إبحث عن:    
القائمة الرئيسيه
صفحة البداية
القصة القصيرة
القصص والروايات
دراسات و ابحاث
المقالات والترجمات
الكاتب يوسف العيلة
معرض الصور
شاركنا رأيك
English Site

تسجيل الدخول
إسم المستخدم:

كلمة المرور:


تسجيل
هل نسيت كلمة المرور

المقالات الأكثر قرائة
1 من الممات إلى البعث .... نظرة إسلامية تقليدية
2 تأملات - الفصل الخامس : موروثات
3 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المصادر والمراجع)
4 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المقدمة)
5 الإسلام دين الفطرة الإنسانية

الكاتب يوسف العيلة


جديد الروايات

 

صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في رام الله دراسة بحثية بعنوان " لسانيات الخطاب الشعري المعاصر ، ليليان بشارة - منصور نمرذجاً " للروائي يوسف العيلة . تضئ الدراسة بعضاً من واقع اللغة العربية في الداخل الفلسطيني . ويقع هذا الإصدار في مئة وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، وهو السابع عشر في سلسلة إصدارات يوسف العيلة النقدية والروائية .


قراءة المقاله



رواية كبابير حيفا - الفصل (10) - حلم البراء
كتبت بواسطة: يوسف العيلة - el 10/07/2013 - 745 زوار        


كأننا اقتربنا من مياه إقليمية لجزيرة خضراء ذات طبيعة خلابة نبتت فيها أحلام سعيدة. لم تعترض طريقنا أساطيل الدول الكبرى التي عادة تجوب سواحل البحر الأبيض المتوسط بحرية منذ زوال الخلافة العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وصلنا الجزيرة مع غروب شمس اليوم التالي كما كان مقرراً في يقظتي, ربط يهوشع المغربي خطاف قاربنا بحبل غليظ, ثم ثبّته بعامود دقه في خاصرة صخرة كبيرة الحجم, رمادية اللون.

