إبحث عن:    
القائمة الرئيسيه
صفحة البداية
القصة القصيرة
القصص والروايات
دراسات و ابحاث
المقالات والترجمات
الكاتب يوسف العيلة
معرض الصور
شاركنا رأيك
English Site

تسجيل الدخول
إسم المستخدم:

كلمة المرور:


تسجيل
هل نسيت كلمة المرور

المقالات الأكثر قرائة
1 من الممات إلى البعث .... نظرة إسلامية تقليدية
2 تأملات - الفصل الخامس : موروثات
3 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المصادر والمراجع)
4 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المقدمة)
5 الإسلام دين الفطرة الإنسانية

الكاتب يوسف العيلة


جديد الروايات

 

صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في رام الله دراسة بحثية بعنوان " لسانيات الخطاب الشعري المعاصر ، ليليان بشارة - منصور نمرذجاً " للروائي يوسف العيلة . تضئ الدراسة بعضاً من واقع اللغة العربية في الداخل الفلسطيني . ويقع هذا الإصدار في مئة وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، وهو السابع عشر في سلسلة إصدارات يوسف العيلة النقدية والروائية .


قراءة المقاله



تنهدات فلسطينية من غرناطة - المضمون
كتبت بواسطة: يوسف العيلة - el 31/03/2011 - 1552 زوار        


يبدأ الكاتب سرديته "عودة المريسكي من تنهداته" بلفت انتباه القراء إلى مسألة التأليف الروائي التي تعتمد الخيال في الدرجة الأولى ويقاربها بقضية تدوين التاريخ الذي يعتمد على تحرّي حقيقة الحدث التاريخي. ويبدو لي أن الدكتور عدوان عدوان ترك هذه المقدمة القصيرة دون توقيع حتى يجوز عليها أكثر من قول واحد

