إبحث عن:    
القائمة الرئيسيه
صفحة البداية
القصة القصيرة
القصص والروايات
دراسات و ابحاث
المقالات والترجمات
الكاتب يوسف العيلة
معرض الصور
شاركنا رأيك
English Site

تسجيل الدخول
إسم المستخدم:

كلمة المرور:


تسجيل
هل نسيت كلمة المرور

المقالات الأكثر قرائة
1 من الممات إلى البعث .... نظرة إسلامية تقليدية
2 تأملات - الفصل الخامس : موروثات
3 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المصادر والمراجع)
4 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المقدمة)
5 الإسلام دين الفطرة الإنسانية

الكاتب يوسف العيلة


جديد الروايات

 

صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في رام الله دراسة بحثية بعنوان " لسانيات الخطاب الشعري المعاصر ، ليليان بشارة - منصور نمرذجاً " للروائي يوسف العيلة . تضئ الدراسة بعضاً من واقع اللغة العربية في الداخل الفلسطيني . ويقع هذا الإصدار في مئة وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، وهو السابع عشر في سلسلة إصدارات يوسف العيلة النقدية والروائية .


قراءة المقاله



الراهب يعقوب - الجزء الثالث
كتبت بواسطة: يوسف العيلة - el 09/02/2011 - 1352 زوار        


وَصَلت رسالته ليلاً فقضى الراهب يعقوب تلك الليلة ممعناً النظر في معانيها. وكان أول سؤال طغى على تفكيره وهو يتفحصها سؤال جارح لم يتعوّد على طرحه مسيحي على مسلم حول مسألة هزيمة الخلافة العثمانية أو ضياع فلسطين:" هل تشعر أنكم تستحقون ما يحدث لكم في الرام, يا رملاوي؟" كأنه كان يعيد قراءة تاريخ قضية برمتها وهو يتساءل

