إبحث عن:    
القائمة الرئيسيه
صفحة البداية
القصة القصيرة
القصص والروايات
دراسات و ابحاث
المقالات والترجمات
الكاتب يوسف العيلة
معرض الصور
شاركنا رأيك
English Site

تسجيل الدخول
إسم المستخدم:

كلمة المرور:


تسجيل
هل نسيت كلمة المرور

المقالات الأكثر قرائة
1 من الممات إلى البعث .... نظرة إسلامية تقليدية
2 تأملات - الفصل الخامس : موروثات
3 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المصادر والمراجع)
4 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المقدمة)
5 الإسلام دين الفطرة الإنسانية

الكاتب يوسف العيلة


جديد الروايات

 

صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في رام الله دراسة بحثية بعنوان " لسانيات الخطاب الشعري المعاصر ، ليليان بشارة - منصور نمرذجاً " للروائي يوسف العيلة . تضئ الدراسة بعضاً من واقع اللغة العربية في الداخل الفلسطيني . ويقع هذا الإصدار في مئة وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، وهو السابع عشر في سلسلة إصدارات يوسف العيلة النقدية والروائية .


قراءة المقاله



أوراق لاجئ
كتبت بواسطة: يوسف العيلة - el 08/01/2011 - 1464 زوار        


الجزء ال (4)
لغة بلا حروف
كانت لغتي أثناء رحلتي خرساء, بلا حروف, خلواً من أصوات ثلاثة شغلت فؤادي أكثر من ربع قرن خلا. تلك الأصوات جعلتني أهرب من مخيم يحاصره سلام أسوأ من الاحتلال, وفقر أشرس من ذئب جائع ينهش كتفي. كانت تلك الأسباب التي أدت إلى تغيير لغتي في دبي, علّني أجد عملاً فيها

. كان يحدوني الأمل أن يكون صاحبي القديم باقٍ على وفائه لصداقتنا. كنت أتمنى عليه في سري أن يعينني على فقري بعد أن عانيت من جبروت الاحتلال واستخذاء السلطة الفلسطينية. كما كانت مؤشرات واقعنا السياسي تدلل أن هناك خطة مرسومة تهدف إلى تهجيرنا مما تبقى لنا من فتات وطن, يحتضر على صدره الشرفاء, ويتساقط عليه الخونة كأوراق الخريف.
بذلتُ عدة محاولات جريئة أثناء وبعد زيارتي برج العرب في منطقة الجميرة للبحث عن صاحبي؛ سألت عنه في بلدية دبي, أيضاً, علّهم يدلوني على عنوانه بصفته مقيداً في سجلات الكهرباء والماء, لكنني أخفقت بعد أن سمعت من بعض الموظفين هناك كلاماً يفيض سخرية. بحثت عن اسمه من خلال برنامج جوجل على الشبكة الإلكترونية عله يكون مدوناً هناك, لكنني لم أحصد غير الخيبة. ثم حاولتُ الاتصال بشخص من قبيلة المرّي عله يوصلني إليه. يومها قال لي ذاك المرّي الأفطس:
- ويش اسم اللي تبحث عنه؟
- اسمه محمد بن سعيد المرّي.
- آيه! والله يا معود قبيلتنا تعد مئة ألف "ريال", وربع عدد أبناء المسلمين اسمهم محمد. مين منهم محمد ومين منهم مرّي؟ قلت لي آيش اسم والده؟
- اسمه سعيد يا طويل العمر.
- آيه والله .... اسمه على جسمه. وأنت بعد أسعد يا الغريب!
- ويش اسم والدته؟
- اسمها على ما أذكر ريحانة.
- والله ما أعرف أحد اسمه سعيد وأمه ريحانة, يا الأخو! مع السلامة!
بقيت تلك الأصوات تتصارع في داخلي بعد أن فشلت في العثور على صاحبي. كان الصوت الأول, ينطلق من عقاله في المخيم, يوبخني لأنني فرطت بمصاغ أمي وزوجتي في صفقة تبدو خاسرة. ثانياً, سمعت صوت محمد المرّي الذي رأيت فيه صورتي المُتخيلة التي كنت أحلم بها ولم انجح في تحقيقها على أرض الواقع. أما الثالث فكان صوتي الذي كان جهورياً أيام مراهقتي. تصورتُ أن اسمي الجديد, مثل لغتي الجديدة, سيحميني من الغربة والضياع.
ذهبتُ في اليوم التالي لزيارة قلعة دبي القديمة التي حدثني عنها مراراً صاحبي . قلت؛" أذهب إلى مكان كان يعرفه صديقي علني أجده هناك مصادفة, فرب صدفة خير من ميعاد. وما دام عين الشيء الذي كنت أبحث عنه غائباً فلماذا لا أتقصى أثره؟ ثم استحضرت, وأنا في طريقي للقلعة, كيف كان محمد المرّي يجالس إبراهيم الجميل على شرفة شقته في شارع فردان. كان يُحدّثه عن أخبار مدينته وحكاياتها القديمة ومسيرتها الحالية. كان يسرد عليه تاريخها بالتقسيط:" نشأت دبي حول قلعة عريقة تحمل الاسم ذاته, كانت تحمي ساكنيها ليلاً ويدافعون عنها نهاراً , كأنها أم رؤوم تحنو على أبنائها وتطمئن عليهم قبل أن يناموا. كانوا جميعاً يتحدثون لغة عربية واحدة, ويلهجون لهجة عدنانية واحدة. ويتوارثون نفس الرواية والتعبيرات الواضحة عن مدينتهم, وتتحكم بها بوابة واحدة تُغلق كل مساء بسلام وأمن. كانت "براجيل" بيوتهم الطينية تمنحهم ظلاً ظليلاً, وهواء عليلاً, ويعشش فيها الحمام البلدي على مدار العام. كان جدي سلمان بن مرّة الأول من محاسيب شيخ القلعة الذي عيّنه رقيباً على رعيان النوق, وفرق الغواصين الذين كانوا يصطادون الياقوت والمرجان من أعماق الخليج. وحين قضى غَرقاً في مياه الخليج أمر شيخ قبيلتنا بإحضار اسرتنا للعيش معه في القلعة."
ثم سكن أبي وأعمامي في الجزء الشمالي منها, المطل على البحر. بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى, انتقل الأمير وحاشيته إلى قصورهم الجديدة وبقينا نحن نسكن فيها حتى انتهاء الحرب العالمية الثانية. تم تحويل القلعة إلى متحف يحكي قصة قلعة بحجم مدينة, ومدينة بحجم وطن. كان أبي آخر مواليد القلعة الذين تنفسوا رائحة هوائها وتعلموا أعرافها واكتشفوا اسرارها الداخلية قبل أن تتحول إلى متحف صامت. كنتُ في السابعة حين اصطحبني أبي في أول زيارة لها كي أتعرف على سيرة أجدادي. يومها دلفتُ خائفاً إلى البلاطة الأولى وكأنني أشق رائحة الزمن فيها نصفين؛ نصف يحتضن تاريخها العتيق, والنصف الثاني يشهد على حركة العولمة المحيطة بها. كان التاريخ المعتق المنبعث من حجراتها ولواوينها يدهشني؛ وكأن حاضرها الذي كان يشكل هويتها العربية هو الذي يخيفني. أدهشني التناقض الحاد بين دبي الماضي التي تحتضن قلعة عريقة, ودبي الحداثة التي تمحو الماضي بأبراجها الصماء."
شنف صدى عباراته أذنيي وأنا أنظر بملء عيوني إلى شوارع دبي العريضة وأبراجها الشاهقة, وعماراتها التي تناطح السحاب. بدت لي دبي الجديدة متمردة على قلعتها. لقد أبى عرف الديك البلدي الذي احتفظ به في دهاليز ذاكرتي نسيان حكاية قلعة صمدت في وجه أمواج الزمن العاتي رغم الصمت المُطبق الذي يلف أبراجها وبراجيلها في ذلك اليوم البكر من أيام بحثي عن حياة جديدة. شعرت أن أنياب العولمة نجحت في تشكيل دبي القديمة على كل الصعد. لقد باتت مدينة معولمة, تنطق بكل لغات العالم, وترثي لغتها الأصلية, وتتزين بأزياء شتى لا يجمعها جامع. وجدتُ نفسي منتصباً على ساقين مضطربتين, ويدين مرتعشتين وأنا أتحسس بملء ذاتي قلعة أبية عايشت حقبتين هامتين من التاريخ العربي والإسلامي الذي كان دائماً محط أطماع الطامعين منذ أيام داريوس الفارسي, مروراً بالدولة الصفوية, وإنتهاءً بالتجاذب السياسي الحالي بين إيران الخمينية والغرب الأوروبي الأنجلوسكسوني.
لم يستجب فؤادي لمنطق العولمة, ولا نظرت عيوني إلى الصفقات العقارية الكبرى التي أغرقت دبي بالديون, فألفيتهما تحومان بصمت في ردهات القلعة وأقواسها بعيداً عن الفنادق الفخمة والأبراج العالية, كأنهما تبحثان عن محمد ومرام في في قلعة ليست برسم البيع كما هو حال أبراج المدينة الأخرى. ذهبت اليها وكنتُ ضيفاً عليها, ساءلت ماضيها عن هويتها العربية وتشككت في حاضرها المُهلهل ومستقبلها الغامض. سألت صدى من مروا بعتباتها أو سكنوا حجراتها أو سقطوا دفاعاً عنها, فلم أسمع منهم جواباً. لم أر غير وجوه أوروبية تحوم في داخلها, تصطاد كل معنى تراثي يبرز لها, وتصادر كل عنوان أصيل يدلل على عروبتها. وجدتها محتلة من قبل جيش دولي, يقوده سكسوني يرتدي ملابس مدنية, ويرطن بلغته الأم. ورأيت في جوفها سرادقاً من المجد الذي لم يعترف بهؤلاء الغزاة الذين يحاولون تشكيلها على طريقتهم. ورغم توجسي من حاضر دبي لفني تاريخ قلعتها بالفخار, واجلسني ماضيها في سمت حجره, واحتضنتني كأنها تمنحني شرف الاستقبال بصفتي عربياً ينتمي إليها رغم نظرات الدهشة التي كانت تنطلق من عيون سياح أجانب. خشيت عليها منهم, فأنكرت عليهم وجودهم فيها ورمقتهم بنظرات حادة كالسهام متسائلاً:" هل ستفعلون بها ما فعلتم بيافا من قبل, أيها الغزاة؟" كانت قلعة دبي الصامتة المكان الوحيد الذي وجدت فيه ذاتي, وألفه قلبي, وارتاحت له عيوني, لكنني خفت أن يكون مصير دبي مماثلاً لمصير يافا التي فقدت لغتها في معمعان العولمة والذوبان في دوامة الغازي.
