إبحث عن:    
القائمة الرئيسيه
صفحة البداية
القصة القصيرة
القصص والروايات
دراسات و ابحاث
المقالات والترجمات
الكاتب يوسف العيلة
معرض الصور
شاركنا رأيك
English Site

تسجيل الدخول
إسم المستخدم:

كلمة المرور:


تسجيل
هل نسيت كلمة المرور

المقالات الأكثر قرائة
1 من الممات إلى البعث .... نظرة إسلامية تقليدية
2 تأملات - الفصل الخامس : موروثات
3 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المصادر والمراجع)
4 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المقدمة)
5 الإسلام دين الفطرة الإنسانية

الكاتب يوسف العيلة


جديد الروايات

 

صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في رام الله دراسة بحثية بعنوان " لسانيات الخطاب الشعري المعاصر ، ليليان بشارة - منصور نمرذجاً " للروائي يوسف العيلة . تضئ الدراسة بعضاً من واقع اللغة العربية في الداخل الفلسطيني . ويقع هذا الإصدار في مئة وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، وهو السابع عشر في سلسلة إصدارات يوسف العيلة النقدية والروائية .


قراءة المقاله



رواية كبابير حيفا - الفصل (7) - سؤال المهدي
كتبت بواسطة: يوسف العيلة - el 10/07/2013 - 809 زوار        


كنتُ شارداً بخيالي في تفاصيل زيارة جدتي لمقام النبي إلياس حين أعادتني حيفا إلى حضنها النعناع. باتت علاقتي بعروس الكرمل أقوى وأسمى مما كانت عليه قبل زيارتي لها. لم تعد الكرملية شبحاً غامضاً يشبه هيئة الجنيّة التي زعم الهلالي أنه تزوجها. فقد عايشتها من داخلها, وشممت رائحتها, وشربت من لماها الطيب فألفتها والفتني حتى بتنا حبيبين لا يستطيعان الابتعاد عن بعضهما الآخر رغم خطوبتها على يهوشع المغربي كما قال لي. ولأننا كذلك منذ 28/6/2012 فسأظل أشتاق إليها كما أشتاق لرؤية عايدة المقدسية.

