إبحث عن:    
القائمة الرئيسيه
صفحة البداية
القصة القصيرة
القصص والروايات
دراسات و ابحاث
المقالات والترجمات
الكاتب يوسف العيلة
معرض الصور
شاركنا رأيك
English Site

تسجيل الدخول
إسم المستخدم:

كلمة المرور:


تسجيل
هل نسيت كلمة المرور

المقالات الأكثر قرائة
1 من الممات إلى البعث .... نظرة إسلامية تقليدية
2 تأملات - الفصل الخامس : موروثات
3 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المصادر والمراجع)
4 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المقدمة)
5 الإسلام دين الفطرة الإنسانية

الكاتب يوسف العيلة


جديد الروايات

 

صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في رام الله دراسة بحثية بعنوان " لسانيات الخطاب الشعري المعاصر ، ليليان بشارة - منصور نمرذجاً " للروائي يوسف العيلة . تضئ الدراسة بعضاً من واقع اللغة العربية في الداخل الفلسطيني . ويقع هذا الإصدار في مئة وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، وهو السابع عشر في سلسلة إصدارات يوسف العيلة النقدية والروائية .


قراءة المقاله



كوابيس الفصل الخامس (أحلام الغاب)
كتبت بواسطة: يوسف العيلة - el 14/04/2012 - 1504 زوار        


ذهبتُ مسكوناً بأحلام الغاب تلك إلى مكان لقائنا ظهراً في مطعم البردوني, فوجدته ينتظرني هناك. احتجت بعض الوقت كي أزيح عن كاهلي عبء الصراع بين أحلام الخيال وكوابيس الواقع التي لازمتني على طول الطريق المتعرجة الواصلة بين قلقيلية ورام الله. لم أشأ التخلي عن موضوع بحثي حول مصير الحلم الفلسطيني القديم فأبقيته معي كي أستلهم منه قراءتي القديمة للمتغيرات الجديدة التي رأيتها أثناء رحلتي من رام الله إلى قرية دير إبزيع أيضاً.