شاهدتُ في قصباتها نماذج من أدوات الماضي: أسلحة نارية استخدمها المدافعون عنها لصد الغزاة إبان الحربين العالميتين, قواوير وادوات طبخ فخارية, ومنحوتات حجرية وخشبية. أدركت خلال زيارتي لها أن قراءة تاريخ المدن المُحتلة من وراء قناع هي أصعب القراءات وأكثرها حساسية بالنسبة لزائر جاء هارباً من سيرة مدينته المغتصبة, ومسيرة وطنه المُقطّع. لم استطع الإجابة على سؤال صامت وجدته مرسوماً على موجوداتها التراثية:" لماذا أنت هنا, يا يافاوي؟ أجئت تشكو من موتك في وطنك أم تطلب الحياة في وطن آخر يحتضر؟" تركت سؤالي خلفي مُحلقاً في لواوين القلعة الصامتة, وتذكرت أن علّي متابعة بحثي عن صاحبي. لم تستطع لغتي الجديدة قبول ما كان مرسوماً على الوجوه الإنكليزية التي تجوب الموقع بحثاً عن أي صوت يرفض وجودهم الكثيف في دبي. واكتشفت أن ما كان ينقصني في المخيم لم يكن سهلاً الحصول عليه في دبي. فعجبت من تشابه نص الفقدان في المكانين رغم الفارق الكبير في الشكل والمظهر. غاب عني طائر الحرية الطنان في دبي, كما كان دوماً غائباً في المخيم. ومع ذلك الالتباس الذي ركبني وأنا أجول في القلعة إلا أنني تابعت زيارتي لها.
كانت تلك إذن المهمة الأولى التي كان عليّ احتواء فشلها قبل التفكير في فك طلاسم خط النسخ الكوفي الذي يحمل بين سطوره نبذة عن سيرة أهلها الذين دافعوا بزهو قل نظيره عن مجد الإسلام وعروبة الخليج في وجه الاطماع الأجنبية. هناك افترقت معاني التحولات أمام بصري الذي شتته منطق المفارقات التاريخية العجيبة الجاثمة على وجوه الحجارة الصلدة المزججة التي تشكل الواجهات الداخلية للقباب والممرات والحجرات. وقد جاء امتزاج المعاني التاريخية بسيرة مؤسسها العربي الخليجي عفوياً, بحيث شكل جموحاً بارزاً في أفق القلعة الرابضة على شاطئ مُعاصر. هناك وعلى أمواج عبق التاريخ العربي الإسلامي وألقه ذي الأجنحة المزججة أيضاً فرحتُ بوجود قلعة تنتصب على شاطئ يشهد على ديمومة تاريخ أمة عربية, عايشت وتعايش التحدي الخارجي حتى اعتادت عليه, واعتاد عليها.
كنتُ أتصور حين وصلتُ مدينة دبي العصرية أنها امتداد لهوية قلعتها. لكن لم يكن ظني في محله؛ لم أر في حاضرها ما يعبر عن ثوابت تاريخها وهويتها. لم أكن اتصور أن تكون غريبة عني, أو أكون غريباً فيها. رأيت حاضرها جزءاً من عالم آخر, مختلف , معولم, جعل منها مدينة فوق عربية, وذات مصير غير إسلامي. فاللغة الإنكليزية هي الأكثر استعمالاً فيها؛ والوجوه الأجنبية تطغى على قسمات الوجوه العربية. أي مستقبل ينتظر مدينة نسيت أو كادت أن أمها قلعة عربية, وأباها فارس مسلم يدافع عنها ضد قراصنة البحر ومراكبهم الغريبة؟ لم أر فرقاً بين التغيير الذي يصيبها والتغيير الدراماتيكي السريع الذي أصاب مدينة يافا. فكما انحسرت العربية في يافا تنحسر اليوم في دبي. وربما تصبح المدينتان قصة مسلية يرويها الأبناء للأحفاد:" يُحكي أنه في قديم الزمان كانت هناك مدينتان عربيتان, واحدة على شاطئ المتوسط, والثانية على شاطئ الخليج العربي, كان أبناؤهما يتكلمون العربية, وقد تعرضتا للغزو الأجنبي في وقتين متباعدين, فذابتا في موجة غزو غربية وفقدتا لغتهما. ثم غفت حكايات البراجيل في دبي, وقامت فيها حكايات البوارج والأبراج الأجنبية. كما سرق العبرانيون الجدد يافا, واستبدلوا لغتها بلغة سامية تشبهها في النسب لكنها تختلف في الشكل والمضمون."
خلال زيارتي تلك استشعرت خطراً جديداً, شاهدت موجات الطوفان الثقافي الإنكليزي العاتي لا يقر لها قرار. لم أشاهد فارساً عربياً يحمل سيفاً, ولا شاعراً مفلقاً يصرخ في وجه البوارج السوداء. أزعجني وباء البحر, وتوالي زمن الهزيمة, فألفيت نفسي صاعدة السلالم الحجرية الملتوية, ومندفعة صوب الطابق الثاني حيث الشرفة الرئيسة التي تطل على أمواج الخليج المتجددة. قلت في سري:" هذه القلعة العربية ما زالت تتكلم بصمت اللغة العربية القديمة رغم محاصرة أمواج الغزو لأسوارها. إن صمد أهلها في وجه الغزو فلن يحدث لها ما قد يحدث لدبي المدينة! ولن يحدث لأهلها ما حدث لنا في يافا." لهذا أحببت طرتها, وتخيلت أصابع كفي اليمنى تلامس مكونات اطرافها. روت لي أصابعي- التي لم تعد ترتجف خوفاً من الاندثار- مقولة التزجيج الإسلامي القديم, فأدركت منذ تلك الوهلة النقلة الفنية في التعبير عن الهوية الإسلامية التي حدثت يوماً من أيام الماضي في الخليج العربي. ولم أعد أخشى تلك الأمواج الهوجاء المندفعة نحو البر حيناً والمنكسرة إلى الوراء حيناً آخر. رأيتُ موجة يتيمة تداعب شطها البريء, وتلاعب براجيلها فسمعت غناءً قديماً لم اسمع مثلة في دبي.
استدرتُ من فوري, كما تعودت أن استدير حول نفسي في لحظات الحرج . صعدتً إلى اللواوين العلوية وأجلست أطرافي في إحدى الزوايا المُعتمة هناك. حدّثتُ نفسي عما جرى لقلعة فقدت نبضها كما فقد ميناء يافا ضجيجه منذ ستين عاماً:" ما أشبه حاضر القلعة بحاضر يافا!" جاوبني صمت القلعة:" كأنك ترسم بكفك الفلسطينية تقاسيم وجع محمد المرّي هنا.... هل تراه يشبه وجعك, يا جمال الموسى؟" سكت ثم قالت لي كفي البيروتية:" كأن وجع قلبك في دبي أنساك من أحببت في فردان, أيها اليافاوي؟" أجبتهما:" كأنكما تتجاهلان أن كفي اليسرى واليمنى ترسمان حلمي العربي! ألم أكن متشبثاً به منذ أيام يافا وحتى اليوم؟ تتقرى يمناي اليوم معالمه في دبي من أجل تأكيد هويتي الجمعية, كما تقرته في يافا كي تدرك عمق جرحي الذاتي." أجابتني اليافوية بسؤال:" وهل وجعك الراهن في دبي يشبه نظيره في يافا الخراب؟" قلت لها:" نعم, استشعر نفس الوجع في المدن العربية التي زرتها لأنها تعاني من نفس الطوفان."
ارتعدت فرائصي من السكون المطبق الذي يلف المضافات, وغرف الحرس الأميري, وبراجيل القلعة المنطفئة. لا صوت يُحيي الماضي, ولا صدى يطرق المسامع محدثاً عن ماضٍ تليد إلا في بعض أيام "البراحة" الموسمية حيث تشتعل القلعة من جديد بنشاطات التراث المحتضر, وأهازيجه الخرساء. كان شعاع الشمس ينبعث من فتحات الرماح الضيقة في ذلك اليوم الصيفي اللاهب. سمعت صدى صوت المرّي يهمس في أذني:" هنا يهجع تاريخي العربي القديم, وربما يصحو ثانية من هنا, فلا تيأس, يا صاحبي, من صمت الماضي, وصخب الحاضر المتوحش!" لكنني كدتُ لا أُصدق أن صوته ما زال حياً في قلعة لم يعد في استطاعتها أن تتحدى الموج والغزاة. بل كذّبت ساقيي المرتعشتين وهما تسيران في قلعة ساوم أسيادُها المحتلَ البريطاني على عذريتها.
رأيت بأم عيني أن المرّي لم يعد يرغب في تجاوز انتمائه الوطني الذي انتسب إليه بعد تخرجه من الجامعة. لم يكن صوته في ذلك النهار حراً, يكره العتمة والأضواء المصطنعة التي تصلي أحشاء دبي بنورها الحامي. عجبت من ميت تتغير مواقفه, وتتقلب قسمات وجهه, كما يتغير السمك إلى فسيخ كريه الرائحة في غير مدينة بحرية. قارنت بين موقفه الجديد وما قاله لي ذات يوم:" من يتعود حياة القلاع لا يستطيع العيش في شقق مثل علب السردين التي تملأ سماء مدينتنا." مازحته قائلاً:" وهل كان صاحبك إبراهيم الجميل يقبل العيش في غرفة ضيقة في مخيم مكتظ بالروائح الكريهة والخيالات الميتة لو لم يكن لاجئاً؟ كيف كان المرّي يحب في غرفة أضيق من علبة السردين؟ من يقبل أن يكون لاجئاً عليه أن لا يشكو ضيق مكانه أينما لجأ!"