قال احد الضيوف لجليسه في الحافلة إنه رأى حيفا أثناء نومه في الليلة السابقة بهيئة امرأة تبحث عن شخص ادّعت إنه جاء من منطقة مثلث بني صعب كي يتزوجها. قال:" سألتها: ما أسمه؟ فقالت لي: اسمه يشبه اسمي." تذكرت أنني الكرمي المحب لها وأنها الكرملية التي أحبتني فعرفت من مقاربة اسمينا أنها كنت تسأل عني. شعرت بسعادة غامرة, لم يعد إحساسي نحوها وهماً كما هي العلاقة بين الهلالي وزوجته, هناك رجل يشهد بالحق أنني وإياها نبحث عن بعضنا الآخر في تضاعيف الزمان وتلافيف المكان رغم صراع الديّكة الذي يشهده الجليل الفلسطيني منذ ستين عاماً ونيّف.
ولو كانت جدّتي ترافقني في تلك الرحلة لقالت لمن روى حلماً قصة حبي الجديد لحيفا:" أتريد أن تثبت حباً بديهياً بين الكرمي والكرملية رغم كل الدلائل التي تؤكده؟ ألا تعرف أن الكرمل هو كرمة الأرض المُقدسة, وكرامة أهل الشام والحجاز, وكَرَمٌ الله الذي هبط علينا من السماء دون حساب؟ وإذا كنت تظن سوءاً بالجليل الأجل, ولا تؤمن بإنعامات الله لأوليائه, وكرامات أنبياء والعارفين والصالحين, الله لا يجعلك تؤمن".
وبالرغم من تهديد جدّتي الأخرس لي وله ولكل من لم يسمعها أو يراها في حيفا, ظل نقاش الأحمدي وجناجرة مُحتدماً. رأيته يتحول إلى فكرة مهمة كانت تشغل بالي منذ بداية رحلتي:" هل المهدي المنتظر هو حضرة ميرزا غلام أحمد أم شخص آخر ربما يكون سنياً أو شيعياً يأتي لاحقاً"؟ كان كل واحد منهما يسأل ويجيب, فاختلط عليّ الأمر وبات حديثهما حواراً بين طرشان, لهم آذان لا يسمعون بها, وأفواه لا تتكلم إلا مع ألسنتهم, وعيون تحكي ولا يسمع كلامها أحد. أُجزم أن حوارَهما كان سليل عقلية قبلية تجيد الشجار, ولا تحسن الحوار. فلا عجب أن يكون حوارهما ظاهرة صوتية بامتياز, لا تحمل أحداً على احترامها أو الاستماع إليها:
- مَن قال لك إن ميرزا غلام أحمد هو المهدي المنتظر أو المسيح الموعود كما تدّعي؟
- هو الذي بشّرنا بهذا...يوجد علامات كثيرة على صدقه.
- وما هو الدليل على ذلك؟
- سورة الجمعة! ألم تقرأها؟
- لا! لم أقرأها! ماذا تقول السورة عن مهديكم؟
- تقول (( يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك العزيز الحكيم. هو الذي أرسل في الأميين نبياً منهم, يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. وآخرين منهم لمّا يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم: سورة الجمعة: آية 1-4 (( .
- وما معنى هذه الآية؟ هل معناها أن ميرزا غلام أحمد هو المهدي؟ من أين أتيتم بهذا التأويل الخارج عن معنى النص القرآني؟ هذا ترقيع في ترقيع؟
- وهل لديك دليل أنه ليس هو المقصود بها؟
- ولماذا لا يكون المقصود بها أنا: أحمد جناجرة, ابن المقيبلة المسلم السني؟ فأنا مؤمن بالله ورسوله والقرآن الكريم, ولا أسرق ولا أزني ولا أقتل, وأساعد الفقراء وأعطف على الأيتام والثكالى. لماذا لا أكون أنا المهدي الذي تتحدث عنه هذه السورة؟ أنتم تؤولون على كيفكم؟
- هذا غير صحيح! هل لديك دليل أن المهدي هو شخص آخر غير حضرة المسيح المعهود ميرزا غلام أحمد؟ أرني إياه!