فهي كلام الكاتب بالدرجة الأولى, ثم موقف الراوي, بطل الرواية موسى عمران الفلسطيني بالدرجة الثانية. وهذه الأحجية تُعتَبر شكلاً من أشكال الاعتراف السردي الذي يميط اللثام عن أسلوب الكاتب في نصه الروائي ذي البعد التاريخي؛ أي أنه يعتمد على شذرات من تاريخ غامض, وديباجة أدبية عمادها الخيال الصرف. واعترافه هذا يهدف إلى توضيح الفارق بين قصة موسى عمران الفلسطيني ذي السيرة الموثقة, وسيرة موسى الأندلسي ذي الشخصية المجهولة تقريباً لعدم توفر معلومات كافية عنه في المصادر التاريخية. وعليه فإن قصة موسى ابن أبي الغسان قوامها خيال الكاتب لنقص المراجع التاريخية التي توثق حياة ومواقف واستشهاد فارس غرناطي بطل قل نظيره. كما أن قصة موسى عمران الفلسطيني سيرة ذاتية كتبها شاهد عيان إن لم يكن موسى هو الكاتب نفسه من حيث الصفات الجسدية والفكرية والمنشأ الاجتماعي والانجاز العلمي.
ويبدو لي أيضاً أن الكاتب أراد من هذه المقدمة المهمة -التي يمكن اعتبرها أيضاً جزءاً من النص الأدبي- أن يشير إلى أن بعضها صور فلسطينية حقيقية نبعت وترعرعت في حضن ذاكرة غرناطية حتى تماهت معها لدرجة التناسخ الفكري والإستنتساخ الجسمي. والشاهد على تلك الملاقحة النضالية كانت ثنائية التدوين التاريخي وكتابة النص الروائي في هذا العمل السردي. مما أدى إلى تمازج شبه تام بين شخصية موسى عمران الفلسطيني وشخصية موسى ابن أبي الغسان الغرناطي على صعد الذات الكلية الواحدة, والمصير المشترك, والهوية الواحد لكلا الشخصيتين. وقد عبّر الكاتب عن هذا التمازج بفكرة التناسخ من خلال عملية التنويم المغناطيسي التي أشرف على إخراجها الطبيب المغربي الطاهر بن علون, بصفته يمثل بلاد المغرب, حلقة الوصل الجغرافي والتاريخي التي كانت تربط بين المشرق العربي والأندلس. وبين فكرتي التمازج والتناسخ بين البطلين يكتب الكاتب رواية يختلط فيها حابل المعاناة الفلسطينية المعاصرة بنابل المعاناة الأندلسية الماضية, وتحديداً قبيل وبعيد سقوط غرناطة في يد الآخر الإسباني. وهذا التقابل في مشهدية سوق البيّازين الغرناطي, وسوق القصبة النابلسي يعيننا على تكريس هذه الثيمة الرئيسة في روايته. وعليه فإنه يعترف سلفاً أن روايته ثنائية المكان والزمان وحتى الشخوص. وهي خليط من حفر إبداعي, ووهم حلو, وكذب أبيض, وخيانة عذبة, ثم صدّق وتدوين وتسجيل وتصوير تاريخي, يربط بينهما رباط تأريخي إطاره النقد الأدبي.
فما يجري الآن على أرض فلسطين مع موسى عمران هو واقع في ثوب خيالي, وما جرى لموسى ابن أبي الغسان كان خيالاً في ثوب واقع نراه يحدث غير مرة في غرناطة وفلسطين على حد سواء. ومع هذا الخلط بين كذب الأدب وصدق التاريخ تبقى رواية "عودة الموريسكي من تنهداته" صنعة خيالية في قالب تاريخي حقيقي. وهذا الخلط بين الأدب والتاريخ ما هو إلا مقاربة بينهما؛ فالأدب لون من ألوان التاريخ, والتاريخ لون من ألوان الدراما البشرية. فكاتب الرواية يسمى روائي, ومدون التاريخ هو مؤرخ, وما على الناقد إلا أن يعمل على تأريخ الأدب الذي يقارب ويمازج بين الحدث الدرامي التمثيلي والحدث التاريخي الحقيقي.
وقبل أن أغوص في نقد هذه الرواية, لا يسعني إلا أن أخرج عن موضوعيتي كي أسجل نقطة لغير صالحي- وهي بالتأكيد لصالح الكاتب الدكتور عدوان- في أنها قد أخذت بمجامع قلبي وحرّكت وجيب فؤادي بصورة لم تحركها معظم الروايات التي قرأتها من قبل. لقد استفزتني هذه الجميلة بصورة لم أعهدها منذ ثلاثين عاماً خلت, وأخرجت تنهداتي المُزمنة من عقالها, فألفت نفسي نسخة منقحة عن شخصية موسى عمران الفلسطيني المتناسخة عن شخصية أندلسية شهدت أفول الهوية العربية الإسلامية في غرناطة. وبصراحة القول البليغ أحدثت في نفسي صدمة وعي جديدة كشفت عن مخزون التنهدات التي راكمها سقوط غرناطة في ذاكرتي. وسبب حزني الشديد هذا قناعتي النفسية أن العربي الفلسطيني هو الحزين الوحيد في هذا العالم الذي يتوفر على أكثر من مرجعية تاريخيه لعمق حزنه وضياع وطنه. ألا نشهد في فلسطين ثنائية أو ربما ثلاثية حزينة بسبب ضياع مجد تليد مضى في الأندلس, وسقوط خلاقة عثمانية في اسطنبول, ثم اغتصاب وطن فلسطيني في أرض مقدسة؟
أحببت هذه الجميلة للغتها ومضمونها, وحين أحب امرأة أو قصيدة أو رواية فلا يخيب ظني فيها مطلقاً. أجدها هي الأخرى تحبني وتلك عايدة تشهد على صدق قولي, كما صادقت فكتوريا على حب البطل موسى الغرناطي لها, وهيام جسيكا, الإسبانية ذات الجذور الغجرية, بموسى عمران الفلسطيني. وإذا كنا ورثنا عن الأندلس حضارتها المشرقة فلا ضير أن تورّثنا أيضاً حكايات أبنائها الحزينة, وتنهدات أبطالها وقت الشدة. فالهوية هنا في فلسطين, وهناك في الأندلس واسطنبول واحدة مهما تباعدت حيثياتها زماناً ومكاناً, ومصيرها واحد, وشخوصها من سلالة حضارية واحدة مهما تقلب الزمن, وتغيرت الأيام, وتعددت وجوه الأعداء.
ومعزتي لهذه العزيزة من معزتي للبطل موسى ابن أبي الغسان الذي رفض الاستسلام للغزاة, رغم قناعته أن معركته معهم خاسرة لا محالة. لقد فضل الموت الشريف على الحياة الذليلة. هذا "البطل الموقف", يجسد آخر ومضة من ومضات المجد العربي قبيل غروب شمسه في الأندلس, كي يبقى مُحلقاً بفروسيته الشماء في مدارات التاريخ وصفحات الأدب غصباً عن أنف الغزاة الذين انتصروا عليه. إن ألق الدم المسفوك في فلسطين الجريحة يستدعى في خاطر موسى عمران, كما في خاطري, لون قصر الحمراء الذي اصطبغت جدرانه بدماء الأبرياء من الأطفال والشيوخ والعذارى اللائي تم اغتصابهن جماعياً في أرجائه بعد استسلام غرناطة. كانت مدينتنا تلك عند سقوطها حمراء قلباً وقالباً, في لون قصورها, وشوارعها الضيقة, ووديانها المتعرجة, ووجوه شهدائها إلا وجوه بني الأحمر التي علاها صفار التلاشي والاندثار قبل موتها الجسدي بزمن طويل.
ورغم ما ذكرت وما سأذكره عنها لاحقاً من سمات جذبتني إليها, إلا أن حزمة من الأسئلة النقدية داهمتني تتعلق ببنيتها الفنية, وكأنني لا أشعر بالارتياح لها بسبب بعثرة حكاياتها ومفاتيح فصولها التي لا يجمعها خيط جامع. تلك البعثرة أفضت إلى مساحات نصية مصطنعة لا تخدم متن النص الرئيس ولا سنده, كما تكسر خيط السرد وتحشره في متاهات حكائية لا مبرر لوجودها وتقلل من قيمة الثيمة الرئيس للرواية.
اكتفي الآن بهذا القدر من العتاب على رواية "الموريسكي" حتى لا أثقل عليها لأنها روايتي التي ما زلت أُحبها. وربما تدفعني الذائقة الأدبية والحس النقدي إلى تعديل موقفي منها ليصبح أكثر إنصافاً وموضوعية. فالنقد العلمي البّناء لم يكن في يوم من الأيام تحيزاً للعاطفة بل إنصاف للموضوع والمنهج والبنّية للوصول بالنص إلى بر النجاح والتحليق الذي يستحقه.
نبدأ الآن رحلتنا النقدية الأدبية لسيرة موسى عمران الفلسطيني قبل أن يتماهى مع أو يتناسخ عن موسى ابن أبي الغسان. وهنا لا بد لنا من التأكيد على فلسطينية موسى عمران تاريخياً من حيث معاناته في بلدته عين بيت الماء, قرب نابلس, وصراعه مع الاحتلال الإسرائيلي أيام المدرسة في نابلس, ومعاناته أثناء اجتيازه جسر أريحا متجهاً إلى عمان, وحنينه لأخته سعاد, وأمه المباركة في قريته الناعمة, وسلسلة حكاياته مع "أبو جحدر", والعلّوني وعقاب لحمر.
وحين نستذكر خصوصيات البطل الفلسطيني فلا بد لنا من مقاربتها مع خصوصيات موسى عمران في غرناطة إبان دراسته التاريخ وعلاقته مع جسيكا الإسبانية ذات الأصول الغجرية التي فتحت له ذراعيها كي يتسلل من بين ثدييها إلى تاريخ موسى ابن أبي الغسان. هذه المرحلة الوسيطة التي قادته إلى التماهي مع موسى الغرناطي جعلته أيضاً يتوهم أنه يحب فكتوريا, أسيرة وحبيبة موسى الفارس بعد أن قضى في ساحة الحرب على فرقتها المسماة "الزنابق السوداء". إن قصة حب موسى عمران وجسيكا الغجرية توازي قصة حب موسى ابن أبي الغسان وفكتوريا الأميرة, وربما تتآلف مع قصتي وعايدة المقدسية. بكلمات أخرى أحب موسى عمران فكتوريا من خلال حبيبته الغجرية حين هتف باسمها وهو يتخيلها في الفراش بصورة جسيكا التي غارت منها, ثم اتهمته صراحة أنه يحب امرأة أخرى وهو في حضنها.
على صفحات الفصل الأول تكثر الحكايات التي تدور حول موضوعة الحب بأنواعها المتباينة وموضوعة الجنس بمستوياتها المختلفة, وكأن الكاتب يريد القول إنه يرى بوهيمية واضحة في المشهدين الفلسطيني النابلسي والأندلسي الغرناطي الأمر الذي يستحضر سبباً حقيقياً من أسباب الهزيمة التي حاقت بالذات العربية في المشهدين على يد الآخر المتعدد: الإسباني واليهودي..كما يشير إلى سمو الحب الذي نشأ بين قلبي فكتوريا الأميرة, والفارس الغرناطي موسى الغسان.
أعود إلى الفصل الأول- حركة بزمط- بعد تحليقي السريع في أفق الرواية العام وذلك لتحليل مضمونها الفكري من خلال تتبع أحداثها ومواقف بطلها موسى عمران المستنسخ عن موسى ابن أبي الغسان. يقدم لنا الكاتب مشهداً تاريخياً لحال أهل الأندلس عامة وأهل غرناطة تحت حكم بني الأحمر المستبد خاصة. ويتضح من خلاله ما آلت إليه الحياة الاقتصادية من سوء في الأندلس قبيل سقوط غرناطة آخر مواقع العرب في الأندلس. فالناس يعانون من الفقر والفاقة وبني الأحمر ومحاسيبهم يرفلون بالعز والجاه, والإسبان يستعدون للانقضاض على مدينة غرناطة التي يخنقها الحصار, والحكام المستبدين يدفعون الجزية للمالك الإسبانية وهم صاغرون.
وكانت شرارة الثورة على بني الأحمر حادثة فردية بين عسكري وسائس خيل أدت إلى مقتل السائس مما أثار حميّة أقارب القتيل فقتلوا العسكري, ثم قام العسكر بردة فعل أدت إلى ثورة شعبية بقيادة حداد يقال له بزمط. كانت ثورته مكونة من الفقراء والمستضعفين والعوام الذي تبنى مطالبهم وأصبح يعرف بأمير المؤمنين. ويظهر لنا من خلال أحداث المشهد الأول للرواية حالة التفسخ الاجتماعي, والهيجان السياسي, والتناقض الاقتصادي بين طبقات الشعب في غرناطة بينما كانت الممالك الإسبانية تقوى وتتوحد وتحشد قواها السياسية والاقتصادية استعداداً لخلع العرب من الجغرافيا الإسبانية وإخراجهم من تاريخها بعد أكثر من سبعة قرون على وجودهم هناك. لم يكن أمراء العرب المتفرقين يدركون أن خلافاتهم الداخلية تصب في مصلحة عدوهم وأن الخلاف الأكبر الذي كان قائماً بين بزمط و"أبو عبد الله الصغير" , ثم بينه وبين عمه الزغل أعطى فرديناند وإيزابيلا ملكي قشتالة والأراغون الإسبانيتين فرصة ذهبية لسحق المعسكر العربي بكل شرائحه وأطيافه ومسمياته.
كانت خلافات أمراء الممالك العربية الداخلية تتمحور كما هي العادة في حال الشعوب المنتهية الصلاحية حول أمور مصلحية شخصية تافهة إذا ما قورنت بالمصلحة العليا الإسلامية. كان أصل الخلاف بين شخصيتنا المركزية, القائد موسى الغرناطي, وأمير غرناطة "أبو عبد الله الصغير" حول فتاة تدعى زينة العاشقين, بنت أخت الأمير التي أحبت موسى الفارس. ولو كان هناك حدس عربي مسئول يقارب بين تلك الحادثة التافهة التي قيل إنها مست شرف الأمير وسلالته وما سيكون عليه الشرف العربي بعد سقوط غرناطة لأكل الندم كل المتورطين بتلك التفاهات التي دفعوا ثمنها مُلكاً ومملكة ليس كمثلهما مُلك. وهل سيسجل التاريخ بأحرف من نور مغازلة زينة العاشقين للقائد موسى ابن أبي الغسان؟ أهكذا يتم الدفاع عن الشرف العربي الذي لم يكن مصاناً من قبل الإسبان؟ ألم يتذابحوا فيما بينهم من أجل قيمة غير مُصانة أصلاً من الأعداء؟ وأي شرف تفوق أهميته شرف الدفاع عن غرناطة وتاريخها وحضارتها؟ لم يكن العقل العربي يعي مآلات صراعاته الداخلية حول الثروات والإقطاعيات وعدد الجواري الحسان. لم يكن يدرك تمام الإدراك أن خلافاتهم البيّنية ستهلكهم جميعاً. لهذا قدّموا غرناطة الغالية رخيصة, على طبق من ذهب إلى فرديناند وإيزابيلا , ثم ندموا, وما زلنا نادمين, على ما فعلوه بعد فوات الأوان.