نظرتُ من احدى فتحات القلعة فشاهدتُ ذاكرة مضيئة, وسور عالٍ منتصب, ولواوين تقف شاهدة على من كانوا هناك أسياداً لا ينحنون. لكن المرّي عجز تماماً عن المواءمة بين كابوس عصري يداهم مدينته التي تصارع الغزو, وقبس الماضي الذي يسطع من فتحات القلعة الصامتة! في تلك اللحظة المأساة شعرتُ أنه يتنصل من استحقاقات زمالتي القديمة له. كأنه حاول أن يحتمي بمنطق تحولات مدينة عصرية تنام على شاطئ مكشوف, ولا تجد ما تأكله غير فسيخ نتن نثرته بوارج الغزو في باحتها الخلفية.
كان طيف المرّي في ذلك الغروب الباهت من مساء الأول من شهر ربيع الأول الهجري عصبياً, له قسمات قلقة لا تبشر بخير, كأنه يبحث مثلي عن شيء افتقدناه سوية, دون أن ندري ما هو. هل كان ذلك الشيء المفقود الذي أحسبه ضاع مني ومنه على حد سواء هوية وجودية تتعرض للذوبان؟ وهل ترحب دبي العولمة بعربي فقد مدينته وجاء لاجئاً إليها يطلب لقمة عيش ومصروف جيب؟ صرخت:" أي لاجئ أنت يا جمال الموسى في مدينة تأنف من اللاجئين إليها؟ كيف تحتمي بأرض عربية منتهكة الحمى ويحاصرها نفس الطوفان الذي أخرج والدك من مدينته؟ ألا تعرف انها على شفا الإفلاس؟ ألا تسمع الألسن الغريبة التي تحاصر قلعتها, وتعرض ممتلكاتها برسم البيع؟ أنظر إلى مؤآمرات الحيتان الذين يقبعون في جوفها! هل رأيت كيف يحاولون أستئصال ثروتها ولغتها ومفرداتها كما فعلوا بسمك يافا ولغتها ومفرداتها من قبل؟"
لقد حذرتني القلعة من مصير مدن عربية يصيبها الخراب على يد غازٍ يرتدي ملابس مدنية, يغشى دبي مترجلاً, بلا سيف أو ترس, وتكون لغته أمضى من السيف. أنا اليوم أشاهد صورته في الأفق الممتد بين البحر والسماء كما النار الإغريقية التي حرقت, أو كادت, وجه الهلال العربي في يافا. اعترفت صراحة للقلعة:" كلامك صحيح! لقد رأيت بركة النار في الجميرة مشتعلة مساء أمس." لماذا كان وجه شمسنا العربية مكسوفاً أثناء زيارتي قلعة دبي؟ ألأنه أراد أن يذكرني بخسوف وجه قمرنا اليافاوي فوق مينائها؟ ربما كان أفول نجومنا العربية بادياً للعيان في أفق ملبد بإيقاعات السلب والنهب. قرأت على صفحة سماء دبي تحذيراً مكتوباً بخط النسخ العربي يقول:" احذروا الغزاة قبل أن يزرعوا بيارقهم في مدنكم المحاصرة ومداكم الواسع!"
عرفتُ جراء زيارتي القلعة لماذا ارتد طيف المرّي خائباً حين حاول العودة إلى بيته في دبي؛ ربما احتج على وجود غزاة يحاولون خلق ثقافة جديدة في مدينته العربية حيث بدأت محارق هندوسية تصلي وجهها العربي المسلم وتلفح وجه أرض الإمارات العربية. وحين لسعني وعيي, كما لسعني ندم أبي على مصير يافا, رأيت التاريخ العربي المعاصر يعتذر لله ويخر ساجداً له على دكة أسمنتية تقبع على بعد أمتار داخل فم الخليج الهادر. قلت له معاتباً:" ألا ترى, يا صاح, كيف تتجرأ أضواء مدينتكم المجنونة, وعناوينها الساحرة, وأبراجها العمياء على مناطحة الهلال العربي؟ أين طقوسها العربية التي كانت تقام حسب دوران الشمس في كبد السماء, وتصوم بلغة القمر حين يكون بدراً وهلالاً ومحاقاً, وتغني للجمل والناقة, وتنشد لليلى قصائد أبجديتها العدنانية؟ أصبحت دبي العولمة سائحة غجرية, تلبس البكيني, وتتحدث بلغات شتى إرضاءً لحيتان الاستهلاك والتحضر الرخيص.
لم تعد دبي الضياع تطربُ للهجيني:" أين لسانك يا مرّي حتى تترجم لي لغة راقصات فندق الفيرمونت الروسيات اللواتي لا يعبأن بسيرة مرام الإماراتية؟ هرب أبي من يافا قبل أن يفَقَد لغته فيها؛ فهل حذوت حذو أبي وهربتَ من دبي قبل أن تفقد لغتك فيها؟ كان هروب اللغة العربية من يافا الخراب أمراً مفهوماً لي, لكن كيف تهرب لغة العرب من دبي رغم وجودهم فيها؟ إلى أين المفر, يا عرب, وبرجكم العائم يناطح الطوفان؟ يتقاطرالغزاة من كل حدب وصوب على مدنكم المستباحة. لم يعد هناك فرق بين لاجئ عربي فقد مدينته المغتصبة في فلسطين, وآخر عربي يسكن مدينته التي فقدت لغتها في الخليج. في كلتا الحالتين فقدت أو كادت مدننا تفقد لغتها وكينونتها. أصبحنا جميعاً لاجئين, فقدنا مواطنتنا الحقة حين فقدنا وعينا بحقنا في أن نكون أسياداً على أرضنا."
كان محمد المرّي يتوقع حدوث تلك المأساة الثقافية التي قرأتها أثناء زيارتي قلعة دبي. كنت يومها أرتدي قناعين متناقضين؛ قناعاً عربياً قديماً, وآخر عصرياً مصطنعاً. حين كنت عربياً, أي صاحب وطن, كان وجهي ولغتي وعاداتي عربية. وحين بت لاجئاً, تغير وجهي وأصبحت مختلفاً, لا أشبه نفسي أو حلمي إطلاقاً. هل كان لأبي وجهان متناقضان بعد خروجه من يافا حتى يورثني تلك المعضلة؟ ألم أكره وجهه الكرمي وبقيت أحن لوجهه اليافاوي؟ لماذا يمسي من يفقد مدينته بوجهين؟ ألم افقد وجهي القديم حين زرت دبي كي "يمشي حالي"؟ كانت مأساتي أنني تغيرتُ كي يرضى عني "الآخر" , لكنه كان لئيماً. كان لسان حاله يقول لي:" ما دمت قابلاً للتغيير فعليك أن تتغير دائماً حتى أقول لك كفى! يوجد لك وجه مفقود, ووجه مزيف يبحث عن قسمات أخرى كي يرتديها حتى يخفي عن الآخرين لجوءه الذليل. أريد منك أن تتلبس وجهاً بلا وجه, ولغة بلا حروف, ولباساً بلا زي, ونشيداً بلا هوية حتى تبقى إلى ما شاء الله طوع يدي, لاجئاً قابلاً للتغيير, دون وطن أو مدينة أو ميناء."
في تلك الأيام, شاهدتُ دبي مدينة بلا وطن, ووطن بلا دولة, ومحطة بلا قطار, وميناءً بلا أشرعة. رأيت مستقبلها غير العربي بأم عيني, كما تنبأ به المرّي أثناء دراستنا في بيروت في أوائل السبعينيات من القرن العشرين؛ فقد أستطاع أن يتخيله حين كان في فردان وخشي منه. كنت في دبي التي تعج بوجوه من كل لون وجنس, التي تستبيحها الرياح الغربية والآسيوية العاتية. حين زرتها وجدتها أخطر مما قاله المرّي قبل عشرين عاماً خلت. كان الأمر الذي أدهشني بروز تجمعات سكانية منغلقة للوافدين إليها من غير العرب. لم أر مثلها في أرجاء العالم العربي, كأنها بوارج برية ثابتة, نشأت كي تمحو بصمة الأرض وهوية الشعب الأصلية. رأيت حاضرها يأكل ماضيها نيئاً, فتحمل بطفل له وجهان لا يمتان لبعضهما الآخر بصلة. حاولت أن أستولد من قسمات تلك التجمعات المتجهمة وجهاً جديداً يناسب ذوقها الشرقي وقسماتها العربية العتيقة, لكنني فشلت. كانت قسماتها حاقنةً, منتفخة, لا تشبه قسمات محمد بن سعيد المرّي التي ما زلت أحفظها عن ظهر قلب. كما كانت تغاير تقاطيع وجوه سكان قلعة دبي الأوائل وبشراتهم السمراء الذين تخيلتهم أحياءً يدبون على أرضها المهجورة. أمست المدينة منتدى عالمياً للقمار وعقد الصفقات الخاسرة. لم أر لسكانها الأصليين شأناً حقيقياً فيها, فقد اختفت براجيلها العتيقة وحلت محلها أبراج عبثية تناطح غيم الشتاء دون أن يهطل المطر. ورغم انفتاحها على الآخر, رأيتها منغلقة على نفسها ومثقلة بالأرصدة المكشوفة, كأنها تعيش حالة من الخوف الشديد من وجود وجوه غريبة, وألسنة أعجمية مُريبة.
لم يعد لها أسوار تحميها من رجال "المافيات" العالمية, كما كان حال سرادق قلعتها المهجورة. مدينة بلا أسوار تشبه امرأة عارية, تبيع الحب على شاطئ البحر مجاناً. تساءلت:"أين أنت يا مرّي الآن؟ سأعترف لك صراحة بما أعتقده؛ حتى لو غضبت مني! سأقول لك همساً:" كل الوجوه التي رأيتها في دبي متجهمةً, وصادمة كجرح عميق في وجه مرام". كأنني سمعته يسألها:" ما بك يا مرام؟ ما الذي دهاك؟" وسمعتها تجيب:" أنا حزينة! غزتني لغة الأورديين, وطقوس البنغاليين, ومسلكيات الفلبينيات, وعادات الكورياتو وشعائر الهندوس. طغت لغاتهم على لغتي وأخرست كلام أبنائي, وطباع أحبابي." لقد صدقتها؛ لأنني لم أسمع معارضة من محمد بن سعيد المرّي. سألت نفسي:"هل يُعقل أن تضيع لغة المرّي في دبي كما ضاعت لغتي في يافا عام 1948 ؟ أخاف عليك من زمن الحيتان يا دبي! كما كان خوفي على يافا كبيراً حين فقدت لغتها قبل نحو ستين عاماً."