- وأنت أرني الدليل القاطع الذي يثبت أنه هو!
لم أر فائدة من حوارهما الذي توقف واستؤنف عدة مرات دون نتيجة. كان كلما يتذكر أحدهما كلمة يقولها بعد أن يلفها بابتسامة خفيفة أو تكشيرة ثقيلة ولو كانت قبل أو بعد أوانها. ظل حوارهما "حزيرة" رمضانية ليس لها إجابة حتى انتهت زيارتنا التي سبقت شهر رمضان عام 2012 بأيام. وكانت تلك المرة الثالثة التي ينقطع فيها حوارهما فجأة عندما فرمل سائق الحافلة لتفادي دهس قطة سيامية- تشبه أحدهما- كانت تقطع المُنحدر الواقع بجوار دير إلياس. أعجبتني تلك القطة ذات اللونين الأسود والأبيض وهي تسير الهوينا مطمئنة على مصيرها في حيفا, غير عابئة بهدير حافلتنا أو ضوضاء نقاشهم المتعثر. وأظن أنها لم تكن تلق بالاً إلى الخلاف القائم بين اليهود والعرب, سواء كانت من مواليد فلسطين أو مهاجرة إليها من بلد أجنبي. ولا أظنها معنية بالخلاف القائم بين اسميّ تلك المدينة الكرملية: إن كانت حيفا أم "خيفا"! لقد تخيلت مشيتها المطمئنة تقول للمتناقشين:" ما لي ومال خلافات بني البشر في هذه البلاد, سواء أتى أو لم يأت! لن أصبح نمرة إن جاء المهدي, ولن يمسخني المسيخ الدجّال إلى فأرة إن لم يأت المهدي".
كان كلاهما ينظر إليّ وكل من عينيهما تستنطقني, أو ربما تخيّلت ذلك, كي يكسبني لصالحه أو على الأقل أؤيده فيما يقول. لكنني كنت منشغلاً بأمر آخر ألا وهو حالة الفقدان المتفاقمة بيني وبين الهلالي الذي بدأت غيباته عني تطول دون سبب وجيه. والغيبة لمن جاء يبحث عن حضور تجليات الحقيقة في حي الكبابير تضر بصحبة الأصحاب وعداوة الأغيار على حد سواء, فما بالكم إن كان سببها تغيّر موقف أحد الطرفين الواضح؟ أُدرك أن غياب الهلالي عني لا تشبه غيبة المهدي الشيعي محمد بن الحسن العسكري في سرداب تحت الأرض, ولا هي مقدمة لظهور المهدي محمد بن عبد الله القرشي السني في مكة المكرمة. ومع هذا توسلت إلى عقلي أن يحسن الظن بغياب الهلالي. لكن عقلي شط بعيداً عني كعادته, تركني هو الآخر وحيداً في الحافلة, وحين عاد إلي بعد ثوانٍ معدودة سألته:" أين شطحت؟ هل تعلمت من الهلالي تركي وحدي وأنا أقارع دبابير "خيفا"؟ أخشى أن تكون تزوجت بإحدى الجنيّات دون أن أعلم"؟
صاح بي عقلي:" ماذا دهاك؟ هل انخرطت في تباشير الحرب الأهلية القادمة بين أتباع مهدي السنة ومهدي الشيعة"؟ سألته:" كيف"؟ أجاب:" أنا متشائم من قضية مجيء الإمام المهدي إلى شرقنا العربي: إن كان هو الشيعي محمد بن الحسن العسكري فسيُبيد أهل السنة الذين لا يعترفون به, وإن كان هو السُني محمد بن عبد الله القرشي فسيقتل الشيعة الذين لا يعترفون به؟ وإذا كان هو حضرة ميرزا غلام أحمد فأهل التسنن والتشيّع لا يعترفون به, أليست هذه وصفة حرب مذهبية شاملة تحرقنا جميعاً؟ وإذا كان تحليلي للمسألة منطقياً أليس من الغباء أن نؤمن به ماضياً وحاضراً ومستقبلاً"؟