في الفصل الثاني- شمشون غرناطة- يطالعنا الكاتب بمشهد يصف موقفاً مُعبراً سبق خروج القائد موسى ابن أبي الغسان من سجنه. كانت كلمة السر التي بعث بها الأمير "أبو عبد الله الصغير" إلى يوسف بكرش, راعي السجن, تعبر عن سخرية مريرة لواقع الحال العربي هناك. هل من اللائق القول إن "أهل الأرض لهم بركات السماء" ص (13) لأناس يتحكم بهم أمير قزم؟ كيف له أن يتحدث بلغة السماء وهو يغوص في وحل الفساد ونجاسات التآمر على الوطن؟ هل كانت السماء حقاً ترسل بركاتها إلى أهل تلك الأرض أم أنهم لا يستحقون غير لعنات التاريخ؟ لِمَ أعطى الكاتب السجين موسى ابن أبي الغسان الرقم المشئوم 67 ؟ هل قصد القول إن جذور هزيمة حزيران في العام 1967 تمتد إلى الوراء, إلى العام 1492 الذي شهد سقوط غرناطة؟ قام الكاتب بتوظيف هذا الرقم كي يشي بتداعيات مستقبلية سلبية لا حصر لها, تنبع من غرناطة غرباً كي تصل فلسطين شرقاً بعد خمسة قرون من التخلف والمماحكات السياسية العربية- العربية. أليس هذا الذي حدث عبر تاريخنا؟
وكأن الكاتب يقول إن الرقم 67 يربط بين الهزيمة الغرناطية وتلك التي ستحل بفلسطين وأهلها في العام 1967 التي جلبت العار والشنار للعرب في العالم. وينتهي الفصل الثاني باستعراض الكاتب شخصية موسى ابن أبي الغسان بأسلوب الفلاش باك, منذ كان طفلاً يركب النمر الذي اصطاده والده حتى لحظة موت أبيه بعيد خروجه من السجن. كانت لحظات استرجاع حياته محطة اكتشف فيها البطل أن:" كل الأشياء الكبيرة هي في دواخلها مواء هررة كبيرة." ص ( 17( تلك الخلاصة جعلته لا يهاب الموت, بل يسعى إليه طلباً للمجد, لكن ليس على طريقة شمشون الجبار الذي هدم الهيكل على رأسه ورأس أعدائه قائلاً:" علّي وعلى أعدائي, يا رب!" هنا لا بد من التوقف هنيهة للتأكيد على أن نهاية البطل موسى ابن أبي الغسان المسلم تختلف, ويجب أن تختلف, كلياً عن نهاية البطل شمشون الجبار اليهودي. لا يجوز للبطل المسلم أن ينتحر ولو فنياً, لأن الانتحار في المكون الوجداني الإسلامي جُبن, ويأس, واليأس كفر, والمسلم لا يموت يائساً كافراً. وهذا هو الخطأ الذي ارتكبه الكاتب في جعله موسى عمران الفلسطيني يطلق النار على رأسه من مسدسه حين سقط جريحاً في حي القصبة في نابلس أثناء هجوم قوات الغزو اليهودي عليها. ص ( 119( ولن تسعفه وجهة نظر الكاتب الذي يعتقد أن انتحار البطل له بعد إنساني وجودي يتجلى في احتجاجه العلني المدّوي على إهمال العالم له وعدم تعاطفه مع قضيته.
في الفصل الثالث- شكيم أو نابلس- يتقل الكاتب بآلة تصويره إلى مشهد آخر, إلى نابلس في فلسطين, وتحديداً إلى قرية "ناعمة", تدعى "بيت عين الماء" كي يُسلّط الضوء على نشأة موسى عمران الفلسطيني. لكن مضمون المشهد الفلسطيني يختلف عن المشهد الأندلسي, فالبطل يتحدث عن ذكرياته في قريته ويصف أعمال أهلها في الصباح والمساء وكيف يسرق بعضهم الماء من الآخرين. ثم نراه يحاور "أبو جحدر" القادم من قرية مجاورة, الذي يُحدثه عن تجارة الحمير وبعض حكايات الجنس والثورة أيام الاحتلال الإنجليزي, مستعرضاً شخصيات وطنية وأخرى عميلة لعبت دوراً في تكريس أو مقاومة الاحتلال الإنجليزي في فلسطين.
إن المقاربة التي يجريها "أبو جحدر" بينه وبين الحمار المخصي تدلل على الدور الذي يلعبه هذا المُحرّك البدائي في البيئة الفلاحية الفلسطينية والذي يحدد مكانة الرجل في المجتمع الفلسطيني المحلي. مر "أبو جحدر" بتجربة العجز الجنسي المؤقت, فشعر أنه أصبح مثل الحمار المخصي, وكاد بزمط القائد الأندلسي الجريح, أن يمر بتجربة العجز الجنسي الدائم الذي يشبه الخصي, حين خيّره الطبيب بين العلاج بالكيّ أو فقدان فحولته إلى الأبد فاختار الكيّ حتى لا يفقد هيبته بين مقاتليه. ومن هنا نرى أن الجنس يلعب دوراً مرجعياً في العقل العربي الشرقي, ويرتبط بفحولة الرجل الشرقي التي هي معيار اجتماعي يحدد قيمته بين الناس, ويمنحه الهيبة داخل أسرته. والدليل أن "أبو جحدر" شعر بالاحتقار حين أصبح عنيناً لفترة وجيزة, وحين ارتدت إليه فحولته أغلق باب البيت وضرب زوجته وأولاده بالعصا لأنهم كانوا يناكفونه ولا يلبون طلباته أثناء فترة بروده الجنسي. ص (21(
منذ بداية الرواية يلعب الجنس دوراً مُحركاً- ليت موتيف- للأحداث ومواقف شخصيات الرواية الرئيسة, سواءً كانوا بشراً أم حيوانات كما سنرى لاحقاً. كانت فكرة الخصي الجنسي عند بزمط مثلاً مرتبطة بالعقم السياسي الذي يعني فقدان الحرية والكرامة التي افتقدها مؤقتاً "أبو جحدر" الفلسطيني. أما الخصي لدى عبيد تشاوشيسكو فكان رمزاً للاستبداد والخصي السياسي العالمي, بينما هو عند السلالات العربية حاجز يحفظ نقاءها خصوصاً عند الطبقة العربية الحاكمة, لأن اختلاط العبد مع الحرة, مثلاً, ينجب طبقة من الخلاسيين التي يأنف العربي الحر الانتساب إليها. وبالرغم من وجود إمكانية إلصاق العار بالمرأة الحرة التي تواقع عبداً في الوسط العربي إلا أننا رأينا الطلب يزداد عليهم بعد خصيهم بصفة الخصي وسيلة فعّالة لمنع إنجاب الحرة من العبد المخصي حين تقرر الحصول منه على المتعة المرجوة. لهذا أصبح قعود العبد بين رجلي الحُرة لفض خاتمها عملية آمنة اجتماعياً. ويمثل "أبو جحدر" , الشخصية الفكاهية, دور الفيلسوف الذي يعتقد أن الحب والجنس يخلقان قوة تستطيع تحرير العالم من العبودية والاستبداد كما في وصفه الاحتكاك بين الحجرين. ص (22( وفي النقاش القصير الذي دار بيني وبين الدكتور عدوان في المصعد الكهربائي لبناية جامعة بيت لحم الرئيس سألته عن دقة استخدام مفردة "شهوة" في سياق وصف الروح في عبارة: "الحب شهوة الأرواح والجنس شهوة الأجساد." أصر صديقي على استخدامها كما وردت على لسان "أبو جحدر" راعي الغنم, وكنت أتمنى عليه أن يستبدلها بمفردة "عشق" الأرواح, مثلاً, وكما وردت لدى ابن الفارض ورابعة العدوية اللذان يصفان في شعريهما حالة العشق الإلهي الذي تعيشه روح المُحب الصوفي مع الله.
إن تركيز الكاتب على ثيمة الحب المرتبطة أساساً بالجنس في روايته "عودة الموريسكي من تنهداته" تشير إلى حقيقة انهماك الشخصيات الرئيسة والثانوية بتلك الموضوعة في أوقات حرجة وغير مناسبة, أي وقت الحرب. وانغماس الرواية العميق في تلك العلاقات الحسّية في ظل ظروف سياسية حرجة تسيطر على المشهدين الغرناطي والنابلسي يدلل أن شخصياتها ليست عالية الهمة. وهذا يشير إلى انكفائها على ذاتها البوهيمية في وقت يستدعي منها الترفع عن هذا النمط من السلوك والتعامل برفعة ومسؤولية مع القضايا المتصلة بمستقبل الوطن حين يكون في خطر ماحق, هنا وهناك. وهو مستوى من الأنانية يركن إليه عادة المهزوم أو الشخص البدائي للتعبير عن ذاته الدنيا أي ( الكوجيتو), كي يضمن بقاءه من خلال الغريزة الجنسية حين يتهدده الموت والشطب من قبل الآخر.
ثم يُسلط الكاتب الضوء على شخصيتين تمثلان دوراً وطنياً تحررياً في المشهد الفلسطيني ألا وهو "عقاب لحمر" المجهول الأصل والذي جاء بغير زواج شرعي معروف لدى الناس, ولم يبق من أثره سوى بناء شاهق كان يسكنه, يثير الرهبة في نفوس المارين به. ثم العلّوني, المقاتل الحذر الذي حارب الإنجليز, وقتل عربياً ملثماً حاول سلب بندقيته التي اشتراها للتو من تاجر من قرية عينبوس. وقد سمعت شخصياً هذه الحكاية أيضاً عن ثائر فلسطيني آخر يُدعى فارس العزوني الذي قتل ملثماً في عينبوس بعد أن حاول جماعة من تلك البلدة سلبه بندقية اشتراها من تاجر عينبوسي. وكأن الوجدان الشعبي الفلسطيني يرهص نفس الجوهر الحكائي للتعبير عن خصائص أبنائه المحاربين. ومع اختلاف نهايتي عقاب لحمر الذي قتله إبراهيم باشا المصري, والعلّوني الذي قتله جواسيس الإنجليز, كان موت عقاب يشبه موت سليمان النبي الذي لم يعلم أحد بموته من شدة خوفهم ورهبتهم منه. وهكذا ظلت ذكرى عقاب لحمر تخيف كل من يعرفه أو ويمر من أمام داره الخراب.
يحدثنا موسى عمران عن حياته في مدينة نابلس, وعلاقاته الشبابية مع كامل طالب السامريّ وآخر اسمه سليم الوسيم الذي يكره التجارة ويحب النساء فكان قناصاً لهن. تتغير شخصية موسى عمران من فلاح بسيط إلى موسى ملوث برذاذ الفساد الذي عايشه في الجامعة ومدينة نابلس حتى أصبح شيطاناً بعد أن كان إنساناً. في تلك المحطة من حياته يتشظى موسى إلى موسوات بحيث يأخذ من أصدقائه صفات متناقضة المعاني, لها علاقة لغوية بأسمائهم التي تبدأ كلها بحرف العين مثل عمار وعمر وعمرو وعمران التي تلقي بظلالها على أسماء أخرى تشاركها "عينية"حرف العين, مثل عار وعيب وعرفات وعرب. كما اكتسب صفات أخرى من أساتذته الذين كان لهم أسماء "مُحمّدة" أي مشتقة من الحمد الذي هو الجذر اللغوي لاسم النبي محمد(ص). وهذا الترابط اللغوي بين أسماء محمد وموسى تضفي على موسى عمران دفقاً لغوياً وتراثاً دينياً شرقياً يميزه كمسلم, وتقربه من موسى ابن أبي الغسان الذي يقاسمه نفس الأصل اللغوي والمرجعية الثقافية والهوية الحضارية. وربما يستدعي هذا التقابل في الدلالة الاشتقاقية اللغوية ظلال معاني الحرفين "عين" الذي يستدعى اسم بلدة "عين بيت الماء" التي أنجبت موسى عمران بيولوجياً ولغوياً, وحرف ال "ميم" الذي يستدعي اسم موسى في زمني الحاضر والماضي, أي في المشهدين المعاصر والتاريخي. ثم الاستدلال على التناقض الحاصل بين هوية البطلين هنا وهناك وواقعهما السياسي المتردي الذي يوازي تركيبة بشرية متناقضة تعيش التحدي فنراها تظهر تخلفاً سلوكياً يصارع سمواً روحياً في لحظات من الحرج الشديد. كما أن المقاربة بين الأسماء تلك من خلال عينية وميمية الحروف لم تسعف موسى عمران الذي ارتكب جريمة الانتحار, مناقضاً بذلك قيمه الوجدانية التي تنكر عليه تلك الفعلة الشنعاء.
وفي التطبيق العملي للأنا العليا والأنا الدنيا عند الإنسان العربي الفلسطيني, نجد سليم الوسيم, قناص النساء, يمثل الناحية البوهيمية من البشر بينما يمثل سعيد الناحية الروحية السامية في معادلة الوطن والغربة, الوطني والخائن, ثم المنحرف والمستقيم. أما صديقه سامر فكان نسناس مغاور, يحفر ترابها بيديه اللتين تشبهان المجرفة, كناية عن فلسفة يؤمن بها وهي أن الوطن كنز وتراث, وأن الغربة فقر وضياع, فلماذا يفضل الشباب فقر الغربة على كنز الوطن.