اتجهنا إلى وسطها المطل على البحر من الجهات الأربع متكاتفين للبحث عن الهلالي الذي زعم سابقاً أنه يبحث عن طيف الحرية هناك. أثناء سيرنا في شعابها تصادقنا, لم يدر بخلد أي منا أننا من معسكرين متنازعين لهذا كان استمتاعنا برحلتنا أسطورياً.
في تلك الغفوة عايشت مفارقة كبرى أظهرت انفصام الشيخ الشبح عني, والتصاق عدوي يهوشع بي. لم استغرب بروز تلك المشاعر الإنسانية العميقة في جزيرة يحكمها البراء. هناك صفا قلبي مؤقتاً من أدران حقدي على عدوي, وتكدّر نحو شيخي الذي خذلني. كنت قلقاً على مصير علاقتي بالهلالي رغم معرفتي بعض الأسباب التي أدت لذلك التباعد منذ دخلنا فلسطين المحتلة من معبر إرتاح. كأنني سألت نفسي:" لماذا زعم القبطان أن هذه الجزيرة يسكنها الكافرون بالمهدي"؟
تشابكت حيثيات حديثنا أثناء سيرنا تجاه الكهف بحديث يهوشع عن رحيل أبيه عن المغرب وعودته إلى إسرائيل. اختلط حابل زيارتنا للجزيرة مع نابل سيرة تحوله الفاشل من يهودي سفاردي إلى أشكنازي. كانت حركة حلمي البحري من الشرق العربي الحيفاوي صوب الغرب الإغريقي, أما رحلة والده فكانت من المغرب العربي إلى المشرق العربي. قال على لسان أبيه:
- بعد وصولنا ميناء حيفا اركبونا في حافلات لقوات الأرغون واتجهوا بنا إلى أولى المستعمرات اليهودية في منطقة حيفا. قالوا لنا أنتم الآن "حراس المرج", إن لم تحسنوا الدفاع عن أنفسكم ستقتلكم قوات مهدي بيك صالح العلي التي كانت تقيم معسكراً متقدماً لها قرب قرية اللجون العربية.
- هل كانت حياتك سهلة في المستعمرة؟
- كان خوفنا من الموت أكبر بكثير من حقيقة الخطر الذي كان لا يحدق بنا. منذ وصولنا إليها تعرف والدي على فوزي القاوقجي وجلوب باشا بواسطة الخواجة سليم ومردخاي بن توف. اعتادوا السهر في إحدى الغرفتين التين كنا نقيم فيهما... كنتُ يومها صغيراً, وكانت أمي وشقيقتي الكبرى تقدمان لهم الشراب والطعام ثم يغادرون بيتنا قبل طلوع الفجر وهم سكارى.
انقطع حديثه حين وصلنا كهفاً صخرياً كهلاً. وقفنا ببابه صامتين كتمثالي خوفو وخفرع, كان الهدوء يغطي هيئته التي تشبه تمثال أبولو. كان التقابل بين صنمين وتمثال يبعث على السخرية, ويجعل من خضرة الأعشاب الكثيفة التي تغطي كتفيّ الكهف وظهره وقدميه مفارقة تستحق الذكر. تساءل المغربي:" هل كان حفاروه من المجانين؟ لقد قضوا أعواماً عديدة وهم يدقون بمعاولهم حوافه, ويحفرون جوفه العميق. كانوا من دبابير العالم القديم, لا من كبابيره".
ناجيت طيفه بصوت مرتعش لعله يجيبني على سؤال صاحبي:" أنا الكرمي, راوي فلسطيني الجنسية, عربي اللسان, سُنّي الطائفة, مسلم الديانة...ورفيق دربي, إسرائيلي الجنسية, عبري اللسان, سفاردي الطائفة, يهودي الديانة. أتينا من مدينة اسمها حيفا أو خيفا, ذات ازدواج لغوي كي نبحث عن شيخ اسمه الهلالي: حجازي الإقليم, بدوني الهوية, صحراوي النشأة, مجهول الحسب والنسب, صوفي الطريقة لا ينتمي لأي من المذاهب الدينية أو المدارس العلمانية, فهل تأذن لنا بالدخول لسؤالك عن حسبه ونسبه وموقفه الجديد من الحياة"؟