ضحكتُ من عقلي الذي بات أعقل مني.... وضحكتُ من هواي الذي بات أغبى مني... كما ضحكتُ على الهلالي, زوج الجنيّة الجميلة التي لم يخلق مثلها في الأرض أو السماء. غاب عني وعن نفسي وعقلي في لحظة حرجة! وكانت تلك اللحظة متاهة فكرية لاختيار أحدهم مهدياً: هل أختار المهدي الأحمدي أم المهدي الشيعي أم المهدي السني؟ رأتني نبتة كبّار تقف منتصبة على طرف رصيف أحد الشوارع الذي كنا نجول على صدره المتعرج الخطِر, المُعلق على خاصرة جبل الكرمل الشمالية. أشار غصنها العلوي بتحية الصباح, فعجبتُ كيف عرف أنني عربي. همستُ في خاطري:" لعل المهدي هو الذي أخبره بمن أكون. لقد رأيته يتهادى لأفكاري وأنا أحادث أمه عن المهدي, ثم رأيته يلوّح ليّ برأسه تأييداً لما أقول".
ثم تخيلته يؤنبني:" لماذا تستغرب تحيتي لك؟ هل سألت نفسك لماذا أقف بمحاذاة الشارع في صباح حيفا, نؤوم الضحى في صباحات سبتها؟" لأسفي الشديد لم أكن أفكر في تلك النبتة قبيل أو أثناء رحلتنا من حيّ الكبابير إلى شاطئ بحر حيفا. خجلت من تجاهلي لها وقلة ذوقي معها! ماذا لو طلبتُ منها بعضاً من أوراقها وأزهارها لغليها على نار قلبي كي تشرب روحي العطشى ماءها الترياق؟ هل ستصدني؟ لو شربته مرة واحدة لزال الصداع الذي ألم برأسي منذ وصلت حيفا. هل تراها تستجيب لرجائي"؟ وربما أحرجني غصنها الطري بالسؤال:" متى عرفت أن نبتة الكُبّار تداوي وجع الصداع والعطش والجوع؟ هل أنت حيفاوي حقاً"؟ إن سألني سأجيبه وأنا شامخ الرأس:" أنا ضيف على مدينتكم, يا صديقي الطري.... وقد حدّثني عن مزاياك الطبية عبد القادر مدلل الأحمدي, ومحمد شريف عودة, ألا تعرفهما"؟ ربما يشده التشابه بين اسمينا, فأنا كرمي, ومحمد عودة كرملي فيأنس بسؤالنا ولا يعتبرنا من فصيلة دبابير "خيفا".
قال راكب ابتر اليد كان يجلس بصحبة ابنه القاصر في مقعد خلفي موجهاً كلامه لأحمد جناجرة:" أنا أحمدي والذي لا يريد أن يتبعنا فعليه وزره... لا تهدي من أحببت إن الله يهدي من يشاء"! حملّق سائق الحافلة بصورة الأبتر في المرآة المُثبتة في مقدمة الحافلة قائلاً:" هل تقصدني؟ هذه جملة قالها الرسول محمد(ص) يصف غير المؤمنين بدين الإسلام وأنا مسلم مؤمن....هل تعتبرني كافراً لأنني لا أؤمن بمهديكم؟ إذاً كل المسلمين واليهود والمسيحيين الذين لا يؤمنون به مثلي كفرة أيضاً! قل لي, يا أخ, كم عدد مؤمنيكم الأحمديين"؟
استمرت الحافلة في زحفها نزولاً صوب البحر دون أن تسأل عن عدد الأحمديين الذين يمتطون ظهرها أو يعيشون في الأرض المقدسة خارجها. كانت تهبط حيناً, وتستدير يمنة حيناً ويسرة حيناً آخر, وهي تقضم شوارع حيفا كما تقضم قطة سيامية كبيرة طير حجل اصطادته على حين غرة. منح السائق نفسه هدنة مؤقتة بعد مشهد القطة السيامية الخائفة من صاحب الطير العربي فصمت. أما مرشد رحلتنا فبقي واقفاً في الحافلة ينظر يمنة ويسرة كأنه يبحث عن شيء فقده للتو. كان دليلنا شاباً سميناً في منتصف العمر, أسمر البشرة, لا تبدو على وجهه أي مسحة من ذكاء أو فطنة. رأيته يتفحص وجوه ركاب حافلتنا الخمسين واحداً واحداً كأنه كان يعدهم. لم يخطر على باله أن عددهم يقارب عدد جنود كتيبة جيش الإنقاذ التي حاصرت مستعمرة "مشمار هعيمق" لمدة قصيرة في يوم من الأيام. استدارت بنا الحافلة في تقاطعات نصف دائرية حتى وجدنا أنفسنا في مكان عالٍ يطل على حديقة البهاء ذات المنظر الخلاب.