ثم صرختُ صرخة مخنوقة:" قم يا ابن مرّة ولا تتخاذل! تعال يا مُهلهل! دافع عن مدينتك! لقد مات السيف في يد كليب وبقيت الجليلة تنتظر عودته من الموت! إنهض من كبوتك أو موتك كي تصرخ في وجه الغزاة الذين يحتلون لسانك وقيمك وهويتك! لم تفعل بقاتل أخيك ما فعلته العمالة الآسيوية والسياسة الأوروبية بجسد مدينتك!" كأنني سمعت صدى صوت محمد المرّي يواسيني في القلعة:" لا تقلق على دبي! لقد انهزم داريوس الغازي ذات يوم على أطراف الخليج الشمالية. حتى لو مر الغزاة من تحت إبطنا وبرضى ساداتنا, واحتلوا بيوتنا ومزارعنا ومطاعمنا دون صليل سيوف, سينهزمون في النهاية. ولو هتفوا بغير العربية يوماً كما فعل جيش اسكندر المقدوني حين مر بيافا في طريقه لحصار مدينة غزة, سينهزمون. في ذلك الزمن الغابر, سقطت المدن العربية الساحلية في قبضتهم, مدينة إثر مدينة, حتى استقر الغزاة في معبد طيبة حيث توجوا قائدهم اسكندر الكبير إله من البشر يمشي على الأرض."
ابتسم طيف زياد الحيفاوي في وجهي قائلاً:" ما أشأمك, يا جمال الموسى! لماذا تكره الحضارة والرقي؟ هل تريد من المدن العربية أن تتقوقع على نفسها لأنك فقدت يافا؟ طز فيك وفي يافا! أنظر إلى الحياة بتفاؤل وأمل وإلا اندثرت أنت, لا دبي! لقد تعبت العربان من الهزائم, وملّت المحن, أصَبحت تحنُ إلى الرخاء وهدوء البال, ألم تزهق من حياة التشرد والفقر؟ لا تفسد على الإماراتيين حياتهم الوادعة والهنيئة, فهم لا يؤمنون بالثورة أو المقاومة! دعهم يعيشون في أوطانهم آمنين, مسالمين غير ممانعين! على اللاجئ أن يكون مؤدباً على تراب ليس وطنه, هل سمعت؟" سألته بعناد:" وهل يهنأ شعب بحياته ووطنه إذا عجز عن الدفاع عن نفسه وهويته ضد أطماع الغزاة في بلده؟"
لم يجبني زياد اللاجئ, وبقيتُ ساكتاً على مضض, ثم رأيت أشباحاً تحاول جر قلعة دبي إلى مكان مجهول, كانت تحاول ترحيلها على ظهر موجة بحرية عاتية, ترسو بعيداً خلف الأفق. بدأ الشك يساورني حول مصير مدينة تعيش زمن الاستباحة. صرخت منادياً على زياد:" ألا ترى كيف يحاول طوفان الغزو أن يسرقها منكم, أوقفوه وإلا حدث لها ما حدث ليافا!" كان بين كل عشرة وجوه رأيتها في دبي, وجهاً عربياً واحداً يتكلم العربية حيناً, ويصمت أحياناً أخرى. ثم صرخت في وجه المرّي:" كأنكم أمسيتم مثلي غرباء عن مدينتكم! ألا ترى ما أرى, يا صديقي؟ يحاصر الغزاة مدينتكم من الشرق والغرب والشمال والجنوب, فماذا أنتم فاعلون؟ هل ما زالت لغتكم حصينة؟ لا تزعموا أن داريوس مات وفنيت ذريته بعد هزيمته الثانية على يد اسكندر المقدوني! لا تقولوا إن اسكندر الأعزب مات في الثالثة والثلاثين من عمره ولم يكن له ولد. بعد أن توّجهه كهنة معبد طيبة إلهاً يمشي على الأرض العربية, كثر عدد أحفاده هنا وهناك."
فجأة سمعت صدى أغاني الهجيني والربوعي تصدح من بعيد داخل القلعة؛ كما كانت أصوات الفلاحين تصدح بالدلعونا, ويا زريف الطول, والميجانا في يافا قبيل سقوطها. لماذا, يا عرب, تتشابه نهاياتكم وتكرروا نفس أخطائكم السابقة؟ لا تحترفوا الغناء في زمن الاحتلال والتحول الخطير؟ لو تغنون والسيوف في ايديكم لانتصرتم. ثم بحثت خارج أسوارها عن رقصات فرحها الجديد فوجدت صوتها طيراً عجيباً يشدو بشتى الألسن واللهجات. كأنه مزيج من التوابل التي تهري المعدة, وتُصدّع الرأس, وتزكم الأنف. رجوت طيف مرام:" هل لي بباقة نرجس أو قطرة من ماء الورد, كي أهزم الزكام الأوردي في دبي؟ أين أنت من زكامي الخليجي, يا امرأة؟ وأين أنف محمد المرّي من زكام إبراهيم الجميل ذي الأنف اليوناني؟ وأين أنا - جمال الموسى - من موت لغة محمد بن سعيد المرّي على شواطئ دبي التي لا تنام؟ لم تطاوعني نفسي ترك مدينتنا لشوارد الايام؛ لأنني لم أجد صاحبي في قلعتها, فآثرت العودة إليها ثانية للبحث عنه في أبراجها السامقة وبناياتها الشاهقة وفنادقها التي تناطح السحاب. ثم تساءلت فجأة:" ما الخطأ في أن تصبح دبي مدينة عالمية لكل الألوان واللغات والهويات؟ لماذا أخاف من الآخر؟ وهل أمسيت ضعيفاً إلى هذه الدرجة كي أخاف من كل وجه جديد؟ مالي ومال مدينة أختار أهلها ما أختاروا من سلوك وولاء وقيم؟" كأنني سمعت صوتاً إماراتياً مجهولاً يهزأ بي:" لا عليك أيها اللاجئ! احتفظ بنصائحك لنفسك, ولا تقلق على مدينتنا! من قال لك إنها تحتاج إلى تحذيراتك؟ لا تحاول الصيد في الماء العكر! هذه المدينة قوية, وقادرة على أن تخلق أسباب قوتها الذاتية المستقبلية إن نضب نفطها؟ المدن الواعية تفعل ما فعلته مدينتنا؛ تأخذ من كل أسباب البقاء زاداً لها كي تضمن خلودها!"
ازداد إلحاحي في البحث عن المرّي في الساعات الأخيرة من وجودي هناك. سألت من صادفني في طريقي عنه, لم يفهم لغتي أحد ممن سألتهم. أصبحتُ غريباً بين غرباء في مدينة غريبة, كانت مسقط رأس صاحبي. سألت أحدهم:" صديك ...صديك ! وين محمد مرّي؟ كيف أجده في مدينة فقدتُ عنوانه فيها؟" أشاح الأول بوجهه عني, وتحدث الثاني عبارات لم أفهمها, وصرخ الثالث بلهجة عالية النبرة كأنه هددني بالطرد منها إن لم أتوقف عن طرح أسئلتي الشائكة. صرختُ في وجهي بصمت حتى لا يغضب مني أوردي أو كوري او فلبيني:" وهل كان لزاماً عليّ أن أتعلم الأوردية كي أعرف عنوان صديقي محمد المرّي في دبي؟ لقد فقدت لغتي العربية في يافا بقوة السلاح, فهل أغفر خطيئة مَن لا يفهم لغتي العربية في دبي العرب؟ مَن يفهم لغتي في مدينة عربية تتكلم لغة غير لغتها إذن؟ هؤلاء الأغراب لا يعرفون محمد المرّي الذي سكن القلعة وشارك أجداده في بنائها, فهل لهم أن يقرؤوا نصاً بالعربية يتحدث عن علوم ابن خلدون, والطبري, وصحيح مسلم, ولغة القرآن الكريم؟ لقد أمست قبيلة المرّي أقلية في وطنها, أصبح أفرادها غرباء عن أهلهم وذويهم فأين سأجد صاحبي إذن في ربوع قبيلة تجهل مصير أبنائها؟
شعرت حينئذن أن مدينة المرّي موصدة الأبواب في وجهي, فقررتُ العودة إلى مخيم طولكرم. لماذا لا اغادر مدينة خاوية من وجود المري, وترفض لجوئي إليها بينما تحتضن سواي من الغرباء؟ هل أطمئن إلى حاضرة تصفعني كل يوم خمس مرات على وجهي لأنني لجأت إليها خالي الوفاض؟ ثم إنني لم أكن مهيأً مادياً للبقاء فيها أكثر من شهر واحد, قضيت معظمه ضيفاً ثقيل الظل عند بعض أخوالي المقدسيين العاملين فيها. لو لم يسعفني الشاب يحيى المقدسي وناجي الرفاعي بكرمهم لما استطعت العيش فيها أكثر من أسبوع بسبب غلاء معيشتها. أصبحت دبي مدينة النخبة العربية المستبدة والدولية الغازية, مدينة رأس المال الغامض, لا داراً للأمة وقضاياها.
ركبتُ الحافلة بنية العودة إلى عمان, ومنها إلى طولكرم. لماذا أبقى أتذوق طعم خيباتي المتتالية في مدينة فقدتُ فيها صنوي, ولغتي القديمة, ورسالتي بل وبعض ذاكرتي التي بدت بائدة في بحر من حضارة وافدة؟ لا يستطيع لاجئ أن يعيش في مدينة ارستقراطية. ثم ماذا تبقى لي في مدينة فقدت فيها صديقي الذي أتيت لزيارته؟ قال لي أبي يوماً:" إذا كان لك صديق في مدينة ما, فالمدينة مدينتك, ولغتها لغتك, وأهلها شعبك. أما إذا وطئت مدينة لا تعرف فيها أحداً فلا تبق فيها أكثر من وقت صلاتك أو راحتك؛ لأنها تنقلب إلى غولة تأكل وجهك ولسانك ثم تلفظك مهاناً."