خَرَج من بين فكيّ الكهف المشرعتين شبح مُفزع, تبين لي بعد هنيهة أنه رجل طاعن في السن, يشبه المومياء, كأنه جاء من غابر الزمن الإغريقي أو الروماني, لم تبدو على محياه علامات البراءة أو الرضا. كانت قسماته تفيض سخطاً وغضباً. كان يتوفر على عين واحدة صالحة للنظر, زرقاء اللون, والثانية بيضاء منطفئة, نافخة مثل بيضة الدجاجة, كأنه نسيخ أعور الدجّال. لم أشاهد في حياتي أقبح من هيئته المتهتكة ولا أسوأ من لباسه الرث. تقافزت كلماته الجافة كالضفادع البحرية من أخاديد وجهه الصخري اليابس:
- ماذا تريدان من شيخنا؟ ومَن أنتما؟ وكيف عرفتما مكانه؟
- جئنا نسأل عن الهلالي وتاريخ ميلاد كهفكم.
- كهفنا أزلي, والهلالي يتطهر بداخله من أوساخ منطقتكم القذرة, ومياهكم الآسنة, وهوائكم الفاسد. هرب من أفعالكم السوداء وقرر أن لا يخالط عربياً واحداً بعد الذي سمعه ورآه من جرائكم الشائنة في حق الأبرياء إبان ثوراتكم الدموية. الهلالي يحيا سعيداً مع زوجته الجنيّة, يعتكف في أقصى الكهف يناجي الحقيقة. التجأ إلينا فأسكناه كهفنا, بعد أن فقد الأمل في إصلاح أمور قومه في بلاد الحجاز والشام والمغرب العربي والرافدين. لا يريد أن يُكلم أحداً منكم, ولا أن يعرف ما يجرى في عالمكم من أحداث سياسية قبيحة منذ مغادرته مدينة حبرون التي يقولون عنها مقدسة. يرغب في أن يقضي وقته متأملاً في غرابة أطوار الإنسان العربي المُعاصر, وانحطاط وعيه بالحاضر والمستقبل, وازدواج لغته مع ذاته والآخر. لهذا قرر أن يعتزل حياة أبناء الشرق كي لا يكون شاهداً على زمنكم القبيح.
- هل لك أن تخبره أنني اقتفيت أثره من قرية نوبا حتى جزيرتكم؟ لا أستطيع العيش بدونه فهو مرآتي التي أرى فيها ذاتي والآخرين من حولي. جئت وصاحبي اليهودي كي أطمئن عليه.
- سأفعل.... انتظرا قليلاً خارج الكهف! لا تتبعاني إلى داخله! سأسأله إن كان يرغب في مقابلتكما أم لا!
- قل له إنني ارغب كثيراً في بقائه بجانبي.... ذكّره بمواسم الدروشة وطقوسها في نوبا, هل نسيها؟ وخذ هذا الطعام! أحضرت له كبسة خليجية, وكبة جليلية نيئة, ورغيف كابوري, وطبق من القدرة الخليلية كي أُذكّره بماضينا العربي المشترك.
- لا يأكل "لحم الشرق النيئ" ولا شرابه المؤذي ... صار نباتياً, حرّم على نفسه أكل اللحم بعدما رأى أشلاء النساء الحوامل والشيوخ تتطاير في شوارع مدنكم المنكوبة. لقد شاهد أطراف أطفالكم تلتصق على جدران البيوت الخربة في غير عاصمة عربية. بات الهلالي كارهاً لتناول اللحم والشحم, لا يأكل إلا بعض السمك المجفف. كما حرّم على نفسه احتساء المشروبات الغازية أو الروحية على اختلاف أصنافها لأنها تذكّره بالدماء المسكوبة على طرقات العروبة البائدة.
- وماذا يشرب إذاً؟ هل يشرب من ماء البحر المالح؟
- توجد عين سحرية, تنبع من خاصرة هذا الكهف القديم وتصب في أثينا وروما القديمتين. على فكرة, يسمع الهلالي حوارنا الآن. أحسبه يصغي باهتمام إلينا! فقد منحته زوجته جبرائيلا حواس الجِن السبع؟
- وهل صحيح أن للجن سبع حواس؟
- نعم, حواسكم الخمس مضافاً إليها حاستيّ الكشف والتخفي عن عيون الإنس.
- أتيت كي أسأله أيضاً....ألم نذهب سوية إلى حيفا كي نعرف حقيقة المهدي؟ لماذا خذلني وتركني هائماً لا اعرف عن أي مهدي أبحث؟ لقد تبين لي أن هناك أكثر من مهدي: اسأله هل أبحث عن المهدي الشيعي محمد بن الحسن العسكري أم المهدي السُّني محمد بن عبد الله القرشي أم عن رمز المظلومين, شهيد كربلاء الحسين بن علي أم عن فادي البشرية عيسى المسيح أم عن الإمام المُصلح ميرزا غلام أحمد؟ هل هرب مني إلى هذه الجزيرة أم سبقني إليها كي يسأل عن أي مهدي أتبّع أو أنتظر؟ هل هو موجود هنا أم هناك؟ هل جاء أم لم يأت بعد؟ أُريد جواباً واضحاًً!