محا منظر تلك الحديقة الغناء عتمة الازدواج اللغوي الذي وجدتني أعايشه على مدار يوم كامل. كان سمتها أشبه ما يكون ببساط الريح الذي تربيت على سماع حكاياته السحرية. بساط من الأزهار ذات الألوان المتنوعة, والأحجام المتناسقة يدثر السفح الشمالي لجبل الكرمل المطل على ميناء حيفا. متعتُ ناظريّ بجمال أزهار وورود تشبه هيئة عايدة المقدسية ليلة انتخابات لجنة الطلاب العرب في الجامعة العبرية في عام 1978. همست:" ما الفرق بين الوردة النضرة والمرأة الجميلة"؟ سألت حارس الحديقة:"هل كان ميرزا غلام أحمد يؤمن بالبهاء؟ وهل كانت علاقة البهاء بالشيخ علي الشاذلي اليشرطي طيبة؟ أريد أن أعرف حقيقة علاقة الأقطاب الثلاثة بستيلا ماريا, هل هذا ممكن"؟ سألني ذلك الحارس الأسمر, ذو النظارات السوداء السميكة, الذي كان يقبض على جهاز لاسلكي كما يقبض الدبور على خلية عسل, ويدير لنا ظهره وهو يحادثنا كي يخفي وجهه عنا:" أي حقيقة تبحث عنها هنا؟ هل تخبرني عما تريده بالضبط من سؤالك! إذا كنت تريد معرفة الهدف من وراء إقامتها فهو رغبة مولانا "الباب" في أن تكون نموذجاً لجنة الإنسان على هذه الأرض, فهل ترى ما أرى؟ هذه الحديقة هي البهجة العظمى "للإنسان الكامل", فهل تستطيع أن تُريني بعضاً من جنات الآخرين الموعودة"؟
تذكرت الوصف القرآني للجنة التي وعد الله المتقين بها في الآخرة: حور عين, وأنهار من عسل مصفى, ولبن رائب, وحدائق تجري من تحتها الأنهار, ومقاعد من سندس وإستبرق, وولدان مخلدون يدورون على أهلها بكؤوس من خمر لذة للشاربين, وسعادة غامرة, وحياة لا يُكدرها فقر أو مرض أو موت. همستُ في أذنه بصوت خفيض كي لا أحرجه:" جنة الله في السماء ليس فيها موت أو مرض, فهل جنتكم كذلك؟ أين الحور العين في حديقتكم؟ أين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على لسان بشر؟ أين الحدائق التي تجري من تحتها الأنهار؟ ثم أين السندس والإستبرق والحرير؟ لا أرى حسناء واحدة في جنتكم! جنة بلا حريم مثل الجرن بلا عسل...... لا تساوي فلساً. أين أتراب عايدة وكواعبها؟ ما هذه الجنة التي تخلوا من الحسناوات الكواعب"؟
تركتُ الحارس يبتسم ابتسامة صفراء لئيمة. أظنه أساء فهمي حين ذكرت الحريم, ربما اعتقد أنني أبحث عن إحدى حريم السلطان العثماني سليمان القانوني كي اروي عطشي. هَبَطت بنا الحافلة من أعلى جبل الكرمل إلى شاطئ حيفا- وفي رواية أخرى شاطئ "خيفا". هوت من عالم الخضرة, والأزهار المنمقة, والألوان البديعة إلى دبابير السفح الصخري, وتلاطم الأمواج. فرحتُ برؤية البحر وشعرتُ أنني في يوم عودة حقيقية, والعيد عند الأنبياء والمرسلين والأولياء لا يبدأ إلا بطقوس وصلاة وأنوار وتراتيل. قرأت ما تيسر لي من الذكر الحكيم, وتذكرت أن عليّ إتمام وضوئي كي أصلي ركعتيّ الضحى, أو صلاة عيد حيفا كي أصدح بتكبيراتي. قررت التوضؤ بماء البحر, فليس كمثله ماء يليق بتلك المناسبة الخيالية الفريدة من نوعها في حياتي:" أي عيد هذا؟ ألست مسلماً, يا كرمي؟ المسلمون يحتفلون بعيدين فقط كل عام, أليس كذلك؟ من أين جئت بهذه البدعة"؟ لم أنصع لأسئلة الصوت الخفي الذي داهمني من فج عميق. أجبته:" اعرف أن للمسلمين عيدين .... واليوم أحتفل وحدي بعيد ثالث أمام دبابير "خيفا", فلا تقلق"!