أثناء مغادرتي مدينة دبي, تراءت لي طيوف أسرتي؛ رأيت وجه أمي, وسمعت لغة أبي, وأصوات أبنائي, ونصائح اخوتي, ودعاء أخواتي في الغربة. وشممت رائحة المخيم, وعرق أبي, ورائحة أم العود, فحزنت عليهم وعلى نفسي. اكتشفت يومها سبباً إضافياً يحول بيني وبين حياة النخبة؛ لم يكن الاكتشاف الجديد مادياً أو اقتصادياً بل لغوياً بإمتياز. كيف أعيش - لو سنحت لي الفرصة - في مدينة يغتالني الثراء فيها كل لحظة؟ لن أستطيع أن أحلم فيها بحرية كما تعودت أن أحلم في المخيم, هناك مساحة للحلم الإنساني في الأماكن الفقيرة. أما واقع دبي الثري فقد أجهض حلمي بتعاليه علّي. في دبي, يعجز حلم اللاجئ في أن يصبح أرقى وأرق من أبراجها الفخمة التي هي عالم من الحلم في حد ذاتها. وحين يكون الواقع فيها حلماً فكيف يحلم فيها الحالم؟ كيف لي أن أحلم بالعودة إلى يافا وأنا أشاهد مدينة واقعها يفوق أحلامي؟
لم أجد مكاناً وجدت نفسي وحلمي فيه غير مسجد قديم يقع على أطراف المدينة الشرقية. هناك ارتحت كثيراً, وجدتُ ذاتي بعد أن هجرتني قرابة الشهر. كيف يُضّيعُ اللاجئ ذاكرته وذاته في مدينة كل ما فيها يثير الغربة؟ كنت دائماً أنحو باللائمة على الزمن بسبب فقري وتشردي. في اليوم الأخير من زيارتي إليها تغير موقفي؛ لمت نفسي, وأعفيت الزمن والأعداء والخلاف بين فتح وحماس من الملامة. صرتُ اكثر تعاطفاً مع أصحاب الأزمات النفسية الذين يجترون ذكرياتهم وأحلامهم في مخيمات لا تصلح للعيش الآدمي. تغيرت, أمسيت اكثر إنسانية مع المسحوقين في المخيم كي أُؤكد براءتي من كل الحماقات التي ارتكبتها في حياتي, وخصوصاً زيارتي دبي. لماذا ندمت على القيام بتلك الزيارة؟ ربما لأنني رأيت كيف ينهزم اللاجئ إليها أمام منظر أبراجها التي تناطح الغيم والسحاب وأحلام الفقراء. لقد شاهدت زمني العربي مدحوراً في برج العرب على شاطئ الجميرة. لكن أي زمن ذلك الذي إندحر؟ هل هو زمن الاستقرار أم زمن اللجوء الفظ؟"
هجرتني أسئلتي السوداء حين لمحتُ امرأة منتقبة تشبه مرام تجلس في مقدمة الحافلة. اعتدلت في جلستي, ثم عضضت إبهامي كي أتأكد أنني لستُ نائماً في تلك اللحظة المنيرة. كنت بكامل وعيي, وكانت هي امرأة حقيقية, من لحم وشحم وعظم, لم تكن خيالاً ولا طيفاً كما يراه النائمون في أحلامهم السعيدة.استفزتني قامتها فصحوت من اغفاءة قصيرة داهمتني بعد طول سفر. ماذا أفعل بجفوني الثقيلة يا ناس! لقد حجب نورها عني رؤية ما أشتهي في غربتي, كما اثقل هواء المُكيف البارد جفوني فغفوت. ثم صحوت ثانية, ثم غفوت مرة أخرى قبل أن أتحقق من صورة المرأة الجميلة التي لمحتها. كنتُ في صراع مع النوم والرحيل والخيبة والأحلام الوردية بينما أشاهد امرأة أجمل من الخيال. ثم قض مضجعي في نفس اللحظة وتيرة متقطعة من ابتسامات بعيدة هاجمتني بصمت. كانت تنطلق من طيات وجه زوجتي "أم حسام" في المخيم. رأيتها بوضوح عن بعد, ثم أدرت وجهي عنها, قلبتّه يمنة ويسرة عليّ أطرد إبتساماتها السمجة, لكن دون طائل. مَن يحلم بوجه زوجته وهو يطارد طيف حبيبته في بلاد الغربة لا بد أن يكون ساذجاً في الحب؟"
هادنت عقلي بالإلتفاف على ذاكرتي, ثم أشعلت أحلامي كي اتبين حقيقة ما أرى من روعة الخالق. وحين تحركت الحافلة ثار قلبي مرة أخرى. رأيت شيئاً عجباً؛ انثنيتُ بسرعة كي أرقب مسافرة تشبه مرام تجلس على مقعد في الصف الرابع من الحافلة, لم تكن وهماً صوره لي قلبي الجائع. كانت من لحم ودم, فارعة الطول, بيضاء البشرة, أصابعها موزية مكتنزة بالعافية, ملثمة بنقاب أسود يضفي على بشرتها لوناً يستفزني منذ أن أصبحت رجلاً بالغاً بعيد حرب حزيران عام 1967. كانت هي مرام أو هكذا تخيلتها أو أردت أن أتخيلها رغم أن جلبابها الأسود الهفهاف لا يُمكّن مسافراً يجلس في الصفوف الخلفية من رصد جسدها المترع بالأنوثة. تذكرتُ أنني لاجئ يبحث عن حبيبته في مدينة مستباحة, فأعطيت نفسي حرية تخيلها كما أشاء وأهوى. سألت قلبي:" كيف عرفت أنها طويلة القامة بالرغم من أنها كانت جالسة؟" أجابني بشيء من التهكم:" نظرت إلى ركبتيها فوجدتهما طويلتين ومكتنزتين, فعرفت أنها ممشوقة القامة!"
عدتُ مرة ثانية, أثناء رحلة العودة براً من دبي, إلى حالتي القديمة حين كنت إبراهيم الجميل الذي كان يرسم بدمع عيوني هيئة عاشق أحب في يوم من الأيام فتاة تبيع زهر النرجس في بيروت. يومها خلصتني المسافات من قرف ضياع إبراهيم, حين كان ضامر البطن, خفيف الشاربين, أسمر البشرة, أسود العينين, وسيماً. وكانت مرام بقامة تلك المسافرة التي رأيتها, مكتنزة الجسم, رفيعة الخصر, نافرة الصدر, طويلة العنق, بيضاء مثل قطعة ثلج قُدّت من جبل صنين:" على مَن أحب يوماً مثلي أن يُصدق أن ما رأيته كان حقاً وصدقاً, لا تهويمات قلبية تجعل من الفسيخ سمكاً طازجاً."
حين وجدت قلبي منشغلاً بجمالها, تذكرت ما قالته لي زوجتي عندما همست في أذني ليلة زفافنا:" إسمع يا جمال! والذي خلق السماء بلا عمد لو ما حبيتني أكثر من نساء العالم لأعمل فيك عمايل ما عملتها الأمازونيات بالرجال في زمانهن! انا ما بدي إياك ناقص قلب أو عين أو لسان؛ بدي إياك كلك, وأنت خذ مني حالي ومالي وما تخلي مني شيء! أنت لي وأنا لك؛ فهل يتجزأ جسد ويبقى صاحبه حياً؟ هكذا تستمر حياتنا للأبد. أريد أن أطمئن لك, وتطمئن لي! يكفينا جوع وتشرد وقلة قيمة بعدما ضاعت منا القدس بعد نكبة يافا, إفهمت؟"
كانت تلك حكاية قديمة, عفا عليها الزمن حين كنت شاباً ملتهباً, في زي إبراهيم الجميل. لكن صداها عاد يدق باب قلبي من جديد كي يشعل ناراً في داخلي تطارد امرأة ملثمة بالرغبة التقيتها في رحلة عودة كأنها مرام. كنتُ أسمع على طول الطريق من دبي إلى الدمام دوي كلمات زوجتي, وموسيقى قلبي الحزينة, وهدير الخليج الذي يتمطى عن يميني كالمرأة المجنونة. لقد احترت في هويتها:" هل هي مرام التي جئت أصلاً أبحث عنها أم امرأة أخرى تشبهها؟ ربما تكون زوجة محمد المرّي العائدة من دبي إلى بيروت في زيارة لأهلها في صيدا! ليتها تكون هي؛ لو كانت هي لبادرتني بالسلام, والسؤال عن صحتي, وماذا جرى لي بعد افتراقنا عام 1974. أم تراها مجرد امرأة بحجمها, وتشبه قامتها الفارعة؟"
همستُ في خاطري:" الويل لك مرتين إن أخطأت في تشخيصها, يا إبراهيم! وماذا ستقول لها إن كانت هي؟ هل تُذكّرُها بأيام النرجس؟" بالتأكيد سأُفعل ... ستخجل وتحّمر وجنتاها من ذكرياتنا. ربما تتنهد قائلة:" ساق الله على أيام النرجس, يا إبراهيم!" وربما تكون قد نسيتني, ونسيت صداقتي مع محمد المرّي, فتسألني مستنكرة:" نرجس! ماذا تقصد بأيام النرجس, يا هذا؟" وربما لن تُلق بالاً إلّي على اعتبار أنها في عصمة رجل آخر, ويحرجها فتح باب الماضي على مصراعيه, فتنكرني قائلة:"لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم! أليس لك أخوات؟ هل تقبل أن يتحرش بهن أحد؟" لكن ما علاقتي بباقة نرجس أهدتها فتاة إلى حبيبها الذي ربما أصبح زوجها؟ لماذا أحشر أنفي في علاقة بين زوجين كما حشرت أنفي في مصير مدينة دبي؟ مَن لا يحترم خصوصيات الناس لا أحد يحترمه! وإن فعلتها سيقرّعني المسافرون:" أهربت من مدينتك وتركت زوجتك خلفك كي تطارد نساء الآخرين أيها اللاجئ؟" وربما يوبخني أحدهم قائلاً:" والله إنك ما بتستحي! ما تفعله بحليلة صاحبك عيب! فك عنها يا أخي!" وربما يقول جليسي في الكرسي بعد اعتقالي:" إف ما أثقل دم هذا الراكب الذي كان يجلس هنا! لا يعرف العيب ولا الأصول, تربية مخيمات والله!" لكن إن أضعت فرصتي معها سيعاتبني من يعرف حقيقة قصتي قائلاً:" أضعت لقمتك حين وصلت إلى فمك, يا أهبل!" لن أكون أهبلاً بعد هذا العمر الطويل, وسأواصل بحثي عن مدينة كانت تحبني وربما أجد فيها اليوم حبيبتي وشبابي."