- هل أفهم من كلامك أنكما أتيتما كي تبحثا عن طريقة لقتال أعور الدجّال أم لتعرفا من هو المهدي الحقيقي؟
- أتينا من أجل الأمرين معاً.
- لم ولن يفعل الهلالي شيئاً مما تطلبان. قال لي إنه جاء هارباً من استبدادكم وخيانتكم.
- من استبدادي أنا؟ هذا غير صحيح, أنا تلميذه الذي لم يكن خائناً ولا مستبداً!
- لماذا تكذب في حديثك عنه, يا كرمي؟
- أنا لا أكذب.... قل لي: مَن أنت؟
- ألم ترَ عيني بعد, يا غبي؟ أغرب عن وجهي وإلا أرسلت إليك وحوش البحر كي تفتك بك!
- أخشى أن تكون من جماعة الدجّال, يا كاهن الدهر!
- أنا من جماعته, والهلالي من أتباعي.... اذهبا إلى الجحيم أنتما والإمام المهدي الذي تبحثان عنه!
- وهل يقبل الهلالي ما تقوله عن المهدي؟
- لو كان يرفض رأيي لما قبل أن يسكن معي في كهفي الإغريقي القديم. هو الذي طرق بابي واستعطفني منكسراً:" ها قد جئتك أخيراً, يا سيراموس, كي أحتمي بك من حثالات الشرق الخرافيين. يزعمون أن إمامهم المهدي سينزل من السماء في يوم من الأيام كي يحارب سيدنا وإلهنا "النسيخ الصادق"– الذي يسمونه الأعور الدجّال- عند جبل مجدو وفي مدينتيّ القدس واللد! وَعَدتهم أديانهم أن إمامهم المنتظر سينشر الخير والسلام في ربوع شرقهم المتهافت أبناؤه على القتل والخراب. كما يدّعون أنه سيحيل جبالهم الجرداء إلى أكوام من اللحم والأرز والثريد لإطعام فقرائهم. هؤلاء المساكين لا يحلمون إلا بالأكل والجنس والقتل, وكما يقول أحد أمثالهم: "حلم الجائع عيشاً"! مساكين أهل الشرق العربي صدّقوا خرافة المهدي بل آمنوا به كمخلّص سيأتي في قادم الأيام كي ينقذهم من شرورهم وكفرهم وسخطهم على أنفسهم ... إنهم واهمون... خرافيون.... لا جديد لديهم يفكرون به غير الدمار والقحط والقتل. سيخيب ظنهم حين تصدمهم الحقيقة بأن ليس هناك مهدياً شيعياً أو سنياً, ينقذهم من تيههم, ولا مسيحاً يُخلصهم من اندثارهم المحتوم, ولا إله يفكر في مصيرهم الأسود.... لن ينزل عليهم من السماء إلا ما يستحقون من الحر القابض, والبرد القارص, والاحتباس الخانق".
سبب كلام طيف بارناسيوس سيراموس, زوج الكاهنة الزبراء, الإحباط الشديد لي:" هل يُعقل أن ما قاله على لسان الهلالي كان صحيحاً؟ هل بات شيخي كافراً, من أتباع الدجّال, ولا يؤمن بالمهدي؟ هل خدعني طيلة خمسين عاماً؟ ماذا أفعل بذكريات طفولتي؟ وماذا أقول لصدى عباراته الدفينة "الله حيّ ... الله حيّ ....وحدوّه, يا مسلمين", التي ما تزال تسكن وجداني؟ لن أُصدق طيف ذلك الأعور الإغريقي! ربما أراد أن يثير الفساد بيننا, لكن ما الذي جاء بالهلالي سراً إلى هنا أصلاً؟ كيف ولماذا حل ضيفاً على معبد كاهن الدهر؟ هل كان يعرفه من قبل؟ منذ متى بدأ حلفهما غير المقدس؟ هل بدأ من أيام نهب أهل الخليل عنزات بدو بئر السبع؟ ثم ماذا عن كلام قرصان البحر وحديثه عن سجع الكهان؟ هل كان الهلالي يؤمن بأُسجوعة الكهان ويكفر بالقرآن الكريم"؟