الوطن أيضاً مهد يحمل في طيات معانيه "ثيمة" الجن والعفاريت والمردة, وأبناؤه ممسوسون, لا ينفع معهم الطب الأمريكي. ففي قرية "أبو فلاح" واقع شبه خرافي, فهم ينتظرون مريضاً من قرية ترمسعيا لم يستطع الطب الأمريكي معالجته أو تخليصه من الجني "جاشون بن سيمون", الذي يحتل جسمه كما يحتل اليهودي وطن الفلسطينيين, ويدنس أرواحهم ومقدساتهم. وهذه الحكاية مستنسخة عن حكاية التاجر والعفريت من كتاب "ألف ليلة وليلة" الذي يعتبر مرجعاً من مراجع الثقافة العربية قديماً وحديثاً. وهذه الإشارة العميقة لنزول الشياطين في أجسام العباد وتناسخ الأرواح في الشرق العربي تمهد إلى معركة قادمة يخوضها الإسلام ضد الآخر المتعدد في جبل مجدو عند قرني حطين في الجليل الفلسطيني اللذين شهدا ذات يوم هزيمة الصليبيين على يد صلاح الدين الأيوبي في العام 1187. ومعادلة الصراع الفكري الحالية والتي تمهد لتلك المعركة العتيدة هي في مضمونها القائل:" إن القرآن هو كلام الرحمن, والشعر هو قرآن الشيطان." ص (42(
هذا ما قاله الشيخ, أحد أئمة المساجد لموسى عمران:" الإسلام دخل في حرب نهائية مع إبليس وأعوانه والأرواح الشريرة فأصبح سلطانهم محدوداً, وستشهد آخر الأزمنة هزيمته وهزيمة أعوانه." ص (42( وفي التراث العربي هناك أحاديث كثيرة عن اتصال الجن بالبشر, وخصوصاً الشعراء, وأن الشياطين ملائكة ساقطة. قال الشاعر:" إني وكل شاعر من البشر ..... شيطانه أنثى وشيطاني ذكر." كما تم اتهام الأنبياء بأنهم مجانين وممسوسون. ويتحدث العلم في الوقت الحاضر عن أن الإنسان يضم بين جنباته شخصيات عديدة لا يعرف عددها وهي لا تعرف بعضها الآخر.
في الفصل الرابع, طريق الحرير, يفتتح الكاتب المشهد بفصل من فصول الترحال الفلسطيني وحيثياته البائسة عبر جسر أريحا حيث الفوضى والمحسوبية والحر والذباب يأكل وجوه المسافرين. كان هذا الجسر يتذكر الفلسطينيون دائماً أنهم مُحتلون, أسرى حرب خاطفة لم يعفو عليها الزمن. ورغم أن كبار السن من هؤلاء المسافرين يذكرون تماماً لعبة تلك الحرب التي كانت مسرحية أكثر منها حرباً حقيقية, إلا أن قناعتهم تلك لا تعفيهم من تذوق طعم الهزيمة الحقيقية كلما غادروا مدنهم في الضفة الغربية أو عادوا إليها من عمان. وهي طريق مليئة بالوجع والذل, ليست إطلاقاً مفروشة بالحرير كما يشي عنوان هذا الفصل. لهذا ما فتئ الراحلون الفلسطينيون يتخيلون طرقاً أخرى للترحال تعفيهم من ذل الانتظار والتفتيش والمنع من مواصلة السفر لأتفه الأسباب.
نرى موسى عمران يحلم بالتحليق جواً حتى يتخلص من حواجز التفتيش والمراقبة, يطير كأنه عباس ابن فرناس, يحلم بالحرية, بحياة أقل تعاسة واضطهاداً وسجناً. يشعر أنه نسر وهو يحلق في سماء أوروبا صوب إسبانيا, بلد الفن والحب والجمال ولكنها بلد هزيمة العرب المزمنة, القابعة في ذاكرتهم أينما رحلوا وأنّا حلوا. إسبانيا تلك وجع دائم يحتل ذاكرتهم حتى لو تغنى موسى عمران بجمال طبيعتها ونسائها, ففي ذاكرته زاوية تحكي قصة هزيمة ساحقة حلت بأجداده الموريسكيين, أي المسلمين الأندلسيين الذين عانوا من اضطهاد محاكم التفتيش بعد سقوط آخر ممالك العرب في غرناطة. لكن صورة النسر الذي تشبّه به كانت تؤشر على نهاية مأساوية لموسى عمران. فمن عادة النسور أن تقدم على الانتحار حين تشعر أنها فقدت القدرة على التحليق والصيد. وهذا إشارة إلى أبطال العرب في زمن الهزيمة الأندلسية, أمثال موسى ابن أبي الغسان وبزمط الذين قاتلوا قتالاً انتحارياً حين تيقنوا أنهم لم يعودوا قادرين على حماية غرناطة الجميلة. وانتحار النسر يمهد إلى انتحار موسى عمران في نابلس. أما الطائرة التي أقلته إلى إسبانيا فكانت تجسيداً يعبر عن أحلامه الذاتية والتراثية التي أشغلت عقول أجداده. رأى فيها كتلة هائلة من الحديد لو رآها جده السندباد البحري لاعتقد أنها عنقاء تطير وتحط على بيضتها الوحيدة. كما يعتقد جد آخر, علاء الدين, أنها بساط سحري, له قناديل شديدة الإضاءة تطير به فوق بغداد الرشيد. ولو رآها الإغريق القدماء لقالوا إنها بيجاسوساً, نصفه العلوي إنسان والنصف السفلي حصان.
أما الدور الرمزي الذي تلعبه الطائرة في رواية الموريسكي فهو على صعيدين: الأول, عسكري حيث تقصف الطائرات الحربية الإسرائيلية مدينة نابلس المحاصرة. والثاني, مدني رومانسي حيث تشي الطائرة المدنية التي أقلت الطالب البطل إلى إسبانيا أن مدريد هي عاصمة الفن والجمال. كما أن هناك تعاكساً في حركة وأهداف الطائرة التي تتجه بموسى غرباً نحو مدريد العلم والأدب والتاريخ بينما الطائرة الحربية الإسرائيلية المتجهة شرقاً إلى نابلس تزرع فيها الخراب والدمار كما حدث حين قامت بتدمير صبانتي كنعان والنابلسي. ص (113)
لم تكن مدريد مدينة كسولة, بل نشطة, تستفيق من نومها باكراً شأنها شأن المدن الحيّة! إنها ليست "نؤوم الضحى" رغم أن أهلها يسهرون حتى وقت متأخر من الليل. لكنه حين اقترب من غرناطة تبدلت مشاعره, بدأ يشعر بخوف شديد, كأن فرسان فرديناند وإيزابيلا ما زالوا يحاصرون العرب الموريسكيين وأمرائهم بني الأحمر. ثم اشتد وجيب قلبه للتشابه بين إسبانيا وفلسطين جغرافياً وسياسياً. وما دام هذا التشابه في الجغرافيا والسياسة قائماً, ما الخطأ أن يكون كذلك في الحضارة والهوية والمصير كما كان أيام الأندلس؟ والدليل على التناغم بين البيئتين أنه ألِفَ مناظر غرناطة الطبيعية الخلابة وقصورها الرائعة بسرعة عجيبة, كأنه كان يعرفها من قبل, وكأن غرناطة ومشاهدها الطبيعية والعمرانية وتاريخها تقبع في الذاكرة الجمعية العربية ومن السهل استحضارها. وبالرغم من أنه وصلها نائماً, إلا أنه كان من السهل عليه أن يجد نفسه فيها, كمدينة يعرفها وتعرفه. غرناطة لم تكن حكاية غريبة عنه, فجبال سيرانيفادا المحيطة بها تشبه جبلي عيبال وجرزيم المحيطين بمدينة نابلس.
كان هذا التشابه بين الطبيعتين يمهد إلى تشابه في هوية المكان ومجازيته ومصير أهله وهزيمتهم أمام الآخر الأوروبي. فسقوط نابلس في قبضة اليهودي نسخة لاحقة عن سقوط غرناطة في قبضة الآخر الإسباني, مع الاختلاف في بعض التفصيلات الفرعية. كما يقودنا إلى تشابه في مصير أهلهما, ونهاية البطلين موسى عمران وموسى ابن أبي الغسان. وهل هناك تشابه بين حيين كما هو التشابه قائم بين حيي القصبة والبيّازين وهما يعانيان من التدمير والتخريب على يد الغازي؟
وفي نفس الفصل نرى المشهد الغرناطي يعج بالحب بحيث يذكرنا بموضوعة الجنس التي ناقشها موسى عمران مع الراعي "أبو جحدر". وتلك الموضوعة ترتبط في حدها الأدنى بالحرب والخراب, وفي حدها الأقصى بالحب والعمار وكأن الكاتب يريد الإحياء أن كلي المشهدين يعبران عن الأنا الدنيا للشخوص المركزية والثانوية في الرواية على حد سواء. يتحدث الكاتب على لسان الراوي البطل موسى عمران عن موضوعة الجنس عند حديثه عن العلاقة بين جاكبو الايطالي وفتاة من جزر الكناري التي مارس معها الجنس بطريقة لا يقبلها الذوق السليم. وهذا المستوى من التواطؤ الجنسي لا يختلف عن حكايات المسافدة الجنسية بين حمار قرية البطل والأتان القادمة من القرية المجاورة التي يعرفها "أبو جحدر" الفلسطيني.
وبالرغم من التباين بين مستوى العلاقات الجنسية في المشهدين السابقين ومشهد "جنة العريف" إلا أن موضوعة الجنس تبقى مهيمنة في الرواية. ويتم تظهير تلك المقاربة بين ثيمة الجنس والهزيمة بصورة جلية أثناء زيارة وموسى عمران وصديقه الإيطالي الطويل جاكبو قصر الحمراء حيث أراد صاحبه إجراء "تجربة ردة الفعل" على عربي ورث هزيمة أجداده غصباً عنه. وهكذا يرصد جاكبو الأوروبي مشاعر عربي عندما يشاهد قصره المسلوب بأم عينه. وبسبب هول الهزيمة أصابه وجع الرأس فتقيأ. إن فكرة وراثة الهزيمة هي المعادل الموضوعي لفكرة وراثة النصر تماماً. وعليه كان فحوى حديث الدليل السياحي معروفاً سلفاً لموسى, كل ما قاله عن القصر وحجراته وردهاته وأقواسه والبركة الذهبية التي كان الحاكم يرى منها القبة السماوية وهو مسترخ فيها. كما أنشئت جنة العريف لرفاهية السلطان الذي بيده الأمر والنهي على العرب داخل أسوار غرناطة فقط وليس خارجها حيث يحاصرها الفرسان الملكيون الإسبان. ويحتار القارئ أثناء زيارتهما إلى قصر الحمراء وحي البيازين: أي منهما كان دليل الآخر؟
شعر موسى أن لعنة سقوط غرناطة قد أصابته, كما حدث للحفارين الذين اكتشفوا قبر ملك الفراعنة. فقد طاف موسى عمران على أرواح ساكنيه, تصورهم يبكون وينتحبون بصمت على سقوط القصر وذهاب مجد العرب هناك. لهذا قرر عدم الذهاب إليه مرة ثانية كي يتخلص من كابوس هزيمة الماضي. هرب من كوابيس غرناطة وذلك بمرافقة جاكبو الإيطالي إلى حفلات السمر كي يتجنب تداعيات هزيمته المزمنة, لكن دون طائل.
كان دخول موسى عمران قسم التاريخ ذروة تفاعله مع البيئة الإسبانية حاضراً وتاريخاً. وكانت تلك الذروة لعنة أخرى كما يقول لأنه: أولاً, ُصعِق أمام جمال مرشدة قسم التاريخ جسيكا ذات الأصول الغجرية. ثانياً, رأى في دراسة التاريخ نبشاً لقبور الموتى واستغابة دائمة لهم. وأمام تلك اللعنة المزدوجة عًبَر موسى عمران إسبانيا المعاصرة إلى تاريخ الأندلس, بالضبط كما اجتاز موسى بن نصير عباب البحر إلى إسبانيا القديمة. وكان عبوره لحظة زمنية اخترقت حواراً دار بين جسيكا وأحد الطلبة, ثم تدخل موسى بصفته مشرقياً كي يرسم مسار صدام حدث بين حركتي تاريخ على أرض إسبانيا-الأندلس:" هاني بعل" إرهاص قديم لطارق بن زياد الذي عبر الأندلس, ولي أنا الذي عبرت أندلسكم. أنا "هاني بعل جديد"." ص (60 ( إن تماهي موسى عمران مع الفتح القرطاجني-الإسلامي لجنوب أوروبا يمهد إلى استعداده النفسي للتماهي مع حيثيات سقوط غرناطة الذي كان نهاية الحكم العربي في الأندلس. فإذا كان مستعداً لتظهير فكرة أول غزو مشرقي لروما فأولى به أن يُظهّر لنا نهاية أول فتح إسلامي لإسبانيا.
ومن الجدير ملاحظته أن موسى عمران- الطالب في قسم التاريخ- دخل مدارات التاريخ الأوروبي من بوابتين: بوابة الغزو القرطاجني لروما, وبوابة اندحار الحكم الإسلامي في الأندلس. كما تسلل إلى إسبانيا الحاضر من خلال امرأة إسبانية غجرية تمثل الجمال والحب والجنس بأروع صورها. وفي محاضرة أخرى للأستاذة ماريا غوميز تحدد مسار موسى عمران التاريخي بصورة أكثر دقة. فقد جعلته يدق باباً لم يكن يسمع به من قبل: فمن بين أبواب التاريخ التي خلّدت موسى النبي, وموسى بن ميمون, وموسى جت, وموسى بن نصير, هناك باب آخر مجهول يقود إلى سيرة موسى ابن أبي الغسان الذي هو جزء لا يتجزأ من تاريخ الأندلس. مَن هو هذا الموسى؟
وبالرغم من قلة المصادر التاريخية التي تدوّن سيرة هذا البطل الغرناطي إلا أن الكاتب استطاع أن يكتب عنه من فيض خياله. فموسى ابن أبي الغسان تحوّل إلى كابوس تمثله بطل الرواية الذي يختبئ وراءه الكاتب. وبسبب سيطرة شبح تلك الشخصية التاريخية الغامضة عليه, نجح موسى عمران في تمثله خيالاً, وليس اعتماداً على التدوين التاريخي الذي يأخذ بالحقائق التاريخية. وبالرغم من تحذير جاكبو الإيطالي له بعدم الغوص في الماضي لأنه وهم, إلا أنه مضى قدماً في مسعاه للتشبه بشخصية موسى الغرناطي. وكانت الذروة الجنسية التي عاشها مع جسيكا في الفراش, هي الصورة القصوى التي استطاع تحقيقها عبر الجسد الإسباني المعاصر بحيث اختلطت صورة الماضي بالحاضر, ولم يعد يعي أياً منهما حبيبته جسيكا, وأياً منهما فكتوريا, حبيبة موسى ابن أبي الغسان.