تقدمتُ قليلاً نحوها ثم توقفت, كأنني خفت من ردة فعل زوجتي والآخرين. احترت مرة ثانية في أمري معها؛ ماذا وكيف سيكون جوابها لي إن لم تكن هي؟ حذرني صوت من داخلي:" إنها منتقبة, يا إبراهيم, احذر منها؟ كيف لك أن تتأكد أنها هي؟" أجبته:" وما العمل إذن؟ إن سكتُ .... ربما تضيع فرصة لقائي مرام, وأخسر مصاغ أمي وزوجتي الذي بعته لتغطية نفقات سفري. وإن كلمتها وتبين أنها ليست هي سيتهمني بعضهم بالتحرش الجنسي بامرأة أجنبية, وربما لا أعود البتة إلى المخيم. وما أسهل الإدعاء على لاجئ يبحث عن ذاته في وطن مُعاق! في تلك الصحراء الشاسعة السعيد من يفلت من تهمة التعرض لأعراض الناس!" كنت مدهوشاً من صمتها ... كيف أبقت على كل جمالها رهينة ملاءة شفّافة, سوداء اللون؟ وكيف بقيت صامتة طيلة نهار بضوئه وليلة بنورها؟ كانت تعرف أننا نستقل الحافلة ذاتها, أما أنا فلم أبصر غير عينين تحومان في افق الحافلة, وكان ظاهر كفها يشير على طفلة ترافقها بالتزام الهدوء. كانت عيناها تدوران في ثلاثة اتجاهات مثل فوهتي مدفع آلي الحركة.
لم يشاهد جليسي في مقعد الباص شيئاً من جسدها, كان يجهلها تماماً. لم يكن مثلي نافذ البصر, رهيف القلب, فلم يعرف إن كانت عمشاء أو عوراء. وصفها نبيل السلطي قائلاً:" هذه المنتقبة التي تتحرش بها شوهاء الوجه, ولا تغري صعاليك الحب بها. مَن يبدي إعجابه بمنتقبة لا بد أن يكون رومانسياً حالماً." كان السائق ومعاونه هما الوحيدان اللذان يعرفان اسمها واسم زوجها وعنوانهما.
اعتقد بعضهم أنها ربما تكون أجمل امرأة رأوها في الخليج وبلاد الشام؛ وجاس البعض في عيونها القلقة, وصدرها الواسع, وتحسسوا بقلوبهم الخافقة نبض قلبها الذي شغل بالهم. إدّعى كل واحد منهم في دخيلة نفسه أنها ابنة وطنه, وأميرة مملكته؛ رأى اللبناني في نهديها جمال لبنان الأبيض, وشاهد السوري في عينيها خضرة غوطة دمشق, ورأى الفلسطيني في فخذيها عروسه اليافاوية المغتصبة, أما ذاك الأردني النزق, صاحب العينين الصغيرتين والملتصقتين بجداري أنفه فقد عبس في كل وجوه الناظرين إليها. كان نبيل السلطي أشد الركاب نفوراً منها لسبب ما كنت أجهله.
بَقيت مُسمرة في مقعدها رغم أن دوامة أحلامهم وكوابيسهم وأوهامهم كانت تجس كل تفصيلة من تفصيلات جسدها المتقن الصنع. كانت تجلس وحيدة بصمت وهدوء, كأنها تمثال لإلهة حب جاهلية جاءت من خلف الزمن كي تعيد لحبي أمجاده في الصحراء العربية. هز نبيل رأسه مستخفاً بهم جميعاً, وبي أيضاً, قائلاً بلغة فصحى صامتة:" أُقسم بالله العظيم أن هذه المرأة التي تستحوذ على عقولكم وقلوبكم لها صوت نشاز. أراها تخاف أن تتكلم كي لا تنفروا من صوتها, وربما تكون لها عينان عمشاوان, تخبؤهما خلف نقاب حتى لا يحرجها أحد بنظرة أو تعليق. واعتقد أنها صدوف, رائحة فمها الكريهة تجعلها تضع كف يدها اليمنى على فمها حين تتكلم, لو لم تكن كذلك لما خافت من الاقتراب منا كي لا يشم أحد رائحتها." وهمس آخر:" ربما تكون زوجة ثري خليجي, تقوم على خدمتها سيرلانكية تجيد قلي سمك الهامور, وطبخ الكبسة. ثم إنها تبدو قليلة حيلة؛ لأنها لا تتحرك كثيراً. هل تعجبكم امرأة بهذه الأوصاف, أيها العطاشى؟ لا تتوهموا جمالاً طاغياً خلف نقاب؛ لو كانت تُغرد لسمعتم صوتها العذب في صحراء بكماء, لا تُنجب غير الصمت والعطش."
لم يبد أي من المتلهفين إليها اهتماماً يُذكر بما قاله نبيل السلطي لي همساً. كأنهم وبّخوه من غير كلام على تجاسره عليها قائلين:" أُسكت يا مغفل! لقد قضينا شهوراً طويلة في مدن الغربة, صائمين عن الحب, لم نذق فيها طعم امرأة, ولا شممنا رائحة أنثوية؛ أنت لا تدرك أيها الأعزب ماذا تعني المرأة الجميلة لرجل جائع في صحاري يضمخها العطش!" كان ركاب الحافلة في المقاعد الخلفية يتبارزون في رفع رؤوسهم إلى أعلى, مثل طيور البجع, حتى يظفروا منها بنظرة تروي عطشهم. كانوا مشدوهين, لا يسمعون, ولا أراهم يرون شيئاً سواها. كأن على رؤوسهم الطير, لا يشعرون, ولا يتكلمون؛ كانوا مشدودي النظر إليها. فقدوا لغاتهم وإشاراتهم وذكرياتهم وأحلامهم من أجل امرأة تبدو لهم بحجم وطن, كانت تعبر معهم صحراءً عربية بلا علم يحدد هويتها. وكانت لهم بمثابة مدينة سحرية, لا تشبه المدن التي يعودون إليها ويرحلون عنها دون دهشة أو حنين. أمسى المسافرون يحملون جنسيتها ويرفعون علمها ويسكنونها وتسكنهم وهي ترحل عبر صحراء بلا تأشيرة سفر. أخيراً طلب منهم نبيل أن يتعقلوا ... أن لا يغامروا بعواطفهم من أجل امرأة مجهولة الاسم والصفات. وهل يستجيب قلب رهيف إلى نداء عقل ينصحه بالتعقل؟ ذهبت محاولات نبيل في استقباح منتقبة, مجهولة الهوية أدراج رياح صرصر, هبت من رفحاء إلى عرعر, ثم طوتها رمال المنطقة خلف أكمة لا يعرف محب لها مكاناً أو زماناً في دفتر حب.
في تلك اللحظات الجواحظ استحضرتُ كيف إلتقى إبراهيم الجميل مرام زعيتر على باب المصعد أول مرة. لم تحبه يومها ولكنها وعدته بالحب. سألتُ نفسي:" وهل الحب وعد أم قدر, يا مسلمين؟" كان لقاؤهما صدفة, ملأت قلبه حباً وحبوراً لم يتذوقه لاجئ مثلي قط. استهواني جمالها, ذكرني بجمال أم العود التي هاجرت إلى المانيا, ثم تأوربت هناك. اليوم أصادف مرام - كما صادفها إبراهيم في الماضي- في حافلة تقطع الفيافي غير عائبة بدقات قلبي الذي كان يبشرني قائلاً:" إفرح! لقد عاد زمن شبابك يا جمال الموسى! مَن قال لك إن الماضي لا يعود؟"
ثم ترجل المسافرون من الحافلة واتجهوا إلى استراحة عرعر لأخذ قسط من الراحة, بعضهم ذهب إلى المسجد المجاور لتأدية صلاة الظهر والعصر جمعاً, وبعضهم جلس في مطعم مجاور, وهو يقارب بين طعم الكبسة الخليجية ولذة كبس الجميلة في صحراء موحشة. أما أنا فقد امضيت وقتي في ملاحقتها عن بُعد, بنظراتي. كنت أردد همساً ما كان يعاتبني به زميلي المقدسي الذي استضافني في سكنه في دبي:" لماذا أتيت إلى دبي؟ لا يوجد فسيخ مقدسي فيها, الفسيخ الموجود هنا إما شرقي أرثوذكسي أو غربي لاتيني, هل فهمت!" فجأة اقتربت نحوي ابنتها لتسألني:" أين مطعم العوائل, يا عم؟" لم يدر بخلدي أنها كانت جائعة مثلي قبل أن تسألني طفلتها عن مطعم كي تسد رمقها. ربما كانت تبحث عن وجبة سمك طازج, أو فسيخ مُجفف, مَن يدري؟
لم أكن أعرف, على وجه الدقة, مكان مطعم يقع على قارعة طريق صحراوية تنام وتصحو غير عابئة بسؤال يُحلق في سماء مُغبرّة. نقرني سؤال الطفلة المتقافزة وهي تسابق أمها كظبية ملثمة بجوع وعطش. تساءلت:" أين أنا من أمها وأين هي مني؟ ورأيت بين السؤالين مطعماً لا تعرفه ابنتها, ولا اعرفه أنا." وقفتُ محتاراً بين سؤال امرأة منتقبة لا أعرف جوابه, ولا أدري شيئاً عمن سألت سوى شكوك تحوم حول رسمها وجسمها وذكرياتي البيروتية معها. لكن قلبي استشعر وطأة حضور جمالها الآسر عن قرب؛ هكذا رأيتها قريبة من قلبي, من غير أن أشاهد شيئاً ذا بال من جسدها الفاتن, سوى رقعة زرقاء صغيرة من سروال بحجم قلب كبير. ثم عرفت في ذات اللحظة أنها ترتدي بنطال جنز أزرق لا تخترقه سهام كيوبيد.