قرأت إحدى رسائل البحر المتلاحقة, وليّتُ وجهي شطر الجهات الأربع على التوالي: شرقاً وشمالاً ثم غرباً فجنوباً. تشبهتُ بحيوان النمس الحذر الذي يخاف أن تلسعه دبابير الغاب المجاورة لوكره. ثم بدأتُ طقوس وضوئي بأمان. استغرق وضوئي الأول أكثر من ربع ساعة, فقد كان متقطعاً. غرفتُ ثمانٍ وعشرين غَرفة من ثمان وعشرين موجة متتالية حتى أتممته. كانت الموجة تأتي ثم سرعان ما تنحسر مثل عذراء خجولة تخشى شرب فنجان من القهوة في بيتي الكرمي. ربما لا تصافحني لأنها تخاف من لمستي الحنونة. لم أتمكن إلا من أخذ غَرفة واحدة بكف يمناي من لمى كل موجة. وبهذا جمعت ماء وضوئي الأول من ثمانية وعشرين فماً متماوجاً, لكل منهم لسان سميك وفم واسع وشفتان غليظتان وصوت يشبه صوت القُبلة العنيفة.
كأن طيف حارس حديقة البهجة لاحقني بالسؤال: هل يجوز في دينكم أن يتوضأ المسلم بماء البحر الوسخ"؟ تلعثمت, لم يخطر على بالي مثل هذا السؤال منذ عرفت أنني مسلم. فالبحر بالنسبة لي نص غياب وليس له عندي أحكام. شاهدته أول مرة في حياتي بعد هزيمتنا في حرب حزيران المدوّية حين كان عمري سبعة عشر عاماً. في تلك السن المبكرة لم أكن أؤدي فرض الصلاة, كنت منشغلاً بمراهقتي العنيفة. ما زلت أذكر عبارة رفيقي هشام حين وصلنا بحر يافا ملفعين بالجهل وغارقين في بكاء السنين. قال لي مازحاً:" هذا هو بحر يافا الذي حلمت به كثيراً. هل يُعجبك منظره المُعتم؟ وهل سُيعجبه منظرك البربري, يا ملطوش"؟ تذكرت قول الشيخ "أبو مهاوش" عن البحر:" هو الطهور ماؤه والحل ميته".
عدت من رحلتي عبر الزمن إلى مكان وقوفي على شاطئ بحر حيفا. عَمدتُ إلى مياه البحر كي أتوضأ مرة ثانية, لأداء صلاة جمعة حيفاوية. نويت الوضوء ثم خلعت حذائي وجواربي, بعد أن ثنيت أطراف سروالي إلى أعلى كي لا تبتل بماء البحر المالح. انتصبتُ واقفاً في وجه أول موجة تداهم مكان وقوفي على الشاطئ. غمرتني شفتاها حتى أعلى ركبتيّ, فأشاعت في أوصالي برودة عتيقة الإحساس أثارت غريزتي الجنسية المكبوتة منذ عرفت أنني رجل بالغ. غسلتُ كفيّ, تمضمضت ثلاثاً, واستنشقت ثلاثاً, وغسلت وجهي ثلاثاً, ويديّ ثلاثا,ً ومسحتُ على رأسي وأذنيّ, ثم غسلت قدميّ ثلاثاً. سألتني موجة حبلى بالأوساخ والطحالب البحرية:" هل صلاة الجمعة عندكم تحتاج إلى وضوئين, يا مسلم؟ وهل يجوز في دينكم أن يتوضأ المسلم بمياه البحر الوسخة؟ لو تيممت لكان أفضل وأنظف لك! لماذا تتوضأ بمياه البحر الوسخة؟ ألا يتوفر الماء العذب في مسجد "سيدكم محمود" في حيّ الكبابير"؟ ابتسمت ولم أعرها اهتمامي.