عن مصير قرية بحجم وطن كبير, وقد هادن أهلها أوربينا طويلاً ثم بدأوا يقاومونها بلغة السلام الركيك أو بحجارة السقيفة التي تعيش خارج لغة العصر وتقانته العالية. وكان واضحاً له أن ابن أخيه جورج كان وراء مبادرة طارق رملاوي في الكتابة إليه من اسطنبول. فقد عبّرت رسالته عن المعاناة الفلسطينية التي تروي حكايات مأساوية لا حصر لها, تصف حالة قرية تشبه ظروفها النفسية والاجتماعية ظروف باقي القرى والبلدات الفلسطينية التي عانت من نفس الأفعى. وكان من السهل على الراهب يعقوب تمثل قضاياها, ورؤية ما فيها من مرايا نسطورية عانت من البطش الفارسي والاستبداد البيزنطي. فتمنى لو يلتقيه كي يهمس في أذنه كلاماً دافئاً أصدق من الجمل المكتوبة. كما استشعر عمق القواسم المشتركة التي تجمعه بهذا الفلسطيني الباحث عن حل يخرجه من أزمته الوجودية, والذي يطرق باباً قصياً لا يتوقعه القارئ, علّه يهتدي لحل يحقق له الاستقرار في وطن يترنح صباح مساء تحت ضربات الجلاد. لهذا لم يتأخر في الرد عليه بصفته باحثاً يحترم الباحثين عن الحقيقة, رغم تفضيله الحوار المباشر على أسلوب المراسلة الذي قد لا يفي بالمطلوب من عملية التحاور:
))عزيزي طارق رملاوي:
تحية الخلاص لكم ولنا:
أُعرِب لكم عن بالغ سعادتي بمستوى الوعي الذي كتبتم به رسالتكم الطويلة إلينا, رغم تحفظي على بعض العبارات التي تخللتها. فقد دُهشت لمقدرتكم على الخروج من قمقم ذاكرة ذاتكم المحلية التي كانت دائماً تَحول دون إنجاز العربي مستوى فكرياً مقبولاً يؤهله لتفكيك معادلة الصراع القائم بين المشروع الشرقي العربي من جهة, والمشروع الأوروبي الغربي من جهة أخرى على الأرض العربية. فالمعروف عن الشخصية العربية النمطية, منذ الحرب العالمية الأولى, أنها أثبتت عدم قدرتها النفسية على مجادلة نفسها أو غيرها بموضوعية علمية, فبقيت أسيرة تقوقعها على قناعاتها القديمة التي تجاوزها الزمن. وكانت مأساتها أنها لا تستطيع, وليست لديها الرغبة في أن ترى أبعد من أنفها في علاقتها مع الآخر الأوروبي, وذلك بسبب جمودها وخوفها من بطش السلالات السياسية المستبدة التي تحكمها. كما أن انغماسها اليومي بالعلاقة القبلية, واشتباكاتها الآنية مع السطحي من الشؤون حالت بينها وبين بناء مجتمع مدني تحكمه مؤسسات دولة حديثة قادرة على حمل أعباء مشروع تحرري ينهض بالأمة في المجالات العلمية والتقنية حتى لا تبقى أيديولوجية السقيفة تسيطر على عقلها الجمعي في شتى مناحي الحياة.
وقبل مناقشة حُزمة الأفكار التي وردت في رسالتكم, أود الإشارة أن ردي عليها هو شخصي بحت, فأنا لا أمثل أي من الكنائس الرئيسة الثلاث: أكانت الأرثوذكسية أم الكاثوليكية أم البروتستنتية. وعليه فإن ما أكتبه لكم هو شخصي صميم, لا كنسي عميم, كي لا يفهم القارئ أن رأيي يمثل رأي الكنيسة المسيحية ومصالحها الفكرية وقيمها الكنسية وطقوسها الكهنوتية. علماً أن جوهر الرسالة المسيحية لكل هذه الطوائف تعتبر فلسطين َمطلباً مسيحياً حضارياً رغم الفوارق اللاهوتية التي تتعلق بدور المسيحية الحضاري في الصراع القائم بين الشرق العربي والغرب الأوروبي. وحين أُشير إلى الشرق العربي فإنني أقصد روحانية الشرق التي كرّستها الرسالات السماوية الثلاث كنقطة وسطية روحية تلتقي عندها الميثولوجيا الفارسية القديمة والحكمة الإغريقية الرومانية.
ويُقِر فقهاء الحضارة الإسلامية وفلاسفة الحضارة الرومانية أن المسيحية نور ساطع انبعث من الشرق العربي وانطلق غرباً فأضاء ظلمات العقل الأوروبي. ثم انقلب أباطرة وحكام وفلاسفة الغرب الوثني على المسيحية, وتمت محاصرتها في الأديرة والكنائس وتوجوا انتصارهم العلماني عليها بقرارات مؤتمر وستفاليا في العام 1648. وانطلق العقل الأوروبي الإلحادي في فضائه الوثني دون قيد روحي. وأخذ يصول ويجول, غارقاً في وثنيته وليبراليته وانسلاخه عن السماء. وقد اختلق مقولات فكرية بررت له عدائه العميق لروحانية الرسالات السماوية التي لم ولن يرى في قيمها حلاً لأزمته الوجودية.
فمنذ دراستي في معهد أنطاليا للدراسات الشرقية ما بين الأعوام 1980-88 19, تبحرت في التاريخ الشرق أوسطي القديم والحديث, ودرست "فلسفة" الرسالات السماوية الثلاث التي ربطت الشرق العربي بالسماء من خلال لغة الوحي والتنزيل التي لم ولا يؤمن بها العقل الأوروبي. وقد تحصّل عندي عدة حقائق أدبية وتاريخية وإيمانية شكلت أساساً للحديث الرسولي عن فلسطين كونها مهبطاً للوحي ومعراجاً للأنبياء, ومنبتاً للقديسين, ومُنطلقاً للرسل. وهذا الأمر يشكل في حد ذاته قاسماً مشتركاً يجمعنا معكم وبكم, ويشكل معضلة حضارية أمام العقل الأوروبي الغربي الذي ينقم على أهل الشرق العربي بسبب البركات السماوية المتتالية التي منحها لهم دون أهل الغرب الأوروبي. لهذا هناك رغبة مُزّمنة في دهاليز العقل الأوروبي للانتقام من الشرق المحظوظ وتحطيمه بشتى الوسائل والذرائع كي يبسط سلطانه عليه. وقد جنّد, منذ وعيه بحقيقته المنعزلة عن السماء, كل طاقاته المادية من أجل الانتصار على روحانية الشرق وسحره الأخاذ, ومن ثمة سعى لتدوير هويته الثقافة كي يثبت لنا ولكم, ولأنبيائنا وأنبياؤكم, أن الله, أي مرجعية الإنسان الشرقي الروحية, ما هو إلا وهم ليس إلا. ولمّا كنتُ شرقي الانتماء, عربي الهوى, فلسطيني الحزن, وإنساني النزعة, فإنني سأتوقف قليلاً عند معادلة تاريخية أرى أنها ربطت بيننا. فأنا انتمي إلى الطائفة النسطورية القديمة التي تعود بجذورها إلى الشعب الآشوري العظيم الذي شيد إمبراطورية كبرى, ثم تشتت أفرادها في الجزيرة العربية وتركيا والهند حتى بتنا أقلية عرقية دينية غير وازنة في مجريات الأحداث التاريخية في الشرق العربي وجواره. وهذا التناثر البشري- أو دعني أقل شفير الاندثار- هو الذي دفعني للتماهي معك في موقفك من أراغوس وبيثيا. فإذا كنتم تعانون من أراغوس واحد على مر التاريخ, منذ أثينا القديمة, مروراً بروما, وحتى العصر الأنجلو سكسوني القابع في لندن ونيويورك فإننا عانينا من أكثر من أراغوس على مر التاريخ: فقد بدأت معاناتنا بالغازي شابور الفارسي, ثم أراغوس البيزنطي والروماني. فإذا كان لكم "نصيب واحد" من الغزو الأوروبي فلدينا "نصيبين كبيرين" من الغزو الفارسي والأوروبي.
عزيزي طارق رملاوي:
لقد وجدتُ رسالتك زاخرة بالعتمة والمعاناة ولم يسرّني مضمونها كثيراً. فقد أحزنتني كل كلمة فيها, فنحن- الفلسطينيين والنسطوريين- مستنسخين عن بعضنا الآخر في بلاد ينتصر فيها الشر على الخير مؤقتاً. وهذا راجع إلى حقيقة أن تاريخ شعوب الأرض المقدسة مجبول بالاستبداد والطغيان رغم قداسة التعاليم السماوية التي لم تستطع منع ارتكاب الجرائم وسفك دماء الأبرياء في الأرض المقدسة أيضاً. كنت أتمنى لو تمكن جدك من ملاطفة تلك الأفعى أكثر, وإقناعها بالتعايش السلمي, ولو أن مهمته ستكون صعبة التحقيق. وأصدقك القول إنكم مدينون للحضارات المجاورة بدَين ثقيل, فحين كنتم أقوياء غزوتم أرض الصين, والقوقاز, والأندلس, وقضيتم على الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية, وقاتلتم الإمبراطورية الصينية والنمساوية, وأبدتم قبل هذه وتلك دولتي الغساسنة والمناذرة الذين كانوا من أبناء جلدتكم. تاريخكم مثقل بالديون للآخرين, والأفعى التي حدثتني عنها في رسالتك كانت تجسيداً لدين الآخرين في ذمتكم أكثر منها ترميزاً لحيّة آدم التي كانت السبب في سقوطه من الجنة. لهذا حين بدأت أكتب رسالتي هذه قفز سؤال كبير من عقلي الباطني, وطغى على تفكيري من أول وهلة ألا وهو:" ألا تشعر أنكم تسددون ديناً قديماً ورثتموه عن أجدادكم حين كانوا غزاة وفاتحين؟ هل ما جرى ويجري لكم هي فاتورة قديمة يتم تسديدها, على دُفُعات, بأثر رجعي؟ أعرف أن العقل الأوروبي أضاف عليها استحقاقات إضافية باطلة, وحقوق وهمية أخرى, لا أصل لها, ألا وهي زعمه بأن له حق تاريخي في الأرض العربية قبل أن تُصبح مُقدّسة. وجاءت عدوانيته كي تحقق له ما يدّعيه من حق تاريخي ورثه عن أجداده الإغريق والرومان الذين احتلوا هذه البلاد يوماً من الأيام وحكموها بالحديد والنار.