يفتتح الكاتب الفصل الخامس بصوت الطبيب طاهر بن علون كراوٍ ثان لرواية "عودة الموريسكي من تنهداته" , وهو في نظري حلقة الوصل الفنية في الرواية لأنه يستنطق صوت موسى ابن أبي الغسان الذي تناسخ عنه موسى عمران الراوي الأول. إذاً كانت الفصول الأربعة الأولى بصوت موسى عمران الفلسطيني الذي عرفنا حكايته منذ كان طفلاً وحتى صار طالباً جامعياً في قسم التاريخ في جامعة مدريد. وتكمن أهمية هذا الفصل في أنه يضم ذروة الحدث الدرامي للرواية. وقد أحسن الكاتب صنعاً عندما جمع بين سقوط البطل العربي الموريسكي, وسقوط غرناطة الإسلامية الموريسكية في فصل واحد. والدلالة الدرامية لأحداث الذروة تقول لنا, فنّياً وفكرياً, إن المدن تسقط بسقوط أبطالها المدافعين عنها. ص (84(
يبدأ الطبيب بن علون دوره الفنّي بالحديث عن حكاية مرض موسى عمران الذي تلبسته روح موسى ابن أبي الغسان فصار يحكي عن حيواته الماضية تحت تأثير التنويم المغناطيسي. وقد بدأ يسرد حكاية موسى عمران قائلاً إنه جيء به إليه بواسطة رجل إيطالي وامرأة إسبانية: أي صديقه الإيطالي, جاكبو, وحبيبته الإسبانية ذات الأصل الغجري, جسيكا. ويبدأ الفصل الخامس من حيث انتهى الفصل الرابع مع تبدل في أسماء الأبطال. فبطل الرواية من الفصل الأول إلى نهاية الرابع كان موسى عمران كصوت, وموسى ابن أبي الغسان كصدى. أما الفصل الخامس فيتراجع صوت موسى عمران كي يصبح صدى فقط لصوت موسى ابن أبي الغسان الذي خرج من زاوية منسية من زوايا ذاكرة موسى عمران الفلسطيني: رجع إلى الحياة ثانية من قمقم التاريخ كي نستمع إلى حكايته فتلسعنا تنهداته الحارة التي هي حكاية فلسطينية معاصرة مثلما هي حكاية أندلسية غابرة, ولو لم تكن كذلك لما تماهى معه موسى عمران, ولما أحب روحه حتى حلت به فأصبح هو. ولو لم تكن كذلك في أحد وجوهها الفلسطينية المهمة لما كتبتُ عنها شخصياً, ولما رأيتُ نفسي في شخصية موسى عمران الذي تناسخ عن شخصية موسى ابن أبي الغسان. ولو لم تكن نكهتها فلسطينية الجوهر والمظهر لما رأيتُ عايدة تصهل في ذاكرتي الآن كما صهلت جسيكا ذات يوم مع موسى عمران, أو فكتوريا المحاربة مع موسى ابن أبي الغسان الأندلسي في "بحيرة السماء" في غرناطة.
نرى في الفصل الخامس ذروة الحدث الدرامي, فقد اخترق موسى عمران حاجز الزمن أيضاً؛ عَبَر الحاضر إلى الماضي البعيد. كما اخترق المكان؛ من قريته الناعمة في فلسطين إلى غرناطة الحمراء بكل موجوداتها المعاصرة وجدرانها التراثية التي تلطخت بدماء المحاربين المدافعين عنها قبيل سقوطها, ودماء العذارى والأطفال والشيوخ بعيد سقوطها في يد فرديناند وإيزابيلا. كما عاد- في اتجاه معاكس لحركة الزمن التقليدي- الفارس الهمام موسى ابن أبي الغسان من قبره المجهول, وزمانه القديم كي يحيا من جديد بثوب جديد, ومكان جديد, واسم جديد, هو موسى عمران الفلسطيني. لم يعد موسى الغرناطي إلينا من خلال مجازية المكان فقط بل من خلال مجازية البشر أيضاً؛ كما عادت فكتوريا القديمة في ثوب جسيكا المعاصرة. في هذه الرواية الحدث القديم ليس قديماً بل ماثل في الذاكرة وقائم في الواقع بعفوية الينابيع المتدفقة.
لكن عودته لم تكن "طبيعية", أي بلحمه وشحمه وبزته العسكرية, وترسه وسيفه ورمحه, بل كإنسان آخر مريض, في ثوب موسى عمران, المستلقي بين يدي الطبيب طاهر بن علون. وكان استيقاظ عقله الباطن يشبه دفق ينبوع مياه, يحمل على سطحه حضارة قديمة, وشخصيات بأزيائها وطقوسها ومعتقداتها, ورسالتها في الحياة. لقد اخترق الطبيب عالمه الداخلي بالعلم الحديث, وليس بالصراخ والعويل والضرب البربري المُبرّح الذي يمارسه المشعوذون في قرى ترمسعيا, وخربة "أبو فلاح" الفلسطينيتين. بالعلم وحده وصل الطبيب بن علون إلى صهارة مريضه النفسية, ولحمته الجوانية, وذاكرته الجمعية كي نقرأها ونشاهدها معه. ص( 68)
في الصفحة ( 69 ( يتقمص الطاهر بن علون شخصية الراوي فيحدثنا عن عودة موسى ابن أبي الغسان في ثوب موسى عمران المريض المُلقى بين يديه. ويسترسل في الحديث عن هذا المقاتل الأخير الذي خرج للتو من السجن الذي كان يقبع فيه جزاء حبه "زينة العاشقين", بنت أخت الأمير "أبو عبد الله الصغير". ثم يظهر البطل الذي علّق عليه الغرناطيون آمالاً كبيرة لتجاوز أزمة وجودية كانت تعصف بمملكتهم. كان الإسبان يحاصرون منطقة غرناطة, وبزمط – الذي كان في تلك الأثناء انقلابياً- يحاول الاستيلاء على الحكم فيها. جيء بالبطل الأشم كدواء مُر, غير مرغوب فيه من قبل الأمير "أبو عبد الله الصغير", حاكم غرناطة الأخير. كان عليه أن يختار بين ترك غرناطة تستباح من قبل الحداد بزمط ورجاله الذين احتلوا أجزاء واسعة من المناطق المحيطة بغرناطة, كما رأينا في الفصل الأول, أو يعود إلى سجنه رافضاً عرض سجانه الحاكم. قبل العرض الذي قدمه له الأمير "أبو عبد الله الصغير" فعاد إلى حياة العسكر كي يجابه الأخطار التي تحدق بالمسلمين في غرناطة. طلب إعادة سيفه المُذهّب, وفرسه القدّيس لكنه لم يجرؤ حتى على التفكير في استعادة زينة العاشقين التي تزوجت قبل ذلك التاريخ في تونس. استطاع بخبرته العسكرية وحنكته السياسية احتواء جماعة بزمط وضمهم إلى جيشه ليقاتلا الإسبان معاً.
وفي خضم المناوشات العسكرية التي كانت مستعرة بين إمارة غرناطة والملك فرديناند والملكة وإيزابيلا, وقع "أبو عبد الله الصغير" أسيراً في يد الإسبان. وكانت بنت أخ الملكة إيزابيلا, وتدعى فكتوريا, قد تم أسرها من قبل القائد موسى الغرناطي. نشأت قصة حب عنيفة بينهما على إثر معركة حامية الوطيس انتصر فيها موسى على فرقة "الزنابق السوداء" التي كانت تقودها تلك الأميرة. ص (72( كانت فكتوريا فتاة مقاتلة, تكره العرب والمسلمين, وتقود فرقة من الفرسان الإسبان المحاربين الأشداء لإخراجهم من غرناطة بالقوة. بعد أسرها مالت إليه, ثم استرق قلبها له, فأحبته بشغف. كانت تتحين الفرص كي تلتقيه في بركته, أو غرفة نومه حتى باتت متيمة به. ومع حبها الجارف له إلا أنها رفضت البقاء في عهدته كأسيرة, فعادت إلى بلادها في صفقة تبادل للأسرى بين الجانبين. قبل رحيلها عنه أهدته خاتماً ذهبياً, وأهداها وشاحاً أخضر مذهباً من صوف البحر الثمين. وكانت هديتها هي كل ما تبقى له من فكتوريا, إيقونة الحب والحرب, ورمز الجنس المجبول بغار النصر الإسباني ووحل الهزيمة العربية.
في المشهد الأخير من الفصل الخامس نرى موسى ابن أبي الغسان يدافع عن غرناطة دفاع الأبطال الذين لا ترهبهم حمم الأنفاط ولا المدافع. ثم تتفسخ الجبهة الإسلامية التي كانت في وقت من الأوقات بقيادة الزغل ويظهر "أبو عبد الله الصغير " في غرناطة مدعوماً من قبل فرديناند وإيزابيلا. وحين أدرك أنهما يضمران له الشر انقلب عليهما وبدأ في محاربتهما, أدرك أخيراً أنهما لن يُبقيا على الحكم العربي في إسبانيا بأي صورة من الصور. لم يجد بداً من القتال لكن الظروف المحيطة بغرناطة كانت لا تساعد على صموده, حيث تفرقت قلوب الرجال, وقل الأبطال المدافعين عن غرناطة. هرب الزغل بأمواله وجواريه إلى تلمسان في المغرب, وترك شعبه ينتظر قدره. لكن حاكم المسلمين هناك صادر أمواله وسمل عينيه جزاء تفريطه بأرض المسلمين.
يروي الطبيب الطاهر بن علون أثناء علاج موسى عمران أحداث الشهور الأخيرة قبل وبعد سقوط مملكة غرناطة, حين نَفَذ الطعام, وضمرت البطون, وتضورت معد الأطفال, وعاشوا في مجاعة مرعبة. إن الربط الدرامي بين سقوط غرناطة وهزيمة حرب حزيران عام 1967 جاء من خلال استخدام الكاتب الرقم 67 الذي كان يحمله موسى ابن أبي الغسان في سجنه في القلعة. وهو يشير إلى نبوءة مستقبلية ذات بعدين مستقبليين؛ أحدهما غرناطي قصير الأجل, والثاني فلسطيني طويل الأجل, يحدث بعد خمسماية عام من تاريخ سقوط غرناطة في العام 1492. وعليه فإن هزيمة حزيران لها إرهاص غرناطي, ضارب في القدم. كما أن الهزيمة الغرناطية لها تداعيات مستقبلية تحدث لاحقاً في فلسطين بصفتها صدى غرناطي تاريخي. أي أن الهزيمتين تؤرخان لبعضهما الآخر, إما بأثر مستقبلي أو بأثر رجعي, فالهزيمة الحزيرانية لا تشبه إلا جدتها الغرناطية, والهزيمة الغرناطية لا تشبه إلا حفيدتها الحزيرانية.
وبسبب هذا التناغم في رنين الهزائم العربية درامياً وواقعياً على ترابي فلسطين والأندلس سقطت غرناطة رغم استبسال موسى ابن أبي الغسان وبزمط ورجالهما. كما سقطت القدس بدون قتال حقيقي بين الغازي الإسرائيلي وجنود النظام العربي المتآمر الذي أنجبته عقلية جده الصغير "أبو عبد الله الصغير". وأعجب اشد العجب ِلمَ سمى الكاتب القائد موسى ابن أبي الغسان شمشون غرناطة! فموقف موسى الغرناطي من أعدائه الإسبان يختلف عن مضمون موقف شمشون الجبار من أعدائه الفلسطينيين القدماء. اختار موسى القتال حتى الشهادة بينما اختار شمشون الانتحار الجماعي, له ولأعدائه على حد سواء. هناك فرق بين قول شمشون:" عليّ وعلى أعدائي" وقول موسى ابن أبي الغسان:" الأعماق أولى بالقادة الحقيقيين من ذل العدو؟" ص ( 82 ( قاتل الغرناطي حتى القطرة الأخيرة من دمه, لكنه لم ينتحر. كان مؤمناً أشد الإيمان بقدره الذي يمنحه شهادة تؤهله لنيل الجنة:" عالمي ليس ها هنا بينكم, عالمي في السماء."ص (85( غادر قلعته الغرناطية وهو يقول لبطانة "أبو عبد الله الصغير" أمثال الأرطبون ابن كماشة الذي تولى المفاوضات الاستسلامية مع الإسبان معاتباً:" إن القلاع تسقط من الداخل, يسقطها أهلها المنهزمة نفوسهم." ص (81 (
سجل موسى ابن أبي الغسان موقفاً قل نظيره في التاريخ:" حاشا لله أن يُقال إن أشراف غرناطة خافوا أن يموتوا دفاعاً عنها." ص (84 ( خرج وهو يحذر مجلس المستسلمين الذي كانوا يتحلقون حول صغيرهم الأمير "أبو عبد الله الصغير" :" لا تخدعوا أنفسكم و ولا تظنوا أن الإسبان سيوفون بعهدهم, ولا تركنوا إلى شهامة ملكهم, إن الموت أقل ما نخشى, فأمامنا نهب مدننا وتدميرها, وتدنيس مساجدنا, وتخريب بيوتنا, وهتك نسائنا وبناتنا, وأمامنا الجور الفاحش, والتعصب الوحشي, والأغلال والسياط, وأمامنا السجون والأنطاق والمحارق, هذا ما سوف نعاني من مصائب الموت, أما أنا فوالله لن أراه." ص (85)
أما أنا كاتب هذه الدراسة فقد جرحتني تلك الرواية الجميلة في سويداء قلبي, وفتقت جرحاً لم يندمل بعد حين زرت يافا لأول مرة بعد هزيمة عام 1967. ما زلت أذكر ما قلته ليافا همساً حين زرتها أول مرة, ثم ظللت أتمنى بعدها لو أنني لم أزرها بتاتاً. في ذلك اليوم المشئوم من أيام الهزيمة كأني خاطبت يافا الخربة بينما كان الدمع يهطل من عينيّ هميلاً بعبارات تشبه تلك التي خاطب بها موسى ابن أبي الغسان غرناطة وهو يهم بالخروج منها وهي على وشك السقوط في قبضة وحوش الإسبان:" سأنتقد أسواقك المتقاربة المتحاضنة, ودكاكينك القديمة وأصوات الباعة, وأصوات البائعات المتجولات, وسأفتقد نورك البهي, وإطلالة القمر. ما أجمل لحظة الصباح فيك ولحظة الغروب! سأفتقد الصلاة في مسجدك. سأفتقد نفسي فيك يا زفرات روحي, يا حبيبتي التي لا أعدل بها مكاناً في سماء ولا في أرض, لكنه قدر كتب علينا أن نموت شهداء أبطالاً, لا أن نموت كما يموت البعير." (ص 85( يومها رأيت أشباحاً تشبهني, تغدو وتروح وهي تقول:" آه يا يافا! كم حزنا لفراقك, حدث لنا ما حدث لأجدادنا في غرناطة, هجرناك فلم يمت أي منا منذ تركناك خلفنا ميتة شريفة. وإذا كنا افتقدناك فلأننا افتقدنا في نفوسنا الشهامة وحب الوطن, لقد هنت علينا, فهنا على أنفسنا وأعدائنا."