كما استحضرت تحقيق حلم الكابتن في العودة من العراق إلى أرض إسرائيل فرأيتهما متضادين في الفحوى ومتساويين في اللحن, ومتعاكسين في الحركة. كنت أعي أنني أخاطر بروايتي التي تحكي قصة حلمين وواقعين على حيز واحد. في تلك الرحلة, رأيت واقعاً فلسطينياً يبدو جديداً, وحركة سياسية مرتبكة على الوجوه, تحاول أن تحط على أرض الواقع المرتج, وعلاقات اجتماعية متوترة في عيون من أعرفهم ولا أعرفهم في رام الله, تؤشر جميعها أن مشهد تلك القرية لا يمكن أن يكون مشابهاً لمشهدها القديم إبان زيارتي الأولى لها في العام 1975. همست ولم يسمعني رباح:" كانت زيارتي الأولى لقريتكم أيام الاحتلال الإسرائيلي, والثانية في عهد السلطة الفلسطينية, فأيهما ستسر بالي أقل؟" لم يجبني وكنتُ مصراً على المضي في مهمتي حتى النهاية. لهذا آثرت الاستماع إلى رباح أولاً ثم السؤال عن نادر ثانياً, ورؤية مستجدات واقعهم ثالثاً. استغرَب صديقي سر اهتمامي بموضوع نادر الذي عفا عليه الزمن: - اتركه! لا يأت منه غير وجّع الرأس, تسبب في إصابة أمه بالجنون وموت أبيه بالسكة القلبية, والمخفي أعظم. ألم يتصل بك؟ لماذا أنت مهتم به كل هذا الاهتمام؟ أظنك بحاجة لمساعدة, أليس كذلك؟ إنه من رجال "أبو مرجان", صاحب النفوذ القوي في عموم الضفة الغربية. تزوج ولديه كتيبة من الأولاد. يعمل بالقرب من المقاطعة, ويسكن في منطقة المصيون, ولديه مرافقان يحرسانه. على فكرة غيّر نادر دينه, اعتنق المسيحية بالسّر, وتزوج امرأة من عين عريك. - أريد مقابلته! هل لك أن تساعدني في الوصول إليه ومقابلة خاله حمزة! - على ما يبدو أنك لن تعود ثانية سالماً إلى بيتك, اترك هذه القصة! خليك واقف في الظل! انك تخيفني بإصرارك على لقائه, ما حكايتك معه؟ هل تُخفي عني شيئاً؟ غادرنا منتزه البردوني مسكونين بهاجس مقابلة نادر في دير إبزيع. لكن مضيفي كان مسكوناً بفكرة الوصول قبل غروب الشمس لتقديم العلف والشعير لخرافه وعنزاته وإغلاق الحظيرة عليها كما قال. دخل شارعاً فرعياً من الجهة الجنوبية لدوار المنارة ثم عاد سريعاً وهو يحمل بيده اليسرى كيساً أسود اللون. سألني:" أتعرف ما الذي في هذا الكيس؟" أجبته:" شعير لخرافك وعنزاتك." قال مبتسماً:" كلا! هذا لحم ضأن لضيفنا العزيز." كنتُ منشغلاً مع نفسي, وليس بلحم الضأن في الكيس, أحادثها, أضع معها سيناريوهات مختلفة للقائي به, خصوصاً أنه أصبح, كما يقول رباح, شخصية بارزة في السلطة الفلسطينية. سرنا نحو الحافلة العاملة على خط القرى الغربية, المتوقفة في محطة رام الله القديمة, وانتظرنا طويلاً حتى تحركت غرباً. سألته: - هل رتّبت زيارة نادر إلى قريتكم؟ - نعم, وقلت له لدينا مفاجأة اليوم في دير إبزيع. تعال كي تعرف ما هي! سألني:" ما هي المفاجأة التي تتحدث عنها؟" قلت له:" مفاجأة قلقيلية عمرها ثلاثون سنة. أجاب:"آه! القلقيلي عندك اليوم؟" قلت له:" أيوا... تعال!" لا يستطيع أن يخالف أمري لأنني أعرف كل أسراره الماضية, ثم قال كلاماً غريباً أضحكني. - ما هو؟ - قال:" لعنة الله على بلدتهم, بنت المجنونة! رأيت فيها كوابيس ما رأتها شياطين الجّن والإنس. ضحكنا ضحكتين مخنوقتين كي لا يسمعنا أحد من الركاب الجالسين في الصفوف المجاورة لنا. ثم استدرك واضعاً ما تبقى من أصابع كفه اليمنى المبتورة على فمي:" هس! خليك ساكت أحسن لك حتى لا يسمعك أحد من جماعة "أبو مرجان", كلهم مسلحون!" ابتعدت الحافلة عن رام الله القديمة, وأصبحت أبعد عن رام الله الجديدة. وصلنا مفرق قرية بيتونيا, تلك القرية الجميلة التي كانت أول عهدي بمهنة التدريس بعد تخرجي من الجامعة. تذكرتُ زميلتي وفاء, كانت تسافر معنا كل يوم, تصعد إلى الحافلة من أمام بيتها المقابل لبيت المسنين المبارك إلى مكان عملها في مدرسة بنات بيتونيا. كان لحظ عينيها السوداويين, وهي تصعد إلى الحافلة, يطوف أرجاء الحافلة الأربعة, تبحث عن وجهي في وجوه ركاب الحافلة, ثم اشعر أنه يستقر بتؤدة في عيني وقلبي. كنا في بداية الأمر نتبادل النظرات فقط كل صباح, ثم أصبحنا نتبادل التحيات بالإشارة عن بعد, وأخيراً تجاسرتُ على محادثتها والجلوس بقربها كلما سنحت الفرصة. مع مرور الوقت صرت أتقصد الجلوس بجانبها ثم أصبحتُ أجالسها في نفس المقعد فوجدتها متلهفة لذالك. كنت أتشاءم عندما تغيب عن الدوام في أحد الأيام, فأعاتبها همساً في اليوم التالي:" لماذا غبت بالأمس؟" تجيبني:" كنتُ مريضة." بعد عام من بداية صداقتنا اعتقلتني السلطات الإسرائيلية, لم نعد نتبادل التحيات والأحاديث والجلسات. قال لي زميلي توفيق:" كانت دائماً تسأل عنك." وحين التقيتها بعد خروجي من السجن قالت:" كنت أتذكرك كل صباح, وحين لا أجدك في الحافلة أتشاءم, ولما طال غيابك غضبتُ منك. كنتُ ألومك كثيراً على انخراطك في العمل السياسي. لماذا تورطت في ألاعيب السياسة؟ خليك ناعم وحُر. جماعتنا كذّابين, ما بدهم التحرير." لاحظ رباح صمتي وشرودي, اعتقد أن تحذيره إياي بعدم الخوض في الحديث عن نادر قد أزعجني. لكنه فرح بعدما عرف سبب شرودي, خصوصاً حين أشرت بإصبعي إلى المكان الذي كانت تنتظر الحافلة فيه: - زيارتك اليوم لنا فتّحَت جروح الماضي, "مش هيك"؟ - لم تكن جروحاً, كانت بلسماً, أيام جميلة, أتذكرها اليوم بروح الشباب الزاهي الذي كان. - بعدين شو صار معها؟ وين راحت زميلتك؟ - تزوجت ثم لحقت بزوجها إلى أمريكا. آخر مرة التقيت بها قالت لي:" باي! أشوفك بخير!" ثم اختفت في زحام المارة في شارع " رُكب". كانت امرأة رائعة, الله يذكرها بالخير! ترحل العلاقات المحترمة سريعاً عن هذه البلاد. - هل يعرفها قاسم؟ - كلا! حين كنت أعمل في مدرسة بيتونيا كان ما يزال طفلاً. - لو عرفها ......... - لن يستطيع التحايل عليها لأنها ليست من نفس بضاعته. حاول الكثيرون ولم يتمكن منها أحد. كانت رائعة الجمال وسامية الأخلاق, ولم تستجب لتحرشات بعض المتطفلين. - أنظر! هذه قرية عين عريك العريقة! أظنك زرتها من قبل؟ كلما نذهب أو نجيء من رام الله نخترقها من وسطها مثلما يفعل الحوت في عباب البحر. فيها عين ماء من أعذب ما يكون. - ما أخبار العين ؟ هل ما زالت نشطة؟ - طبعاً! لم تنقطع عين عريك عن الجريان منذ أن حفرها سيدنا آدم. - وهل آدم هو الذي حفرها؟ - طبعاً! ألا تعرف هذه الحقيقة التاريخية عنها بعد؟ وأؤكد لك أنها لن تجف مستقبلاً حتى تقوم الساعة. - وما الذي جعلك تتأكد أنها لن تجف؟ - لأن سيدنا إبراهيم باركها بعد أن انتصرت في عراكها على شياطين الجّن والإنس. لهذا السبب اسماها عين عريك. - أهو الذي أطلق عليها هذا الاسم؟ هل سمعته؟ أين قرأت هذه المعلومة الغريبة؟ لا تقل لي إن التاريخ يقول هذا! - نعم هو الذي قالها عندما عرّج عليها وهو في طريقه إلى مدينة الخليل. قال لأصحابه:" ما دمنا وطئناً الأرض المقدسة دعونا نلقي التحية على أمنا عين عريك التي بارك الله فيها!" وحين وصلها اتكأ على صخرة قائمة بجوارها فانغرست كفه اليمنى وأصابعه في صدرها. - وهل انغرست كف أبينا إبراهيم الخليل في الصخر الصلد؟ حرام عليك تزوّر التاريخ! - نعم, بالتأكيد حدث هذا! أنا لا أزوّر التاريخ, ألا تعرف هذه الحقيقة بعد؟ - أهي حقيقة أم أسطورة؟ - لو لم تكن حقيقة لما صَدّقتها. - إذاً صَدّقتها لأنها حقيقة, أليس كذلك؟ وما دليلك؟ هل رأيت بأم عينك كف سيدنا إبراهيم ترتسم على صدر تلك الصخرة؟ - نعم شاهدتها, وكانت أصابع كفه ستة: إبهامان وسبابة ووسطى وخنصر وبنصر. - قل لي: ما معنى أن يكون لها إبهامان؟ - الإبهام يعني بصمة خاصة به, ويعني الإبهامان وجود بصمتين. - لماذا لا يكون له ثلاثة إبهامات: أي ثلاث بصمات؟ - ولماذا ثلاث بصمات؟ - لأنه أبو الأنبياء: موسى وعيسى ومحمد, أليس كذلك؟ ألا نسميها الديانات السماوية الإبراهيمية الثلاث؟ - سؤالي الأهم هنا: إذا افترضنا أن حكايتك صحيحة لمن تعود البصمتان؟ .... للمسيحيين واليهود أم للمسلمين والمسيحيين أم لليهود والمسلمين؟ هل تعلم أن بلدة عين عريك يسكنها مسلمون ومسيحيون؟ ويسكن فوق ذلك الجبل المقابل لها يهود أيضاً, ألا ترى ذلك؟ وصلنا القرية قبيل غروب الشمس دون أن يجيب أي منا على سؤال البصمتين الخرافيتين. سئمتُ من حواري معه, لأنني لم أُصدّق حرفاً من حكاياته. كما وصلنا متعبين من صعوبة السفر عبر طريق متعرجة كأفعى آدم. لقد انتظرنا طويلاً حتى امتلأت الحافلة بالركاب في محطة السفريات في رام الله القديمة, ثم توقَفَت أكثر من ثلاثين مرة لالتقاط راكب مزعج من هنا وآخر يحمل أثقالاً من هناك, راكب ينزل وآخر يصعد على طول الطريق وبغير نظام أو انتظام. كانت تلك الرحلة مُزعجة, مثل عملية سلام أوسلو, مرة طالعة وعشر مرات نازلة دون فائدة. السفر في الحافلات الكبيرة من المدينة إلى قرية نائية يهدر وقت المسافرين كما هدر المفاوضون الفلسطينيون وقتهم في الجري وراء سلام السيد "أبو مرجان". أثناء سيرنا راجلين إلى بيته, نسي أن يجيب على سؤال أسطورة عين عريك, كما لم أهتم كثيراً لسماع خرافة جديدة يرويها عن معالمهم وقراهم. لهذا غيّر موضوع حديثه, أخذ يحدّثني عن تاريخ بيتهم الأثري الكبير الذي يشبه القلعة في التفافه حول أقسامه العديدة:" كان جدّنا يغلق الباب على أولاده وأحفاده بعيد غروب الشمس, ولا يجرؤ أحد منهم على فتحه من الداخل حتى يأخذ الإذن المسبق منه, حيث يكون متواجداً مع إحدى زوجاته الثلاث في العّلية وعينه تحوم حول قلعته". ثم استدرك مازحاً: - ما الذي تفضل القيام به أولاً في دير إبزيع العالية: أداء صلاة العصر أم تناول طعام الغداء أم رؤية المكان الذي قتل فيه شباب القرية الضبع البدوي الذي كان أصله إنساناً؟ - ما هذا الهراء؟ كيف يكون أصل الضبع إنساناً؟ لقد تعارك فقهاؤكم طيلة قرنين مع نظرية أشهر علماء الأحياء, دارون, وشتموه وكفّروه حين قال إن أصل الإنسان قرد, وتأتي الآن وتقول لي إن أصل ضبع دير إبزيع إنسان؟ ما هذا الهراء؟ لماذا تسير روايتكم دائماً ضد إبداعات البشر ومنطق العلم؟ - ما علينا من دارون والضبع والإنسان! ما هو أول عمل ستقوم به حين تصل بيتنا؟ - وهل هذا سؤال مهم, يا رجل؟ وهل تتوقع مني أن أدور حول بيتكم سبع مرات كما يدور المسلم حول الكعبة؟ ربما أؤدي الصلاة أولاً, وأتناول الطعام ثانياً, وأخوض معك في السياسة ثالثاً. أما حديثنا عن الضبع الذي كان إنساناً فاتركه حتى يُخيّم الليل على كل بيوت القرية حتى لا يسمع هذياننا أحد! - لو أتيت إلى زيارتنا بعد المغرب أيام كان جدّي حياً لما نلت أياً من هذه العروض السخيّة التي أقدمها لك الآن. ستنام خارج جدران قلعتنا, وسيمنعك ليل البرد القارس من أداء صلاتك أو تناول طعامك أو الهجوع إلى فراشك, وربما هاجمك الضبع وفك رقبتك دون أن تتمكن من الحديث معه في السياسة. كان جدّي معذوراً في حرصه الشديد علينا من ضبع متوحش, طول "الزلمة", فتك بثلاثة رعاة وعشرين رأساً من الماعز قبل أن يتمكن رجال القرية من قتله. كان يهاجم القرية ليلة بعد ليلة على التوالي, فيأتينا دائماّ جائعاً, يبحث عن فريسة يسد بها رمقه. اتفق جدّي المختار مع شباب القرية على تشكيل خمسين نقطة كمين له على أطراف القرية, يضم كل كمين رجلين قويين, أحدهما يحمل سيفاً وسكيناً, والثاني خنجراً وطبنجة. كان يهاجمنا في آخر السهرة, بعد أن يفرغ المصلون من أداء صلاة العشاء ويذهبوا للنوم بجانب زوجاتهم حتى لا يخفن من عوائه في الليل. تسلل كعادته إلى إحدى حواكير القرية, وكانت بالصدفة حاكورة جارنا "محمد لولو", وقبل أن ينقض على إحدى نعاجه السمينة, بادره بطلق ناري أصابه في رقبته فوقع أرضاً, ثم انهالا عليه بالسيف والخنجر والسكين حتى لفظ أنفاسه الأخيرة. قالوا إنه كان بحجم العجل الصغير, وتشبه أنيابه ومخالبه كلاليب الجزار. - حكاية الضبع القتيل أشبعتني وسدت نفسي ولا أعتقد أنني ما زلت جائعاً. - لماذا؟ - ألم تعرف بعد السبب؟ يا إلهي ما أتعسكم من شعب! لماذا كانت حكاياتكم بائسة ومتشائمة إلى هذا الحد؟ أليس لديكم ما ترووه غير حكايات ضباع الجبل, وحيتان البحر والمدينة, ومعركة شياطين الإنس والجّن حول عين عريك, وكوابيس "أبو رابوص", والقائد العميل والخروف الذبيح, ومال الشعب المنهوب؟ أين قصص رسائل الحمام الزاجل في أيام الحب والسلم, وتغريد عصافير المرج, وهديل حمام الأيك, ورفيف طيور الحجل, وزقزقة عذارى الحباري؟ لماذا مات غناؤكم, وتشتت هديلكم؟ - مالك ومال أيام زمان الذهبية! خلينا الآن في بلايانا السوداء! - هل تعرف, يا رباح, كيف أصبح شعوري بعد ثلاثين عاماً من متابعة روايتكم؟ أصبحت أشك في دوري: هل أروي رواية إنسانية أم غير معقولة؟ حياتكم باتت مسلسلاً لا تنتهي حلقاته من كوابيس مرعبة, يعجز المخرج السينمائي, ألفريد هيتشكوك, عن إخراجها درامياً؟ لأنه سيكون أول المكذبين لها. كيف يصدقها و ليس لها سند موثوق ولا مرجعية معترف بها من قبل العالم. ببساطة لن يقبلها أو يُصدّقها مخرج أو منتج أو حتى مجرد قارئ أو مستمع. كان غداؤنا عشاءً في ذلك اليوم البائس, لكنه كان كما وعدني رباح سابقاً, مقلوبة شهية الطعم, مكونة من أرز خليجي طويل الحبة, فراخ بلدية, صفائح من الطماطم الجافة, حب حمص, وبهارات سعودية تُصلي المعدة بمذاقها الحار ورائحتها النفّاذة. تناولت نصف الكمية التي أتناولها في العادة, وبقي نصف معدتي مسكوناً بقصة الضبع الذي كان إنساناً وعين الماء التي انتصرت على شياطين الجّن وأغرقتهم في وادي عين عريك. جاء بعض أقارب مُضيفي للسلام علّي بصفتي صديقاً للمختار, والد رباح, الذي انتقل إلى جوار ربه قبل عدة سنين. تذكرتُ بعضهم ممن كانوا يأتون إلى قلقيلية بنحلهم كي يتغذى على رحيق زهر البرتقال القلقيلي, واستحضرت كيف كانوا يقطفون العسل من أجرانه واستخراجه بواسطة ماكينات بدائية الصنع. كانت سهرتي معهم بوجهين متباينين: وجه واقعي يتحدث فيه الجالسون عن آخر أخبار المستوطنة اليهودية التي أقيمت أعلى عين الماء التي كانت تسقي مزروعات ومواشي دير إبزيع. أما الوجه الثاني فكان أسطورياً, خافت الصوت والصدى, لا يشعر بوجوده غير رباح وأنا. كنا الوحيدين اللذين يستمعان إلى أحداث اللحظة المُعاشة, بينما يفكر أحدنا ملياً بخرافات أهل "الجنيّة" الكبرى. فجأة سمعت عواء جيب رباعي الدفع يقترب من غرفة المجلس التي كنا نتسامر فيها. همس رباح في أذني:" جاء ابن "أبو مرجان"." صمتَ الجميع ترقباً لوصول القادم المهم, ثم أدار بعضنا نظره إلى فضاء القرية المعتم عبر الباب المفتوح على مصرع واحد خوفاً من تسلل بعض الكلاب والقطط الجائعة التي تجوب المنطقة بحثاً عن شيء تأكله. طلع علينا من العتمة كما كان يخرج المارد الجبار من قمقمه في حكاية "افتح يا سمسم!", وقف بالباب وعينه تجوب وجوهنا بحثاً عني. بادرنا بالسلام فوقف الجميع لتحيته. قال مستغرباً بعد أن أخذني بالحضن: - هو أنت؟ وأخيراً التقينا! كيف حالك يا قلقيلي؟ ما زلت أذكر حلمي المُرعب في بلدتكم: لم أر في منامي أسوأ من ذلك الكابوس اللعين. هل ما زلت مهتماً بروايتنا؟ - طبعاً! تعال اجلس بجانبي! أريد محادثتك والسؤال عن أخبارك. - أخباري عال العال, وحياتي حب وحنان, وسهرات ومايوهات. - يا شقي! ألم تعقل بعد؟ - لا يعيش في هذه البلاد إلا المجنون, لأننا جميعاً أبناء جّنية, شئنا أم أبينا. - كيف حال نيللي؟ - أما زلت تذكرها؟ صارت عجوزاً, تدير "بنسيوناً" مفروشاً في تل أبيب, لديها روسيات, هل ترغب في واحدة؟ - ما هي أخبار الكابتن؟ - يعيش في القدس الغربية مع بنت أخته. تدخل في حوارنا أحد الجالسين وكان بعين واحدة سوداء اللون, أما الثانية فكانت منطفئة ولونها أبيض مثل بوظة ركب. سأله مستنكراً: - ولماذا يسكن مع ابنة أخته نيللي الزانية؟ - لأنها زوجته. - كيف يتزوج إنسان من ابنة أخته, يا عالم؟ إنها من محارمه, مثل أخته, أليس كذلك, يا أستاذ؟ - ينطبق هذا الكلام على أبناء دينك فقط, يستطيع اليهودي حسب ديانته أن يتزوج ممن ذكرت. أعدت الحوار بيني وبينه ثانية. قلت: - دعنا من هذا الموضوع الآن! لدي سؤال بخصوص مستقبل الثورات العربية التي اندلعت هذا العام, كيف تراها؟ هل تسير على نمط الثورة الفلسطينية أم تراها هبة شعبية عاطفية وتزول؟ - هذا سؤال صعب, يختلف عن سؤالك القديم بشأن مصير وأهداف الثورة الفلسطينية. رأيي الشخصي أنها احتجاجات مُحقة تحولت إلى براكين ستقضي على الأخضر واليابس في العالم العربي. وجه الخطورة فيها أنها عريضة, غير مؤطرة, وليست منهجية, بمعنى أنها احتجاجات عمياء لا تقوى على تقديم تصور لحل الإشكالات التي يعاني منها المواطن في المجتمعات العربية, أراها صرخة مدوّية بلا برنامج ديمقراطي مستقبلي واضح. أما الخطر الأهم فيكمن في الحالة الأمنية المنفلتة التي تعيشها هذه الاحتجاجات والتي تسمح بتدخل القوى الأجنبية في توجيهها والتحكم بخطها وبالتالي مصادرة أحلامها وتحويلها إلى كوابيس دونها كوابيس النظام العربي القديم. إنها تختلف اختلافاً نوعياً عن الثورة الفلسطينية التي كانت تبدو تقاتل لتحرير وطنها, بينما الشعوب العربية تقضي أيامها في حفلات وسهرات صيفية جميلة. - لقد صح توقعك القديم أن أحمد مرجان سيقلب الحلم الفلسطيني إلى كابوس متصل. فهل هناك "أبو مرجان" عربي آخر سيسرق من الثورات العربية حلمها؟ - طبعاً! وهل تعتقد أننا سنترك الساحة العربية للقوى الشبابية الساذجة التي تحلم بقيام مجتمعات عربية حُرة ومستقلة؟ اسمعني جيداً! لن نسمح لهم بقيام دولة عربية ذات إرادة سياسية تهدد مصالحنا المرتبطة بمصالح الكابتن غازي. - مَن أنتم؟ - نحن القوى المضادة للتطرف والإرهاب والتعصب في الشرق العربي؟ نحن القوى المعتدلة, المنفتحة على الآخر. سيكون هناك تغيرات ديمقراطية كبيرة في البلاد العربية, ولن يصل إلى الحكم إلا من يقبل بالاعتراف بإسرائيل وتنطبق عليه المعادلة الجديدة التي تحدد هوية وبرنامج الحاكم العربي الجديد: إما أن يكون مسلماً علمانياً أو وطنياً غربياً. ولن يصل الإسلاميون المتعصبون لسدة الحكم في أي بلد عربي مهما كلف الأمر. - وما الفرق بين الإسلامي والمسلم؟ لقد أضعتني بهذه المعادلة...كيف تستطيع القيادات القادمة التوفيق بين الإسلام والعلمانية أو بين الوطنية المتعصبة والنمطية الأوروبية المنفتحة؟ - نسعى لوصول المسلم, الذي يحق له ممارسة طقوسه الدينية, إلى دست الحكم. أما الإسلامي فهو المتطرف الذي يريد أن يحكم الآخرين باسم الإسلام ويسعى لتطبيق شريعته عليهم. تذكر ما قلته لك قبل ثلاثين سنة, وضعه بجانب ما أقوله لك اليوم ستجد المشهد العربي واضحاً حاضراً ومستقبلاً. ألم تعترف الثورة الفلسطينية, التي كانت ترفع شعار تحرير فلسطين من البحر إلى النهر, بإسرائيل؟ ولماذا لا تعترف الثورات العربية القادمة بها؟ ما الفرق بين ثورة "أبو مرجان" الفلسطيني, وثورة "أبو غليون" السوري, وثورة "أبو شعبان" اليمني, وثورة "أبو رمضان" المصري, وأبوات الثورات اللاحقة في باقي البلاد العربية؟ ربما يكون الفرق بينهم هو أن "أبو مرجان" الفلسطيني كان بائعاً لوطن, أما الأبوات العرب الآخرين فبائعون لرأس الإسلام, كما باع أهل الكوفة رأس الحسين بن علي لبني أمية في دمشق. باختصار شديد, كما فشلت الثورة الفلسطينية في امتحانها الوطني فإن الثورات العربية ستفشل في امتحانها الإسلامي. يجري برمجة رموزها دولياً: أي أن هناك عقد أو عقدين من الزمن نشهد فيهما وصول شبح مُفزع لمسلمين يقبضون على مقاليد الأمور في العالم العربي ليحكموا بطريقة سيئة جداً كي يُنفّروا المسلمين أولاً والعرب ثانياً والعالم ثالثاً من مقولة تطبيق الشريعة الإسلامية, ويخلقوا قناعات جديدة أن الإسلام لم يعد يصلح للحكم. - وهل سيكون لكم دور في هذه الاحتجاجات؟ - طبعاً! نحن نعمل على استغلال المظاهرات العارمة والتجمعات الشعبية والثورات المندفعة لصالحنا. ما زلنا ثورة مضادة. - أعرف ...لكن ألا يحق للشعوب العربية الانتفاض في وجه حكامها المستبدين؟ - بالتأكيد لها الحق في ذلك... لكن حصولها على حقها يجب أن يسبقه إدراكها لهذا الحق وعدم تراجعها عنه مهما بلغ قمع النظام: أي الإصرار على تداول السلطة, وتكريس المواطنة الحقيقية القائمة على العدل والمساواة. أرى أن الاحتجاجات الحالية مجرد هبات عاطفية لا ترقى إلى مستوى الثورات الحقيقية التي تجتث النظام من جذوره في كل مؤسسات الدولة. - هل تقصد أن صلاحية النظام السياسي العربي القديم قد انتهت؟ - نعم لكن مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية كل نظام. لقد بدأت الثورات العربية ضد الجمهوريات فرفعت القوى الأجنبية عنها الشرعية والحماية فوراً. وسيأتي وقت تهب الثورات ضد الملكيات فتفعل القوى الأجنبية ما فعلته مع الجمهوريات سابقاً. ثم يأتي دور الإمارات الصغيرة. كان النظام العربي متواطئاً مع القوى الأجنبية ضد مصالح شعبه العليا خلال القرن الفائت, اليوم آن الأوان أن تتزامن مصالح القوى الأجنبية مع مصلحة الشعوب العربية لخلع النظام العربي الذي انتهت صلاحيته, بدون اتفاق مسبق بين الطرفين. - لماذا تعارضون مبدأ الثورات العربية؟ وهل كنتم تعارضون النظام العربي؟ - نحن لا ننتمي إلى أي من الطرفين. ستكون محصلة هذه الثورات هي من نفس الأسباب التي ثارت عليها الشعوب العربية. فكما ثارت على الاستبداد والتخلف والفقر والخراب ستكون محصلة ثوراتها استبداداً وتخلفاً وفقراً وخراباً لكن في ظل قيادات جديدة. وهذا هو المطلوب مبدئياً في حقبة الثورات العربية القادمة, كما كان هو الهدف في عهد النظام العربي البائد: تكريس سياسة التفريغ الذاتي. وفي التفصيل لأسباب الثورات هناك قاسم مشترك بين ما يحدث في ليبيا ومصر وسوريا واليمن وما سيحدث في الممالك العربية وما حدث في فلسطين سابقاً. إن المعنى الحقيقي للاحتجاجات الشعبية هو أن هناك شرخاً عميقاً بين القمة والقاع. كما تعني غياب القاسم المشترك الذي يربط نظام الحكم بالشعب كما هو الحال في الدول المتحضرة. ولما كان هذا القاسم غائباً فإنه سيتعذر جمع الطرفين المتقاتلين على طاولة حوار واحدة. وتكون النتيجة حروباً أهلية وفوضى شاملة وخراباً عاماً يتحمل الطرفان المسئولية الكاملة عنها. وفي تقديري الشخصي أن الاحتجاجات العربية العنيفة تعني عدم وجود نضوج حضاري لدى الطرفين السياسيين المتحاربين. لو كان الشعب واعياً والحاكم حكيماً لما وصلت الخلافات بينهما إلى درجة الحرب الأهلية: وحتى لو قلبنا المعادلة القديمة رأساً على عقب ستبقى صحيحة: أي أن الحاكم من جنس الشعب والشعب على دين الحاكم المستبد. الأمر الأهم في الفوضى التي بدأت تعم العالم العربي هو كرمها في إفساح المجال للقوى المضادة لها بالتجذر في صفوفها كما حدث إبان الثورة الفلسطينية وتمكّن "أبو مرجان" من حرف مسارها. بدأت تلك الثورة برفع شعار التحرير وانتهت ببيع فلسطين. - وماذا سيبيع "أبو مرجان" العربي؟ - كما لعبنا وبعنا خالتنا الفلسطينية نوال, سيلعب "أبو مرجان العربي" وجماعته على أمهم العربية ويبيعوا دينها الإسلامي. ألم يكن شعارنا القديم إبان الثورة الفلسطينية: تحرير وحب حريم؟ - هل تقصد أنه لن يكون هناك فرقاً جوهرياً بين ما كان عليه الحال أيام النظام العربي القديم وما سيكون عليه في زمن الثورات العربية الجديدة؟ - بالضبط ... مع فارق بسيط في اسم الحاكم. والدليل أن النظام العربي القديم هو ربيبة صنعها سايكس وبيكو, والثورات العربية الجديدة تلعب ضمن الحدود الجغرافية والسياسية التي رسمها هؤلاء: أي أن الطرفين يلعبان لعبة دموية ضمن حدود قطرية حمراء جداً يُمنع تجاوزها. فلماذا لا نعتبرهما وجهين لعملة واحدة - دون أن تدرك الشعوب العربية الثائرة هذه الحقيقة أو توافق عليها؟ ويبقى على الطرفين العربيين المتقاتلين أن يلتزما, حاضراً ومستقبلاً, بمُحرمين أحمرين أثناء لعبتهما الديمقراطية وهما: أولاً, عدم الولوج إلى العصر النووي, ثانياًً, عدم العودة إلى منطق وثقافة العصر النبوي. - ما هذا الصورة السلبية التي ترسمها لأبناء أمتك؟ وما بال إسرائيل تتحسب مما يجري ما دام لصالحها؟ - هذا ما نعمل على تحقيقه الآن, لكنه ما زالت نتائجه طي الغيب والإمكان, وربما تتطور الأمور على عكس ما نأمل, لغير صالح إسرائيل. لهذا نشارك فيها لضمان ليّ عنق الثورات العربية الشعبية. طلب مني "أبو مرجان" الاستعداد للسفر إلى ليبيا لمشاركة إخواننا المعارضين الليبيين في ثورتهم ضد الطاغية القذافي. أمرني خطياً:" يجب علينا مساعدة الثورة في ليبيا, لم أجد أفضل منك للقيام بمهمة التنسيق هناك. تذكر أن علينا واجباً إنسانياً وعربياً يقتضي الوقوف بجانب الشعب الليبي ضد الطاغية معمر: وفي حال نجاحنا في إسقاطه أطلب منك الانحياز فوراً لبقايا كتائبه لحفظ التوازن الإنساني بين الطرفين المتحاربين وضمان استمرار الحرب الأهلية بين الأشقاء الليبيين! هل عُلم؟" لدينا شغل كثير هناك. هل ترغب في العمل معي؟ تعال إذا أحببت! - أصبحت لدي رغبة عارمة في التعرف على "أبو مرجان", هل هذا الأمر ممكن؟ - أسهل عليك أن تتمنى الموت من أن تقابله أو يجالسك أو يتحدث معك. - كم راتبه الشهري؟ - ماذا تقول؟ هل جننت؟ هذا القائد هو الوحيد الذي لا يتقاضى راتباً شهرياً: إنسانيته تعطي الجميع ولا يأخذ من أحد. تصور أنه يصرف لنا راتبين: راتباً في بداية كل شهر, وراتباً ثانياً في منتصف الشهر. - كم أتمنى مقابلته! - لا تتمنى المستحيل, أنصحك! - ومتى ستسافر إلى ليبيا؟ وهل تتصور أن سقوط القذافي سيكون سهلاً؟ - ربما خلال شهر, قبل أن يسقط القذافي. مهما بلغ الدمار وزاد عدد القتلى سيسقط في نهاية الأمر. هكذا يقول سيناريو الأحداث. ألم يحدث ما توقعته سابقاً؟ ثورات الشعوب في العادة تقود نضالاً ديمقراطياً ضد الحاكم المستبد, بينما الثورات المسلحة تقود نضالاً وطنياً ضد العدو. لهذا نجاح الثورات الشعبية أسهل من نجاح الثورات المسلحة. والدليل أن كل الثورات الشعبية التي قامت على حكامها المستبدين انتصرت عليهم. ألم تنتصر الثورات الصينية والإيطالية والأمريكية والبلشفية على حكامها. - على العموم لدي فكرة أود طرحها عليك, ربما تكون مخرجاً مشرّفاً يُطهرّك من الأوساخ التي يقول العرب إنها علقت بسيرتك الشخصية. فما دمت مصراً على المشاركة في الثورات العربية على طريقة "أبو مرجان", لماذا لا تشارك فيها على طريقة محمد أبو عزيزي؟ أنت نادر الفلسطيني وذاك محمد التونسي, كلكم مظلومون, أليس كذلك؟ - وما هي طريقته؟ - ألم تسمع بالتونسي الذي حرق نفسه في وضح النهار احتجاجاً على تردي الأوضاع في بلده؟ أقترح عليك أن تُفجر ثورة شعبية في أي مكان تختاره في العواصم العربية التي لم يحدث فيها بعد ثورة شعبية. افعل كما فعل محمد أبو عزيزي التونسي, وخالد سعيد المصري, ونادية أغا طه الإيرانية. احرق نفسك أمام عيون الجماهير! لا يكلفك الأمر سوى جالون من البنزين سريع الاشتعال, ادلقه على جسمك في وسط دوار المنارة, مثلاً, احتجاجاً على من ظلموك سابقاً, وستصبح رمزاً تاريخياً, وشهيد الشعب. ستدخل تاريخ الثورات العربية من أوسع أبوابه, وستمحو خطايا قاسم, وأخطاء نادر, وهفوات ناردوق. ألم تتعامل مع الكابتن نكاية بالذين تعالوا عليك واحتقروك يوماً؟ اسمع مني! اعملها وتوكل على الله! إذا حرقت نفسك سأدعو الله أن يغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر, ويدخلك جنان النعيم. وفي اليوم الثالث لتفحمك شهيداً, سأعطي, عن روحك الطاهرة, كل فقير يمر بمكان احتراقك كيلو لحم عجل وكيلو أرز بسمتي طويل الحبة. - عجل في عينك! أتريدني أن أحرق نفسي لمصلحة حيتان رام الله؟ فُخار يكسّر بعضه! أنا لا أحتج على الأوضاع الحالية في رام الله لأنها تخدم مصالحي. ولن أنسى الذل الذي ذقته على يد زميلي المليونير رفيق ريحاني حين كان يعايرني ويتعالى عليّ! ومَن قال لك إنني أعيش مشكلة تحتاج إلى حل؟ أنا مبسوط والحمد الله الذي أعاد "أبو مرجان" إلى رام الله سالماً غانماً, لقد غمرني بعد عودته بخيره العميم. هل جرى لعقلك حاجة؟ أتريدني أن أحرق نفسي من أجل أناس أسفل مني؟ - لكن حديث الناس ما زال قاسياً بحقك, يروون عنك حكايات مُخزية, تقشعر لها الأبدان, هل نسيت هذا؟ - لقد تجاوزتهم ولن أنسى حديثهم. من كان أقل سوءاً وحقارة مني في "الجنيّة" الكبرى فليضربني بحجر كبير! أنا أقلهم إساءة للعرب والفلسطينيين, ومَن لا يُصدّقني فليناقشني! سأمضي في طريقي تحت إمرة مرجان العظيم. هززت رأسي في العتمة, ضاع مني معنى هز الرأس في الليل البهيم. غادرنا "ناردوق" بلا مشاعر واضحة: لا أدري إن كان عابساً أم فرحاً؟ لا أدري .... فقد ابتلعت العتمة ملامحه بسرعة فائقة فلم تظهر على وجهه دلائل مُحددة. فتح باب سيارته الفخمة, ذات الدفع الرباعي, كأنه يتقزز مني, ثم اختفى في ظلام القرية الدامس. لم يستطع ضوء المصباح داخل سيارته كشف ملامحه التي رحلت عن وجهه قبل أن يرحل عني جسمه. كان صداها ناعماً وهي تنسل في العتمة كمواء قطة خائفة من ضبع جائع. وحين تلاشى صوت مُحركها خَفَت صدى قصة الضبع البدوي في ذاكرتي. عدتُ إلى الغرفة, تفحصتُ وجوه الجالسين بداخلها, كانوا تماثيلاً مهشمة, سقطت للتو من منصاتها الإسمنتية العالية, فلم أر ابتسامة واحدة ترحب بي ثانية. شعرتُ أنني فقدت شيئاً من احترامي لديهم:" ربما ظنوني جاسوساً مثله, مَن يدري كيف فسّروا خلوتي به؟" تنهدنا الصعداء, وانفرجت أساريرنا, كل بطريقته ولأسبابه الخاصة, بعيد رحيله عنا. لقد أطبقت سيرته والليل الحالك مدة ساعة ونصف الساعة على صدورنا. قال رباح بزهو بادٍ على محياه:" خلينا نغيّر جو سهرتنا! هل تعرف لماذا اختار جدّي هذا الموقع الشاهق لإقامة قريتنا؟ .... لأن وحوش الإنس وشياطين الجّن لا تستطيع العيش فيها مدة طويلة. إنها أقرب نقطة أرضية إلى السماء, لهذا دعواتنا دائماً مستجابة حتى لو كان بعضنا لا يؤدي فرائض الدين. نحن نشعر أن الله يحبنا حين جعل قريتنا قريبة منه". كانت حكاية الوهم التي سردها رباح عن قريته آخر كلام يسمعه ولا يصدقه أبناء بلده الذين انفرط مجلسهم على إثر سماعها. ذهب كل واحد منهم لينام بجانب زوجته وليس في نيته سرد حكاية جديدة عن الضبع البدوي لذي لم يعد يخيفهم في الليل البهيم. في الهزيع الأخير من تلك الليلة وقفتُ أمام باب المجلس وحيداً كالضبع, تخيلتُ وجه عين عريك الأسطوري يناجيني:" هل أدركتَ لماذا انتصرتُ على شياطين الجّن؟ إذا لم تكن أدركت بعد فانظر إلى أصابع كف رباح المبتورة وقارنها بالأصابع الستة التي حفرها الزمن على صدر الصخرة المجاورة لي!" تذكرتُ أن ثلاثة أصابع من كفه اليمنى التهمتها آلة نسج الملابس في أحد المصانع الإسرائيلية. بقي من أصابعه الخمسة الإبهام والبنصر فقط. كانت أصابع كفه ناقصة العدد, بينما أصابع الكف التي تجثم على صخرة إبراهيم زائدة إبهاماً, فماذا كانت تقصد العين حين طلبت مني مقاربة الكفين مع بعضهما الآخر؟ بعد انقضاء تلك الوقفة التأملية عاد طيف نادر يملأ خيالي, تراءى لي وهو يصول ويجول في أفق يمتد من يافا إلى رام الله ماراً ب"الجنيّة" وعمواس ثم يستقر أمامي في دير إبزيع ليلاً. كأنه جاء يحاورني وحيداً دون إذن من مرجان. لقد تذكرته في ساعة متأخرة بينما نباح الكلاب الضالة يحاصر غرفة المجلس, المطل على الوادي السحيق. شعرتُ أن طيفه يدفعني إلى قعر وادٍ عميق الغور يشبه ذلك الذي أظنه يتمطى أمامي دون أن أراه. لاحظ رباح القلق يسيطر على محياي بخصوص زيارتي المحتملة إلى قاسم, إلا أنه طمأنني قائلاً: - لا تقلق! اذهب وقابله! الحقيقة مهما كانت مرّة لن تستفزه! لقد أخبرناه بطريقة غير مباشرة عن علامة الحرق في فخذ الطفلة نوال وتلك التي في فخذ حبيبته نيللي, أليس كذلك؟ هذا البليد يعرف العلاقة بينهما لكنه لا يريد أن يشعرنا أنه يعرف. - ماذا لو استشاط غضباً وفقد أعصابه فأطلق النار علّي من مسدسه؟ ماذا أكون قد فعلت بنفسي؟ هل أضحّي بحياتي من أجل سرد رواية؟ - لا تخف! إنه من النوع الجبان, لا يجرؤ على القيام بأي عمل ثأراً لكرامته لأنها أصلاً ميتة. وضعتُ رأسي كالقتيل على وسادة كبيرة توقعتُها أن لا تكون مُريحة لي في نومي. وفي اللحظة التي أطفأ رباح فيها المصباح الكهربائي هجمت علّي أطياف الموتى الذين انشغلت بقصصهم في روايتي, كانت أجنحتها من نار وشرر, فقضّت مضجعي. وبعد لأي طويل تركتني أغفو غير قرير العين. كانت ليلتي في دير إبزيع قطعة من الرعب الذي لم أعايش مثله في حياتي, حلماً ويقظة. تخيلت نفسي مستلقياً على حافة وادٍ عميق الغور, مسنداً رأسي على بطن ضبع يحتضر, وتحاول كلاب سوداء اللون سحبي من قدميّ إلى قعره المظلم. قلت معاتباً نفسي:" لماذا أقام كراجة الأول بيته على شفا هذا الوادي السحيق؟ هل كان ينوي الانتحار في لحظة من لحظات يأسه من الحياة؟ لقد ثأرت كوابيس دير إبزيع لنادر مني! يوماً بيوم والراوي أظلم". كنتُ اصرخ من قحف رأسي ولا مجيب لندائي:" أنقذوني! أنجدوني! نهشتني الضباع, عضتني من رأسي, أحدها يقضم أذني وشفتي!" لم يسعفني أحد, ولا شد من عضدي غير شخص لا أعرفه وقف بجانبي فجأة, يحمل بيده اليمنى عصاً تشر النار من جنباتها. صاح في وجهي:" لماذا تصرخ؟ هل بت جباناً؟ لماذا لا تفتك بها؟ أنظر إليها كيف هَرَبت حين رأتني. أنت لست رجلاً, أفضل لك أن تبقى في بيتك مع الحريم". ثم سألني: - ماذا تفعل هنا؟ - أتيت لمقابلة صديقي القديم. - أي صديق تقصد؟ أهو نادر أم قاسم أم ناردوق؟ لماذا يحمل هذا الولد ثلاثة أسماء؟ أهو عضو في جماعة المافيا الإيطالية أم ينتمي إلى القاعدة؟ - كلا! إنه لاجئ مسكين من البرّية, نشأ في "الجنيّة", ويسكن اليوم في رام الله. - لقد عرفته, وهل يخفى القمر؟ إنه نادر الذي حمل اسم قاسم ثم استبدله بناردوق, أليس كذلك؟ مساكين يا أهل "الجنية"! تحاولون أن تختبئوا وراء أسماء وهمية كي تخفوا جرائمكم! كنت قبل موتي لا أعرف أنهم جزء لا يتجزأ من شعب " الجنيّة" الكبرى, ثم عرفت حقيقتهم بعد موتي. الله يعينك عليهم شو كذابين! - كأنك تعرف كل أهل فلسطين! ذكّرني باسمك علّني أتعرف عليك من جديد! لقد استهلكت قصص الضباع والجّن والشياطين التي أسمعها وأراها ذاكرتي. - أنا محمود الأشوح, صديق والدك, كنتَ تُحضر لي العشاء على صينية عليها الخبز البلدي والزيتون والزعتر والبيض المقلي, أليس كذلك؟ ما الذي أوقعك هذه الوقعة البائسة؟ - جئت أبحث عن رواية أظنها تخدم الحقيقة. - ماذا تريد أن تعرف؟ لا يوجد في هذه البلاد حقيقة, يوجد وجهات نظر متباينة وكلها لا تخدم حقيقة الصراع الدائر بينهم. - يا سلام! كيف تقول هذا عن بلاد مُقدسة؟ ما هي حقيقة حكاية نادر مع الثورة الفلسطينية وحكايات "أبو مرجان" مع الثورات العربية؟ هل كان اعترافه بالعمالة صحيح أم للتضليل واستجداء الشفقة؟ - هذا السؤال المركب يحتاج إلى سرد روايتين طويلتين, وربما إلى ملحمة من عدة أجزاء. توقف عن سرد روايته حتى لا تنقلب عليك! سيتهمك بالعمالة وسوء الأدب. وأنصحك كما لم أنصح نفسي حين كنت أدِبّ على الأرض مثل الدابة العمشاء التي تعجز عن كشف قناع هذه الوجوه التي تخفي ضباعاً لا تعرف الحق أو العدل أو المساواة. أخشى أن تنهش لحمك الطريّ. لقد دفعتُ ثمناً باهظاً لا أُريدك أن تدفعه. صحوتُ من حلمي مضطرباً, لم يتركني صديق أبي أنام ليلي الطويل في دير إبزيع. داهمني طيفه قبل بزوغ الفجر كي أرعوي عن متابعة حكاية عربية خطرة اسمها تحولات اللاجئ "ناردوق" الفلسطيني إلى ضده. كان ما يزال مُضيفي يشخر في نومه حين انتهت زيارة الميت لي في بيته وهو لا يعلم, كأنه كان يغط في كوابيس ليس لها أول من آخر. قلتُ في خاطري:" على ما يبدو أن قيامتي وقيامة مضيفي قامت في نفس الليلة! سأتركه يصارع مصيره ويكفيني عبء ما رأيت!" غادرت الغرفة لقضاء حاجتي في حمام مجاور, لا يصلح إلا أن يكون إسطبلاً لضباع دير إبزيع أو شياطين عين عريك التي نجت من معركة العين التاريخية. لم أُؤدي صلاة الفجر في دير إبزيع فقد حلمت بمعاشرة امرأة أعرفها تماماً غصباً عني, كانت نسخة عن زميلتي وفاء العذبة اللطيفة. ورغم أنني شعرت بالخزّي على ما فعلته بزميلتي إلا أن لذة النوم معها حلماً غطت على تأنيب ضميري, فبدوت ضبعاً هزيلاً لا يستطيع العواء في وجه الشيطان. ألقيت اللوم كله على أحد شياطين عين عريك الذي أحضرها دون إذني أو رغبتي, حملها أثناء نومي من سانتيغو إلى دير ابزيع كي تُسرّي عني وتشد من عضدي بعد أن بدأت أشعر بالوحدة والخوف. عاتبته بعد أن أنهيت مهمتي القذرة معها:" أنت شيطان بحق... ألم تجلب لي غير زميلتي المتزوجة التي كنت أحبها واحترمها؟" أجابني متهكماً:" احترت بين اثنتين تقبلان النوم معك, نوال اليافوية أو وفاء الغانم. قلت في خاطري: يا ولد, يا شيطان! يكفي نوال ما حصل لها على يد نادر و"أبو مرجان"! خفف العبء عنها وهات لصاحبك القلقيلي امرأة غيرها!" وبخته قائلاً:" وهل تعتبرني صاحبك؟ هل تريد أن تُخرّب بيتي؟ ليس لي علاقة مع شياطين وملائكة الصراع العربي الإسرائيلي كلهم, هل سمعت؟" قال بصوت فيه تحدٍ ظاهر:" آي أسكت عاد! أنا صاحبك وأنت صاحبي ومصيرنا بعون الشيطان الأكبر واحد في جنة الجحيم, ما الفرق بينك وبين أصحابك, نادر و"أبو مرجان"؟" بدأت أشعر أنني متورط في رواية هذا الصراع وما يحدث للآخرين يحدث لي ومعي رغم براءتي منهم. سألني الشيطان:" هل يستطيع إنسان يعيش الصراع في بلاد السلام أن لا يقف بجانب أي من المتصارعين؟ إما أن تكون عربياً فلسطينياً وتفعل ما يفعلونه أو تقف بجانب الكابتن غازي اسحق وتعمل عمله في الجانب الفلسطيني, فأي الموقفين تختار؟" لم أجرؤ على إجابته على سؤاله, ولم أُزل جنابتي بماء الصنبور البارد كالثلج لتطهير جسمي من آثار زيارتها الممتعة. أسرعتُ في العودة إلى الغرفة وطرقتُ بابها في وجه الريح البارد فصحا رباح من نومه. شعرت أنني ما أزال خائفاً من شبح الشيطان, كان قبل وقت قصير يحاول سحبي إلى قعر الوادي المجاور كي يأخذني معه إلى ملكوت الشياطين الحُمر في باطن الأرض. شد رباح يديه ورجليه كما يفعل المذبوح لحظة خروج روحه من جسده. رحل شخيره مع شيطاني الأحمر إلى مكان مجهول, وحين اعتدل في جلسته بدأ يشتم دين نادر بأشنع الشتائم. شوّش علّي حواري الداخلي فاعتقدت أن أحدهم أزعجه بزيارة في منامه. أوقفته لحظة ثم همستُ في وجه النوم:" لم يكن حلمه عذباً, لو كان كذلك لما سب دين نادر! وحين خبا صوته ظننتُ أنه بدأ يسب ديني." خرج من الغرفة قبل أن يدخلها شعاع الشمس بدفئه, وحين عاد ثانية كان ضياؤه يحتضن كل بيوت القرية. بدت ملامح دير إبزيع تتضح لي بعد غياب استمر أكثر من ثلاثين سنة. في ذلك الصباح البكر رأيت بيوتاً حديثة الإنشاء ولدت للتو من رحم العتمة, استيقظ المكان الذي قيل لي إنه شهد مصرع الضبع المهول أيام الجدّ الأول كراجة. دفعني الفضول إلى النافذة الكبيرة, رأيت من خلالها البيت الكبير وهو يتثاءب من نومه. كان منظره لوحة زيتية قديمة الصنعة, دون تزوير أو إزاحة. تشجعت فخرجتُ من الغرفة كي أستقبل شعاع الشمس الصافي الهابط على القرية الوادعة فوجدته ذهبياً صافياً, مثل الذهب المصهور, كأن السماء عمدت إلى تنقية أشعة الشمس الهابطة كسهام صفراء كي تحتفي بمقدمي:" ويلك, يا هذا! هل تتشبه بالأنبياء حين سَجَدت لهم الشمس؟ أراك تجاوزت قدرَك في هذا المكان العالي, القريب من السماء, والبعيد عن قعر الوادي!" عاد رباح من مشواره يكرج كرجاً مثل الضبع المُعافى, يخض نسيم الصباح بقبضته الناقصة, ذات الأصابع المبتورة. جاء ليرى إن كنتُ يقظاً أم عاودتُ النوم ثانية. قال:" تفضل! هذه قهوتك العسملية, والفطور بعدين." قفل راجعاً كي يستعيد زوجين من الماعز الشامي هربت من حاكورتها ليلاً, نسي أن يغلق عليها باب حظيرتها قبل أن ينام. كان منزعجاً من خطئه الجسيم, سرقت زيارة نادر اهتمامه بعنزاته العزيزات, لكن الله قضى أن تنتهي زيارتي للقرية بخبر عودتها سالمة غانمة إلى حظيرتها ومسقط رأسها. رجع إلى الغرفة مغتبطاً باشّاً لعودة عنزاته سالمات, كأنه يوم عودة شياطين الجّن إلى عين عريك. جلس قبالتي وهو يقول:" والله زيارتك لنا خير وبركة.... أخ لو أنها كانت بدون ذلك الكابوس اللعين الذي رأيته في منامي في الليلة السابقة. لم أتعود رؤية أحلاماً مُزعجة أو مُفرحة في منامي منذ ولدتني أمي. كنتُ دائماً أضحك على إخوتي حين يزعمون أنهم رأوا المرحوم أبي أو المرحومة أمي أثناء نومهم. كنت أقول لهم:" ما ترونه في منامكم ليس عودة أبي وأمي إلى مسقط رأسهم, إنه خرابيط خربطة وحكايات فبركة, مثل حياتنا مع ضباع دير إبزيع وشياطين عين عريك." اليوم اقتنعتُ أن بعض أحلام الناس يمكن أن تكون حقيقية حتى لو كانت سيئة. - ماذا رأيت في منامك حتى صرت تؤمن بالأحلام؟ - رأيت الحاج عبد القادر وابنه سامي مقبلين "فارعين دارعين" إلى بيتنا. عاتبني سامي بصوت عالٍ:" ولو يا رباح.... هيك بتعمل فينا؟ همستُ لك بسرٍ عن نوال اليافوية وعلاقتها مع ابني كي تنصحني, لماذا أفشيته لصاحبنا القلقيلي؟ لو كنتُ أرغب في إخباره لفعلت, لكنني كتمته عنه. اعتقدت أنك ستحفظه, لكنك خذلتني حياً وفضحتني ميتاً. حرام عليك يا رجل التشهير بنا! اتق الله أنت وضيفك الباحث عن حقيقة قصة لا تُقدم ولا تُؤخر في مصيركم! ألم تجدوا ضالتكم إلا في هتك أعراضنا وتلطيخ سمعتنا؟ ألا يكفينا الذل الذي عشناه؟ أتريدون تخليد فضيحتنا السياسية في مكتبات الآداب العالمية؟ أراكم تستحقون جائزة نوبل على روايتكم الجبارة, يا خسارة على عشرتنا معكم! لو كنتُ أرغب في أن يعرف الناس حكاية نادر وخالته نوال لشكوتهما إلى أهل القرية, ربما لا يصدقونها, لكنني آثرت الصمت, كتمت حزني حتى فقدتُ صبري. لم أجد بداً من تناول حفنة أسبرين لتهدئة وجع رأسي لكنها كانت زائدة عن الحاجة فقَضَت على حياتي: متُ ولم يكن قصدي الانتحار بتاتاً. فهل ستذكرون حكاية موتي الحقيقية دون تزوير؟" - ماذا قال الحاج عبد القادر لك؟ - أول ما رآني شتمني قائلاً:" يلعن تينك ما أسفلك, يا خرسيس! أهذه آخرتها معك يا ابن عسلي ونحلي؟ لماذا تتآمر علينا, ألا يكفينا ضياع حالنا ومالنا؟ هل تحسدنا على معاناتنا وقلة قيمتنا في الدنيا؟ الله لا يسامحك ولا يهدئ لك بال, يا لعين الوالدين! ألا يكفي ضياع البريّة منا؟ ساق الله على أيام الانتداب البريطاني في البرّية.... والاحتلال الإسرائيلي "للجنيّة"! كانا أفضل مئة مرة من حياتنا الذليلة معكم في دير إبزيع!" - وهل صَدّقتَ ما رأيته في حلمك؟ لو كنتُ مكانك لما صدّقته, هذان شيطانان! - وما أدراك أن الذين رأيتهما كانا شيطاناً وابنه؟ رأيت "أبو سامي" بلحمه وشحمه وطول لسانه, مَن الذي أخبر شيطانه بما يجري عندنا في دير إبزيع حتى يأتي مُتلبساً بهيئته؟ - وما أدراك أنه ليس شيطاناً؟ وكيف حكمت عليه بأنه "أبو سامي"؟ هل نسيت أننا نعيش في قرية كبيرة بحجم وطن اسمها "الجنيّة"؟ في هذه القرية, الفرق بين شياطين الإنس في النهار وشياطين الجِن في الليل مثل الفرق بين الكابوس و"أبو رابوص" الذي كان يُحدّثنا عنه "أبو سامي" نفسه. ألا تذكر قوله:" في سنوات القحط, حيث لا عشب ولا زهر, كان النحل ينقلب إلى مخلوقات تشبه "أبو رابوص", يأتيني في نومي, يجثم على صدري محاولاً خنقي, فأصرخ من قحف رأسي فتأتي زوجتي جميلة, تهدهدني كي تُهدئ من روعي"؟ - إذا كنتَ لا تصدق ما رأيته وسمعته في حلمي فأنا لن أُصدق أن الذي رأيته الليلة الماضية لم يكن "أبو سامي"! المهم الآن, هل ستزور نادر؟ - لن أزوره. - على ما يبدو أن أحدنا قد جُن بسبب ما نرى من كوابيس. مَن يا ترى الممسوس: أنت أم أنا؟ صمتنا أثناء تناولنا طعام الفطور, أراد كل واحد منا التقاط أنفاسه وأفكاره ومراجعة أحلامه التي اختلط فيها الخيال بالحقيقة, والنوم الهانئ مع الكابوس, والليل مع النهار. كان المشهد الواقعي الوحيد الذي يسيطر على عيوننا هو صينية القش اللامعة, ذات الألوان الزاهية. كان عليها رغيفان غير مستديرين من خبز الطابون, وعدة أطباق صغيرة الحجم تحوي لبنة, وزيتاً, وبيضاً مسلوقاً, ثم إبريق شاي مع بعض زعتر عراق. كأنني شتمت أهل "الجنيّة" الكبرى الذين يتناولون الزعتر والزيت في فطورهم وعشائهم:" ما دمتم لا ترون إلا الضباع والشياطين في أحلام ماضيكم لماذا تصرون على تناول نباتاً يُقوّي ذاكرتكم المعطوبة؟" كنا نُحملق في الأطباق التي بدت هادئة, مستسلمة, لا يُعكّر صفوها إلا كفانا اللتان تتناوبان الانقضاض عليها صعوداً وهبوطاً. تذكرتُ هجوم الطيران الإسرائيلي على المطارات المصرية في صبيحة حرب حزيران في العام 1967, كانت الطائرات المصرية رابضة في قواعدها الجوية والقذائف الإسرائيلية تهطل عليها مثل المطر. رأيت شبهاً بينها وبين صحون وأطباق رباح كراجة وهي تتلقى قبضاتنا التي لم تكف عن الإغارة عليها. كان بخار الشاي الساخن يتصاعد من كأسينا خفيفاً في لونه, متعرجاَ في حركته, يصعد إلى أعلى متثاقلاً, ثم ينتشر فوق صينية القش التي كانت تحتضن الأطباق بين حوافها المشرئبة, كأنه دخان طائرات مُحترقة, تستغيث بنا ولا مجيب لها. وحين كاد المكان يتحوّل إلى فانتازيا حكائية, ظهر شبح الشهيد محمود الأشوح مرة ثانية. رأيته متكئاً على مخدة عالية كأنه في إحدى زياراته لوالدي في ديوانيتنا مساءً, كان التشابه بين المشهدين باهتاً, فقد تذكرت المكان والوقت والوجوه التي تتناول عشاءها في الماضي لكنني لم أستطع دعوتها لمشاركتنا فطورنا في ذلك الصباح العجيب. شعرتُ أن مساءآت قلقيلية باتت كاذبة مثل حكاياتها, متوترة مثل رجالها, يُلوّن هدوءها ظلام دامس, وخشية من مستقبل أعمش أصابه العطب سريعاً في صبيحة أول يوم من أيام حرب حزيران عام 1967. لقد كانت حكاياتها خيالية, بعيدة عن واقعها المُتجهم, إلا في بعضها النادر. وكانت إحدى هذه النوادر حكاية طفت على سطح ذاكرتي فجأة. تذكرتُ حكاية أحد ضباط الانتداب البريطاني في فلسطين التي قصها عليّ خالي. وهو أحد كبار السن في بلدتنا الذين يجمعون أن البريطانيين كانوا سياسيين لينين في تعاملهم مع المدنيين العرب إبان حكمهم فلسطين. قال:" كان حاكم قلقيلية الإنجليزي, الضابط كوك, شاباً وسيماً, مرحاً, مزّاحاً مع أهل بلدتنا, متواضعاً معهم, يداعبهم, وكثيراً ما كان يتبادل النكات السياسية مع كبار السن البسطاء, خصوصاً مع الحاج عبد الكريم. كان يمازحه حين يلتقيه في الشارع الرئيس أو سوق الخضار. كان ينادي عليه وهو جالس في سيارته العسكرية قائلاً له: - اسمع خاج! تعال لهون! صاخبك هتلر انهزم... هتلر مات! هتلر مسكين! - أُسكت! هتلر عاش.... هتلر انتصر! - خاج! هتلر قويس... هتلر انتصر .... شو بدك من هتلر؟ - بدي يجيب لي أمك أسيرة مشان أتزوجها وأفرك في عينها بصلة حمراء! - خاج! أمي مسكينة.....أمي بتخبك مثل عيونها! بتوافق تتزوجها إذا انهزم هتلر؟ - لا! أريدها أسيرة فقط, لن استطيع الزواج من إنجليزية إذا انتصر تشرشل على هتلر, ستتحكم بي وتفرُك بصلة في عيني! - خاج! أمي بتخبك... بدها تتزوجك في برلين, بتروخ لعند هتلر هناك؟ - حاضر! بروح لعندها مشي.... أمك حلوة كثير مثلك, تستحق المشوار البعيد, وحبتين بصل في عيونها. أما حكايات دير إبزيع, المتربعة على قمة جبل يطل على وادٍ سحيق فمختلفة, يداعبها النسيمٌ النقيٌ العليل كل صباح ومساء, رغم أنها ما زالت مرتعاً للضباع الضالة حتى بعد مقتل ضبعها الكبير. لهذه القرية تاريخ عريق في محاربة الضباع ومواجهة الطبيعة الجبلية القاسية. أما بلدتنا فكانت دائماً منفتحة على البحر, منبسطة في جغرافيتها, ومستجدة على تاريخ "الجنيّة". حياتها سهلة, وتربتها مثل الحناء الحجازي, لكنها كانت دائماً تعاني من القذائف الإسرائيلية التي جردتها من ثقتها بالمستقبل على مدار عقود. ولو خيّرني القدر بين العيش هنا أو هناك لاخترت العيش في بلدة عين عريك, حول العين, حيث لا عواء لضباع مفترسة أو نباح لكلاب ضالة, فهي أقل وحشية من الاثنتين. ليس بمقدور الضبع, على وحشيته وهمجيته, أن يحتل عيناً باركها إبراهيم الخليل, ربما يهاجم عنزة قاصية أو رجلاً تائهاً أو امرأة فاضلة هربت من بيت زوجها لسوء معاملته فصادفها في طريقها إلى بيت أبيها فنهش ثدييها ومؤخرتها, ثم ماتت في أحد أزقة القرية النائية. سيطلق الناس عليها لقب شهيدة, ويصفون العنزة بكلمات عابرة, ويتعاطفون مع رجلهم "المضبوع" ولن يلوموا الضبع على جرائمه. بأي عبارات أو مفردات نابية سيصف أهل دير إبزيع صديقهم مربي النحل؟ وماذا سيقول أهل "الجنيّة" عن ابن بلدتهم الذي يعمل لحساب الضبع "أبو مرجان"؟ أظن الجالسين على المقهى المحاذي للشارع العام سيتندرون عليه, وهم يحتسون الشاي, دون رحمة: - مسكين نادر, كان ضحية.... - مَن قال لك إنه مسكين؟ إنه جلاد .... - كان خائناً.... - كان مجرماً .... - أهله أساؤوا تربيته.... - جلب العار لنا ولأهله.... - أمثاله لا يستحقون العفو أو المسامحة.... - الذي أمر بإطلاق سراحه من السجن في بيروت كان خائناً مثله.... - يا جماعة! حرام عليكم! الولد كان جاهلاً عندما أوقعه أبناء الحرام في الرذيلة, كفوا أذاكم عنه! - صحيح والله! يكفيه ما حل بأمه وأبيه وجده وخالته من عار وفضيحة, هل تريدون أكثر مما هو فيه من خزي؟ أي عقاب تريدون أكثر من هذا؟ - وهل أنتم أفضل منه؟ تقضون أيامكم جالسين في المقاهي, لا تفعلون شيئاً سوى أكل لحم إخوانكم المساكين, لو كنتم مكانه لفعلتم أفعالاً أسوأ من أفعاله. أنتم تأكلون لحمه نيئاً كما تفعل الضباع بفريستها, حرام عليكم, اتقوا الله! - يستحق ما أصابه, ألم يتسبب في قتل العشرات من الأبرياء اللبنانيين في حرب عام 1982؟ لا ترحموه! العنوه فهو يستحق اللعنة! تركتُ رواد مقهى دير إبزيع البدائي جالسين على كراسي رثة, مصنوعة من خشب وألياف القنب المشدودة, يلوكون حكايته كما اعتاد بعضهم مضغ قرص شمع ينضح عسلاً, ينهشون لحم رجل يعرفه بعضهم شخصياً, والبعض الآخر يسمع به لأول مرة لكنهم صدقوا الحكاية دون أن يطلبوا دليلاً واحداً من راويها. بدا حوارهم ثورة شعبية في مكان ضيّق لا يتسع لأكثر من عشرة أشخاص. ثورة كتلك التي توقعها أحمد مرجان في العقد القادم في البلاد العربية, رأيت بوادرها تشتعل من دير إبزيع. لفت انتباهي كهل أعمش يمسك بعصاً منتصبة بين فخذيه كأنه يتحرش بها جنسياً, وجبينه المتشقق بأخاديد الزمن يتكئ على مقبضها المعقوف, يرجوها أن تسمع شكواه من غدر الزمن. همس في أذن جليسه وهو مقطب الحاجبين:" أعرف مَن يتحدثون عنه, كما أعرف والده وجده المرحومين. نعم الأجداد والآباء وبئس ما نسلوا!" أجابه الآخر:" هل هو ابن مربي النحل سامي, ابن الحاج عبد القادر؟ هذا الولد أعرفه, معقول عمل كل هذه الأعمال التي يتحدثون عنها؟ كأنني أسمع وأرى كابوساً! والله ما أنت قليل يا ابن العسّال!" تركتهم يتبادلون الحديث بطريقة سيريالية, غير قادرين على التفريق بين نادر وقاسم وناردوق إلا في السطحي من الأمور. صاح أحدهم:" ولتشم هاذ جوز العرنكية الحلوة, جارتنا, لسه مش عارفينه؟ انتم "نايمين" ولا صاحيين؟ أنا شفته بعيني يستحم معها على العين: ويا سلام لما العين ترى لحم "الحبايب عالعين"!" هرب خيالي من حكاياتهم, عاد إلى تلافيف نفسي وحروف روايتي, ثم تبعته أفكاري حيث استقلا معاً أول حافلة متجهة إلى رام الله. وكان الوقت ضحى فبقيتُ مع بعض مشاعري الفّياضة أجوس شوارعها القديمة المتداعية. كانت الشمس قد أثخنت بيوتها بسهام مُلتهبة. لم يكن حديد الحافلة أقل حرارة من حرارة نفوس أهلها الذين يتربصون لإشاعة تأتي ليلاً أو نهاراً كي يحرقوها. كانت حرارة الشمس في ذلك اليوم الجديد لاسعة, تحرق جلدي ولا تُفرّق بين ثابت أبقيته في القرية ومتحرك ركب الحافلة, ولا بين جاسوس يسكن في بيت مكيّف أو وطني يعاني من سخونة صفيح سقيفته في المخيم, ولا حي يدب على وجه الأرض أو ميت أتخيل أنه يعيش معي أحلام يقظة, ولا كابوس يكبس على نفسي أو حلم يفصلني عن واقعي. تحولت رحلتي في ذلك الصباح إلى خلية نحل عقيمة, تشبه "أبو رابوص" القلقيلي الذي ما زال هناك يتربص بي الدوائر. كأنني سمعتُ صدى محمود الأشوح يلعلع خلف أشعة الشمس, كان يتأفف من حرارة ذلك اليوم الصيفي الجاف هو الآخر, رغم أنني لم أسمعه يشكو من برودة ليل تلك القرية الشاهقة. ولم يفطن للتعاكس الحاد بين حر نهارها القابض وبرودة ليلها القارص. حثّني على الإسراع في العودة إلى بيتي, فأمر الحقيقة التي اعتقدتها سراً لم تعد كذلك. جاء كي يعفيني من فك طلاسم حكاية قرية جمحت بواقعها وجنحت بتاريخها وجنت على أحلامها. وهكذا صار, فقد عقدت العزم على العودة إلى بيتي غير آسف على الجهد الذي بذلته لإضاءة رواية أهل "الجنيّة", والوقت الذي ضيعته في التفكير في دور نادر سامي الذي يتلون كما تفعل الحرباء:" لماذا أنت ساذج ومتهافت؟ ما الذي تفعله في قرى رام الله الغربية؟ هل كنت هوميروس حتى تكتب عن سيرة أبطال أسطوريين ليس لهم وجود في العالم العربي؟ يا لك من مجنون سيقضي عليه هوسه! انته من حيث أنت! يكفي ما فعلته حتى اليوم, وللمرء ما سعى لخدمة الحقيقة, لا ما جنى منها." كانت رام الله القديمة لحظة وصولي إليها في حالة ميلاد موسمي, تملأ أرصفة شوارعها الضيقة ثمار التين الناضج والعنب الأصفر والصبّار الطازج القادم من القرى المجاورة. كان المشهدان متعاكسين: مشهد الموات في قرية نائية, ومشهد البكورة في المدينة القديمة. من نقطة زمنية تقع بينهما انطلقت عائداً إلى أيام طفولتي الأولى حين كنتُ أقطف ثمار التين الخرطماني من شجرتنا المنتصبة كالجبل في باحة بيتنا. لَعِبت ثمار شجرة التين تلك في حياتي دوراً رمزياً هاماً, كان بعضها يبيت فجاًً وفي الصباح الباكر أجده ناضجاً, وقطرات ندى الفجر تغدق عليه ماء الحياة فيتشقق هو الآخر شوقاً إليها. تعلمت منها أن نضوج الثورات الشعبية يشبه نضوج ثمار الطبيعة, لكل منها موسمه ووقته وزمانه الذي يأتي في وقته دون تقديم أو تأخير. هل تنضج ثمار التين الفجة مساءً إلا بعد أن يكسوها هزيع الليل بردائه المعتم ونسيمه الرطب النديّ؟ وهل نضجت روايتي عن نادر إلا في بعض ليلة ليلاء قضيتها مع "أبو رابوص" في دير إبزيع ذات النهار الحار والليل البارد؟ لا أظنه كان ينتظر زيارتي في ذلك الوقت, فقد قضيت صدر النهار مسافراً بين القرية ورام الله, ثم متجولاً لا أبحث عن شيء بعينه في البلدة القديمة. كنتُ دائماً أحن إلى رام الله التحتا, فيها تنسمت نسيم الصباح البكر في طريقي كل يوم إلى مدرسة بيتونيا حيث أعمل. وفيها بحثت عن غير بيت متواضع لأسكنه كي أكون قريباً من وفاء الغانم, زميلتي في العمل, ورفيقتي في مشاوير الصباح الباكر, لكن الحظ خانني ولم أنجح في تحقيق مرامي. كانت ذاكرتي في ذلك اليوم حليفة نبض حياتي, لكنني لم أصب نجاحاً يُذكر في البحث عن جدول منساب يحمل إليها حلمي وروايتي. وأخشى ما أخشاه أن يخنس لها شيطان من دير إبزيع أو عين عريك فيروي لها ما جرى بيني وبينها في تلك الليلة هناك. وإذا حدث ما أتخيله من كيد الشيطان هل ستغفر لي زميلتي خطيئتي معها؟ وصلتُ دوار المنارة راجلاً, دون مشاعر جيّاشة كانت دائماً تحف بي أثناء زيارتها. كأنني تركت مشاعري خلفي في رام الله القديمة أو دير إبزيع القديمة, لغير سبب وجيه. لم أجد أمامي في الدوار غير أفكاري القديمة, تحاول الفرار مما ترى في رام الله الجديدة. استبقيت بعضها وطاردت البعض الآخر بالسؤال: - أين أنتن؟ لماذا تقفن أمام أغنى بنوك العرب والفلسطينيين؟ لَمَ هذا الإحراج المالي وأنتن تعرفن أنني شبه مُفلس؟ - أين تريدنا أن ننتظرك إذاً؟ رام الله اليوم كلها بنوك ومؤسسات وبرامج وسيناريوهات واستراحات ومراكز تجارية, لا مكان لوقفة بريئة فيها, تتجمع على صدرها قنوات المال السياسي الدولي مهراً لها وليافا القديمة. لم نستطع الذهاب إلى المقاطعة خوفاً من حراس "أبو مرجان", إنهم لا يعرفوننا ولا نعرفهم. ثم ألا ترى العمارات الشاهقة التي أنشأها "بلطجية" أحمد بيك مرجان؟ لا يوجد مكان بريء ننتظرك فيه, كل جديد فيها كاذب ومؤقت, بات أضخم منا حجماً, وأطول عمراًً وأكثر قيمة. - آه ذكرتني بأحمد مرجان, أين هو اليوم؟ - في كل الدول العربية التي تشتعل فيها الثورات أو التي ستشتعل مستقبلاً. يدعم بشار الأسد و"شبيحته" نهاراً, ويقوم بتهريب السلاح إلى الجيش السوري الحُر ليلاً. وعلى الشعب السوري المسكين أن يدفع ثمن ضربه بالقنابل من دمه ومستقبله. - وأين نادر الآن؟ - في بطن الحوت السابح في بحر رام الله. - منذ متى كان لرام الله بحر تسبح فيه الحيتان؟ وخزني قول قاسم سامي قبل ثلاثين عاماً أثناء زيارته قلقيلية:" إن عادوا ستكون عودتهم مؤقتة, لمدة من الزمن تكفي لتصفية قضية "الجنّية" على أرض الواقع. سيتم تنفيذ كل بنود ترحيل خلايا نحل آل كراجة وآل عبد القادر وآل عبد الرحيم ومن لف لفهم من العائدين ومرضى الكوابيس. كنتُ متشككاً في حديثه في العام 1983 لكنني شاهدت واقعاً متجهماً في العام 2011 يُعبّر عن مصداقية تلك الفكرة القديمة. سعيتُ لرؤية نحّال أو عسّال كي أسأله عن مصير نحلات الحاج عبد القادر في "الجنيّة", لكنني أخفقت:" هل ما زالت تسرح غرباً صوب البرّية؟" سألت خيالي فصمت هو الآخر, حاولت التجوال في دهاليزه فلم أجد وجهاً في رام الله الجديدة له وجود يستحق السؤال. ومع ذلك تجرأتُ على سؤال الواقع المؤقت مرة ثانية:" أين أحمد بيك مرجان؟ أين قاسم أفندي؟ أين ناردوق باشا؟ أين هم؟ لماذا ذهبوا دون رجعة؟ أين جرار العسل واللبن التي وعد بها القائد قبيل عودته وقبيل هجرته؟ أين هم جميعاً؟" بكى الصوت الفلسطيني على حاله, ثم رثا صداه حال مَن سألتُ عنهم بأسلوب صوفي بليغ:" لا تسل عما بدا, فالذي بدا قد انتهى!" لكن ما الذي بدا ولم يعد بادياً؟ وما الذي كان ولم يعد كائناً؟ هل المقصود هو وجود أحمد بيك مرجان وقاسم أفندي العاكفان في محراب ثورة سورية مشتعلة تحاول الإطاحة ببشار الطاغية؟ في لحظات البحث والشك والتساؤل عما ستؤول إليه الأمور في المشهد العربي داهمني صدى صوت "أبو مرجان" بيك قادماً من جهة مجهولة. أثار خطابه المفاجئ فرحي رغم قسوته:" اسمع أيها المُدّعي! أحمد بيك مرجان مناضل, مقاتل, من قادة هذا الشعب المغوار, وهو أشرف من كل الذين يتهمونه بالعمالة. هل استطاعت الجيوش العربية والإسلامية تحرير مدينة فلسطينية واحدة؟ وإذا كان الواقع العربي أسوأ من واقع سلطة مرجان العظيم المحاصرة فماذا تسمي الأسوأ إذا كان السيئ عميلاً؟ مَن هو النظام العربي الذي يعيش واقعاً سياسياً أفضل من واقعنا؟ أراك تعترف صمتاً بما أقول فلماذا إذاً المزايدة علينا؟ خرجت سلطة القائد أحمد بيك مرجان من رحم الشرعية الدولية, قبل أن يبلغ الحمل تسعة شهور, كانت سلطتنا مولوداً سباعياً, ولم يكن بوسعنا تحصيل أكثر مما أخذنا. وهذا هو حال المعتدلين الذين يكتبون روايتهم بمواقفهم السلمية عبر التاريخ, لا يحق لأمثالك الخياليين مساءلتي. السلاميون أمثالي وحدهم يملكون هذا الحق الحصري, فأين البطل العربي أو الإسلامي القادر على تحرير فلسطين؟ أرني إياه وأفرك في عيني بصلة! أنصحك بعدم التنظير أو التصنيف وأنت تغوص في وحل الهزيمة حتى أذنيك! ومَن يكابر يغش نفسه ويدفع شعبه إلى الهاوية. وإذا كانت حكايتي في روايتك سلبية فماذا تقول للواقع السياسي العربي الذي يُكذبكَ ويُصدّقني ولو كنتُ كاذباً؟" لا أظنني واهماً أو كاذباً في الاعتقاد أن تلك العمارات الشاهقة ذات الصدر المزدوج والكفل العريض التي أقامها أحمد بيك مرجان وأمثاله في طول رام الله وعرض البيرة هي لإيواء مشردي الشعب وفقراء المخيمات. لا أظنها كذلك لأنني رأيتها تتزين بالمال السياسي المنهوب, جاء مهراً لبنت نوال اليافوية بعد زواجها من الكابتن غازي. تساءلت:" كيف قبل الكابتن الزواج من أخته؟" أجابني الكابتن:" قبلت كما قبل "أبو مرجان" تحويل شعارات التحرير الشامل إلى عمارات شاهقة يبعن المتعة في سرير غير شرعي؟" أدركت لماذا باتت كرّاسات مرجان في الثورة والتحرير كراسي من وَهم, تجلس عليها أطياف من غبار, ترحل صباح مساء إلى مسقط رأس أجدادها في الصحراء العربية الشاسعة كي ترى مستقبلها هناك. أي كابوس أرى وأسمع؟ كم أنت متسامح مع هؤلاء يا "أبو رابوص"! لِمَ لا تزعجهم دائماً وهم قيام ونيام؟ فجأة سمعت أزيز رصاص ينهمر تجاه صِبية فلسطينيين يتراكضون, لم يبلغوا الحلم بعد. كانوا يرشقون بعض سيارات جيب زيتية اللون, اقتحمت شارعاً فرعياً وهي تطاردهم. رأيتهم ملثمين بالإحباط تارة والأمل تارة أخرى. أثناء رشقها بالحجارة أسقطت برصاصها شاباً بضاً يافعاً. دبت الفوضى في الشارع الذي يحتضن الجثة, تبعثر المتسوقون في شتى الاتجاهات, لم يبق من شعب رام الله الجديدة في تلك البقعة الحمراء غير بائع متجول, أظنه أصم, كأنه لم يسمع أزيز الرصاص, وأظنه أعمى, لم يشاهد الجثة الملقاة على رصيف الشارع. ظل ينادي في الخلاء الصامت:" هاي الكعك! عسل يا كعك! يلاّ السُخُن! عسل يا بَرمة! تعالوا يا حبايبي!" لم يأت إليه أحد. حتى أنا أسرعتُ الخطى كي أبتعد عن دائرة عسل الكعك وكعك العسل, وسخونة "البرمة" و"البرمة" الساخنة كي لا يحترق لساني الذي شعرت لأول مرة في حياتي أنه طويل. لا أظن أن طعم العسل كان شهياً في رام الله في ذلك اليوم, أحسبه من حزني على مَن مات مُراً مثل العلقم. لو لم أتخيله في فمي لما شعرت بمرارته القاسية. اتجهتُ مسرعاً نحو حافلة ظننتها متوقفة, تنتظر ركاباً, فخاب ظني. لم يكن غريباً هروب المدنيين المذعورين في كل اتجاه ممكن خوفاً على حياتهم من نيران الجنود الإسرائيليين المتمترسين خلف حديد مصفحاتهم. كان العجب العجاب هو اختفاء رجال ومرتبات أجهزة السلطة الفلسطينية من المنطقة, غادروا المنطقة مع الهاربين أو حتى قبلهم. لماذا ذابوا مثل فص الملح في رمشة عين؟ أين رجال الإسعاف من تلك الجثة التي يلفظ صاحبها أنفاسه الأخيرة؟ لماذا اختبأوا جميعاً بمجرد ظهور عربات حرس الحدود والجيش الإسرائيلي؟ تساءلت امرأة مُنقبة ترتدي جلابية سوداء كانت تمر بسرعة من المكان, يبدو لي أنها سلفية:" أهذا هو السلام المحروق الذي طبخوه لنا في أوسلو؟ ما هذه الطبخة الفاسدة التي تسمم البدن وتعمي البصر؟ هل على الضحية وأهلها أن يختفوا من شوارعهم كلما مر بهم الجلاد وأعوانه؟ كأننا في كابوس دونه "أبو رابوص"." سألت نفسي بعد سماع شكوى ذات الجلابية السوداء:" ماذا يجيب الكابتن غازي لو سمعها؟ هل يصفها بالحمقاء التي لم تدرك بعد حيثيات حكاية ضياع أختها نوال اليافوية؟" كنتُ دائماً أنتظر بعض الوقت على طرف دوار المنارة, قبالة البنك العربي, حتى تمتلئ حافلتنا بركابها إلى مدينة نابلس. لم تكن مغادرة رام الله في يوم من أيام رحلاتي أجمل من الوصول إليها, إلا في تلك الرحلة. يومها لم أنتظر طويلاً, وجدتُ السائق يشير إليّ بكفه اليمنى المرتعشة:" راكب! راكب واحد إلى نابلس. الجو متوتر, يا عالم! آخر راكب, يلا.... تفضل اركب!" كنت أعي ما تعنيه كلمة آخر راكب يدخل مركبة ذات سبعة مقاعد. كان عليّ الجلوس في المقعد الخلفي الخانق الذي يسبب لي الغثيان والدوار دائماً. ومع هذا انحنيت كي أبتعد بسرعة عن مرمى الرصاص المُنهمر, ظننت مُطلقيه يقصدون مهاجمتي أو تتبعي. لم أكن أرغب في أن يراني فلاح فلسطيني لا يعرف الخوف أثناء مغادرتي رام الله حتى لا يشك أنني من جماعة"أبو مرجان":" يا سلام كم أنت جبان أيها الراوي! مرة تهرب من نادر, ومرة أخرى من قاسم! ومرة ثالثة من الكابتن ورابعة من محمود الأشوح, هل أصبحت مهووساً بطيوف وأشباح تظنها تطاردك في رام الله؟ مَن قال لك إن ما رأيته اليوم في رام الله كان حقيقياً؟ هل شاهدت حقاً بريئاً يرتقي إلى بارئه ودمه القاني ينساب كالأفعى على طرف الشارع المُغبَر؟ كل ما حدث معك يا حباب مجرد حلم يقظة فلا ترويه لأحد حتى لا يتهمك بالجنون والكذب! لا يمكن للأجنبي تصديق ما تروي من أكاذيب. أنا حليف الأرض منذ خمسين سنة, لا أُصدّق ما تراه عيونك الساحرة, لو لم تكن ابن شعبي لقتلتك على هذه الحكاية الكاذبة التي تزعم أنها حدثت في رام الله." كانت طريق العودة التي سأسلكها ثانية إلى مسقط رأسي تشبه علامة سؤال كبيرة, متكسرة الشكل, طرف رأسها المستدير في رام الله ونقطة الدم التي تسيل من ذيّلها في قلقيلية, ذات الثوب المزركش بعشر نقاط سوداء. أما نابلس فكانت تقع في دماغ الحلقة الدائرية التي تربطهما مع بعضهما الآخر. تلك العلامة الفارقة في الجغرافيا الفلسطينية ميّزت رحلتي من وإلى قلقيلية إثر محاولتي رسم حيثيات قصة تحتلني قرابة الثلاثين عاماً. ولو كنتُ أسردها من بحر الخيال الخصب لما كانت أغرب مما هي عليه بالفعل. ربما عاتبني راكب لاحظ شرودي:" لماذا تخلط بين الحقيقة والخيال, أيعقل أن تمر مؤامرة أحمد مرجان علينا؟ ومًن سيصدق حكاية نادر هذا, الذي يبدّل جلده كما الحرباء؟ هل يستطيع فرد أو جماعة أن تلعب على مسيرة ومستقبل شعب بأكمله؟ لماذا التهويل في اصطناع مأساة شخصية حاكها عدو ضد لاجئين مغمورين؟ هل هدفك بث اليأس في نفوس القراء العرب كي يسأموا من الرواية الفلسطينية بحجة أن أولاد "الجنيّة" باعوها في أوسلو؟" ورغم مشاعر الخيبة التي وبختني غير مَرة إبان مهمتي تلك إلا أنني شعرت بتحقيق إنجاز معنوي تجلى في سرد رواية إنسانية الفحوى واللحن, سامية اللغة, لا يجرؤ الكثير من الرواة على خوض غمارها. ولو تصورت يوماً أنني أسائل نفسي لأجبت إنها محاولة للتخلص من عبء حكايات الماضي التي تستفزني وتطارد حسي الإنساني حتى الساعة. هذا ما حصل معي, ما رأيته فعلاً أو تخيلاً, وما سمعته قولاً أو هجساً من أفواه أسكتها الزمن دهراً ثم ترددت في الصراخ في وجه مستبديها وسارقي أحلامها أمثال سلالة مرجان إخوان, القابضين على زمام الحكم من المحيط الأطلسي حتى الخليج العربي. وقبيل وصولي مسقط رأسي داهمتني حكاية الضبع القتيل في قرية رباح. قال لي الحاج محمد لولو, أحد الذين سهروا معنا في قرية دير ابزيع تعليقاً على حادثة الضبع القديم في بلدتهم:" خذها مني نصيحة دائمة, يا قلقيلي! حين يضعف الذئب في مكان ما يقوى الضبع, لكن الغنم تبقى خائفة من الاثنين. لقد تكاتف أهل قريتنا يوماً فقتلوا الضبع القوي, وهرب الذئب الضعيف, فصارت الغنم تروح إلى مرعاها وتعود إلى حظيرتها وهي متوجسة. سَمِعت عنزة عواء الذئب يوماً من بعيد, فخافت وقررت عدم الخروج للمرعى. لم تخبر باقي العنزات بما سمعت, ولم تسألها بقية العنزات عن سبب اعتكافها. طال بها الحال فقتلها خوفها جوعاً. والسؤال: هل سيعود الذئب يوماً إلى قريتنا؟ لا أحد منا يعرف. وإن عاد, هل سيأكل كل عنزاتنا؟ وإن لم يعد هل ستسلم غنمنا من بطش الضبع القوي؟" حكاية أهل دير إبزيع اليوم تشبه حكاية أهل البرّية بالأمس, وربما حكاية أهل قلقيلية أيضاً, تحمل في بطنها حكمة.... فأي سلام اكتسبته حظيرة أغنامهم الخائفة من غياب الذئب وعودة الضبع؟ هل مقتل الضبع سيشجع الذئب على العودة إلى قريتهم لافتراس أغنامهم أم تراه يخشى من نفس المصير الذي لاقاه الضبع؟ لكنني أخشى أن يكون الذئب قد علم أن أهل قريتهم لم يعودوا متكاتفين ضده كما كانوا أيام الجدّ كراجة الأول. وصلتُ البيت مُتعباً, نفسياً وجسدياً, غير راضٍ عن مسار رحلة روايتي الذي يشبه السؤال المُحرج لي شخصياً:" أين أقف الآن من الروايتين المتناقضتين؟ وهل تعهدي السابق بالتزام الموضوعية المطلقة في سردهما ما زال قائماً؟ هل يعقل أن يُصدّق اليهودي أن هناك فلسطينياً واحداً يمكن أن ينصفه روائياً؟ وهل يستوعب الفلسطيني أن هناك يهودياً واحداً يقبل به سيداً على جزء من أرض إسرائيل؟ أما سؤالي عن نفسي فيبقى لي وحدي, وعليّ أن أجيب عليه بغض النظر عن رأي الآخر الفلسطيني والآخر اليهودي:" هل أنا مقتنع فعلاً أن الحياد الدرامي الذي أخذته على نفسي قابل للتُطبيق عملياً؟ وماذا سأقول لنفسي إذا بت هدفاً مشتركاً للفريقين المتخاصمين؟ كأنني استحوذت على نصيبي من كوابيس الفلسطيني نادر سامي, والإسرائيلي الكابتن غازي بن مريم. تمنيتُ لو أنني استطعت مقاربة حلميهما بطريقة أفضل من مقاربتي كوابيس أخي في بيروت ورام الله ويافا, وكوابيس ابن عمي في بغداد وبخنفالد واوشفيتس وليلة البلور في ألمانيا. يا لتعاسة الخاسر منهما! مِن أين آت له بأحلام واعدة وآمال عريضة؟ ولو عدتُ إلى بيتي فَرِحاً بنجاح روايتي لحدّثت زوجتي, كما أفعل في العادة, عن بعض التفاصيل الأنثوية في روايتي والتي تشد انتباهها من باب الغيرة لا الحدث الدرامي. لا أذكر أنني تناولت عشائي قبل أن آوي إلى فراشي. وكما هي عادتي, لا تمضي إلا دقائق قليلة حتى استسلم لسلطان النوم العميق, فيسمع من يكون بجواري شخيري أو يرى تقلبي أو يشاهد سيّري أثناء نومي. وعلى ذمة زوجتي, نمتُ نوم الأموات في قبورهم بحيث لم يوقظني تهشم طبق الصيني حين انزلق من يدها وسقط أرضاً على باب غرفتي, هوى على الأرض أشلاءً. في العادة يتشاءم أهل بيئتنا من تهشم الزجاج, سواء كان كأساً أو فنجاناً أو طبقاً أو حتى اندلاق كأس ماء. ولدرء خطر تشاؤمهم يجاملون بعضهم قائلين:" بسيطة! كُسر الشر." لكن أي شر كُسر, وأي خير عم أثناء نومي في الفراش؟ كان الرجل الذي رأيته أثناء نومي قوياً ومستنفراً, بدا أنه لا ينكسر مثل طبق الصيني, طويل القامة, عريض المنكبين, أبيض البشرة, أزرق العينين, وكأن تقاطيعه مقدودة من صخر صلد. تقدم نحوي عابساً, كان متأهباً للمضاربة أو ربما الملاكمة التي لا أجيدها في يقظتي, فكيف أجيدها في منامي؟ نظرتُ إليه نظرة فاحصة, طويلة, متوجسة, كأنني كنتُ أعرف سلفاً أنه يقصدني. وقف لصيقاُ بجانبي وقال مُهدداً مُتوعداً: - أظنك تعرفني, يا بطل؟ - لم أتشرف بمعرفتك. - لكنك سمعت عني من قاسم وأحمد مرجان, أليس كذلك؟ أنا غازي أفيفي, هل عرفتني؟ - وأخيراً أتيت إلى قلقيلية؟ أهلاً بك. - أنا الكابتن بشحمه ولحمه وحلمه. جئت أُحاورك حلماً دون طائرات أو دبابات كي تدرك أنني أحلم بالسلام والأمن, لا كما يحلم أصحابك محمود الأشوح ورباح كراجة بالحرب والدمار في حياتهم ومماتهم. وإذا كانت أحلامهم كوابيساً فقد عايشها شعبي قبلهم منذ ألفي عام. ولو قارنت بين كوابيسهم في قلقيلية ودير ابزيع وبيروت ورام الله و"الجنيّة" وكوابيسي في معسكرات الاعتقال النازي في أوشفتس وبخنفالد لبدا لك أن "أبو رابوصهم" العربي تافه ومُضحك. نحن أحق منهم بالحلم الإنساني والكوابيس الشيطانية على حد سواء, فهل نظلمهم أيضاً حين تكون كوابيسنا أيام المحرقة النازية أبشع من كوابيسهم؟ هل قارنوا بين الحرق البسيط الذي أصاب أعلى فخذ نوال عبد الرحيم في يافا والمحرقة التي أكلت أجساد الملايين من اليهود في معسكرات الحرق والإبادة النازية؟ أؤكد لك أن روايتهم عن قصة ابنتهم نوال اليافوية كاذبة. لقد كَذَبت أمها وكذب والدها حين زعما أنهما نسيا طفلتهما في البيت أثناء هروبهما تحت ذريعة خوفهما الشديد من قوات الهاجانا التي كانت تحاصر يافا. الحقيقة أنها باعتها لأمي قبل هروبها من المدينة بثلاثة شهور مقابل خمسين جنيهاً فلسطينياً بسبب فقرهما. رحبت أمي بفكرة شراء طفلة عربية لأنها لم تنجب غيري وكانت تتمنى أن تنجب بنتاً. قام والدي ووالدتي بتربيتها وتعليمها في مدرسة الشبيبة اليهودية في تل أبيب. بعد خدمتها في جيش الدفاع الإسرائيلي اختارت العمل في فندق هلتون الراقي الواقع على شاطئ مدينة تل أبيب. كان أهلها جيراننا منذ وصول والدي إلى يافا قادماً من بغداد في العام 1940. أعرفها شخصياً واعرف أنها اختارت مهنة الدعارة نكاية بأهلها العرب الذين باعوها وادعوا أنها ضاعت منهم ثم ماتت. أظنها العدالة السماوية التي جعلتهم يبكون حتى اللحظة ندماً على ما اقترفت أيديهم في الماضي. - هل أنت متأكد مما تقول؟ - طبعاً! لدّي إفادة رسمية تشهد بقيام أمها ووالدها ببيعها لأمي ووالدي. وقد سجلها والدي في المدرسة المذكورة باسم نيللي أفيفي. كل حكاياتهم عن فلسطين تشبه حكايتهم الكاذبة عن نوال عبد الرحيم, ثم يزعمون أننا نقتلهم ونحتلهم ونحاصرهم. ألا نعيش في بقعة صغيرة مساحتها 27 ألف كم2 بينما يصولون ويجولون في طول وعرض عالم عربي مساحته 14 مليون كم2؟ لا تُجهد نفسك! روايتهم تخريبية, منفعلة, غير قادرة على تحريك المشاعر الإنسانية الحقيقية. إنها بُكائية بلا ألم, غير ناضجة, رخيصة وبنت بيئة ثقافية مزوّرة. ماذا يتوقع الناقد الأدبي العالمي من مجتمع فلسطيني غير رواية مزورة نشأت في حاضنة فكرية ذات أعمدة هشة, ومرجعيات كاذبة؟ لن تصل روايتهم إلى رفوف المكتبات العالمية, فهي عارية عن الصحة, خارجة عن سياق القانون الدولي, إرهابية حتى العظم. وحتى لو تظاهرتَ بارتداء ثوب الصدق والموضوعية كراوٍ غير مُتحيّز, لم ولن تقبل المحافل الثقافية تواجد روايتهم حتى في حماماتها. على عكس روايتنا التي تتربع على منصات الفكر الإنساني الحُر, لأنها تبشر بالخير والتقدم والسلام لكل بني آدم. هل يريدون أن يلعبوا علينا درامياً كما لعب أحمد مرجان وقاسم سامي على خالتهم نوال عبد الرحيم فعلياً؟ - لماذا تطعن بموضوعية دوري في الرواية؟ - لأنك أعطيت الرواية الفلسطينية حيّزاً أكبر من الحيّز الّذي خصصته للرواية اليهودية. - كلامك غير دقيق... فأنت بالذات كنت موجوداً من الصفحة الأولى وحتى الأخيرة لروايتي. والدليل أنني اخترت بطلاً فلسطينياً عميلاً, يُعبّر عن رأيك أكثر مما يُعبّر عن رأي رواية شعبه. ألا ترى أنه أقرب إليك منهم؟ وعليه أسألك: هل تقبلني راوياً محايداً يروي حكايتك وحكايتهم؟ أعتبر هؤلاء إخوتي وانتم أبناء عمي, الطرفان ساميون, أليس كذلك؟ - اسمعني جيداً! أنا أتحداك: إذا قبلوا بك راوياً منصفاً سأقبل بك! وبما أنني أعلم مسبقاً أنهم سيرفضون روايتك وربما يتهمونك بالعمالة لي, لذا ارفضها سلفاً. - دعك منهم ومن رفضهم أو قبولهم روايتي: هل تقبلني راوياً يعرض روايتكم وروايتهم؟ - أريد أن أعترف لك كما اعترف قاسم نادر: نحن اليهود لا نتكئ على اعتراف رواية العرب أو الفلسطينيين أو المسلمين بنا. نحن لم ولن نعوّل على هذا الأمر, رغم أننا لا نرفض اعترافها إن حدث. الأمر الأهم الذي يجب أن تعرفه أن روايتنا التاريخية والمعاصرة حول مسيرة وجودنا هي فوق مقدسة لأن المقدس كما تعرف متعدد ومتكثر في هذه البلاد. روايتنا هي الإنسانية بعينها لأن المحرقة طهّرتها وزكّتها وتوّجتها ملكة على حكايات شعوب الأرض التي عانت من الاضطهاد والإبادة الجماعية. فأين رواية هؤلاء الحثالات من روايتنا الفريدة من نوعها؟ - أنا أتفق معك أن روايتكم إنسانية تماماً, لكن هل من طبع وطابع الحكاية الإنسانية أن ترفض الآخر حتى لو كان عدواً؟ هل تقبل أن تشيطنه مهما كان؟ - آه....لِمَ لا؟ يعتقد هؤلاء أن اليهودي عدو شيطان, سلب منهم ماضيهم, وخرّب حاضرهم, وصادر مستقبلهم. فإذا كنا سلبنا منهم وطنهم في العام 1948 فأين وطننا الذي كان يعيش فيه أجدادنا؟ ألا نستحق العيش بكرامة في وطن يحمينا ويحضننا كما تعيش باقي شعوب العالم؟ هل يريدوننا أن نعيش دائماً تحت تهديد ضباعهم, كما تعيش عنزات رباح كراجة في دير ابزيع, يذبحها ويسلخها ويأكلها متى يشاء؟ وإذا كانوا لا يعترفون بنا كأصحاب وطن فلماذا يطلبون منا أن نكون إنسانيين وعادلين معهم؟ الإنسانية ميزان ذو كفتين تتعادلان حين تتساوى أثقالهما, أليس كذلك؟ وإذا كانوا صادقين في روايتهم مَن طردنا من بيوتنا في حارة اليهود في بغداد؟ وإذا كان أجدادهم هم من شتتونا وطردونا فلِمَ يلوموننا على طردهم من أرضنا في العام 1948؟ هل يحق لأجدادهم تشتيتنا ولا يحق لنا تشتيتهم وطردهم خارج حدود وطننا حتى نحيا فيه بأمن وسلام؟ أيقظتني حكاية الكابتن غازي من نومي, غيّرت مزاجي كما فعلت حكاية نادر سامي بموقفي يوماً حين سمعتها قبل ثلاثين عاماً. دق أزيزها طبلة أذني فنهضتُ من نومي مذعوراً, خائفاً أن تحتلني لسعاتها كما احتلني أزيز نحلة ضيفي سابقاً. طلبتُ من زوجتي شربة ماء كي أُطفئ عطشي, ثم ملعقة من العسل كما هي عادتي حين أستيقظ من نومي. كانت قلقة علّي وهي تناولني كأساً طافحاً بالماء البارد. كان كل واحد منا يرغب في سؤال الآخر عما يُحزنه في تلك الليلة. تخيلتها تقول وهي متوجسة:" اتصل بك شخص غاضب اسمه ناردوق أثناء نومك, ماذا يريد منك؟" لم أُجبها ولم أشأ أن أسألها:" لماذا أنتِ خائفة أكثر مني من مكالمته؟ هل قال لك شيئاً يزعجك؟ هل ذكر اسم نيللي أو نادر أو مرجان في حديثه؟ هل ألمح أنه يرغب بالقيام بزيارة ثانية إلينا؟ وهل سمعتِ شيئاً من الحديث الذي دار بيني وبين الكابتن غازي أثناء نومي عن الثورات العربية التي ستعترف بإسرائيل؟" حَسَمت موقفها المتذبذب فسألتني أخيراً:" مَن هذا الكابتن الذي كنتَ تضحك معه أثناء نومك؟" لم أجبها بصراحة لأنني لم أعد على يقين إن كانت هي أو أهل "الجنيّة" سيفهمون حواري مع الكابتن غازي بحسن نيّة. مضى الزمن القديم الذي كان أهل قلقيلية يتندرون بحكاية الحاج عبد الكريم والضابط كوك التي ما تزال تسكن في ذاكرتهم. هل يصدّق أحد منهم أن حواري معه كان موضوعياً, يشبه الحكاية الشفوية التي تقول إن أخلاقيات الضابط البريطاني كانت إنسانية ورفيعة المستوى في مجملها مع المدنيين؟ لم أعد متأكداً من جدوى العلاقة المتوازية التي تربط حديثي مع الكابتن غازي مع حكاية الحاج عبد الكريم والضابط كوك. وإذا كنت أتحسس من مصارحة زوجتي, فهل سأجرؤ على مصارحة أهل "الجنيّة" الكبرى المصابين بداء الشك من رواية الآخر عنهم؟ ما يتوفر لدي اليوم هو أن صراع الأحلام والكوابيس ما زال مُحتدماً على أشده بين الطرفين المتحاربين رغم اتفاق السلام في أوسلو, فهل أدرك العرب والفلسطينيون معاً أنهم فقدوا فلسطين بمحض أرادتهم؟ على أن السؤال الذي يبدو في روايتي المزدوجة أكثر إلحاحاً هو: هل ستعترف الثورات العربية بزواج الكابتن غازي من بنت نوال اليافوية كما اعترفت به الثورة الفلسطينية؟ وإذا كانت ثورة الفلسطينيين أضاعت وطناً فكم وطناً سُتضيّع الثورات العربية الجارية؟





تعليقات حول هذه المقاله
العنوانالكاتبوقت الإضافه

تصويت
ما رأيك بالموقع ؟
ممتاز
جيد
مقبول
سيء
نتائج التصويت

حجة بالوان العصر


لوحاتي




كتاباتي

غزل الذاكرة
زمن المرايا
وطن العنقاء
كثبان الذهب الأسود
أبو علي إياد
تأملات مصطفى صبري
الأولاد والشمس
إنشطار الذات
معركة النفق
مكانة القدس
جدار الفصل العنصري
وطني ليس حقيبة
إمبراطورية النفايات
قراءات أمنية
امرأة لا تغار
صراع لا يموت
أصحاب الملايين
صوت الذاكرة


الساعة

صدر حديثا


 
Qalqilia NetWork