أعجب حين أتذكر أن جدتي تيريزا كانت تصف ذلك الذئب القابع في قبو مدينتنا بالمبارك, فأشعر بالخجل لجهلي بما كانت تقول:" لِمَ وصفت القديسة تريزا ذئباً يحتل كهفنا ويقتل خرافنا بالمبارك؟" لقد كنتُ أخشاه مثلما كنتَ تخشى أفعاكم. وكان كلامها يرعبني, ويفت من عضدي, ويجعلني أسكت على مضض دونما سبب مقنع. كما أنني لم استطع فهم سر تناقض سلوك أهل مدينتنا اتجاهه وهم يتناكفون في الشوارع حول سبب ومغزى وجوده بيننا. وتقول روايتنا:" إن ذئباً فارسياً جاء بصحبة الغازي شابور الفارسي, مثلما جاءت أوربينا بحماية أراغوس السكسوني. ثم انحسر خطر جيش الغازي شابور, وبقي الذئب متخفياً عن الأنظار في كهفنا أعلى الجبل منذ ذلك التاريخ." وفي المقاربة بين روايتينا عن قضيتينا فإن أهل نصيبين كانوا مثل أهل الرام ضحية غزو. لماذا كانوا يقللون من خطر الغازي لدرجة أنهم لم يعودوا يعتبرونه مشكلة تستدعي الحل؟ ولماذا كان بعضهم الآخر يَعمد إلى تضخيم خطره دون وجه حق؟ هل كان ذلك التهويل خدمة له كي نخاف منه ونترك له بيوتنا ؟ إن السماء لا تفرق بين حق يغتصبه ذئب فارسي, وحق آخر في مكان آخر يسرقه أراغوس سكسوني, وتغتصبه أفعى أوروبية الولاء.
أعترف أنني كنت في طفولتي مثلك, يا رملاوي! لا أجرؤ على طرح أي سؤال هام على أبي أو أمي من شأنه أن يُدين حكاية القائد الفارسي شابور الذي حاصر في يوم من الأيام مدينة نصيبين. كنا ضحايا تربية طورانية مستبدة, لا تجيز للفرد حرية التعبير خوفاً من الخازوق الذي كان ينتظر كل متهم بالتآمر عليهم. كان الحديث عن استبدادهم "تابو" اجتماعي, وضرباً من الجنون لا طائل منه. كان موقفنا المتردد منهم يشبه موقفكم من المختار المستبد الذي انحاز إلى بيثيا وأراغوس وقاتل ضد أبناء شعبه. كنا نحن أيضاً مسألة فيها نظر:" إما أن نكون سوانا ونتخلى عن عقيدتنا المونوفيزية في طبيعة المسيح أو نتعرض للإبادة من قبل إخوتنا في الدين أو أعدائنا في الوطن."
لقد تعالقت ذكريات طفولتي مع سيرة ذلك الذئب الفارسي الذي كان يهددنا على مر التاريخ, مثلما تشابك شبح أفعاكم مع طيف جدك وجدتك وأبيك. فقد وجدتني متورطاً بحكايته. وحين تابعت بحثي فاض علّي بحر من تساؤلات مللت منها:" لماذا كان ذلك الفارسي يغزونا دائماً؟ هل كان يأتي من أجل فتاة كنت انوي الزواج منها أم أنه كان ينوي افتراسنا واحداً تلو الآخر؟" كانت أمي تخشى قدومه لبلدتنا, وكان أبي يردد موقف والده جرجي من ذلك البربري الذي لن يجرؤ على الاقتراب منا لأن الله معنا. كان يقول:" الذئب الفارسي غبي وجبان, لكنه إن جاع فتك. كان يخبئ صغاره نهاراً في الكهوف المجاورة لبلدتنا ثم يُطلقها كي تنتشر ليلاً بحثاً عن لحم بشري تلتهمه."
وبسبب تورطي المبكر في البحث عن الجانب الشرير في بني البشر, الغامض ليلاً, والقديم الملتبس نهاراً, فقد تعودت أن أصول وأجول في صفحات التاريخ, وأديم النظر في زوايا بلدتنا المسكونة بروحه من أجل أن أستكشف هيأته. كما حاولت البحث عن بعض جرائه كي أحاورها علّها تنصت لدعوى الخير والسلام, بدل القتل وإشعال النيران بين البشر, لكن دون جدوى. لم أفلح في مسعاي لأنني كنت أخاف من ذلك الجرو الذي يعبد النار. كانت أمي تحذرني من بعض أنواع الذئاب الغريبة التي تطير ليلاً وعلى رأسها طربوش أحمر, أو تحمل في يديها قوساً ونشاباً نهاراً لقتل بني البشر, ثم تختفي تحت الأرض, قائلة:" احترز يا بني من الذئاب حين تخَرج ليلاً, قد تتخطفك وقت السَحَر! واحذرها إن مشيت حافياً وقت الظهيرة, فربما تعضك من بطن قدمك فتقضي عمرك أعرجاً! أحترس! لا تنظر إليها طويلاً حتى لا يساورها الشك في طيب نواياك, فتراودك على نفسك. وقد يهاجمك آخر أو يوكل مهمة افتراسك إلى أحد جرائه في نصيبين!" وزاد خوفي من الليل والهوام منذ شاهدت جزءاً من جسم ذئب مهول, كان يجول تارة, ويقعي تارة أخرى كأنه كان في دورية حراسة على أطراف بلدتنا الشرقية. ثم عرفتُ لاحقاً أنه كان قد انتهى من افتراس حمل وديع, بعد أن انقض عليه فجأة بينما كان ينتظر عودة أمه إليه. يومها رددت أمي حرزاً تعلمته من جدتها عن عادة النسوة في نصيبين حين كانت الواحدة منهن تهدهد طفلها في حضنها وهي تقول:" كفاك الله شر الشيطان, والثعبان, والسلطان."
ما زال ضميري يؤنبني لأنني عجزتُ يوماً عن إنقاذ ذلك الحمل الوديع من بين فكيه المهولين, وهل كنت أقدر أو أجرؤ على مصارعته حتى أقوم بهذا العمل؟ تذكرت قول جدي جرجي:" خوفي من الذئاب مثل كرهي للغزاة وخصوصاً الفرس والبيزنطيين وأباطرة روما الذين احتلوا مدينتنا وتحكموا بنا, كان هؤلاء بالنسبة لنا ذئاب كاسرة". بكيتُ يومها مرتين على شهداء نصيبين الذين سقطوا أثناء حصار شابور الفارسي. خفتُ أن تفقدني أمي كما فقدت والدها أثناء حراسته أسوار نصيبين المتخيلة التي صمدت في وجه الذئب الفارسي. لهذا اكتفيت بما تخيلت, ونجحت في معاينة عدونا الذي كنت أبحث بصمت عن طريقة لهزيمته. لكن انتصاري عليه كان غير ممكن؛ فقد كان فكه كبيراً, وجلده مرقطاً, وعيناه جاحظتين, وجسمه ضخماً. كان رأسه مثلثاً, يندلع من جزئه السفلي المدبب لسان طويل بشعبتين, ويلتف على فكه الأسفل كأنه يداعب هويتنا التي كانت في مهب الريح. كان جسده يتماوج أمام ناظري مثل صينية قش مدهونة بزيت الزيتون الصافي التي تشبه ذاك النوع من الصواني الذي كانت تنسجه أمي من قش القمح في مواسم الحصاد. والأهم مما ذكرت أنه تحول إلى ذئب ذهني مُتخيّل لم استطع الوصول إليه فاكتفيت بالركون إلى يسوع الفادي كي يخلصنا من شره, وفعلاً شعرت بالراحة.
يا إلهي كم كان ذلك الذئب مُتناقضاً: مُرعِباً وجميلاً في آن واحد! كان مثل راهب حبيس يرتدي ثوب قديس تم تطويبه على عَجَل قبل أن يحل ظلام تلك الحقبة من تاريخ مدينتي. كان جميلاً كأنه نمر آسيوي, لكن أحداً من أهل بلدتنا, البالغ عددهم أربعين ألفاً, لم يكن يثق به, إلا أمي, وأحيانا أنا! هل سمعت بشخص سعى لمشاهدة ذئب شغل أهل بيته طول الزمن؟ قام صياد من بلدتنا ويُدعى كمال أفندي برصده على مدار شهر كامل. وفي أحد الأيام تمكن من قتله. عم الفرح مدينتنا, لكن سرعان ما تحول الذئب إلى شبح متعدد الهيئات. كما اكتشف أهل نصيبين أنه مات جسدياً لكن هيئته المرعبة ما تزال تسكن ذاكرتهم.
توالت أصداء مقتل الذئب الفارسي في عقول وقلوب السكان, رجالاً ونساءً. ثم أدركتُ تدريجياً أمراً لم أتوقعه من قبل. تحوّل الذئب إلى خرافة سكنت قلوب نسوة المدينة اللائي أظهرن إعجاباً لا نظير له بقوته! كانت قوته تُثير غريزة الأنوثة فيهن, هل تُصدّق هذا الكلام من راهب قرر منذ زمن بعيد قمع غريزته وحبسها في دير قصي, لا تصل إليه رائحة امرأة؟ لم أكن ضعيفاً حين استنكفت عن ممارسة الجنس بل أردتُ أن اثبت لنفسي ولغيري أن القوة الحقيقية تكمن في أن يَقمع الإنسان قوة الشر في داخلة. وهكذا حلت المحبة في نفسي محل القوة التي تغري صاحبها بممارسة العدوان. كان جاري كمال لا يخاف الذئاب, كان ذا بُنية قوية, تجعله يطارد كل ما يصادفه من حيوانات كاسرة تتواجد حول بلدتنا الحدودية.
بَدَت مدينتنا في أمَسّ الحاجة إلى من يُخلّصها من ذكرى ذئب أنجب ذئاباً لا تُغادر ذاكرتنا الجمعية لحظة واحدة. خطرت على بالي فكرة مغازلته:" لماذا لا تُصادقه بصفتك أحد المستهدفين من قبله منذ أيام شابور الفارسي؟" اكتشفت بعد طول معاناة, أن ليس هناك لذة ذهنية تستهويني مثل تلذذي بمحبة نقيضي. ثم غازلت في يوم من الأيام أنثى ذئب تشبه نمرة:" ما أجملك أيتها الشقراء الفاتنة! لو كنت جسوراً مثل كمال أفندي, صياد مدينتنا, لتمددت بجانبك تحت شجرة السنديان تلك التي تتربعين في ظلها معظم أيام الصيف!" لم تستجب لندائي فتراجعت خطوتين إلى الوراء, وحين ابتعدتُ عنها سألتها:" لِمَ تعيشين وحدك صامتة, أيتها الأرملة الحسناء؟ اخرجي للنور والضياء! ألم تصلك رسالة سلام من أبرشيتنا بعد؟ لقد أحببتُ صوتك وصورتك عن بعد.... كلميني ولو عواءً, يا جميلتي! رسالتي لك مقدسة؛ أُحبك ولو كنت تضمرين لوطني وبلدتي الشر, وتريدين الفتك بشعبي."