ينهي الطبيب بن علون في الصفحة (86( سرد قصة موسى ابن أبي الغسان التي بدأها في صفحة (66 (. كان المريض هو موسى عمران, أما الشخص الذي تم استنطاقه فهو موسى ابن أبي الغسان. ثم يستأنف الطبيب بعد أن يتوقف عن سرد قصة أبي الغسان وذلك بأسلوب الاستدعاء والاستحضار من خلال آلية التنويم المغناطيسي. من نهاية صفحة رقم (86 ( يبدأ بن علون حديثه المباشر, وليس التاريخي المستحضر فيقول إن قصة هذا الموريسكي( أي العربي الذي تعمد وعاش في إسبانيا بعد زوال حكم المسلمين في بلاد كانت تسمى الأندلس), قد بهرته. هنا لا بد من القول أيضاً إن موسى ابن أبي الغسان لم يكن مورسكياً كما يقول خطأً الطبيب بن علون؛ كان عربياً أندلسياً لأنه عاش المجد الإسلامي هناك, وسقط شهيداً قبيل سقوط غرناطة. أما طيفه الذي تلبس جسد موسى عمران الفلسطيني فهو الذي كان مورسكياً فقط لأنه عانى من الاضطهاد والشطب والنفي التاريخي على مدار خمسماية عام, أي منذ سقوط غرناطة في العام 1492. وتلك التسمية التي استخدمها الكاتب على لسان الطبيب بن علون ليست دقيقة تاريخياً. هذا تصنيف إسباني عنصري تاريخي ولا يفي بالمطلوب عربياً, كما التصنيف العنصري اليهودي الذي يرى الفلسطيني في مناطق عام 1948 عربياً إسرائيلياً. فالرسالة العربية الإسلامية في الأندلس لم تكن تخص طائفة أسماها الخطاب الإسباني (المورز(, أي القادمين من المغرب التي يسميها الأوروبيون ( موروكو( أي بلاد المغرب. الهوية الأندلسية الثقافية هي خطاب عربي إسلامي نبتت بذرته العربية في الأرض الإسبانية وكونت لها خصائص تميزها قليلاً عن فروع الحضارة العربية الإسلامية في البلاد العربية والعجمية. وللتمثيل لا الحصر كانت الموشحات الأندلسية ولغة الإلخميادو من السمات التي ميزت حضارة العرب في الأندلس.
ويرسم الكاتب في الصفحة (93 ( وصفاً مفزعاً لنهاية الوجود العربي في الأندلس, ذلك الفزع تكرر ذات يوم في غير مدينة فلسطينية غادرها أهلها مجبرين تحت سطوة الاغتصاب وقوة السلاح. ويقول الكاتب:" كان وقع الاغتصاب على النساء المسلمات أشد من قتل أزواجهن وأقربائهن, فانتحرت كثيرات منهن جماعياً بعد ذلك, وعندما سمعت الولايات الأخرى بذلك, صار الأنلسيون يخرجون من دينهم سريعاً وبلا تردد, خوفاً من أن يلحقهم ما لحق بإخوانهم وأخواتهم. كانت الرائحة المنتنة لهذه العذابات التي أوقعها الإسبان بالعرب المسلمين مستمدة من ثقافة "بروكوست", قاطع الطريق اليوناني الذي:" كان له فراشان, فراش كبير, وفراش صغير. كان يطرح المسافر الطويل على الفراش الصغير والمسافر القصير على الفراش الكبير, ثم يمسك برجلي الطويل فيقطعها؛ لأنها تتعدّى الفراش الصغير, أما رجلا القصير فكان يجذبهما حتى تكونا على قدر الفراش الكبير." ص (92(
حتى المؤرخ أزنار كاردونا- الذي لم يكن في يوم من الأيام يحب العرب الأندلسيين -أظهر شفقة أمام مشهد الطرد المُذل:" غادر هؤلاء البؤساء في التوقيت الذي حدده لهم الضباط الملكيون, ونزحوا سيراً على الأقدام أو على أحصنتهم, وقد أخذت منهم الحرارة كل مأخذ , وهو يجهشون بالبكاء في مشهد امتزجت فيه أصواتهم مع شكواهم, مصطحبين في ذلك نساءهم وأطفالهم ومرضاهم وأقاربهم المسنين, وجميعهم يلفهم الغبار وهم يتصببون عرقاً ويلهثون." ص (93(
يبدأ الكاتب الفصل السادس – سمك السلمون- المعروف بحنينه لمسقط رأسه حين تدنو منيته-بحديث لموسى الفلسطيني الذي يستعيد من الطبيب طاهر بن علون دوره في السرد للمرة الثانية. وموسى عمران الفلسطيني هنا يختتم سرد الرواية مثلما ابتدأها. لا بد من التوقف عند قول موسى الفلسطيني حول عدم حقده على موسى ابن أبي الغسان, لأنه ظهر على مسرح الحياة ثانية ويريد أن يقتله. وبالرغم من هذا القتل فني-نفسي فإننا نرى القتيل الفلسطيني لا يحقد على القاتل الغرناطي. فعودته تشبه عودة أهل الكهف الذين ناموا مئات السنين ثم عادوا بعد أن اكتشفوا أنهم غير قادرين على التعايش مع أهل ذلك العصر. المسألة تتعلق هنا بقصة عدم اندماج الإنسان مع غير أبناء عصره.
لكن موسى الغرناطي لا يشبه أهل الكهف الذين عادوا إلى أزقة مدينتهم الضيقة؛ بشعور كثة, وأظافر طويلة, وعملة غير صالحة للتداول. عاد موسى ابن أبي الغسان لمدة قصيرة لا تتجاوز عدة دقائق, وكان وحيداً ومنزعجاً, خرج من أضعف نقطة في جسم موسى عمران؛ ألا وهي حبه للتاريخ. ألم يقل الشاعر العربي ذات يوم :" ومن الحب ما قتل؟" كانت رومانسيته هي البوابة التي خرج منها ابن الغسان الذي هو الأب الروحي لموسى الفلسطيني.
في الصفحة (96 ( يعبّر موسى الفلسطيني عن علاقته بموسى ابن أبي الغسان, فيشبه نفسه بفسيلة موز تقتل أباها كي تستمر حياتها وهكذا دواليك. وهذا التناسخ الروحي, أو الإستولاد الفكري يختلف عن التوالد الجسمي, فهو عبارة عن روح باطنية تسوس المتناسخ من وراء قناع يتخذه كي يبدو موضوعياً. ولو اختفى القناع لبدا حديث الروح الداخلية وكأنه ليس حديثه. ولهذا لا بد من أن يقتل أحدهما الآخر كي يعيش بحرية وإرادة مستقلة: على موسى ابن أبي الغسان أن يقتل موسى عمران حين يعود إلى الحياة. وعلى موسى عمران أن يقتل أباه كما تقتل فسيلة الموز أباها كي تعيش وتستمر حياة جنسها. المشكلة في جدلية القتل تلك أنه بعدما قرر موسى الفلسطيني قتل موسى الغرناطي أصبح شخصاً جديداً, يختلف عن الشخصيتين؛ لم يستطع العودة لصورته الفلسطينية القديمة لأن روح الغرناطي لوثته ببطولاتها. وهنا يكمن مغزى تداخل حكاية البطل الفلسطيني مع البطل الغرناطي الذي جدد حياته وغير وجهة نظره من خلال تماهيه معه. يقول موسى الفلسطيني:" كان ابن أبي الغسان مصلاً مضاداً لبركة روحي الآسنة. كان نهراً جدد حياتي. كنت قبل معرفتي به أعتقد أن الله قابع في البعيد, في السماوات العُلا؛ وبعد معرفته صرت أرى الله قابع في فؤادي. بدأت أعتقد أن إلهي موجود بحضرته الجلالية في فلسطين, وفي نابلس تحديداً, في حجارة بلدتها القديمة, وشبابيكها التي يتدلى منها الياسمين في سوق البصل, وعبق رائحة طحينية السمسم, وهدير مصانع الصابون, وأصوات الباعة, وداخل ردهات الحمامات التركية, وحب الزيتون الذي يكاد زيته يضيء. إن إلهي في قلبي, ولكي استحضره بعظمته وجلاله كان علّي أن أعود مثل أسماك السلمون, إلى الوطن الذي سمعت فيه أولى كلمات الحضارة ومفردات الدين من مرضعتي." ص (98 ( والشاهد في حديث موسى عمران هنا أن الدين عنده مجرد أطار, وليس عقيدة يومية أو ثابتاً فكرياً يقاتل من أجله.
كان عليه أن يعود إلى رائحة أمه وبركاتها, لكنه لم يفعل ذلك بالضبط والدليل أن أمه لم تظهر وقت انتحاره أو بعده. لقد نصحه الطبيب المغربي للخروج من غرناطة إلى أي بلد في العالم لأن:" غرناطة قبرك. غرناطة ليست لحدك وحدك. غرناطة مقبرة العرب والمسلمين التي أخرجتهم من التاريخ, وسيبقى العرب آلاف الأعوام ينوحون بالبكاء والعويل, ويرقصون رقصات الموت على ضياع الحمراء." ( ص 98 ( هنا تحضرني فكرة تعارض رأي الطبيب المغربي؛ لأن غرناطة لم تكن قبر موسى عمران الوحيد, بل كانت مدينة نابلس قبره أيضاً.
يدور حديث بين موسى الفلسطيني الذي استعاد دوره في السرد ثانية وصديقه الإيطالي جاكبو الفينسي الذي قدم له تفسيراً نفسياً لعلاقته بالزمن الماضي الذي يعتبره وهماً يجب الخروج من قيوده:" لا شيء حقيقياً: لا ابن الغسان ولا الهنود الحمر. أنت نسجت ذلك في وهمك, وأظن لو أن بيدك زر لحقيبة نووية لقذفت بها العالم من حولك؛ لأن عقلك سيوحي لك بفكرة المؤامرة, وأن كل العالم يلاحقك ليقتلك. أفكارك سوداوية أحياناً, وهذه واحدة من مشاكل الشعوب التي تشعر بأن العالم يهضم حقّها. إنها تبدأ في توليد نظام للتفكير الانتحاري."ص (99(
ومع تقديري الكبير لرأي صديقي الكاتب بخصوص اعتبار شخصية جاكبو مُنظّراً للحالة العربية وصوتاً للآخر الأوروبي في الرواية, إلا أنني لا أجد ذلك يتطابق مع واقع المواجهة الضاربة في القدم بين الهوية العربية الإسلامية, والهوية الأوروبية العلمانية التي تتمسح أحياناً بالمسيحية. وعلى الرغم أن بعض حديثه عن الشعور العميق بالظلم لدى الشعوب المضطهدة صحيح إلا أن حقيقة الصراع تقول إنه يتمحور حول كل شيء وأولها الهوية الحضارية. وما يشعر به موسى الفلسطيني يشعر به العربي المعدل سواء كان في المشرق أو المغرب العربي. فالمسألة لا تتعلق بالتطرف نتيجة الإذلال الذي يعايشه الفلسطيني عبر دورات التفتيش على جسر اللنبي مثلاً:" هنا يُحقَن الفلسطيني بالتطرف." ص (101( هل يتوقع الكاتب من الفلسطيني الذي لا يشعر بالإذلال على جسر اللنبي قبول ضياع فلسطين مثلاً؟ وهل سيقبل موسى ابن أبي الغسان العيش تحت سطوة الحكم الإسباني لغرناطة حتى لو افترضنا أن الآخر الإسباني لن يرتكب مجازر مثل تلك التي ارتكبتها محاكم التفتيش؟
وعليه اسمح لنفسي بصفتي فلسطينياً معارضة الدكتور الذي قال لموسى عمران إنه:" يبث على نفس التردد الانتحاري الذي كان يبث عليه موسى ابن أبي الغسان". ص ( 101( كل ما جرى للعربي الأندلسي في إسبانيا, والعربي الفلسطيني في فلسطين هو الثمن المباشر الذي يدفعه المهزوم عادة لصالح مشروع المنتصر في الساحتين العسكرية والثقافية على حد سواء. وما جرى لهما ليس انتحاراً سببه أزمة نفسية عانى منها البطلان, بل هزيمة المشروع العربي الإسلامي أمام المشروع الأوروبي. وأراني أطرح السؤال التالي:" هل حال "الشعب" اليهودي أفضل بعد قيام "دولة إسرائيل" من حال اليهود الذين ذُبحوا في معسكرات الإبادة في أوشفتس وبخنفالد؟" أنا أجيب .... لا فرق كبير بين المجزرتين, مع فارق بسيط أن المجزرة النازية ضد اليهود كانت جسدية, أما المجزرة الأنجلوسكسونية المنتصرة ضد هوية اليهود الشرقية فكانت ثقافية من الطراز الأول, كانت أسوأ من الجسدية لأنها تصفية لهوية اليهود الثقافية بحيث استبدل اليهود هويتهم الشرقية بهوية أوروبية علمانية تعادي شريعة موسى كما تعادي باقي الشرائع السماوية.
وفي المقاربة التي يجريها موسى الفلسطيني بين المشهد النضالي في فلسطين والمشهد الغرناطي يشير إلى حقيقة كبرى وهي أن فلسطين هي رحم التاريخ الديني لإنسان الحضارة, في زمن السلام, كما هي في نهاية الحياة بعد موت الزمن. ولأنها كذلك تشهد أشد أنواع الصراعات الإنسانية التي تتمحور حول الوجود والهوية والمقدس والمصالح على اختلاف أنواعها ومستوياتها. إنها التاريخ بأثر رجعي, وهي المصير بأثر مستقبلي, وهي الحاضر بكل شموله وتناقضاته. فكل ما فيها يثير أسئلة ميتافيزيقية لا إجابات عليها- في غير مكان من العالم- إلا فيها, حيث ترعرعت القيم السماوية السامية التي لا تنفصم عن ركب الحضارة الإنسانية لأن انفكاكها عنها يعني سيطرة القوة الغاشمة وأدواتها المادية على البشرية جمعاء. لهذا ارتحلت جسيكا إلى فلسطين بحثاً عن الحب الحقيقي الذي يحرر الإنسان من العبودية, والذي نادراً ما يطرق باب الأوروبيات. فالأوروبية تحب لكنها نادراً ما تعيش حالة حب قيمي سامي. ص (103(
والدليل أنها جاءت إلى فلسطين لكن دون خريطة إدراكية شرقية تقدم القيم الإنسانية على المصالح المادية. لهذا دهشت من تحول كل شيء في فلسطين, خصوصاً الأشياء المرتبطة بالمقدس, من المادي إلى الميتافيزيقي, ومن التاريخي إلى اللا تاريخي. لقد أسبغ الدين على العقل الشرقي منطقه الشعوري, كما أسبغ على الجمادات حواساً بشرية فجعلها تتألم وتبكي وتشم وهذه ليست فلسفة ولا أسطورة إنها حقيقة إيمانية يعتنقها المسلم في علاقته مع موجودات العالم من حوله:" ما من شيء إلا يسبح بحمد الله." وعليه كيف لأوروبية إسبانية غجرية أن تدرك أن الشرق العربي ليس أسطورياً بل هو في عين الواقع المعاش, بثوب روحاني غير مرئي؟