قضيت نحو ثلث ساعة وأنا أتوضأ, كان أطول وضوء قمت به منذ بدأت أداء الصلاة. أسهمت نحو ثمانٍ وعشرين موجة أخرى في إتمامه: لأنني لم أتمكن إلا من أخذ غرفة واحدة من عب كل واحدة. وبالرغم من حملة التشكيك التي أسمعتني إياها الموجة ذات اللون الرمادي إلا أنني توضأت وقررت اعتماد وضوئي لصلاة فرض الجمعة دون حرج. ظهرت فجأة سمكة عجوز جاءت إليّ سرباً. سألتني عن بعد وهي تراقص ذيلها:" هل تستطيع مياه بحر الروم أن تطهركم من خطاياكم وتغسل أوساخكم, يا كرمي؟ لماذا تتوضأ بمياه بحرنا الرومي؟" أزعجتني تلك السمكة العجوز بكلامها الجارح لكن صدى كلام الشيخ "أبو مهاوش" شد أزري.
كأن يهوشع المغربي رآني أثناء قيامي بالوضوء, فاقترب مني وحياني قائلاً:" صباح الخير", ثم تراجع مبتعداً عني نحو الشاطئ. جلس على مقعد خشبي يجاور شجرة صنوبر ثم تبعه شخص آخر عرفت لاحقاً أنه عربي. يعمل يهوشع وزميله العربي عبد اللطيف حارسين لذلك المقطع من الشاطئ الذي نزلنا فيه. وأظن أنهما كان يرقبان خلسة تحركاتنا بصفتنا "عرب بدون" لا يحسنون التصرف في الأماكن العامة. دعاني يهوشع للجلوس على نفس المقعد الخشبي الذي يجلس عليه فلبيت دعوته. ما أن بركت على المقعد حتى ناولني سيجارة "تايم" وهو يقول:" دخّن عليها تنجلي! ألم تأتِ إلى هنا كي تشم الهواء"؟ ضحكت في وجه دبابير "خيفا" وبعد فترة وجيزة غادر الاثنان المكان وجاء بدلاً منهما كهل يهودي يُدعى "يانيف" برفقة زوجته تالي.
سألني بالعبرية ثم العربية التي يتكلمها إلى حد ما:
- " أتا م اشتخيم"؟... أي من أراضي الضفة الغربية المُدارة.
- نعم. كيف عرفت؟
- لم أر عربياً في حياتي يتوضأ بماء بحر "خيفا", فعرفت انك عربي مسلم, غريب عن المدينة.
- هل تعرف لِمَ توضأتُ بماء البحر؟
- كي تصلي لله.... أليس اليوم جمعة؟
- هذا صحيح.... لكنني توضأت لأمر آخر أيضاً.... أتعرف ما هو؟
- لأنك تعتقد أن بحر "خيفا" عربي, أليس كذلك؟
- هذا صحيح.... لكنني توضأت لأمر ثالث أيضاً, أتعرف ما هو؟
- لماذا أسئلتك كثيرة في هذا اليوم؟ انتم العرب لا تجيدون صياغة السؤال ولا الإجابة عليه في الوقت المناسب! قل لي! لماذا توضأت؟ وما هو الأمر الذي تعتقد أنه أهم من الصلاة لله أو التعبير عن "خب" الوطن؟
- توضأت استعداداً لاستقبال الإمام المهدي, هل سمعت به؟
- مَن؟ ومَن هو المهدي هذا؟ وماذا يعني اسمه؟
- أحد أولياء الله الصالحين, يأتي إلى هذه البلاد كي يحارب الكفر والشر, ويقيم العدل والمساواة, ثم ينشر السلام والخير بين الناس.
- ومَن سيقاتل "صاخبك" الأسطوري هذا؟
- الكفار!
- ومَن هم الكفار في هذه البلاد؟ هل هم عرب أم يهود؟
- إما أن يكونوا يهود أو مسيحيين أو ملحدين.
- ولماذا لا يكونوا مسلمين أيضاً؟ هل أنتم المؤمنون فقط هنا؟ وما هي ديانة "صاخبكم"؟
- ديانته الإسلام!
- آه! إذا سيأتي ليقتلنا نحن والمسيحيين, أليس كذلك؟ اسمعني جيداً! قل ل"صاخبك" أن يأتي سريعاً... وإذا اعتبرنا كفاراً كما تقول وحاول مقاتلتنا فسنضع القيود في يديه ونرسله مخفوراً إلى سجن الجلمة, ثم "نخلق" شعر رأسه و"لخيته" على الصفر! هل نسيت أنني "خلاق"؟ سأنتظره كي اعرف مَن سيقاتل ولماذا؟ هل سيقتل مؤمنين بالله لأنهم يهود ومسيحيون؟ ألا يكفينا بكاء السنين علينا؟