يومها عُدتُ القهقرى, جلستُ القرفصاء بهدوء في صحن كنيستنا بعد أن أبصرتها بوضوح تام. لم أُدرك قصدها من تلك الزيارة: هل كانت تتهيأ لافتراسي أم جاءت تبحث عن زوجها الراحل؟ كنتُ أمامها صامتاً مثل الذكرى كي لا يفسد صوتي صدى المحبة المنبعث من محراب يسوع الناصري. كان جلدُها الذهبي المرقط أجمل من عباءة مُذهّبة ابتدعها خياط تركي ماهر. كان يصلح أن يكون فستان زفاف لامرأة جميلة أحببتها يوماً ولكنني أخفقت في الزواج منها فحرّمت على نفسي الزواج من غيرها. كانت راهبتي أجمل عرائس بلدتنا وأكثرهن أنوثة. رأيت حناء عرسها أبدياً, لا تمحوه مياه ينابيع الأرض ولا مطر السماء. كان لونه احمر قاني, يخضب جيدها الأملس الطري, كأنها كانت تنتظر قضاء ليلة حب مع عاشق عجمي يشبهها أو تشبهه في اللون والرائحة والهوية. اعتقد أن تلك الذئبة أجمل من أوربينا. كنت أرى ذئباً عجمياً غريباً, يشبه النمر, يأتيها ليلاً متسللاً كي يسافدها. تخيلتها تقضي معظم أيامها مسترخية في كهفنا الآدمي كأنها تستلقي على شاطئ ذهبي اللون في انتظار مخلص يطهرها من خطيئة موروثة. لم ير أهل مدينتنا مخلوقاً أجمل منها أو حتى مثلها. ثم أدركت أمراً آخر, ألا وهو غيرة نسائنا من جمالها. وأحسست يومها أن ألوانها الزاهية ستثير حتماً غريزة جدي جرجي لو كان حياً, وأن جسمها الظريف سيستفز ذكورة أراغوس الذي عذًب رهبان كنيستنا الذين انتصروا في غير ساحة الوغى على شابور الفارسي وأباطرة بيزنطة. ويقال إن بطنها الضامر ومؤخرتها العريضة كانت تشعل ذكورة رجال الإنكشارية الأتراك الذين كانوا يحبون هذا المقاس من الجمال. وحين كان يراها الباشا يرمي طربوشه جانباً, ويفك إزاره ويهجم عليها مثل الثور الجامح, ثم تنشب معركة الفناء بين مخالب القوة ومغريات الجنس.
كنت أراها على غير حالها مع الباشا الزير, كانت تخجل من همس كلامي الدافئ, فتطأطئ رأسها, ثم تدفنه بين يديها حياءً من رهبنتي, كما تفعل العروس الشرقية مع عريسها في أول ليلة يلتقيها. هل رأيت الفارق الجوهري بين مَن يُحب عدوه وبين مَن يسعى لقتاله؟ فمن لا يُحب إلا نفسه لا يستطيع أن يحارب عدوه, ومَن يحارب بلا حب للآخرين يُهزم. فاتعظ, يا رملاوي! وإذا شاء الله لكم أن تنتصروا على أوربينا فلن تحققوا هذا النصر قبل أن تملأ المحبة قلوبكم. هل سألت نفسك يوماً إن كنت محباً لغيرك أم لا؟ هل كنت تحب أباك وأمك وجدتك وجدك؟ أنتم العرب تفتقرون إلى قيم المحبة لمن حولكم كي تعمّروا الإنسان في دواخلكم, وتتخلصوا من ثقافة السقيفة التي تحتلكم منذ انتخاب "أبو بكر" خليفة لكم. وحين تعمرون إنسانكم بقيم التحضر والمدنية والوفاء والولاء والنظام القائمة على الحوار الحقيقي فلن تبقى سقيفتكم محتلة. الذي يحتلكم هو واقع سقيفتكم الخرب الذي أغرى أوربينا بالدخول عبر شقوقها المُفتّحة على مصراعيها. ألم يستطع أجدادكم ترويض الذئب المغولي الذي احتل بغداد وقتل الخليفة ودمر مكتبتها الكبرى؟ ألم يتحوّل جراؤه عن بربريتهم واعتنقوا الإسلام بسبب عدالة ومحبة أهل الإسلام في ذلك الزمن؟ كانت معجزة في التاريخ البشري أن يتحوّل الجرو المغولي إلى مؤمن يعبد الله, أليس كذلك؟ ولم تكن معجزة أن يقوم جنكيز خان وجروه هولاكو باحتلال مدينة بغداد وتدمير مكتبتها, وقتل عشرات الآلاف. وربما تسألني:" وهل كنتم مثلنا مسكونين بالخراب حين نجح الذئب وتلك النمرة في احتلال ذاكرتكم؟ وما دمتم اليوم مثلنا مصابون بداء الخراب فهل أثمرت محبتك لعدوك ثمراً طيباً؟"
أقول لك إن نَمِرتنا تختلف عن عدوكم في هدفه وليس طبيعته, فالشر يبقى شراً مهما تنوعت صنوفه وأساليبه. كان ذنبها يداعب مؤخرتها المستديرة برفق وحنان, كأنه أفعى من سلالة الكوبرا الهندية, التي تختلف عضوياً عن الثعبان أراغوس ذي العين الواحدة. لم تظهر على جسمها الناعم علامات زنا كما كان يزعم أهل اسطنبول الطورانيين غداة كل زيارة يقوم بها أحد الباشوات إلى مدينتنا الجبلية, ولا إشارات لؤم دفين في عينيها بدليل أنها نظرت إلي نظرة طبيعية, تخلو من الشر أو العتاب. هكذا رأيتها, وهكذا تعلمت أن أرى عدوي. لم أسمع عواءها أثناء استجابتها لي أمام كهفنا النسطوري القديم, كأنها كانت تنتظر دخولي عليها لكنني تمنعت, لأنني أحببتها بطريقتي المسيحية الخالصة, كما يحب المؤمن عدوه. كما أنني لم أستغرب من كبوتي العاطفية أمامها لأنني عرفتُ كيف ومتى يُهزم الشر أمام صفاء القلب. هل رأيت, يا صديقي, كيف ينحني الشر أخيراً أمام روح السلام ولو طال الأمد؟
لقد وجدتها مُحِبة أيضاً بالرغم من أنيابها ومخالبها المَهولة؛ كانت طيبة القلب, راضية النفس, وظريفة الخُلُق والخِلقة, وصادقة الحديث. كانت رقطاء الجلد, خفيفة الروح, كأنني كنت عرابها منذ كانت طفلة ثم بقيت أحبها دون أن أعلم أن باستطاعتي أن أحبها. اعتادت أن تتسلل ليلاً من كهفها إلى غرفتنا, دون أن تؤذي أي فرد من أفراد أسرتنا. كانت تخشى من قوة محبتنا لها, فلم تقتل لنا دجاجة أو بقرة, كان عمادنا المقدس يحمينا من شرها. لم تبتلع أي من فئران حقلنا المجاور, أو طيور الحجل التي كانت تحط على قرميد بيوتنا في نصيبين. بعد أن أبهجني جسدها البرّاق الناعم, المدهون بزيت الزيتون, تمنيتُ لو تبقى في كهفنا طويلاً كي تداعبها مخيلتي وتباركها روحي, حتى أستمتع بخلاصنا من عدوانها. ساكنتني هيئتها الجذابة فدفعتني لمساعدتها في كشف مصير ذئبها الذي كان يغافلنا في الليل كي يفترس خرافنا البريئة. كان المرحوم يعتقد أننا نضمر له العداء وننوي قتله, فلم يكن يثق بحكايات من سبقني في هذه المدينة عن قصة حبنا لأعدائنا الذين تعاقبوا على كهفنا الآشوري القديم. أردت أن أعاين عدوي بنفسي, دون مبالغة أو تدليس. كأنني أصبحتُ فارساً في ساحة حب يتمنى رضا عدوه الذئب الذي كان يتحداني بصمت. لم أعد أعرف طبيعة مشاعري الطيبة نحوه, لكنني بت متأكداً أنه يُغريني بالبحث عن أصل الشر في نفوسنا القابعة في كهوف أجسامنا. بعد أن تعرفت على أنثاه رأيت في عينيها تلك المرأة التي كنتُ أتمنى الزواج منها, وهيئة أمي المباركة, وطيف جدتي الحضارة, وناموس عقيدتي "المونوفيزية" ذات الطبيعة الواحدة. كان حبي لها خلاصة نقية لما كان يجول في خاطري من دخان الخليقة الأولى, قبل أن يسكن الشر في قلب بعل, إله الشرق الوثني, إله الرعد والبرق. رأيت في عينيها أمواج طوفان نوح النبي, وومضات نار مجوسية تحاول أن تحرق أحشائي بسبب حسرتي على سفك دماء البريئين في نصيبين.
كنتُ أشعر بالأسى لإيمان أهل مدينتي بخرافة التنين الذي يطير بلا أجنحة, ويسير على الأرض كما كان يمشي الذئب, وله عينان جاحظتان, ويغزونا متى يشاء. كان ابن كنيستنا, الخوري سمعان, الطاعن في السن, يقول:" رأيت في منامي تنيناً وثنياً, يجوب الأفق الممتد بين اسطنبول والقدس. كانت له عينان كشريحتي بطيخ حمراويين, ثم تحولتا بعيد فجر يسوع المسيح إلى شريحتي شمام ذهبيتين, كأنهما كانتا تنتظران راعياً مجوسياً يأتي من الشرق ويحمل خبراً ساراً عما يجري خلف تلتنا الشرقية في مدينة المهد المقدسة, المحاصرة من أربع جهات." كانت بشارة سمعان الناسك تفرحني, وتمنحني الأمل في وضع حد لتصورات أهل مدينتنا عن عدونا اللئيم الذي يشبه التنين القبيح الذي يعيش على ترابنا المقدس, وداخل مدننا المباركة, منذ القدم. كان أبي دائماً يشير, باستحياء, إلى مكان وجوده المفترض خلف تلك التلة الصخرية البعيدة, التي تشبه قلب الإنسان, والواقعة في الجهة الجنوبية من كنيسة القيامة في مدينة القدس. كان يقول:" انظروا! سيأتي فادينا من هناك, حيث كان يختبئ الذئب الذي حاول سرقة روحنا الجميلة." وقال لي صدى صوت جدي بعد أن اختفى طيفه في أزقة نصيبين القديمة:" ألا ترون ما سيفعله التنين الوثني بكم؟ أنظروا في دواخلكم! إنه ينبت في قلوبكم, يرتوي من دمائكم, ويقف مع أوربينا الغربية ضدكم, ثم أراكم تهربون منه, هل رأيتم كم أصبحتم ساذجين؟ أما زلتم ترون عدوكم بعيون ذئب كاسر؟ أما زلتم تخافون من العيش بين فكي نمر فارسي وثعبان وثني؟ لماذا جعلتم من شر زائل قضية مُلتبسة المعني والمبنى, هلا منحتم أنفسكم بشارة الخلاص منه؟"