ولما كان الرجل الشرقي يعيش انحطاطاً أبعده عن منطلقاته الحضارية الأساسية, ومرجعياته العلمية والجهادية فقد قاده جهله إلى عبودية من نوع جديد؛ عبودية الجنس والسياسة والمبادئ الجوفاء, بعدما بدّل خضوعه لله, بخنوعه للحاكم المستبد. ولما كان ذلك الحاكم صنيعة في يد الآخر فقد تحول الإنسان الشرقي إلى عبد يخدم عبداً مُقنّع اسمه الأمير أو الملك أو الرئيس.
يبدأ الفصل السابع والأخير – هجوم أبناء يعقوب على شكيم- من خلفية توراتية لتأكيد ما ذهبنا إليه آنفاً أن المواجهة بين الذات العربية الإسلامية والآخر الأوروبي المتعدد في فلسطين وإسبانيا لها مرجعية دينية لا يدركها جاكبو, ولا جسيكا, ولا حتى موسى الفلسطيني. فمشهد مدينة نابلس المُحاصرة في الوقت الحاضر يستحضر الماضي السحيق أيام هجوم أبناء النبي يعقوب على مدينة شكيم الكنعانية, كما يوازي مشهد غرناطة المحاصرة بالفرسان الملكيين الإسبان قبيل سقوطها. وتسير تلك المشاهد في خط موازٍ لهجوم جديد يقوده الغازي شارون, حفيد أبناء يعقوب, على أهالي مدينة نابلس الفلسطينية, أحفاد كنعان القديم. ألم تهدم الطائرات الإسرائيلية المغيرة صبانة كنعان الحفيد كما قطّعت سيوف أبناء يعقوب أجساد ذكور أبناء كنعان الجد في فلسطين وحولها في الماضي السحيق؟
التاريخ يعيد نفسه على أرض فلسطين لأنها رحم التاريخ, ومهد الحضارات, ومعراج ومهبط الرسل, وأرض المحشر والمنشر يوم القيامة. ومع كل تلك القيم والرسالات السامية فإنها أيضاً حومة للوغى التي يتصارع على ترابها أتباع الرحمن وأتباع الشيطان فتسفك الدماء الغزيرة على امتداد التاريخ وحتى معركة مجدو العتيدة في آخر الزمن حيث يرث الله الأرض وما ومن عليها. وبالرغم من أن موسى الفلسطيني قرر التخلص من شخصية وهواجس موسى ابن أبي الغسان إلا أن التشابه بين مصير نابلس وغرناطة دفعه كي يسير على خطى البطل الغرناطي الأخير. لم يجد فرقاً بين خان التجار النابلسي وحي البيّازين الغرناطي. حمل رشاشه كي يتصدى لأرتال الدبابات الإسرائيلية التي تحاصر المدينة, كما امتشق موسى ابن أبي الغسان سيفه المُذهّب, وامتطى حصانه القدّيس, وجال في حي البيّازين, ثم ودّع أهله وأقاربه وأصحابه, وربما تذكر حبيبته السابقة زين العاشقين, قبيل مغادرته غرناطة نهائياً لمقاتلة فرسان الإسبان الذين كانوا يحاصرون المدينة من جميع الجهات.
أما موسى الفلسطيني فلم يكن له حبيبة فلسطينية كي يودعها, وقال لنا قبيل رحيله عن دنيا الوطن المحتل ونابلس المحاصرة:" جَربت سلاحي, ثم لبست بنطال الجنز, وسترة جلدية, ووضعت بندقيتي الكلاشنيكوف على كتفي, وودّعت أهلي ودخلت البلدة القديمة. أحسست بنشوة نسر يحّلق عالياً في السماء." ص (112( كأنه يريد القول إن عليه أن يفعل بنفسه كما يفعل النسر في السماء حين يقف عاجزاً عن تأمين صيده, فنراه ينتحر. لم يفعل موسى ابن أبي الغسان, النسر الغرناطي, ذات الفعل حين عجز عن الدفاع عن غرناطة. قرر بدل ذلك مواجهة العدو بغض النظر عن موازين القوى التي كان يعرف تمام المعرفة أنها ليست في صالحه. وهنا لا بد من التأكيد على صفة جوهرية خلافية بينهما؛ نجح موسى الغرناطي في نيل الشهادة, بينما أخفق موسى عمران في ذلك, وخسر حياته وآخرته. لم يشعرنا موسى عمران أنه يؤمن بالخطاب الفكري الإسلامي الذي آمن به موسى ابن أبي الغسان. ثانياً, لم يستخدم أي مفردة إسلامية تدلل على أن وطنيته لها بعد ديني يلزمه بالدفاع عن القدس أو نابلس أو حتى بيت عين الماء. ثالثاً, رأيته شرقي محض, جاهلي حتى النخاع, وربما لا ديني لأنه تماهى مع البطل القرطاجني, وكان تماهيه التاريخي مع طارق بن زياد مجرد بوابة زمنية لا معنى لها سوى الوصول إلى "هاني بعل" العظيم فقط.
كما أنه لم يستخدم في حواراته مع جسيكا وجاكبو و"أبو جحدر" والمقاتلين الفلسطينيين في نابلس أي مفردة إسلامية تدلل على انتمائه للعقيدة الإسلامية التي بدونها لن ينال الشهادة لدخول جنة الوسيلة التي كانت هدف موسى ابن أبي الغسان, حيث النعيم المقيم, والحسان الأماليد, وأنهار اللبن والعسل المصفى. ألا نتذكر العدد الكبير من المفردات الدينية في خطاب موسى الغرناطي قبيل مغادرته قصر الحمراء وهو يحث الوزير ابن كماشة على القتال دفاعاً عن غرناطة؟ شملت المفردات التي استخدمها للتعبير عن هويته الإسلامية: مملكتي, الشهادة, الله, التاريخ, الشرف, الجهاد, الآخرة, الحساب, العقاب, التقوى, الجنة, السماء, بينما لم يتطرق موسى عمران سوى إلى بضع كلمات استخدمها للتعبير عن حبه لأفراد أسرته, وحنينه لهم, ويأسه من العالم الحُر الذي لم يسمع نداءه أو يستجب لمعاناته. لهذا أراد أن يحتج على العالم الأصم الأبكم بقتل نفسه, وهذا الأمر هو السخف بعينه؛ فالعالم يركع للأقوياء بإيمانهم, ويعظّم مواقف الشرفاء, ويُمجّد بطولات مقاتلي الحرية فحسب.
وفي معرض المقاربة بين المدينتين كانت غرناطة- كما يدل اسمها- حبة رمان حمراء اللون. وقد أقسم فرديناند أن يتناولها حبة حبة, كما تمنى شارون أن يلتهم نابلس – الجبنة السويسرية- قطعة قطعة. ص (116( وكانت نابلس صورة أخرى لاحقة, تعيد مشهد سقوط غرناطة الذي حدث في العام 1492:" تذكرت سيناريو غرناطة وهي تساوم الإسبان على الاستسلام, وتذكّرت حصان ابن الغسان وحياته وموته, وكيف خرج شاهراً سلاحه, وكيف قاتل, وكيف رمى نفسه في نهر شانيل, فأقسمت ألف مرة على الموت, وشعرت بأن حياتي بدت قريبة جداً من نهايتها. تمنيت لو كان معي سيف عربيّ لأركنه على الأرض وأتكئ عليه وأترك ذؤابته تندس في قلبي, على عادة العرب الأقدمين, لكني في النهاية سحبت مسدسي وتنهدت تنهدات الأندلسيين الأخيرة, وأطلقت الرصاص على رأسي واكتفيت من العيش نأياً واغتراباً." ص (119) لم يكن موت البطلين متشابهاً, لا في أدوات القتل, ولا في الهدف, ولا في الانتماء الديني. فالسيف في القرون الوسطى كان رمز الشرف والإباء, إنه يختلف عن المسدس في القرن الحادي والعشرين الذي يُستعمل أحياناً للقيام بأعمال القتل والاغتيال؛ وهو في الرواية كذلك, أداة انتحار مهما تعددت الأسباب التي دفعت موسى عمران للقيام بما قام به.
ورغم أن موسى عمران يعلن ص (118) أنه من نفس طينة موسى ابن أبي الغسان , وأن جاكبو صديقه قد صَدَق حين قال له:" كل واحد منا يحمل في داخله فناناً, وأنت تستخرج من الصخرة تمثالك الأسود". ثم يستطرد قائلاً:" أحسست بأني أقفز في مياه نهر شانيل في غرناطة, وأغوص تحت المياه, فأدركت بما تبقى لدي من إدراك أني الابن الضال, ويجب أن أعود إلى أبي, وأن أتواصل مع الأجداد القدامى الذين يتردد صداهم في قلبي وروحي." ص 119 . كلمات موسى الفلسطيني في لحظاته الأخيرة –أي قبيل أن ينتحر- تستوجب منا التوقف الطويل. فهو يعترف بحقيقتين أساسيتين مبدئياً يمكن توليد عدة حقائق دينية وثقافية وبيئية منهما.
يناجي موسى عمران نفسه أنه يدرك الآن أكثر من أي وقت مضى أنه يجب أن يعود لأبيه وأجداده لأنه الإبن الضال. وهذه المناجاة سمعناها من قبل من فم موسى ابن أبي الغسان الذي قرر عدم الاستسلام ومحاربة العدو حتى آخر قطرة من دمه. إن الفارق الجوهري بين مصير البطل الأشم موسى الغرناطي وشبيهه موسى عمران يبدو لي جوهرياً, ولم تعطه الرواية حيزاً كافياً كي تكرّسه في أذهان القراء العاديين. فالبطل الغرناطي قرر نيل الشهادة بصورة حاسمة, لا تقبل التأويل, دون الإشارة إلى حنينه إلى والده, سواء كان البيولوجي أم الروحي. كان يحن إلى مملكته الأبقى في السماء, في جنة الوسيلة. ولنيل تلك المكانة مع الأنبياء لا بد له أن يقدم نفسه قرباناً لوجه الله ورسالته, فالذي يقاتل في سبيل الله له "إحدى الحسنيين, إما النصر أو الشهادة". ص (119( فهل نال موسى عمران أياً منهما؟ أشك في ذلك.
وعليه اتخذ موسى ابن أبي الغسان قراره بالرحيل عن مملكة غرناطة, التي لا تعدلها مدينة على وجه البسيطة, إلى مملكة سماوية أجمل وأبقى وأخلد وأكثر رفعة. وهذا التأصيل الإسلامي لشخصية موسى الغرناطي وخروجه من غرناطة هو من متن النص الأدبي وسنده الديني, فهو وريث فتح أموي أندلسي إسلامي ويجب عليه الحفاظ على ما تبقى منه. أما موسى عمران الفلسطيني فإن الشهادة بمعناها الغرناطي لم تكن قائمة في ذهنه إطلاقاً رغم تماهيه الشكلي معه, خصوصاً في اللحظات الأخيرة من حياته قبيل قفز والده الروحي في النهر جريحاً وغوص الأثقال به في الأعماق.
كيف نؤصل إذاً حادثة انتحار موسى الفلسطيني حين ضيّق العدو اليهودي عليه الخناق؟ هل كانت نهايته عربية إسلامية أم رومانية وثنية أم نمطاً إسبارتياً عنيداً, يقرر مصيره بيده دون اعتبار لمشيئة الله؟ أعتقد جازماً أن موسى عمران قد تغلبت عليه فلسطينيته الضالة, فضل طريق والده الشهيد موسى الغرناطي. لم يكن الإبن الوحيد الضال, فهناك أبناء وأبوات في فلسطين ضلوا قبله, ضاعوا في متاهات اتفاق أوسلو فضيّعوا قضيتهم. وانقلبوا من مناضلين سابقين إلى خونة من النوع الثقيل الذي لا تجيزه النفس البشرية مهما كانت متسامحة وحسنة الظن. واعترافه بأنه ضال كان هو الحقيقة الأهم في معرض تماهيه على طول صفحات الرواية. إن انتحاره بإطلاق النار على رأسه أخرجه من مدارات البطل الإسلامي التاريخي الذي يأكل السيف من لحمه ويشرب الرمح من دمه ولا يستسلم للعدو أو اليأس أو الكفر, ولا حتى يموت منعماً على فراشه كما يموت البعير:" كُتب علينا أن نموت شهداء أبطالاً, لا أن نموت كما يموت البعير." ص ( 85(
وعليه فلم ينل موسى عمران الشهادة التي نالها موسى ابن أبي الغسان, ولن ينعم بجنة الخلد, ولا الحور العين, ولا أنهار اللبن الصافي والعسل المُصفّى. وربما تحكي سيرته الذاتية حكاية مسيرة أبوات منظمة التحرير الذين قالوا إنهم قاتلوا العدو كثيراً ثم قرروا في النهاية المُعدة لهم سلفاً ارتكاب جريمة الانتحار السياسي والقانوني في أوسلو. وهكذا خرج الأرطبون ياسر عرفات وشلته من فلسطين دون قيد أو شرط كما خرج "أبو عبد الله الصغير" من غرناطة صاغراً ذليلاً باكياً, خرج حاكماً للبشارات باسم فرديناند وتحت حمايته. وحين التقاه على ضفة نهر شانيل ناشده قائلاً:" إن هذه المفاتيح هي الأثر الأخير لدولة العرب في إسبانيا, ولقد أصبحت أيها الملك سيد تراثنا وديارنا وأشخاصنا. هكذا قضى الله, فكن في ظفرك رحيماً عادلاً. وبعد أن قدم "أبو عبد الله الصغير" الولاء والتحيات للملكة إيزابيلا أيضاً, سار نحو البشارات, وفي شعب البذول أشرف على غرناطة, رآها فتنهد تنهيدته الأخيرة فصاحت به أمه عائشة الحُرة :" ابكي كالنساء مُلكاً مُضاعاً ..... لم تحافظ عليه كالرجال." ص (88(
وما دمنا نتحدث عن موت الأبطال ومن تشبه بهم فإنه لا يجوز المرور على موت "أبو عبد الله الصغير" مرور الكرام, فهو الأحق منهم جميعاً بالموت الذليل, والأحق من غيره من الصغار بالموت مُهاناً. أليس هو أمير القوادين الذين قرروا أن يموتوا كل يوم ميتة خانعة, غير شريفة. وإذا كان موت موسى الغسان يرقى به إلى درجات السماوات العُلا بصفته شهيد الواجب, فإن موت موسى عمران في ساحة المعركة بتلك الطريقة الدرامية السوداء جعلتني أنعيه دون أن آسف عليه. أما موت أمير غرناطة السابق فقد كان مختلفاً في معناه ومبناه؛ مات الصغير صغيراً, وهذه عدالة سماوية, ولأنه كان صغيراً في تعامله مع غرناطة المجد مات قبل أن يموت. وكان خروجه من غرناطة موتاً روحياً مسبقاً, مثل خروج آدم من الجنة.