- لقد أحزنتني, يا يانيف! أحزن عليك كما أحزن على نفسي.
- ولماذا تحزن على نفسك؟
- لأنني أعيش بلا هوية معترفاً بها أو وطن مستقل, وأنتظر امتحاناً عسيراً لا أدري إن كان لصالحنا أم لا؟ ألا تحزنك حكايتي؟
- ليس لدي وقت كي "أخزن" على غيري, يكفيني "خزني" على نفسي! ألا يكفي هذا؟
- حزنك اليوم ليس نهاية المطاف, يجب عليك أن تستعد لامتحان آخر سيأتي آخر الزمان.
- أي "امتخان"؟ وهل هناك "امتخان" آخر أستعد له؟
- نعم! هناك امتحان قدوم المهدي إلى هذه البلاد, هل نسيت؟
- هل تقصد "هامشيخ"؟ ..... آه! أنا كثير النسيان! ربما بسبب الزهايمر! لقد نسيت اسم "صاخبكم": تذكرته الآن .... إنه إلمادي... إلمادي... إلمادي.. لماذا تلفظون اسمه: ماهيدي؟ الفظوا اسمه بلكنة غربية أشكنازية كي نتعرف عليه بسرعة, ثم لن ننساه أبداً! ألا يكفيني سبعين سنة من الجهل باسم "صاخبكم" العظيم؟ ثم ماذا تعني كلمة إلمادي هذه؟ ومن أين سيأتي؟ ولماذا يأتي إلى هنا بالذات؟ هذا هراء.... كلام فاضي .... لا أؤمن به. هل قال لك إنه سيأتي إلى هنا؟ متى قال لك هذا الكلام؟ وكيف؟ قل له أن لا يأتي! إذا أتى سأسجنه! سيعيش مقيد اليدين في سجن "الجلمة" مع المخربين الفلسطينيين الذي حاولوا العودة إلى هنا. "انصخه" أن لا يأتي! لا لزوم لقدومه.... ما في عندنا مشكلة تحتاج إلى حل.
- ولماذا أنت خائف من ظهوره؟ إنه رجل سلام وخير!
- الذي "تتخدث" عنه إرهابي, وليس رجل سلام! "نخن" لا نريد خيره, لسنا "بخاجة" إلى مخرب كي يصنع لنا سلاماً, "نخن" نصنعه بأيدينا ولأنفسنا.
- كان الشاب الذي جاء رفقة يانيف وزوجته يقترب منا كلما تحدثنا بصوت عالٍ.... ويبتعد حين يسمع تضاحكنا, ربما كان يُعد نفسه للانقضاض عليّ بصفتي عربياً طارئاً أو مُخرباً محتملاً ينوي قتل يهود, لكن ظنه خاب فقد بدونا صديقين يتمازحان. استأذنته في الانصراف فقال ضاحكاً:" "روخ من هون" قبل أن يأتي "إلمادي"! ربما يعتبرك يهودياً من سكان "خيفا" فيقتلك!" أجبته بسرعة قبل أن يكمل ابتسامته الأشكنازية الهادئة:" إذاً ابق هنا! لا "تبارخ" شاطئ "بخر خيفا" كي لا يظنك عربياً بدونياً فيقطع رأسك بسيفه المُهند"! كأن موجة بيضاء الوجه, زرقاء العينين تساءلت بعد أن سمعت حوارنا:" ما هذا الهراء الذي أسمعه؟ هل تنتظران قدوم الإمام المهدي على شاطئ البحر؟ لماذا لا تعدان له نزهة بحرية احتفاءً بمقدمه إذاً"؟






تعليقات حول هذه المقاله
العنوانالكاتبوقت الإضافه

تصويت
ما رأيك بالموقع ؟
ممتاز
جيد
مقبول
سيء
نتائج التصويت

حجة بالوان العصر


لوحاتي




كتاباتي

غزل الذاكرة
زمن المرايا
وطن العنقاء
كثبان الذهب الأسود
أبو علي إياد
تأملات مصطفى صبري
الأولاد والشمس
إنشطار الذات
معركة النفق
مكانة القدس
جدار الفصل العنصري
وطني ليس حقيبة
إمبراطورية النفايات
قراءات أمنية
امرأة لا تغار
صراع لا يموت
أصحاب الملايين
صوت الذاكرة


الساعة

صدر حديثا


 
Qalqilia NetWork