لم يلتفت كاهننا الكبير, أسقف أبرشية مدينة نصيبين إلى حادثة تلصصي على أنثى الذئب الفارسي وهي مسترخية في الكهف, لاعتقاده أن وجودها من أساسه كان وهمياً. ولم يرغب في سماع حواري مع طيفي جدي وأبي. فعاتبني قائلاً:" أنتم خلقت هذا الشر, استقيموا في عموديتكم تعود إليكم بيوتكم المُحتلة, وعافية نفوسكم, وصحة أجسامكم!" ولم يهتم أبي بها على اعتبار أن أحداً منا لن يجلب له خبراً ساراً عنها غير ما يعرفه من الإنجيل. يومها كدت أحتج بصوت عالٍ على أبي لعدم اكتراثه بما قمت به. كنت أظنه سيهتم كثيراً بخطوتي الجريئة, لكنه أبدى استغرابه:" كيف عشنا دهراً بحالة خوف بسبب وحش زائل؟ لماذا خشيناه ونحن نعرف حقيقته وأهدافه؟" لكنني لم أجرؤ على الاعتراف له بحواري معه خوفاً من غضب أهل بلدتنا الذين استسلموا لوجوده دون رغبة في مقاومته بالمحبة الصادقة.
كانت رواية جدي جرجي عن ماضي الوحش الفارسي في مدينة نصيبين أقل خشونة من حكايات أبي عن الثعبان الوثني القادم من أثينا. لقد قاما بدورً بارزٍ في التوأمة بين وعيي وذاكرتي فأصبحت أحلامي شبه متماثلة. وربما يكون هذا هو التشابه الأساس بين ذاكرتي وذاكرتك. ومع هذا رأيت فيهما مصدراً تاريخياً متواضعاً رغم أنه لم يستطع الإجابة على كل أسئلتي المهمة. كما وجدت في شخصية أبي المادية معنى مزعجاً لا يفسر لي الحكمة من سكوته على احتلال كهفنا. مرت الأيام, ولم يدر في خلدي, كمسيحي نسطوري, أن توالي عواء الذئاب المُستبدة بات جزءاً ضرورياً من واقعنا وتصورنا للعالم من حولنا, حتى لو نال من هيبة آبائنا القديسين الذين قبلوا العيش تحت وطأة ذئب مجوسي غامض الهوية, وإمرة ثعبان أوروبي أبرص تَحكَم في مصيرنا لأياً من الزمن. ولولا تلك الدموية المزدوجة في التعامل معنا عبر التاريخ لقلت إن أحلامي في نصيبين كانت هادئة, وإنها لم تعاني كثيراً من الاحتلال والاستبداد. وحين كنت استعيد صوتي البريء كنتُ أتساءل:" لِمَ أضعنا الحمل البريء في دواخلنا؟ ولماذا نشكوا اليوم من ثعبان يحاصرنا, وذئب يحتل نفوسنا؟ أنتم ونحن مَن أنجب عدونا الشرير, ذئبنا وأفعاكم هما من زرع وهم الشر في رحم زوجاتنا وأمهاتنا, فهلا استيقظنا من فحيح معاركنا المستمرة!"
لو جاز لي تحميل نفسي مسؤولية تفشي الشر في عروق عدونا لفعلتها وما شعرتُ بوخز من ضمير. سأتهِم كل مَن لم يجرؤ يوماً على القيام بواجبه في تحمل بعض أسباب الغزوات التي نفذها أحفاد شابور الفارسي وثعابين أراغوس الإغريقي, بالمتآمر على نفسه. لم أحاسب عميلاً في بلدتي لتآمره على هدم سور مدينتنا إبان محاصرتها من قبل شابور, ولا اتهمت ضابطاً انقلابياً بسبب تقصيره في حمايتنا من عضات الذئاب الكاسرة. لهذا تركت عالم الدس والوقيعة للأشرار, واعتدت مع أترابي على الهرب إلى عالم تسوده المحبة كي لا نتصادم مع مَن هم أقوى منا مؤقتاً, الذين يحكمون قبضتهم على مجتمعنا الشرقي الذي أمسينا فيه أقلية عرقية ودينية. ثم قررت أن أترهبن من أجل البحث عن أصل الغزو الوثني الذي يعاني منه المسلمون والمسيحيون واليهود في الأرض المقدسة.
كنا نذهب للصلاة والاستماع إلى عظة الأحد. وكانت المفاجأة أنني اكتشفت أننا نسير في طريق التلاشي والاندثار المؤقت. كان لروايتنا التاريخية هوية مأساوية جعلت منا مصيدة التاريخ بسبب موجات الغزو والعلمنة والإلحاد التي اتخمنا بها أتاتورك. لم تستطع طائفتنا الوقوف في وجه ثقافة العلمنة الأوروبية التي أذابت أو كادت الجزء الأكبر من موروثنا الروحي الشرقي, كانت تلك مأساتنا في الشرق الذي ضاع منا مجده بسبب توالي الحصار والتذويب الثقافي على مر العصور. وأخشى ما أخشاه أن يكون مصيركم في فلسطين مشابه لمصيرنا في نصبيبن والموصل. ضاق علينا مكاننا وزماننا ولم يعد هناك متسع للاستمتاع ببراءة الحمل الذي لا يخاف الذئب. حين كان جدي يروي لنا حكاياتنا الشعبية كنا نألف عالمها لدرجة اعتقدنا أنها تكفينا شر ضياع الأوطان. لم نوفق في ظننا ذلك, وبدت رواية أبي للأحداث تؤكد أن حكاية الذئب في محافظة الجزيرة والثعبان في فلسطين تتشابهان. ألم يكن أجدادنا وآباؤنا يخافون أراغوس القادم من دلفي أكثر مما كان يخافهم؟ مَن المسؤول عن ضياع هيبة البراءة فينا؟ ألم تكن أجيالنا العلمانية تنكر علينا القيام بعمل مسيحي حاسم للحفاظ على منابعنا الروحية؟ فلماذا أتوقع من أجيالنا القادمة أن يكونوا أشجع منا؟ وما الضمانة أن نورثهم المسالمة التي ورثناها عن آبائنا القديسين ولم يحترمها الخصوم؟ لم أرغب يوماً في أن أكون داعية قتل وسفك دماء, وأكره أشد الكره أن أورّث من يأتي بعدي ما ورثته عن أبي وجدي من حزن, لكنني انظر إلى الغد بتفاؤل قل نظيره.
كادت بُشرى خلاصنا من ذئب شابور أن تتحقق في يوم من الأيام حين قتله الصياد كمال. باتت هيئته تطل برأسها من الكهف في الظهيرة دون هدف واضح. وبدأَت تتحرك في زواياه باستعراض للوهم الذي يراه الأشرار حقيقة واقعة. طلبت من الأهالي عدم استفزازها, واعتبار صولاتها مجرد تمارين رياضية, يحق له القيام بها حفاظاً على رشاقتها وجمالها. اقتنعت أقلية من السكان في مدينتنا برأيي, لكن غالبيتهم استنكروا موقفي منها. عادت قضيته تحتل عناوين الصحف, ومجالس الناس فقرر بعض الأشقياء مهاجمتها بالأسلحة النارية والعصي للخلاص من شرها, على اعتبار أنها الذئب الهول. برروا موقفهم قائلين:" هذا هو نصيبنا في نصيبين, قدرنا أن نقاتل الشر حتى لا ينتصر علينا. إن تقلّب مزاج الشر وهيئته في الشرق مسألة خطرة, ويجب علينا الحذر منها, فالذئب لا يلد إلا ذئباً والأفعى لا تلد إلا أفعى."
كدتُ, يا صديقي طارق, أصّدقهم أن الخطر الذي داهمنا ليس له حل سوى القوة, لكنها لم تجدي نفعاً معها. فقد هربت كل الذئاب من الكهف ساعة الهجوم, ثم غافلتنا في ليلة حالكة الظلام وعادت إلى سيرتها الأولى فقتلت منا عشرة نفوس: بين طفل وامرأة ورجل. سمعت صدى صوت يسوع المسيح يؤنبنا:" ألم اقل لكم أحبوا أعداءكم!"
لقد شعرتُ بارتكابنا خطأ جسيماً. صارت, منذ تلك الحادثة, أزقتنا أكثر اعوجاجاً من ذي قبل. وبات من الصعب التآلف مع بيوت نصيبين المهترئة, وسكانها السُذج فازدادت قناعتي بفكرة الرهبنة علّها تخلصني من شرور الواقع الذي نعيشه. ثم اكتشفت أن بعض سكان مدينتنا متواطئين مع الذئاب ضد من يريد مقاتلتها. لكن قد يسألني مَن يهتم بقصتي :" كيف كان الناس يتآمرون مع الذئاب, يا أبانا الراهب؟" سأجيب:" كان "أبو نفخة" التركي يسرق من حواكير أهل نصيبين حملانهم وأغنامهم ليلاً, ثم يبدأون بإطلاق النار الكثيف في الهواء حتى يختلط حابل الغنم بنابل الذئب, ثم يدوّي صوت رصاص رجال المختار, فتضيع أسباب سرقة الغنم." كانت تلك أحط مؤامرة صادفتها في حياتي كلها:" يا إلهي كم كانت الذئاب بريئة بالمقارنة مع هؤلاء الثعابين الذين يخططون لمعارك وهمية مع الذئاب الحقيقيين كي يغطوا عمليات نهب قوت الشعب وإلصاق التهمة بذئاب الغاب! ثم أراهم يستفزون الذئاب, ويقتلون بعضها كي يعطوا قطعانها المتبقية المبرر كي تفتك بنا. الشر, يا صديقي, لا يُقابل بالشر دائماً, ربما تكون مهادنته أبلغ أثراً من مصادمته."
منذ تلك اللحظة اكتشفتُ أن لدينا نسخة أخرى عن مختاركم "أبو نفخة الرملاوي" الذي كان له مصلحة في تأجيج العلاقة الملتبسة مع أراغوس وأوربينا. كيف لي أن آلف مدينة يتواطأ مختارها مع عدوها على سرقة حاضرها ومستقبلها في وضح النهار؟ والأنكى أنني بدأت أرى كل شيء فيها رثاً ومهزوزاً, فصرتُ أتخيل بيت جدي جرجي يزحف في الليل زحف السلحفاء اليتيمة, خوفاً من هجوم وشيك تنفذه الذئاب على ساكنيها الأبرياء. ثم تراني أراه يُحلّق فجأة بلا أجنحة حين يشتد خوفي, وتتحول سقائفه إلى عفاريت عمياء تبحث عن شخص يشبهني فاصرخ:" ماذا تُريد الذئاب منا؟ ألا تسمعون صراخنا؟ ألا تألمون لجراحنا؟ هل تريدون تهجيرنا من أرض أجدادنا؟" كان صمودي في وجهها قدراً لا مفر منه حتى أتعلم من حواري معها ما لم أتعلمه من تجربة مَن حاربوها قبلي ولم ينتصروا عليها. مَن يُصدقُ زعمي أن بيتنا الذي ورثه أبي عن جدي, وورثته أنا عن أبي كان في يوم من الأيام يرتجف خوفاً من ذئب فارسي كان يعيش في كهفنا النسطوري طيلة قرون عديدة؟ كان رقصه بطيئاً مثل حركة فراخكم البريئة.
