصقيع, ولا توجد فيه حماوة الاشتباك بين اللغة والمتلقي. رأيته منفى, يعيش البطل فيه بلا حرية أو حلم أو تفكير خلاق. كما وجدته خلواً من القداسة, أين القدس؟ ألا تدور جل أحداث النص على أرضها وتحت سمائها؟
وربما عانى النص من الافتضاح والوضوح المفرط, لم أستطيع أن أقف أمامه أو خلفه أو في مرآته كي أرى أشياء كثيرة غير التي رايتها في الوهلة الأولى, فهو كما هو هنا فقط, بلا قوة تدفعه كي يكون هناك أيضاً, في أمكنة أتخيله فيها.
كما أن تصنيفه بالأدب السياسي لا يعفي الكاتب من تحمل مسؤولية وقوع النص أسيراً للسياسة: فالأدب ليس سياسة, والسياسة ليست أدباً: فالأدب يعالج قضايا وجودية تتصف بالديمومة والثبات, أما السياسة فهي فن الرقص على مساحة الممكن والمتغير دائماً. لهذا نادراً ما نال نصاً أدبياً يرتدي ثوب السياسة صفة الخلود, فهو رهينة ريح السياسة التي ليس لها من قرار.
والأدهى أن السياسة حاضرة فيه أكثر من حضور ثوابت الوطن. رأيت البطل أسير السياسة المتغيرة وليس الذاكرة الحنونة التي تنقل النص عبر أزمنة متعددة: الماضي, الحاضر, المستقبل, الزمن النفسي, الزمن الميكانيكي. لهذا شعرت أن النص, رغم صدق مقولاته, خصمي في شخوصه ولغته وأحداثه وزمانه مع أنني تعاطفت مع بطله المُضطهد. لقد كان نصاً مُحرجاً لي لأنه يتحدث عن حثالات من الناس يمثلون وطني ولا أستطيع خلعهم من حياتي أو تفكيري.
وسؤالي النقدي الأخير: هل هو نص حداثي أم تقليدي؟ رأيته مسطحاً كالمرأة العارية, لم يكن مغلّفاً بالمشاهد المستفزة, ولا ملغّزاً بالمعاني الفكرية, ولا مؤثثاً بالأفكار الإنسانية, ولا مُحملاً بتقنيات العصر فكيف يكون حداثياً؟ لم يكن البطل يحمل هاتفاً نقالاً, ولا يملك سيارة كمؤشرات على عصريته, ولا يرتاد المسارح ودور السينما رغم محاولته فعل ذلك وانتقاده المسؤولين عن إغلاقها. لم يحملني النص إلى المستقبل الحالم,ولا إلى دفاتر الزمن الجميل أيام دراستي في الجامعة العبرية, ولا إلى ماضي يافا السعيد بل أنا الذي حملته كواقع مُر وذاكرة من رماد. لم أستطع التحليق في عالمه كي استمتع بجمال الحياة ومتعة الأدب, ولم أشتم رائحة ليمون حيفا الشامخة, ولا ذقت طعم برتقال يافا العتيقة فكيف يكون تقليدياً؟ ما شممته كان عفن السياسيين المعاصرين, وليس عبق التراث المتجدد.
أما صفة الإبداع الأساسية في النص فتكمن في أنه انتصر للإبداع الجريء في معركته ضد الأكاديمية الجبانة. لهذا كان النص صادقاً, رسم دقات نبض الشارع الفلسطيني في مرحلة صعبة. وعليه أقول إن الكاتب كان مقاوماً بلون خاص, وحداثياً من حيث حرية التعبير الفكري. فهو مع حرية الكلمة بغض النظر عن قائلها وزمانها ومكانها. لهذا فهو إنساني النزعة, فوق وطني, وليس متعصباً لعرف أو عرق أو دين.
وبسبب تلك النزعة الطوباوية في الانتصار لحرية التعبير دون قيد أو شرط, لا أرى البطل ملتزماً بثوابت الوطن والهوية. ولم أتحقق من وجود تماس ملموس بين النص والقضية الوطنية الفلسطينية. ما رأيته بعين خيالي هو تحرش ثم اشتباك بين النص والسياسة. وكان هذا التحرش تشييئاً لا أنسنة. فقد عمد الكاتب إلى تشييء الفصائل احتقاراً لها: فهو يشبه فتح ب"الفول", وحماس ب "الحمص", والجبهتين بالجبنة الدنمركية. إن تجريد البشر من قيمتهم وقيمهم الإنسانية يخلق للكاتب أزمة هوية: فمن هو إذاً؟ وإذا لم يكن فولاً أو حمصاً أو جبناً دنمركياً فهل يجوز لي أن أسأل إن كان مرسيدساً ألمانياً؟ كما لم يقم الكاتب بأنسنة قضاياه المطروحة فقد بقيت فلسطين ظلاً جامداً, غير مؤنسنة, تحيا خارج وطن النص, في منفى, لم يتحدث النص عن امرأة أحبها البطل تشبه فلسطين أو يافا. كانت القضية الوطنية مجرد حيز في الجغرافيا المحتلة وذاكرة في الزمن الصامت.
ورغم كل ما ذكرت من مآخذ فنية وفكرية على هذا النص القصصي الفريد في شكله ومضمونه فإنني أجده عبقرياً في تصوير الأحداث والمشاهد رقم قصرها. كما كان كذلك في كشف الخلل في شخصيتنا العربية الفلسطينية, وقد لامس نقاط ضعفها, فكان هو الزرقاء الجديدة, ذات البصر الحاد الذي غلب شسوع الجغرافيا فأفلح في سبر غور أشكال جهلنا وتخلفنا ونفاقنا بصورة درامية صريحة. لم يرصد عدواً يأتي من خلف هضاب الجغرافيا, بل طارد عدواً يشبهنا ويعيش في دواخلنا. وحسبه فلاحاً أن أحداً من الكتاب والأكاديميين الفلسطينيين, الذين أسمع بهم, لم يتجرأ على كتابة نص يشبه نصه المقدام الذي قد يعيق تلاشينا في غسق الليل الرمادي.
صدر للناقد:

# "أحلام الطفولة", سيرة ذاتية بالإنجليزية, موقع إلكتروني, 1982 م.
# "تأملات", كُتيّب, سيرة الشيخ مصطفى صبري, 1992 م.
# "أعلام من فلسطين", كُتيّب, سيرة أبو علي إياد, 1993 م.
# "رؤى فلسطينية", بالإنجليزية, مع وولف جانج فروند, 1993
# "غزل الذاكرة", رواية, اتحاد الكُتّاب الفلسطينيين, 2000 م.
# "زمن المرايا", رواية, موقع إلكتروني, 2002 م.
# "كثبان الذهب الأسود", قصص قصيرة, اتحاد الكُتّاب الفلسطينيين, 2003 م.
# "وطن الفينيق", رواية, موقع إلكتروني, 2005 م.
# "الحصار", رواية, اتحاد الكُتّاب الفلسطينيين, 2007 م.
# "مقالات أدبية وسياسية", موقع إلكتروني, 1984-2007 م.
# "قصة حُب مقدسية", رواية, اتحاد الكُتّاب الفلسطينيين 2008
# "أوراق لاجئ", رواية, اتحاد الكُتّاب الفلسطينيين, 2010 م.
# "أبحاث ومدارات ثقافية", 1995-2010 م.
# "تنهدات فلسطينية من غرناطة", دراسة نقدية, اتحاد الكُتّاب الفلسطينيين, 2011 م.
# "الراهب يعقوب",رواية, اتحاد الكتّاب الفلسطينيين, 2011 م,
# "كوابيس", رواية, اتحاد الكُتّاب الفلسطينيين, 2012
# "حجة بألوان العصور", نص سردي, اتحاد الكُتّاب الفلسطينيين, 2013م.
# "كبابير حيفا", رواية, وزارة الثقافة الفلسطينية, 2014م.





تعليقات حول هذه المقاله
العنوانالكاتبوقت الإضافه

تصويت
ما رأيك بالموقع ؟
ممتاز
جيد
مقبول
سيء
نتائج التصويت

حجة بالوان العصر


لوحاتي




كتاباتي

غزل الذاكرة
زمن المرايا
وطن العنقاء
كثبان الذهب الأسود
أبو علي إياد
تأملات مصطفى صبري
الأولاد والشمس
إنشطار الذات
معركة النفق
مكانة القدس
جدار الفصل العنصري
وطني ليس حقيبة
إمبراطورية النفايات
قراءات أمنية
امرأة لا تغار
صراع لا يموت
أصحاب الملايين
صوت الذاكرة


الساعة

صدر حديثا


 
Qalqilia NetWork