هدّأ المُغربي من روعي قائلاً:" قلت لك من قبل لا تتفاءل كثيراً بقضية المهدي! ولا تثق كثيراً بالهلالي المنافق, لكنك اتهمتني بأنني أكرهه. اسمعني جيداً: أنا لا أؤمن بالمهدي, ولا المسيخ الدجّال, ولا النسيخ الصادق, ولا بقدوم المسيح يسوع لكنني سأفترض أنني أؤمن بقدومهم أو قدوم أحدهم إلى هذه البلاد, فقط من أجل مساعدتك وإسداء النصيحة لك. ارجع إلى كاهن الدهر واسأله: هل تؤمن بالمسيخ الدجّال؟ إن قال لك نعم, فاعلم أنه طيف المسيخ الدجّال الحقيقي, وإن أجابك ب كلا فربما كان من عبدة آلهة الإغريق أو الرومان القدماء الذين لا يؤمنون أيضاً بالله الذي أرسل رسالات سماوية لأهل الشرق العربي. وربما يكون من أحفاد كهنة الآلهة اللآت وعزة وهُبل. لا يصل إلى هذه الجزيرة إلا أصحاب العزائم الخارقة أو ذوو العقول النيّرة أو الإرادة الحرة".
خشيتُ أن يكون يهوشع يخطط للإيقاع بي, فما زالت بعض أصداء ضغائن معركة مشمار هعيمق تغلق باب الحوار بين أهل حيفا وأهل "خيفا". قررتُ أن لا أستجيب لطلبه أو أسمع نصيحته, فما بيننا من خلافٍ وطنيٍ حول حيفا لا يُمكّنني من فتح معركة مع شبيه المسيخ الدجّال في بلاد لا أملك فيها سيفاً ولا رمحاً:" وما أدراني أنه يريد أن يوقعني في فخ المسيخ كي تظل مدينة حيفا معجونة بحرف الخاء؟ هل نسيت خبث اليهودي, يا كرمي؟" قلت له أريد أن أستشيرك في مسألة أخرى أرى أنها أكثر إلحاحاً من حوارنا مع كاهن الدهر:" لماذا لا نذهب إلى حديقة السفرنامة"؟ قال مستغرباً:" وأين تقع هذه الحديقة؟ هل هي أجمل من حديقة البهائيين في حيفا" أجبته:" هنا أيضاً... في جزيرة البراء, على مسافة غير بعيدة من كهف المسيخ الشبيه!" أجابني بشيء من التحدي:" قم! دعنا نذهب إليها"!
اتجهت إلى الناحية الشرقية من الجزيرة, وجعلت الكهف خلفي. سلكت طريقاً سهلاً محفوفاً بالزهر والورود. تتبعت روائحها العطرة حتى وصلت بوابة من نور, تكللها أغصان الغار. كانت شمس حديقة السفرنامة في كبد السماء لا تغرب عنها, نهارها كليلها صافياً ونسيمها كريحها عليلاً. عبرت بوابتها فوجدتني وجهاً لوجه مع حورية حوراء ولا أجمل. قلت لها:" المعذرة, يا سيدتي! هل لي أن أسألك عن أخبار المهدي؟ لقد نشر فينا الدّجال الأعور الخراب والقتل! ألم يأت زمن المهدي بعد. ندعو الله صباح مساء أن يعجّل فرجه القريب! وإن كان هو حضرة ميرزا غلام أحمد فلماذا يستمر القتل والدمار فينا"؟
نَظَرت الحورية إلى السماء وقالت همساً:
- إذا كنت تؤمن بالمهدي فهو حقيقة, ودنياك وهمُ, وآخرتك مضمونة, فماذا تريد أكثر من هذا؟ مَن أنت؟
- أنا الكرمي, راوي قصص أهل الشرق عن المهدي الذي سيقتل المسيخ الدجّال. أسألك: هل نزل المهدي من السماء؟ وإذا نزل لماذا لم يظهر في مكة المكرمة كما هو مكتوب في كتبنا؟ ألا يُفترض أنه من قريش, من عترة رسول الله محمد بن عبد الله؟ لماذا لم ينتصر بعد على جيش الشام في بيداء بلاد الحجاز؟ ولماذا لم يخسف الله الأرض بجيش اليمن الذي يُفترض أنه يحاول قتله؟ وإذا كان لم يأت بعد فمتى سيأتي؟ لقد طقّت أرواحنا.... لم نعد نحتمل أكثر مما احتملنا!
- هل تعرف من أكون؟
- لا ورب الكعبة!
- أنا ليلى الكرملية. إن لم يأت المهدي بعد فسيأتي أخ له على رأس كل قرن كي يحارب الأعور الدجال ويحضر لي خبز الكابوري الطازج.