لِمَ كنتُ أرى بيوتنا في ذلك الزمن المُلتبس ترتجف؟ أم أن الذي كان يهتز هو خيالي الهارب من خطيئة وأخطاء أهل مدينتنا؟ لم أكن أُحبّذ مفاتحة أي من أبناء رعيتنا بضرورة الوقوف في وجه وكلاء الذئب الفارسي أو التنين البيزنطي, فتلك ليست مهمتي. وكنت أخشى أن يتهمونني بالجبن, وعندما كبرت وتركت جنوني خلفي قررت أن اعترف في هيكل كهولتي بخطاياي التي ورثتها عن جدي وأبي, عسى أن أبرئ نفسي من مسؤولية العيش مع ذئاب بشرية والتحدث بلغتها كي أتفاهم مع الذئاب التي تسيطر على نفوس أهل نصيبين. أُسائل نفسي كثيراً هذه الأيام عما كنت أراه:" ماذا رأيتِ في ليل بلدتنا حين كنتِ طفلة, يا نفسُ؟" أحسبها تجيبني:" كنتُ أرى بيت أبيك يسافر ببطء على جناح عتمة نفوسكم, يبحث عن هيبته أيام كان له مكانة جليلة. كان يغدو مع أول تباشير الفجر, ويعود إلى مكانه في الجهة الشمالية من زقاقكم الذي كان مستقيماً. وحين كان يهبط أرضاً كانت جدرانه تمتص ندى الفجر, وقرع أجراس الكنائس, ثم تختفي العتمة ويهرب الظلام, فيمحو كل أثر للذئاب المسعورة, فتبتهجون كثيراً لعودة وعيكم الأصيل ببشارة الخلاص النهائي من الشر." ماذا عساني أقول لبيت كان يُسافر كما ترحل فلسطين, هذه الأيام, إلى جهة غير معلومة؟
في زمن الثعبنة الذي نَعيشه باتت بيوتنا خائفة منا أكثر من خوفها من الأفاعي والذئاب التي تحتلها, تفكر في أن تهجرنا لأننا نفكر كثيراً في هجرها, تبدو مترددة في مواقعها بسبب خراب نفوسنا, فعمار البيت من عمار ساكنيه, وحالة الخوف الشديد الذي زرعته خرافة "الذئب والثعبان" في عقولنا هي التي تأبى أن تحررنا من خرافتها. أرى الشرق العربي يعاني من مرض تعاني منه حارتنا الخائفة بسبب اعوجاج أهلها. كنت أراها مخلخلة البنيان, غير متراصة الأكتاف, تنسلل الأفاعي من جنباتها, كأن جدرانها باتت كقفص "أبو نفخة" الصدري, لا تحفظ سراً إلهياً لصاحبها, ولا كرامة إنسانية لمن يعايشها. شاهدتها ترتجف مثلي خوفاً مني, ولكنني لا أظنها حلّقت أو تحركت فعلاً من مكانها, بل بقيت صامدة, كالطود الشامخ, حتى تكلمتُ, فتخيلتها تهدئ من روعي. وحين تجرأتُ على الصراخ من أجل الخلاص من كابوس نفوسنا, ولسع ضمائرنا, ولدغ قلوبنا, وتوبيخ عقولنا تصورتها تفرح لقيامتنا.
كان سكان نصيبين القدماء خلواً من الأساطير اليونانية الوافدة, يعيشون خارج تاريخ أثينا وجغرافيا دلفي, وميثولوجيا بلاد فارس. يلتحفون ضوء القمر على سطوح بيوتهم صيفاً, كي يهزموا عتمتهم. ثم فقدوا نسيمها الصيفي العليل تدريجياً حتى أصيبوا بضيق التنفس من رائحة روث الخنازير البرية التي تحتل وديانهم. كانت أشجارنا تناغي نسيم البر والبحر قبل أن يقوم أراغوس بتحويل أغصانها إلى حيات تنسل من أرحام جداتنا, وأمهاتنا, وزوجاتنا, ثم تخرج فحيحاً لا يجاريه فحيح أفاعي الكوبرا الهندية أو أوربينا الصهيونية.
بت أتوجس خيفة من عودة عجلة التاريخ إلى الوراء بصورة أبشع مما كانت عليه أيام جدي. كنت أحاسب نفسي قائلاً:" كيف سأروي لأجيالنا القادمة قناعات جدي وأبي الحزينة عن حكاية الذئب الغريب الذي بات اليوم جزءاً من طبيعتنا, بينما لم أكن أجرؤ على مناقشتها معه, فهل تراني اسمح لأبناء رعيتي أن يناقشونني بما لم أناقشه أنا مع أبي؟ لو سألني أحدهم عن دور ملائكة الخير, وإيقونات الحب, وتماثيل الجمال التي هربت من مدينتنا حين احتلها الذئب, فماذا سأجيبه؟ كيف أفسّر له قول جدي الذي كان يعظ الناس قائلاً:" خلقنا الله, وأنشأنا في بلدة قامت على ظهر كهف معتم, يسكنه ذئب فارسي, ثم منحها الخضرة والجمال كي تقاوم شره, وحوّل بساتينها إلى جنة غناء تشبه جنة عدن, مع فارق بسيط وهو وجود ذلك الكهف فيها. ربما كنتُ أراه صادقاً فيما يقول, ليس هذا مهماً. المهم اليوم كيف أحلُ مشكلة الكهف وساكنيه الغرباء التي ورثتها عن جدي الأول, ثم جدي الثاني, وأبي حتى باتت جزءاُ مني؟ لقد ساكنتنا تلك المُعضلة علناً منذ آدم. وتبقى غايتي أن أنجح في تطهير ذاكرة أهل مدينتنا نهائياً من شر الذئب, لا أن أطرده من باب الكهف فيعود إلينا من بعض شقوقه الخلفية. لقد بات مشهدنا مُخيفاً, يملأ نفسي رُعباً كل يوم, ويجعلني التجئ إلى نور عيسى المسيح, كي أبدد العتمة من حولي. أمسيتُ أرى جدران بيوتنا مقطبة الحاجبين, كأن حجارتها الناتئة تخفي عني مغزى قصة عتيقة لم تستطع عيوننا كشفها على مدار قرون من الحصار. لن يستطيع أبناء رعيتي المقاربة بين حياتنا في الماضي والحاضر. لن يسألني أي منهم:" لماذا تغير مشهدنا المسيحي في اللطرون ونصيبين والقدس وبيت لحم على هذا النحو المُزري؟ كيف باتت سقوف بيوتنا واطئة وجدراننا مائلة وبواباتنا عمياء؟ ولماذا تحولنا إلى أقلية تعاني من التلاشي والاندثار؟ هل كان مشهدنا كابوساً يسرق من أرواحنا خضرتها ويُفسد شذا زهرنا الفوّاح؟"
لقد كتبَ شابور, الغازي الفارسي, ثم أباطرة بيزنطة, وعلى رأسهم هرقل, رأيهم الواحد في روايتنا التي تحكي قصة نصيبنا في نصيبين كما يلي:" أكل النساطرة قديماً لحم الثعابين إبان حصارنا مدينتهم, ثم أكلت الذئاب من لحمهم البشري الشيء الكثير مدة خمسة قرون, وما زالوا يعانون من التآكل التدريجي في هويتهم ومصيرهم, وهذا هو مصير المسيحي الشرقي الذي يقاوم الغزاة حفاظاً على قيّم المحبة." وسأكتب لك, يا عزيزي الرملاوي, أننا لم نأكل ثعباناً واحداً, وبقينا على نقائنا من دم الذئب الذي ما زلنا ندفع فاتورته لعرابيه. أما الأب نسطور الأول فيقول:" حين فَقَدت مدينة الإنسان خضرتها باتت كالحرباء, تُبدل ألوان جدرانها كل يوم عدة مرات, وبلا مناسبة. وحين تحوّلت إلى حرباء سحبت من وجوه أهلها ألوانهم الأنسية فباتوا بلا لون أو هدف سامي. وفي أيام عزها, قبل أن تطأها أقدام الغزاة كانت أشجارها خضراء, وحجارتها نقية, ووجوه أهلها نضرة, ثم تبدل حالهم فأصبحوا مصابين بعمى الألوان, وفساد الرائحة, وبشاعة المنظر. عم البلاء والوباء والفقر أبناء مدينتنا فباتت ألوانهم باهتة, تتقلب وتتلون حسب المصلحة والوقت والحالة والمزاج, فكانت هيئاتهم في النهار تختلف عنها في الليل, ومزاجهم في الصباح لا يتوافق مع مزاجهم في المساء, كأن ميلاد الإنسان المتجدد توقف في كل الفصول. ما أقسى أن يفقد الإنسان لون أشيائه وطعم أحلامه, وتنقلب حياته إلى حرباء تساكنه في مدينة بلا ألوان! إن ضياع لون الإنسان أشد خراباً من تحكم الغزاة بمصير الأوطان."
مازال صدى صوتُ جدي جرجي يهتف:" كان بيتنا ذا ألوان فاتحة, غرفه كبيرة الحجم, واسعة الأرجاء, وسقوفه عالية, وقسماته مشرقة. لماذا أصبحت بيوتكم على هيئته غير محترمة؟ هل استظرفتم حياة الكهوف؟" لم استطع الإجابة على سؤاله, فحين يجن الليل أرى حالنا يتبدل, فنبدو غريبين, منعزلين, متلاشين في العتمة, بلا حجم أو طول أو ارتفاع, وبدون سقف, كأن معالمنا تذوب في ليلنا الدامس, فاستغرب للحالة التي وصلنا إليها. لماذا تغيرت سحنات بيوتنا؟ ولماذا أصابها هذا التبدل المُريع في شكلها ومضمونها؟ لِمَ سرق الغزو الوثني نور الخلاص الذي ورثتاه عن القديسيين؟ هل أصابكم في فلسطين ما أصابنا في نصيبين؟ هل بات مشهدكم ضحية؟ هل استظرفتم أعمالكم القبيحة, فتبدلت فصولكم وتناكفت أيامكم, وتعاكست السنون ومات زمنكم." ليتني أفهم ما قاله جدي جرجي كي لا أبيت ساذجاً, خائفاً من ذوبان هويتنا, وجنون ليالينا, وعواء ذئابنا, وثغاء أغنامنا التي كانت مثلنا تنتظر الذبح بسكين الغزاة في كل نهاراتنا الرمادية.
بعد خروج خيول الغزاة من مدينة القديسين والشهداء, تبدل حالنا إلى الأحسن قليلاً, وبالرغم من زوال شرهم إلا أنه خلّف تداعيات طويلة الأمد في نفوسنا. شَدَت طيورنا قليلاً ثم صَمَتت, وأمست أحاديثنا علامات استفهام كبرى عن مغزى حالة الغزو والتخلف التي عشناها تحت حكم الذئاب سابقاً والعلمانيين حالياً. باتت معضلاتنا في زمن نظام أتاتورك أبعد ضرراً من تلك التي كنا نعيشها قديماً. ألا يعني هذا أن نصيبنا من الظلم بقي على حاله رغم تبدل الحالة السياسية؟ هل تختلف حقاً أفعى سقيفتكم عن ذئب كهفنا؟ ألا يتساوى نصيبنا ونصيبكم من القهر؟ هذه نصيبين خير مُعّبر عن جراحنا وآلامكم. لم يكن للظلم الذي عشناه معنى أصفه لك في رسالتي هذه, فقلمي يعجز عن وصف ما عانينا, وما لم تحفظه الذاكرة أو القلم. لقد انقلبت جراحنا في نصيبين إلى عواء أعجمي صامت, يحتاج إلى من يترجمه إلى لغة البشر. لم تكن مدينتنا لنا ونحن لها, لم تعد تأوينا برفق بين جناحيها المكسورين. خرست المسكينة فأخرستنا عدة قرون.