كيف سيراها إبراهيم الجميل لو أُتيح له مشاهدتها عن قرب مثلي؟ ربما يصفها قائلاً:" تسألني كيف ارى امرأة محتشمة, ترتدي زياً عصرياً ملفعاً بالشهوة؟ سؤالك متناقض, إنها لا تشبه مرام الصيداوية التي كانت متحررة." وربما قارن بينها وبين فتاة بيروتية أخرى كان يعرفها وتعرفه ولم تكن تبيع النرجس. وقد يرى أن مرامه القديمة تغيرت كثيراً؛ لم تعد ترتدي "البرمودا", ولا بلوزة سوداء قصيرة الأكمام. كانت متحفظة, وغير محافظة, مثل أهل تلك البلاد, تخاف على جمالها من عين الشمس مرة ومن عيون صعاليك الحب, المتناثرين كالوعول في صحراء قاحلة, ألف مرة. همس جليسي في أذني:" الحب في صحراء مقفرة, يسكنها العطش, ويحتلها الحرمان منذ أيام قيس وليلى, نعمة كبرى لمن يحالفه الحظ." سألته:" هل تعتقد أن صنوي القديم – لو كان معي - سيهتم كثيراً بحكاية امرأة لبنانية أحبت خليجياً, وأمست تلبس جلباباً أسوداً بدل "تي شيرت" فاقع الألوان, وقصير الأكمام, وضيقاً, لا يكاد يتسع لثدييها المكتنزين؟"
كنتُ سأراه ولهاً لو كشفت له عن صدرها الرخام. هل حدث يوماً أن أحب رجل امرأة لم يشاهدها, ولم يعرف اسمها, ولم يسمع صوتها؟ أي نوع من الرجال أنا حين أهيم حباً بامرأة تراني ولكنني لا أرى منها شيئاً ذا بال, أراها من خلال بعض ذكرياتي السابقة مع فتاة جميلة جاءت من مدينة صيدا كي تبيع النرجس في بيروت. ولو كان صاحبي هنا لاختلف حاله عن حالي. سأكون أجرأ منه وسأصفه لها قائلاً:" هذا الذي كان يهيم بك مجرد لاجئ, بلا وطن أو زوجة أو هوية معترف بها من قبل دول العالم الحُر. هل تحبينه لو نطق قلبه بحبك؟ هل تُحسين به أم تعتبرينه مثل حبه هامشياً؟ لقد أحبك فانكشفت له حجب جمالك الكثيفة, ولما هتف باسمك صمت خجلاً منك. هلا سألت نفسك, يا عروب الحب, كيف أحبك وأين إلتقاك؟"
ربما تبرر اهتمامه بها قائلة:" هذه أوهام رجل شرقي عرفته منذ عشرين سنة, ولد محروماً في مخيم قاسي القلب, ويعيش اليوم حرماناً أشد في صحراء قاسية القلب وبلا ضمير حي. سيظل يحلم بقصة حبي له كي يبرر وجوده الإنساني في أي مكان يلجأ إليه. حب المرأة, كالمدينة, وطن للقلوب العطشى التي فقدت حلمها في الغربة."
طَردتُ طيف إبراهيم من مخيلتي بعد أن غزاني ثانية كالعدو المجنون. قلت له:" أغرب عن وجهي, يا كلب! ألا يكفيني فشلي في غربتي بسببك؟ جئتُ وعدتُ بخفي حنين! لم أحصل في دبي حتى على الفسيخ المقدسي الذي كنت أحصل عليه في المخيم! كنت هناك أقل شقاءً من دبي." سلطت نظري مرة ثانية إلى تلك المنتقبة. تصورتها, في أول وهلة, من حفيدات عماليق مكة المكرمة لأنها كانت تتهادى في غربتها كنخلة إخلاص مثقلة بالبلح أمام مطعم يقف على بابه جائعون. جعلني بياض أصابعها الموزية أتراجع قليلاً عن تصوري الأخير:" لا تبدو أنها من نسل تلك القبيلة المنقرضة, ذات البشرة الحنطية. ربما تكون أمازونية جديدة تحب الرجل ولا تحتز رقبته بعد إنتهاء عملية الوصل. ربما تكون مختلفة جداً, فلا يطاوعها قلبها لقتل من يُحبها أو تحبه, لكنها لا تتركه يعيش بسلام مع غيرها أبداً. يبدو أن شخصيتها اسبارطية تحب بحزم, وتحارب عن سبق إصرار!" تفاءلتُ كثيراً حين توقفت أمامي, كانت تلك اللحظات أطول من عمر حبي , كأنها كانت تريد توجيه سؤال آخر لي, لكنها تمنعت في لحظة أخيرة.
ربما كانت على وشك أن تسألني:" هل أنت إبراهيم الجميل الذي لامس كتفي كتفه في بيروت يوماً؟" كم تمنيتُ لو أنها فعلت:" لو سألتني كنت أجبتها ب "نعم" أجمل من كل لآءات العذارى الحسان, وفتحتُ لها مغاليق قلبي الحنون. رأيتها تحّدُجني مرة أخرى, بكل اتساع حدقات عينيها كأنها تريد أن تتأكد غصباً عن منطق نقابها المحتشم أنني هو .... ولما رأتني أنظر إليها كطفل رضيع جائع, ضل ذات صباح بكر ثديي أمه, بكت حزناً علّي. رمتني بنظرة عتاب أو شفقة من بين جفنيها المنكسرين, ثم أغلقت عينيها بتؤدة, وكأنها تأكدت أنني كنت هو. كدتُ أسألها:" كيف أكون هو وأنا أقطع فيافي صحراء لم يعرفها إبراهيم الجميل؟ لو شاهد ذلك الجميل تلألؤ ضياء عينيك الحزينتين من شدة حنينك له لجاء مهرولاً من بيروت كي يعاتبني:" لماذا تُحرجها كثيراً بنظراتك الجارحة, يا جمال الموسى ؟" ولو جاء يؤنبني لغضبت منه, وتركته يقف وحيداً على رصيف شارع بلا نهاية, كي يتفطر شوقاً لرؤية امرأة أحبها يوماً. آه يا إبراهيم الجميل! لو جئتَ تحادثها لطربتُ لسماع حديثكما عن بعد, لكن محاولتك تبدو مستحيلةً. كيف لامرأة تضن حتى على أشعة الشمس أن تلامس كفيها أن تصافح لاجئاً يدّعي أنه إبراهيم الجميل؟ وكيف تقبل أن يُقبلها لاجئ حتى لو كانت مشتاقة إليه, وهو مشتاقاً إليها؟"
ألم يكن تحرشي بها عملاً طائشاً أستحق عليه العقاب؟ بلى والله, لقد كان! كانت خطوة يائسة لطرق باب مدينة من لحم ودم تشبه يافا, لكنني أخفقت في الدخول بها وإليها. هل يحق لرجل مُحصن أن يُحب امرأة على ذمة رجل كان صديقه؟ وهل يُعقل أن عواصف الصحراء الرملية أغبشت عيوني وضللتني فاعتقدت أنها هي بعد أن سحر جمالها عيوني وقلبي فتخيلت أنها حبيبتي التي جئت أبحث عنها؟ ولِمَ تكون حكايتي معها على هذا النحو من الغبن الجنسي والفصام الشعوري؟ المنتقبات يتشابهن في غموض عواطفهن, ولهفتهن للرجال, واستراق النظر إلى من يعجبهن من الشباب. أما المستجمات على شاطئ البيسين في بيروت فيختلفن عنهن في أسلوب حبهن للرجل الصحراوي الذي يدهشه فن الحب في بيروت. وهل لامرأة منتقبة قوة جذب أنثوية تستطيع أن تسحر بها رجلاً لم يكن حبيبها؟ هزني صوت داهمني كالوعل من بعيد:" ألستَ متزوجاً, يا جمال الموسى؟ كُف شرك عن امرأة غيرك ... إن كففت أذاك عن الناس يسلم رأسك من الأذى. إنتبه! أنت في بلاد لها تقاليد مُحافظة! حكامها يأمرون بقطع رأس كل مُحصن يُوجد متلبساً بالجرم المشهود؛ أنت في بلد يحكمه سيف الجلاد, ولا يشبه لبنان. إن قبضوا عليك متلبساً بالحب تفقد حياتك رجماً, أيها "العازب المُحصن" تأدب! ثم هل نسيت تهديدات زوجك ليلة عرسك في المخيم؟ إن سلمت من سيف الجلاد هنا لن تسلم من سلاطة لسانها هناك! كيف تنسى امرأة أحبتك هناك, ولا تحافظ على حبها هنا؟" كأنني أجبته بلا صوت:" في هذه الصحراء الخنثى يشتاق المحروم لأي أنثى من بنات حواء حتى لو كانت فسيخة كريهة في طعمها ورائحتها وشكلها."
رن صوت استنكار في أذنيي الاثنتين, سمعت صداه يدوّي في آذان بقية المنشغلين باستجلاء طلعتها أو استراق نظرة إليها. كان طيف إبراهيم الجميل أشجعهم في التحرش بها. هددهم قائلاً:" إجلسوا بعيداً عنها! لا تنظروا إليها! إنها مدينتي التي أبحث عن بابها, ومخيمي الذي يساكنني, وقضيتي التي خسرتها يوماً, هل تسمعون ندائي, يا عرب؟ من أراد منكم التحرش بها سأقتله دفاعاً عن شرف يافا!" كأنني رأيته يهبط من خلف الغيم, ويجيئ مهرولاً وسط النقع, ويدخل إلى الحافلة مثل طيف "هاري بوتر" الإنكليزي أو نص انصيص الفلسطيني. وقف منتصباً في مقدمة الحافلة, كان يتحدى الجميع بنظراته, ثم تقدم نحوها بخطوات ثابتة. كان وقع قدميه الاثيريتين جميلاً. تقاطعت حركة خطواته الأسطورية مع أصوات أطفال لم يبلغوا الحلم بعد. فجأة وقع بكتفه عليها مثل طائر الرخ. رأيته ينهش كتفها, ويلثم رائحتها, ثم عاد أدراجه محملاً بعبء تساؤلات مشاهديه الذين شاهدوا بملء أعينهم وقوعه عليها عمداً وعن سبق إصرار. نجح في أن يحدجها بنظرة عين وعناق كتف. لم يعد إبراهيم الغائب عني يعايش أزمة الغياب في صحراء قاحلة, إلا من آبار نفط سريع الاشتعال.
أشعل حضوره المفاجئ إلى حافلتنا التي كانت تقطع فيافي صحراوية مترامية الأطراف حريقاً في قلبي. همس أحد الركاب في أذن زميله قائلاً:" ألا ترى كيف أمال ذلك الوقح كتفه على كتفها عمداً أثناء دخوله الحافلة؟ كان تمايله مقصوداً كي يلامسها. كان كله رغبة في مصافحتها بأية وسيلة ممكنة. الويل له إن شكته إلى شرطي الآداب في نقطة التفتيش القادمة!" هل تراها تذكرت, أيضاً, حادثة المصعد في شارع فردان حتى تتأكد من سوء نيته؟ حكايات الحب في بيروت لا تُنسى, تعيد نفسها مع المحبين حتى في الصحاري القاحلة. كأنني سمعته يهمس عن بعد في أذنها:" إن تعذر كلامي معك في صحراء يقطع أصحابها رأس من يُحب, فلا أقل من أن يُلامس كتفي كتفك عرضاً!" أما هي فقد رأيتها جذلة خلف نقابها, وحين ضحكت, ضحك لها قلبي دون أن أرى إبتسامتها بعيني.