- نحن اليوم في بلاد الشرق العربي أحوج الناس إليه ... لقد فتك بنا المسيخ الدجّال, ذو العين الواحدة الحمراء. أثخن فينا السيف, وأنزل بنا الهزيمة وكدنا نفقد الأمل برسالة المهدي الهادي, فأين هو؟ ظهر فينا كل شر وفقر وجهل وهو ينظر إلينا ونحن ننتظره... فإذا كان ينوي المجيء فعلاً فقولي له أن يأتي ليخلصنا قبل فوات الأوان! بالله عليك أخبريه بحاجتنا إليه! لا نستطيع الانتظار أكثر مما انتظرنا... انفلقت قلوبنا وضاق بنا صبرنا.... أصبحنا أضاحي كل عيد, نُذبح على مذبح الدجّال, يقتلنا باسم الحرية.... ويسفك دماءنا باسم الديمقراطية...., ويغتصب نساءنا باسم الإنسانية وحقوق الأقليات... فأين هو من كل هذا الذي يجري لنا؟ لا تقولي إنه سيقتل المسيخ الدجّال في الوقت المناسب, أو أنه قتله وحطم تقنياته وألاعيبه, فهو ما زال يصول بيننا شاهراً سيفه في وجوهنا ليل نهار.
- ما دمتم تفضلون الزبراء على حوريات السماء فإن مصيركم جهنم! لماذا تتركون القرآن وتؤمنون بسجع الكهان؟ وكيف تطلبون المساعدة من عدوكم ضد عدوكم؟ أتريدون أن تنتصروا على الدجّال بسيف الدجل؟ من يُضيّع وطناً لا يستحق الجنة, يا مخبول! عد من حيث أتيت!
- يا بنت الناس! لقد ضاقت بنا الأرض بما رحبت, والسماء بما وسعت, والبحار بما حَوَت, والجزر بما ضمت. قولي له على لساني: تعال يا حبيبنا كي تنقذنا! نحن لا نبكي على ما جرى فقط بل على ما يجري وسيجري لنا على يد الأعور الدجّال. أصبحنا بدون هوية أو وطن أو قانون يحمينا.... بتنا عبيداً, وضع أغلاله في أيدينا وأرجلنا. اسمعي, يا حوراء! الله يرضى عليك وعنك... إذا لم يظهر فينا أو بيننا أو ينزل إلينا من السماء فسننزل نحن إلى كهف "سيراموس الأعور" وحفيده "جودو الفرج" .... إن لم يأت إلينا قبل فوات الأوان فلن يجد أحداً منا في استقباله... فهل هذا يرضيه؟ وإذاً لم يتدارك أمرنا ويأت حالاً بالاً فلن نكون هنا أو هناك كي نكون جنوده في حربه القادمة ضد أعور الدجّال!
- يكفيك ما قلت! اصمت وأصبر حتى تنال ثواب الله!
- لماذا لا أنال ثوابه إلا بعد أن يأكلني غول البلاء؟ لن أصمت أو أصبر بعد اليوم! قولي له:" لديهم بديل جاهز عنك إن لم تأت لإنقاذهم, سيتبعون "جودو الفرج" الموجود في أعالي البحار! نريد منه حلاً لعجزنا وتلاشي لغتنا, واضمحلال عقيدتنا, وتقهقر ثقافتنا. لهذا جئتك كي أسرد عليك بعض القصص والحكايات التي كانت السبب في إصابة أمتي وشعبي بمرض الذهان. أتيت, يا سيدتي الحوراء, إليك في هذا اليوم من العام 2012 لأكشف لك عن عفن أصاب ذاتي العربية بعدما فت في عضدي التحارب الدموي على أرض الواقع. عايشت أحزاناً سياسية وكوارث اجتماعية عم بلاؤها في أرجاء المدن العربية. وشاهدت غرائب تشيب لها الولدان, وعانيت من ضغائن طائفية وحزبية أثناء فترة عملي مدرساً. وقد رأيت في حكاياتي المؤلمة نموذجاً مستقبلياً يحكي قصة العربي القاصر الذي زالت عنه كوابيس الاحتلال القديم وحلت محلها كوابيس الاستبداد والانحطاط الطائفي والتعصب المناطقي التي استشرت في مجتمعنا.
- ألا تعرف أنني لا أملك إلا نصف الحقيقة؟ أنا الآن في حديقة الخيال ولا أحس بما تعانون منه.