ما تلك الغربة القاتلة التي عشناها في أعقاب احتلال كهفنا العريق من قبل ذئب لا يُتقن غير أسلوب القتل ولغة الخداع؟ ربما نجني اليوم ثمار هزيمتنا في الأمس البعيد والقريب, كما تجنون ثمار هزيمتكم في الأرض المقدسة. لماذا ضاع عنفوان لغتنا المقدسة وباتت فواتح حروفنا لا تَقرع أسماعنا؟ كيف أصبح لكل فرد منا لغة يتحدث بها مع نفسه سراً, يُحاورها أكثر مما يُحاور أفراد أسرته وحارته وشعبه؟ أراني أعيش عالماً غامضاً, وهواجس سوداء اخجل من التصريح بها حتى لا أتهم بالسوداوية والتشاؤم المُر. ألست أنا الراهب يعقوب, صاحب الأمل العريض والبشارة السعيدة, والغد المشرق؟ لكنني أسأل نفسي قبل الآخرين:" لِمَ نسينا لغة السلام والمحبة التي بشّر بها يسوع المسيح؟ ألسنا نؤمن بأن "المجد لله في الأعالي, وعلى الأرض السلام, وفي الناس المسرة"؟" فما بالك حين تكون الأرض التي تتحدث عنها هي الأرض التي عاش عليها مُخلصنا؟ أليست هي القدس والناصرة وبيت لحم؟
لقنتنا الذئاب والأفاعي درساً تعلمناه دون وعي منا.... لِمَ بتنا نُتقن لغة الفحيح والعواء, وقرع طبول الحرب, وسفك الدماء, وذرف دموع مُرة, يا صديقي؟ لو يبقى أهل نصيبين والرام غارقين في بحر دموعهم فلن يفوزوا بالنجاة من ذئبنا وأفعاكم. لِمَ لا نفعل شيئاً يخلصنا من الغرق في دموعنا؟ لم يعد أحد من أهل مدينتنا يرفع نظره إلى أعلى كي يرى هالة يسوع المسيح في كبد السماء. ثم رحلت عنا لروح مسيحيتنا بسبب الاضطهاد وحطت على أكتافنا فتحدبت زهقاً منا. من الضروري النظر إلى أعلى كي نرى إن كانت سماؤنا صافية أو غائمة, ممطرة أو مجدبة. فما بالك لو كان فادينا يطلب منا النظر إلى أعلى بدل الغرق في طين الأرض؟ لم نعد نتقن لغة التآلف والمحبة, لم نعد نعرف لون السحابة الماطرة بالخير التي تمر من فوق رؤوسنا فتنشر في ربوعنا العدالة والتوحيد والمحبة؛ لأننا تعودنا الزحف على بطوننا من أجل حطام الدنيا. كيف نأمل في جني محصول قمح العنبر الوفير في صيفنا القادم وشتاؤنا جافاً, ومناجلنا هاربة من موسم حصادنا في أرضنا اليباب؟ وهل لي الحق, إذن, أن ألوم أشجار الآيكي عندنا, وأشجار الزيتون عندكم على عدم احتجاجها على عواء ذئبنا وفحيح أفعاكم التي أفسد وجودها لون بيوتنا, وبشرة جلودنا, وقسمات وجوهنا؟ مَن الذي يمنعنا من تصويب اعوجاجنا, وصقل جدراننا الخشنة, وتعمير نفوسنا إن لم أقل محو هزيمتنا أمام الشر؟ هل يحق للشعوب الميتة أن تقيم حفل زفاف لأبنائها الذين فقدوا أرواحهم وهيئاتهم وألوانهم بمحض إرادتهم؟ أخشى أن يكون تساؤلي هذا قديماً أو عفا عليه الزمن. فأهل مدينتنا, مثل أهل قريتكم, وكغيرهم من شعوب العالم, يهتمون بمقولات صراع مزمن استنفذ طاقتهم وتراث أجدادهم وآبائهم. فالذي ينتصر ظلماً لن يكسب مجداً, والذي يخسر نفسه لن يربح العالم, وما على جيل الخاسرين والرابحين إلا أن يسمعوا نداء السلام, نداء يسوع.
مهما علا فحيح الشعارات الدموية فلن يُطفئ نور قنديل الأمل الذي يبعثه فينا فادينا. ومهما علا صوت صراع الطربوش العسملي والقبعة الإغريقية فستبقى تراتيل القديسين القادمة من أرسوس صوب القدس هي الباقية. أرى صورتي ذئبنا وأفعاكم تشبهنا وتشبهكم أكثر مما يشبه الإنسان أخيه الإنسان. ألسنا أحفاد آدم وأبناء إبراهيم وأخوة موسى وعيسى ومحمد؟ كيف قبلنا أن نكون عبيداً للخواجة أراغوس الذي خلق لنا صراع الطربوش والقُبّعة كي ينتصر هو علينا جميعاً. لِمَ فرض علينا هذا الصراع المزمن؟ إنه يُقاتلنا لأن الله يحبنا فبعث فينا الأنبياء والرسل, وحرم الأوروبيين من هذه البركات السماوية فركنوا للعقل البشري كمرجعية بديلة نكاية بالله. ألا ترى أن المسيحيين يضعون القلنسوة الشرقية على رؤوسهم في كنائسهم وأديرتهم؟ ألا نقف على مسافة متساوية من العمامة الإسلامية والقُبّعة الغربية؟ أنظر إلى ما يرتديه أبناؤنا في أعيادهم الدينية في القدس وبيت لحم وأرسوس ونصيبين! ومع هذه الحيادية في موقفنا فإن الخواجة أراغوس يصر على قتل عقيدتنا, وتشتيت هويتنا, وتحويلنا إلى أفاعٍ وثعابين كي يباهي أمام الأمم أنه ينتصر دائماً, حتى لى المؤمنين بالله.
مِن أغرب الأشياء التي أصبحت تثير دهشتي في مدينتنا ذات الطابع الشرقي هي صور الذئاب وطيوف الأفاعي في زوايا بيوتها المتهالكة وكومات الحطب الجاثمة على سطوح بيوتها. فقد شكل وجودها أوكاراً طبيعيةً للزواحف القادمة إلينا من الشرق الفارسي والغرب الأوروبي. باتت فروع أشجار الآيكي وأغصان الزيتون الجاف أوكاراً للأفاعي, تتشابك مع بعضها الآخر كي توفر الحماية للغازي, أليس هذا الأمر مرعباً؟ كما أصبحت العتمة وجوداً طاغياً, يملأ أمكنة موحشة, حيث سيوف القهر تطاردنا في كل حين. لهذا تماثلت وجوهنا مع الجذوع اليابسة وأطرافنا مع ذلك الحطام الذي يحتلنا, فباتت أوتاراً صوتية لذلك الثعبان الذي يسكن نفوسنا. أما تلك الزبالة التي تغلق علينا طرقاتنا, فهي تمثل صورتنا اليوم التي كانت مجيدة. يا أهل الشرق العزيز, ويا أهل أورشليم المباركة, أين صورة الجمال فيكم؟
لقد كان المسيحيون في هذا الشرق مصيدة صدام الحضارات, وكان أقواها ذلك المُحتدم بين ميثولوجيا الشرق الفارسي وحكمة الغرب الأوروبي. لم أكن أؤمن بهذه العبارة أيام كان جدي حياً وأبي صامتاً. ولم يكن جيلنا يكترث لحقيقة أن الباطل قد طمس وجه الحقيقة في عموم الشرق العربي, كما طمست عين الخواجة أراغوس نور القمر في فلسطين وجوارها. زعزعت ثقافة الافتراس, التي كرسها الذئب الفارسي في نصيبين, بنية مجتمعنا النفسي, وحاصرت إيمانه القديم بحتمية انتصار براءة الحمل على وحشية الذئب. كان جدي يقول إن الفُرس ومن بعدهم البيزنطيين نشروا في بلدتنا المرض, والفقر والجهل, والخوف من المجهول مما زاد أمرنا سوءاً. ورغم مرور عدة قرون على خروجهم من مشهدنا المُقدّس لم تتطهر ذاكرتنا بعد من ظلمهم. أمست أمورنا تسوء, وتسيء لكل من يحاول إصلاح الخلل. وكأن بيوتنا باتت تتدثر بعباءة ظلام قديم يتجدد كل ليلة فيثير في نفوسنا شعوراً عارماً بالغربة.
كنتُ أتصور العتمة تخرج من باطن أرضنا بطريقة سرّية مع غروب شمسنا, ثم تنبعث ثانية من أساسات جدران بيوتنا الشرقية بعد الغروب. وكنت أظن أن موجة أخرى منها تنبت ببطء شديد في بطن جدرانها الغربية, كأنها كانت تنطلق من جحر سرّي بعد أن تأخذ قسطاً من الراحة, ثم يتمدد وجهها الأسود على كتف الطريق مساءً كما يفعل ذئبنا حين يتسلل ليلاً إلى كهفنا المجاور. كنت لا أحتج على تسللها, لأنني ظننت أن هناك غزلاً ما بينها وبين عتمتنا. كانت جدتي تيريزا تقول:" هذه الذئبة ليست عدوتي, إنها أنيستي المأمورة, وستغادر كهفنا في يوم من الأيام بهدوء إلى جهة الغرب, صوب البحر, ولن يستطيع أحد منعها من الوصول إلى غايتها! فلا تخافوا من وجودها المؤقت بيننا!" اشتد حصارها ولم أعد قادراً حتى على الاحتجاج بصمت؛ كأنني قبلت بوجودها, فصرت استظرف مَن يفح وينح وينخ من أبناء طائفتنا الذين فقدوا شيئاً من لغتهم الروحية ومفرداتهم المُقدسة بسبب وجودها الدائم. وها هم قد أصبحوا مع مرور الزمن أقلية غريبة في وطنها.