وهذا هو الفارق الكبير بين الموت الجسدي لموسى الغرناطي, والموت المعنوي للأمير "أبو عبد الله الصغير" وطرده من غرناطة كما طُرد إبليس من الجنة, كما يبدو واضحاً في تضاعيف النص. وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه أن مرجعية الصراع في الأندلس وفلسطين كانت وما زالت دينية. يقول الراوي في ص ( 85( :" فهزيمة العرب في هذا المكان, وطردهم منه, هو التمثيل الحقيقي لطرد آدم من جنته." خرج مع حاشيته وأسرته إلى مدينة فاس في المغرب حيث عاش هناك ذليلاً. وإذا كان الأمير الصغير قد خرج خانعاً من غرناطة فقد خرج موسى الغرناطي منها متحدياً, شاهراً سيفه حتى لا يسجل التاريخ عليه أنه خرج مستسلماً. أما موسى عمران فخرج هو الآخر ملوثاً بتداعيات هزيمة العرب فيها, خرج بناءً على نصيحة الطاهر بن علون الذي حذره سابقاً من البقاء فيها لأنها قبره كما كانت قبر أجداده.
اختلفت نهاية موسى عمران كلياً عن نهاية موسى الغسان, فقد رأيناه يصوب مسدسه إلى رأسه وينتحر, وتلك ليست من شيم موسى الغرناطي, البطل المسلم. ثم هناك اختلاف آخر يكمن في عودة روحه إليه بمعجزة إلهية (درامية) كي يُكمل لنا قصته. كيف يُسبغ الله معجزاته على منتحر؟ لماذا يؤكد لنا الكاتب أن الله يرضى عمن يخالف أمره ولم يتبع شريعته؟ ومع هذا نقبل عودة روحه فنياً إلى الحياة ثانية كي تُحدثنا عن مستقبلها. أنا لست غاضباً على موسى الفلسطيني لأنه لم يستكمل شروط النصر, بل أجدني لا أوافقه على فعلته بقتل نفسه. لو قاتل حتى قتله العدو لارتقى إلى نفس العلا الذي يحيا فيه موسى ابن أبي الغسان, وستكون تلك الذروة الحقيقية في التماهي التي ما بعدها ذروة بين بطلين قاتلا وانهزما في الدنيا لكنهما فازا بحسن العاقبة. لا ضير عليه حين يقاتل الدبابة والطائرة الحربية بمدفع رشاش خفيف. فنحن جميعاً مثله لم نستكمل شروط معاركنا الحضارية والتقنية ضد العدو في ساحة المعركة؛ فضعفه هو من ضعفنا.
هناك تناقض واضح في موقف الإنسان الفلسطيني, سواء كان كاتباً أم بطلاً في رواية درامية, من مسألة القدر: فالذي ينتحر لا ينتظر الله كي يمنحه أياً من معجزاته, لأنه لو آمن بالله حق إيمانه لما انتحر. ما فعله موسى بنفسه وقت الشدة هو ما يفعله عادة البطل الجاهلي أو الإسبارتي حين يضع حداً لحياته وطريقة موته. وتلك الفعلة لا يقترفها مؤمن.
وبعد كل هذا التناقضات القائمة في شخصية البطل من القضاء والقدر, يُبشرنا موسى عمران بأنه سيعود ثانية إلينا بعد تحرره من موته, وتطهره من الاكدار التي عَلِقت بجبته قبل عودته. وسيترك جسده يحترق في حرب شارون على نابلس كي يأتي متجدداً كما طائر الفينيق. موسى لم يترك جسده يحترق بنيران شارون بل روحه. ولعمري أننا أشد ما نكون إلى قائد همام يقودنا إلى النصر, ولكن ليس بالطريقة التي يبشرنا بها موسى عمران.
إنه يناشدنا كي ننتظره وهل قدرنا أن ننتظر بطلاً ضالاً يسلك طريقاً مستحيلة لتحرير وطن مقدس؟ وكيف سينتصر لو حدث هذا؟ واللافت هنا في عودة موسى عمران العتيدة من موته إلى الحياة أنها جاءت على غير عادة القتيل في التراث العربي الأدبي. فعودة روح القتيل للحياة كانت تأتي على هيئة "هامة" مُرعبة, تستصرخ أهل القتيل بأن يثأروا لقريبهم المغدور قبل أن يجف دمه. وحين يستجيب الأهل ويثأروا لقتيلهم بقتل القاتل أو أحد أقاربه نراها تعود إلى مهجعها المجهول مرتوية من دم قتيل أهل القاتل ومغتبطة بانجاز الثأر لروح قتيلها التي خرجت دفاعاً عن حقه في طلب الثأر. الشاهد هنا أن انتحار موسى عمران جاء مخالفاً للحكم الشرعي الإسلامي الذي يمنع البطل في ساحة المعركة أو في أوقات هزيمته من الانتحار, كما جاء انتحاره مخالفاً للعادات الجاهلية أيضاً. كان يفترض بهامته أن تستصرخنا كي نثأر له من قاتليه اليهود. فماذا صنعت بنفسك أيها البطل الفلسطيني المسكين؟ لماذا قتلت نفسك, أيها المُقاتل؟
ألا تستحي من نفسك وتاريخك ودينك وحتى حبيبتك جسيكا التي جاءت تبحث عنك فوجدتك قتيل يأسك؟ ألم تُدرك بعد أن الذي يحب لا ييأس؟ ألا تخجل من أبيك الروحي, شهيد الموقف والواجب, موسى ابن أبي الغسان, الذي تماهيت معه, ونبشت قبره, وجعلتنا نبكي عليه من جديد؟ أما جعلت كارهيه يلقون القبض على ذكراه ويضعونها من جديد على قائمة الإرهابيين المطلوبين دولياً, حياً أو ميتاً؟ لقد أحرجتني كفلسطيني بفعلتك الشائنة, يا موسى عمران! أخشى أن يزعم الأعداء أن المقاتل العربي الفلسطيني يقتل نفسه في ساحة المعركة أو يبيع قضيته لعدوه في أوسلو حين يعجز عن الدفاع عنها! كلا, يا عزيزي! نحن نقاتل بالسلاح, ونناضل بالكلمة حتى ننتصر أو نستشهد, فالانتحار ليس من شيمنا كمجاهدين لأن إحدى الحُسنيين دائماً في انتظارنا عند بوابة المعركة؛ إما النصر أو الشهادة. أليست هذه جائزة كبرى لنا, يا عم؟ واسمح لي أن أقول لك إنك أجرمت في حق نفسك وحق قضية شعبك الفلسطيني, أما موسى ابن أبي الغسان, الذي قلت لنا إنك تماهيت مع شخصيته, فهو شهيد بكل ما في الكلمة من معنى.
يختم الكاتب روايته بتنويه كما بدأها بتنويه. لكنه لا يستخدم ضمير المتكلم في سرد نهايات الأحداث التي حدثت في نابلس بعد موت البطل, ثم وعده لنا بأن يقوم من الرماد ليعود ثانية كما يفعل طائر الفينيق. لا أعرف على وجه الدقة من يسرد الأحداث الختامية ولو أنه من البديهي القول إنها روح موسى عمران التي انفصلت عنه وأصبحت تشير إلى صاحبها بضمير الغائب "هو" , الذي يُعبّر عن الجسد الراحل, وليس بضمير المتكلم "أنا" الذي يُعبر عن هوية روحه فقط. لهذا اختلف ضمير السرد بعد افتراق الروح عن الجسد, من "أنا" المتكلم إلى "هو" الميت. وبالرغم من أن الكاتب لم يقنعني فكرياًً بطريقة موت البطل الراوي إلا أنه من الجائز قبول تلاعبه الروائي هذا من باب الأسلوب الفني ليس إلا. وعليه فإن الذي يصف حال الفتاة الأوروبية التي أغمي عليها هو صوت فلسطيني بالتأكيد, وأراني أقول إنه صدى روح موسى عمران القتيل, أو الكاتب نفسه إذا جاز له الدخول فنياً على مشهد الأحداث في اللحظة الأخيرة. إن الجثة التي سببت الإغماء لها هي جثته لأنها تعرف جاذبية جغرافيا جسده بصفتهما حبيبين, ومَن غير الحبيب يعرف حبيبه حتى لو أتخمه الموت بالبلاء والتحلل؟ ألم تتعرف فكتوريا على جثة حبيبها موسى ابن أبي الغسان رغم التقطيع الذي أحدثته سيوف الفرسان الإسبان الذين أثخنوا في جسده قتلاً وتمزيقاً؟ ألم تتعرف جسيكا "الممرضة" على جثة موسى عمران رغم الغطاء الذي كان يلف معظم جثته؟ فكما كانت الحيلة التي استخدمها الكاتب في استنطاق الراوي البطل بعد موته مقبولة فنياً, فنحن نصدق ما يترتب على هذا القبول الفني. نحن لسنا أمام نص تاريخي موثق بل إزاء عمل أدبي ديباجته الخيال, وسديمه التأمل, وجوهره التمثيل الدرامي.
اللافت هنا أن شخصيتين إسبانيتين قد شهدتا موت البطل الغرناطي الأب, والبطل الفلسطيني الابن المتناسخ. فهل أراد الكاتب الإيحاء أن العربي لا يشهد على موته إلا عدوه الأوروبي سواء كان موته في فلسطين أو الأندلس أو في غير مكان على وجه الأرض؟ وما هو المغزى من وراء ذلك؟ هل لأن فكتوريا أحبت موسى ابن أبي الغسان, وأن جسيكا أحبت موسى عمران؟ وهل حبهما وحربهما شرطان متلازمان مثل متلازمتي الحياة والموت؟ لماذا لم تحضر سعاد للتعرف على جثة أخيها؟ أين كانت أمه المباركة؟ ألم يكن من الأنسب أن تحضر أحداهما لتسلم جثة أخيها أو ابنها؟ ألم تكن قرية عين الماء أقرب على نابلس من مدريد التي قدمت منها جسيكا الغجرية فجأة؟ منذ متى كانت الغجرية أرحم من الأم والأخت على موسى عمران؟
ربما كانت العلاقة الوثيقة التي جمعت بين موسى عمران وموسى ابن أبي الغسان في الرواية معقدة ومتناقضة بعض الشيء وذلك بسبب الإخفاق في التماهي النفسي والتداخل الفني الكاملين بين الشخصيتين, لكن فكرة أن الماضي يتجدد أو أن التاريخ يعيد نفسه من جديد هي فكرة مقبولة في الأعمال الفنّية, ومنها الفن الروائي. كان موسى عمران الفلسطيني, قبل أن يسمع باسم ابن الغسان, شخصية منفصلة ومستقلة, وعمره الزمني مختلف عن عمر موسى عمران. وعليه فإنه يجب التفريق بينهما من أجل فسح المجال لبروز شخصية موسى ابن أبي الغسان كي تتناسخ وتهب موسى عمران جوهرها النضالي والإنساني. بكلمات أخرى فإن موسى عمران بطل الرواية الأدبية له وجهان: وجه فلسطيني معاصر وهو موسى الفلسطيني التائه, ابن فلسطين المقاوم للاحتلال الإسرائيلي, والقادم من قرية عين بيت الماء, ووجه أندلسي قديم وهو موسى ابن أبي الغسان, البطل الغرناطي المقاوم للغزو الإسباني للأندلس. وبما أن الوجه الأندلسي المقاوم أقدم تاريخياً من الوجه الفلسطيني المقاوم فإن موسى الفلسطيني يبحث عن جده الأندلسي في صفحات الأدب بعد أن عجز عن قراءة سيرته الذاتية على صفحات التاريخ, كي يسترشد به. والسؤال هنا: هل يُغني التأليف الروائي عن التدوين التاريخي لشخصية موسى ابن أبي الغسان؟ وهل سيواجه موسى عمران مصيراً مشابهاً لجده ابن أبي الغسان الذي تم شطبه من تاريخ إسبانيا؟ هل سيتم شطب سيرة موسى عمران من صفحات التاريخ الفلسطيني المعاصر, الذي يكتبه غالباً دهاقنة اتفاق أوسلو الذين شطبوا ثقافة المقاومة وكرّسوا ثقافة "السلام بدون سلام"؟ لن يقبل موسى عمران من القائمين على الثقافة والأدب العربي الفلسطيني برسم شخصيته درامياً فحسب على صفحات أدب خيالي يقوم على التأليف الكاذب, دون التدوين العلمي. وربما تحوم "هامته" حول "المقاطعة" طالباً الثأر ممن فرّطوا بدمه من أبوات المنظمة, قبل أن يطلب ثأره من العدو الإسرائيلي المتواجد في حي القصبة.
تطالعنا الرواية- من فصلها الأول وحتى الأخير- بأقوال وحكم مأثورة على ألسنة علماء نفس ومشاهير وحكام دول. فالفصل الأول يبدأ بعبارة شهيرة لعالم النفس يونغ عن ارتحال الإنسان عبر الزمن. والارتحال في الزمن يعني أننا بتنا قادرين على الخروج عن مدارات الحاضر المحاصر, والسفر بعيداً عبر حواجز الماضي, وحجب المستقبل على حد سواء. أما الحاضر فهو في العادة نقطة انطلاقنا التي لا بد منها لتحديد وجهتنا. والارتحال بمفهومه الأعمق ليس تخيلاً بل مُشاهدة تكاد تكون حقيقية, كما أنه إطلالة على زمن كان وسوف يكون حتى لو جاء أعمشاً. هكذا سافر موسى عمران إلى الماضي مكاناً حتى وصل الأندلس, وزماناً حتى عاش في القرون الوسطى حيث شاهد ما حل بالموريسكيين في إسبانيا أيام محاكم التفتيش.





تعليقات حول هذه المقاله
العنوانالكاتبوقت الإضافه

تصويت
ما رأيك بالموقع ؟
ممتاز
جيد
مقبول
سيء
نتائج التصويت

حجة بالوان العصر


لوحاتي




كتاباتي

غزل الذاكرة
زمن المرايا
وطن العنقاء
كثبان الذهب الأسود
أبو علي إياد
تأملات مصطفى صبري
الأولاد والشمس
إنشطار الذات
معركة النفق
مكانة القدس
جدار الفصل العنصري
وطني ليس حقيبة
إمبراطورية النفايات
قراءات أمنية
امرأة لا تغار
صراع لا يموت
أصحاب الملايين
صوت الذاكرة


الساعة

صدر حديثا


 
Qalqilia NetWork