- صح النوم, يا سيدتي! أتيت كي أفهم منك ما لم أستطع فهمه بجهدي الشخصي أثناء رحلتي إلى حيفا, ثم تقولين لي إنك لا تملكين حلاً؟ كأنني بت لا أعرفك البتة, ألست ليلى الكرملية؟ وإذا كنت لا تعرفين ما جرى لك مَن يعرف؟ ومَن أسأل؟ لقد خذلني الشيخ الهلالي ....ضاع في زحام الأفكار والمعتقدات فخرج عن ذاته وسكن كهفاً إغريقياً قديماً!
كانت كلماتي الأخيرة في غفوتي تلك تحمل تنهدات حارة خرجت من جوانحي وأُبحرت في ليل صيفي حار أثناء زيارتي حديقة البراء التي حدثنا عنها بعض الحيفاويين الذين عرفوا الشيخ الهلالي سابقاً. وجدت طيفها قائماً على شاطئ ينعم بالهدوء والاستقرار والخضرة والنماء, في حضن حديقة غنّاء, يعمها الصفاء وراحة البال, رغم وجودها في قلب دوامات البحر الأبيض المتوسط. كانت رحلتي الخيالية إليها حلماً عابراً, مُحملاً بتجاربي الحياتية التي تمنيت تفكيكها فلم يتحقق هدفي. كانت غفوتي موقفاً نظرتُ من خلاله ملياً في لواعج نفسي المُتعبة, وارتعاش مشاعري الدفينة, وجنوح قلبي إلى ليلى الكرملية حتى تصورتها حقيقة تُحلّقُ في فضاء روحي, وشبحاً يحوم في ذاكرتي. وفي يقظتي اليوم, تغيرت مشاعري فتخيلتها عايدة أخرى تغذّ الخطى نحو المجهول مثلي, صوب الأفق الممتد بين جزيرة خيالية ووطن ملطخ بفانتازيا شقية. رحلتُ إليها طمعاً في الخلاص من كابوس قديم يتجدد منذ خمسين عاماً, أنجبته تداعيات صراع كوني, يتجدد كما الليل والنهار دون أن يحتاج إلى مبرر. باتت مدينتنا العربية مُضطربة, إذا نظرتُ إليها من أية بقعة لا أرى غير شياطين القتل والفقر والقذارة تعيث فيها خراباً. ضاعت منا قيم الحق والخير والجمال.
كانت رحلتي تلك في دخيلة نفسي, وثنايا مشاعري, وفضاء خيالي للبحث عن حضرة الهلالي الذي غرس في وجداني فكرة الخلاص منذ كنت طفلاً. تلك هي مقولة روايتي الأصلية التي أقوم بكتابتها هذه الأيام, لتفكيك مكونات شخصيات عربية مكتئبة, يتجدد حزنها كل صباح في مجتمع تائه, فقد بوصلة سفينته في عباب بحر هائج من الدماء البريئة. بعيد يقظتي من غفوتي سمعت هاتفاً أتى من جهة البحر يسألني:
- ما دمت تشكو من سطوة الآخر عليك فلماذا أتيتني بصحبة عدوك, يهوشع المغربي؟ ألا يكفيك ما فعله بمدينتك حيفا؟
- أتيت بصحبته لأنه يتكلم لغتي, ما زال يلفظ حرف الحاء كما نلفظها نحن: حيفا وبس! قال لي أثناء إبحارنا:" أنا مثلك عربي في حزني وحلمي وفرحي, لم أصبح دبوراً بعد". إن تحويل إيقاع حرف الحاء العربي إلى خاء أعجمية أصعب من سقوط حيفا في بحر احتلال هائج. لا أجد سبيلاً للخلاص من أعباء ماضيّ وتداعيات حاضري: تهز كياني هزيمة قديمة ورثتها عن جدّي, وحرباً مستمرة ضد الدبابير ورثتها عن أبي, وفوضى هوية تغرقني بدماء لا يرقأ جرحها.... إلى أين المفر؟...إلى طفولتي؟ ...إلى قبري؟ ... إلى عالم الأموات والجن والشياطين"؟






تعليقات حول هذه المقاله
العنوانالكاتبوقت الإضافه

تصويت
ما رأيك بالموقع ؟
ممتاز
جيد
مقبول
سيء
نتائج التصويت

حجة بالوان العصر


لوحاتي




كتاباتي

غزل الذاكرة
زمن المرايا
وطن العنقاء
كثبان الذهب الأسود
أبو علي إياد
تأملات مصطفى صبري
الأولاد والشمس
إنشطار الذات
معركة النفق
مكانة القدس
جدار الفصل العنصري
وطني ليس حقيبة
إمبراطورية النفايات
قراءات أمنية
امرأة لا تغار
صراع لا يموت
أصحاب الملايين
صوت الذاكرة


الساعة

صدر حديثا


 
Qalqilia NetWork