جعلني الحصار الفارسي القديم لا أتذكر تاريخ تسلل الذئب وأنثاه إلى كهفنا, مثلما نسي أهل الرام تاريخ احتلال أوربينا لسقيفتهم, فتواريخنا كادت تصبح غير مُقدّسة بسبب الغزو من الشرق البعيد والغرب الأبعد. في تلك الأيام كانت أسرتنا الصغيرة تعيش وحيدة ووجهاً لوجه مع الذئاب. لم تكن حولنا بيوت كثيرة, كنا نعيش في منطقة خالية تقع عند تقاطع كتف جبل شاهق مع لسان سهل ممتد على طول النظر مع الحدود السورية. لم يعد يتذكر أحد من سكان مدينتنا الجدد متى وكيف جاء ذلك الوحش المفترس. ولا أراهم ينتبهون لماذا أصبح زقاقنا ملتوياً؟ هل كان ذئبنا يقف وراء التواءات بيوتنا, واعوجاج أزقتنا, وانحراف تفكيرنا أم أن بيوتنا وأزقتنا وانحرافنا هي التي أغرته بالمجيء كي يحتلنا؟ مَن يستطيع الإجابة على سؤالي هذا فهو ليس من سلالة الذئاب الفارسية أو الثعابين الأوروبية ذات الأصل الإغريقي. لقد طرحتُ سؤالي هذا على أفراد أبرشيتنا من كبار السن, لكنني لم أحصل منهم إلا على إجابات مبهمة ومتناقضة, لا تعبر عن فهم صحيح لما يجري لنا. فهل سأحصل عليها مستقبلاً من أبناء جيل جديد تتحكم بعقولهم وقلوبهم اهتمامات أخرى تقع خارج ذاكرة بلدتنا القديمة؟ مَن يزف لي خبر اهتمام الجيل الصاعد عندنا أو عندكم ببركات السبح المثلث التقديس؟ إن حدث هذا الأمر فسوف يتلاشى شعار أراغوس القائل:" البركة في الخط الغليظ والخصر الرفيع, يا عرب!"
كانت هويتنا قائمة في موقع يتوسط عالمين أثارا دهشتي ردحاً من الزمن. كان سكان العالم الأول ملوني البشرة, نافذي الرائحة, ليلهم حالك السواد, ونهارهم رمادي الوجه. وكان سكان العالم النقيض بيضاً ورتيبين ويقيمون على أرضنا التي باتت لهم منذ هدم الغازي أراغوس جزءاً من سور اسطنبول في القرن العشرين. كان لون عالمهم أنقى وأزهى من لون عالمنا, وكان هذا التباين يدهشني تارة, ويحزنني تارة أخرى. رأيت واقعهم يمتاز بالهدوء والخضرة والنظام, بينما كان واقعنا مبعثراً, ورثاً وغير قابل للتطوير. وبالرغم من ذلك التناقض المُحرج لنا, كنا نحن أنفسنا, وكانوا هم نسخة مُصطنعة عن سواهم من الغزاة. اليوم تبدو الفوارق بيننا وبينهم متلاشية, أمسينا جميعاً جلادين أو قل ثعابين. الأفعى لا تلد إلا أفعى, والذئب يسافد أنثاه, ونحن نجلد أنفسنا, وهم يجلدوننا على اعتبار أننا لسنا مثلهم أنقياء, سواءً في اللغة أو البشرة الحنطية أو الشعر الأجعد أو العينين السمراوين. وما حَدَث لنا يحدُث لكم في الرام خاصة وفلسطين عامة! إن تمثلتم صفات تلك الأفعى فلن يتوقف صراعكم معها أو مع أراغوس. وحين تتحولون إلى ثعابين ستهاجرون من سقيفتكم, وستبقى سقيفتكم في دواخلكم حتى ترحلوا عن الدنيا, فهل تقبلون هذا المصير؟ لم يعد هناك فرق بين فلسطيني جلاد يشبه أراغوس الذي صنع أوربينا. وما حدث من تماهي بين "أبو نفخة رملاوي" وأوربينا في الشكل والمضمون في الرام يحدث للكثيرين منا مع الذئب في نصيبين لكنه ليس كافياً في نظر أراغوس. ولو تسألني:" ماذا يريد أكثر من اعترافكم بأوربينا وتنازلكم عن السقيفة لها؟" سأجيب:" بل يريد تفتيت هويتكم وتقطيع أوصالكم."
وعليه اذكر أن جدي كان يقول:" أصبحنا نشبه الذئاب في أقوالنا وأفعالنا. فنحن نختلف مع الغزاة, ولكننا لا نختلف عنهم, ولسنا أعداءهم الحقيقيين بالرغم من سلسلة الحروب التي أشعلوها ضدنا, وإن كنا لا ندرك بعد هذه الحقيقة. وإذا بَقيت, يا صديقي الرملاوي, سقيفتكم على حالها فسترتدون عن هويتكم, وترتدون قبّعة أراغوس الإغريقي قديماً والأوروبي حديثاً. الاختلاف هوية, ومن حق المختلفين عن بعضهم الآخر أن يتساجلوا بمحبة: سواءً كانوا من أتباع الباب العالي أم أتباع بيثيا. لكنني أسألك مقدماً:" ماذا ستفعل إن خيّرك أراغوس بين أحد من الإسمين: طارقيوس خواجيلوس أم طارقيوس روميلوس؟ الاسم الأول إغريقي وأنشأ أثينا, والثاني روماني وشّيد روما. هل ستكون حفيداً للإله أبوللو أم حفيداً لملك الآلهة جوبتر, وابناً لقيطاً لابنه الإله مارس؟ أنصحك! لا وفاء ولا ولاية لأي إله وثني على مؤمن يعبد الله, سواء كان هذا الإله بعل الكنعاني, أو أبوللو الإغريقي. حاول تعمير سقيفة بني ساعدة الإسلامية يَصلُح أمرك!"
كان قدرُنا أن يكون لنا "نصيبين" في هذه الدنيا, نصيب أوروبي استلابي, فرضته الحكمة الإغريقية على تراث قدّيسينا ورسُلنا الذين عجنهم العقل الأوروبي الوثني, ونصيب شرقي ورثناه أصلاً عن يسوع الناصري وحواريه الخُلَص. فلا تجزعوا إن كنا جسراً آيلاً للسقوط بين الشرق الروحاني والغرب المادي, فرسالتنا المحبة للجميع, وديننا إخاء بين البشر, وهويتنا سلام لكل الناس. مسيحيتنا ليست "صليباً" وتعصباً, بل قيامة وسلوك يومي. نحن فلسطينيي المعاناة, ونقف دائماً بجانب قضايا شرقنا, ونقيم قداديسنا عن نيّة الشرق عموماً وفلسطين خصوصاً. لاهوتنا مقاومة, وحياتنا وموتنا وقيامتنا هي بالتأكيد مع وفي الشرق العربي وليس مع أو في الغرب الأوروبي. فهلا أدركتم أن مسيحيتنا شرقية الجوهر, وهي التزام بنهضته؟ نحن كمسيحيين نعاني من قمع ثلاثي الأبعاد: مِن مسلمين يعتبروننا أقلية غريبة عن هذا الشرق, وصهاينة ينظرون إلينا كطائفة دينية لا وزن لها, وعرق شرقي يحتضر, وعدو تابع يجب تفكيكه وأوربته. أما بيثيا, ذات العقل الأوروبي الإلحادي, فتؤمن أن قيامتنا المسيحية في الشرق العربي هي عائق أمام أطماع الخواجة أراغوس ومشروعه الحضاري القائم على أوربة أهله. نحن أعداء العقل الصهيوني الذي يرى في إسرائيل دولة يهودية العرق, تسعى لشطب الآخرين من بُنيتها. الخلاف بيننا وبين العقل السكسوني الأوروبي- الذي أنجب العقل الصهيوني- واضح لأنه يكرّس يهودية دولة قائمة على ثقافة عرقية ليس لها روح, ومعادية لكل الأديان السماوية دون استثناء.
أُدرك كم كانت خسارتكم فادحة حين اغتصبوا سهلكم, وأقاموا عليه دولة أجمل من سقيفتكم. يومها حزنت لأنني تأكدت أن علينا القيام بقيامة نقيضة تستدعي تطهير تراب فلسطين من الجهل والتخلف الذي تمثله سقيفتكم سيئة الذكر. وحزني على حالكم ربما يستفز بعضكم لصراحتي. سيقول مُسلم جاهل حين يقرأ رسالتي:" أهذا ما لديك عنا, يا يعقوب الراهب؟ ويلك من الله, ألا تدرك أن في ضياع سقيفتنا خراب لبيتك الشرقي! أليس لدينا حضارة إسلامية تعتد بها وتذكّر العالم بها؟ عليك أن تبكي دماً على سقيفة مُقدّسة, تحوّلت إلى وكرٍ للأفاعي السامة." وسيقول أراغوس:" إذا أراد المسيحيون العرب الانسلاخ عن ثقافة الإرهاب الإسلامي فعليهم فصل الرهبنة عن الإرهاب في علم الصرف والنحو العربي! وهذا الفصل لا يكون إلا بالقضاء على العربية, لغة القرآن, وحاملة لوائه. إن لها جذور وبذور لغوية تحمل مضامين تاريخية مستبدة في تراكيبها, فعليكم تغييرها وتفكيكها حتى لو كانت لغة القرآن التي تعتبرونها مُقدسة ومتعالية. فأي لغة هي العربية التي تُنجب مفردات الإرهاب والرهبنة والرُهاب والرهبة والراهب غير لغتكم العربية؟"
أُحدّث اليوم أبناء رعيتي عن ماضينا فلا أجدهم يحزنون على هويتهم التي كانت وما تزال محاصرة. لا شيء تغير إلى الأحسن, فلديهم الشيء الكثير كي يحزنوا عليه في حياتهم المعاصرة. لا يعي نيقولا اليافع أو فيليب الشاب أن جدراننا العشوائية كانت تشبه تقاسيم وجه جدهم جرجي لأنهم لم يشاهداه بتاتاً. كيف لأي منهم أن يدرك أن إقامة أبنية عشوائية يسيء إلى معاني قصيدة غزل في مأتم مقدس؟ فبناء اللغة والأوطان والحضارة كل متكامل. أراغوس ما زال سيد الموقف في صورتنا الكبرى, والقاذورات الثابتة والطيارة هي ذاتها التي تحطم وجهنا الحضاري؟ حين أقول لهم إن هذه القمامة في مدخل كنيستنا تحوول دون قيامتنا لأنها حفيدة تلك التي كانت منتشرة أيام شابور الفارسي. أراهم يضحكون وهم يتساءلون بدهشة:" ما الغرابة في أن تبقى الزبالة على حالها في حاضر شوارعنا كما كانت في ماضينا؟ أي نكتة تلك التي يحكيها لنا راعي كنيستنا! هل تُنجب الزبالة وليداً لا يُشبهها؟" وتراني أجيبهم على تساؤلهم الساذج:" وهل يُنجب الذئب في بيئتنا هذه حيواناً بلا أنياب أو مخالب؟" ((
يعقوب البازي- كنيسة نصيبين
شارع اليعاقبة- شقة رقم 100
22/12/1995






تعليقات حول هذه المقاله
العنوانالكاتبوقت الإضافه

تصويت
ما رأيك بالموقع ؟
ممتاز
جيد
مقبول
سيء
نتائج التصويت

حجة بالوان العصر


لوحاتي




كتاباتي

غزل الذاكرة
زمن المرايا
وطن العنقاء
كثبان الذهب الأسود
أبو علي إياد
تأملات مصطفى صبري
الأولاد والشمس
إنشطار الذات
معركة النفق
مكانة القدس
جدار الفصل العنصري
وطني ليس حقيبة
إمبراطورية النفايات
قراءات أمنية
امرأة لا تغار
صراع لا يموت
أصحاب الملايين
صوت الذاكرة


الساعة

صدر حديثا


 
Qalqilia NetWork