شعر نبيل السلطي بالغيرة من حركات إبراهيم الجميل, فادّعى فجأة أنها تخصه ويريد الدفاع عنها بالفعل لا بالقول. ثم زمجر قائلاً:" سبقني إليها طليق أم حسام الكرمية. أمسى قلبه أقرب من قلبي إلى قلبها؛ ليتها صدته حتى يتعلم أن حب بنات الناس, مثل حب الابطال لأوطانهم, ليس لعبة يتلهى بها الجبناء في مشاوير الغربة في الصحاري القاحلة. كيف استطاع هذا اللاجئ أن يحب امرأة جميلة قبلي؟ لو تعرف أنه لاجئ يافاوي ويخفي اسمه الحقيقي عن الناس لما أحبته! المرأة الجميلة لا تحب كلباً مُشرداً, يخجل من نفسه ونسبه, ويجول البلاد بلا هوية أو عنوان؛ لأنها لن تستطيع أن تتباهى به أمام صديقاتها وزميلاتها وتقول: هذا الذي اختاره قلبي!"
لا تميل الجميلة إلى الزواج من شاب غريب؛ لأن الغربة معاناة وقلق. ربما تفضل عليه كهلاً غنياً, لا تحبه, لكنه يحبها ويحاول اسعادها بشتى الطرق! كيف استطاع تائه, لا يحمل أوراقاً وطنية أو هوية حقيقية أن يخطف قلب ملكة جمال عربية؟ وهل يحق ليافاوي ضائع, بلا لغة أو عنوان, أن يعانق امرأة منتقبة بكتفه الأكتع؟ ألا يخشى أن يقطع السيّاف رأسه على قارعة الطريق؟ أشجع الناس في الحُب هم من لا وطن لهم؛ لأنهم يستميتون في البحث عن وطن يتوهمونه ممكناً في حضن امرأة جميلة. وإلا ما هذه الرحمة التي هبطت من السماء عليك يا سيّاف القهر؟ أين أنت يا حليف عزرائيل؟ لماذا أغمضت عينيك عن مشاهدة حادثة تحرش جنسي من الدرجة الأولى؟ ألا تعاقب عليها قوانين أولي الأمر والنهي, وجماعات التحليل والتحريم هنا؟ اقطع رأسه وخلصنا منه, يا سيّاف! لا تخف منه! فهو ليس أول ضحاياك البريئين من تهمة الزنا بنساء المسلمين! ألا تعرف أن الراحل عن وطنه, التائه في أرض الله الواسعة, لا ديّة له؟ إذبحه وامشي حتى لو لم يكن زانياً! وهل كان العاشق آخر بريء تطيح برأسه ظلماً؟"
شاهدت نبيل السلطي يتخيلهما في لحظة غيرة مستعرة عريسين غير شرعيين عقدا قرانهما بدون شهود أو مهر, عند مأذون أعمى وأصم وأبكم. كيف لمأذون بتلك الصفات أن يعقد قران مسلمة محتشمة على مولى يوناني الأصل, ليس له وطن؟ خيّل إليه أنه رآهما يجلسان على لوج من نور في بهو محراب ذهبي, مزينُ بسعف نخيل خليجي, ومطرزُ بزهر نرجس لبناني, ومحاط بزهر برتقال يافاوي. غمزه نبيل:" هل فعلتها يا إبراهيم؟ ها قد استعدت "مدينتك المفقودة" وحلمك الضائع, عادت إليك لغتك وأبجديتك وذاكرتك العربية, فاهنأ يا كلب!" لمعت عينا إبراهيم بفرحة غامرة إثر معركة خاطفة انتصر فيها على تهديدات أم حسام الكرمية, ورعب السيّاف السعودي. صفق له قلب راكب آخر كان يجلس خلفه قائلاً:" برافو! لو لم تفعلها, يا إبراهيم, لفعلتها أنا! من يفوّت صيد غزالة ذات هَيَف في صحراء سرمدية العطش؟" لكن غالبية ركاب الحافلة استنكروا فعلته ورموه بنظرات حادة, أقسى من حفاف حجارة وادي الحجير اللبناني.
قال أحدهم متوعداً إبراهيم الجميل على فعلته:" معكم سكين؟ يا جماعة بدي سكين! مشان الله واحد فيكم يعطيني سكين وأجره وثوابه عند ربه!" سأله نبيل:" هل تريد سكيناً, يا هذا؟" أجابه:" نعم, هات سكين!" قال له نبيل:" بشرط أن تذبح بها وعلاً يطارد غزالة مخمورة الوجه في صحراء عارية من القوانين." تساءل الرجل:" ماذا تقصد؟ أنا لا أرى غزالة يطاردها وعل! أرى وعلاً يتصارع مع نفسه الفاجرة, ويصارع وعلاً آخر. هل ترى ما أرى؟" ضحك بعض الركاب وعبس البعض الآخر إلا مرام, لم يعرف أحد إن كانت ابتسمت أم عبست خلف نقابها الأسود. هل عضت على شفتها السفلى حين أدركت أن وعلين يتناطحان للفوز برضى غزالة تشبهها خلقة وأخلاقاً. لم يستطع أحد أن يعرف رأيها بما حدث؛ من يجرؤ على سؤال منتقبة لا تتكلم حتى مع قلبها عن شجونه في حافلة تقل آذاناً صاغية, وعيوناً ناظرة, وقلوباً خافقة؟ ربما كانت سعيدة بقبلة الأكتاف تلك, مَن يعرف أسرار تلك المرأة؟ وربما تضايقت من حركته الرعناء, فآثرت الصمت خوفاً من الفضيحة, من يدري؟ وربما لم تتكلم خوفاً عليه من سيف السياف حتى لا يتهمها قلبها أنها تسببت في قطع رأس لاجئ مسكين أحبها, والمرأة الجميلة لا يهون عليها قطع رأس من يُحبها, إلا إذا كانت قبيحة فإنها تتمنى قطع رأس كل مَن لا يُحبها.
ظلت صامتة بعد تلك التصورات المتناقضة التي كانت تتلاطم خلف نقابها الأسود. كانت تسترق السمع لآهاتهم بعد أن غمرتهم موجة من الحزن على اخفاقهم في الوصول إليها. كان كل راكب متزوج مُحرجاً من وجود زوجته التي تجلس في الجزء الأمامي من الباص أو في بيته على أرض وطنه البعيد. كانت المقاربة بينها وبين أم حسام الكرمية غولة تحلق في الحافلةِ, تبحث عن قلب رهيف تفترسه على عجل. خفت عليها, فاقتربت أكثر كي أُبعد عنها شبح تلك الغولة الصحراوية. قلت لها بصمت المُحب المرعوب:" يا إلهي كم كان خوفي عليك كبيراً! ليتني أخلع قناعي كي ترين وجهي الحقيقي, وليتك تخلعين نقابك, وتسافرين معي علناً! أنا لا أشبه أحداً ممن يتلصصون عليك في الحافلة؛ كنت الحالة الإنسانية الوحيدة التي أحبتك من خلف نقابك, كما أنني مستعد للدفاع عنك ضد طيشي. هل تصدقين أنني محب صعلوك, طاهر الذيل, ويقاتل نفسه من أجلك؟"
كان ركابُ الحافلة المتزوجين, العائدين إلى زوجاتهم بعد غيبة طويلة, مشتاقين إليهن إلا أنا! كنت في تلك اللحظة خائفاً من ردة فعلها على ما حدث وأحدثتُ في الغربة. كنت مشتاقاً فقط لأولادي خصوصاً تغريد وموسى الصغير الذي أسميته على اسم والدي حتى لا ينقطع حبل غربتنا عن تاريخ فلسطين التي جاءها جدنا الأول كرمنليس. نحن عرب أيضاً, لا تختلف عقليتنا الحاضرة عن عقليتهم؛ فالحفيد منا يرث اسم جده حفاظاً على ذكراه حتى لو كانت ملطخة بالعار. كما أن الابن يعتبر أمه غريبة عن نسبه لأبيه حتى لو كان هذا النسب وضيعاً. كان بقية الركاب في تلك اللحظات يتخيلون أطفالهم ينتظرونهم على أحر من الجمر. تصورت ابني موسى يتخيلني عائداً من رحلتي الخليجية محملاً بالهدايا والإشتياق, زاخراً بالحب والحنان, مثقلاً بغربة طويلة لم أفلح خلالها في الحصول على عمل. تصورته يغفو في حضن أمه وهو يتخيل أنواع الهدايا التي سأحضرها له من دبي والسعودية. كان يحلم في يقظته بثياب مزركشة قشيبة, لم ولن يوجد مثلها في المخيم. سيقول في اليوم التالي لوصولي إلى المخيم:" عاد أبي إلينا من رحلته, أحضر لنا هدايا ومسكاً وعنبراً وبخوراً وعوداً, ألا ترون كيف تحسنت رائحة المخيم منذ عودته إلينا؟ خفف البخور الخليجي من رائحة خمج المخيم, والفسيخ المقدسي الذي كان الجيران يعايروننا به!"
كنتُ متأكداً أن أم حسام لن تفرح لعودتي عاشقاً لغيرها؛ لن تقبل أعذاري الواهية في بحثي عن المرّي ومرام, ثم عودتي إليها بنصف قامة, ونصف قلب, ونصف لغة, وبلا مال لسداد ما تراكم عليّهم من ديون أثناء غيابي. سيصيبها الاحباط حين تعلم أن مصاغها ذهب أدراج الرياح جراء رحلتي الفاشلة للبحث عن عمل في دبي. ستقول لي:" قلت لك أن لا تسافر! لو بقيت هنا لما ضاع مصاغي!" ربما يطالبها الخضرجي أبو عبدو بطاطا بدفع ثمن البضاعة التي تشتريها منه بالدين:" وين زوجك يا أم حسام؟ بدنا الحساب! يالله خلصينا عاد!" يجب عليها أن تجيبه بصرامة وتقول له:" إلزم حدك يا "أبو بطاطا"! مين قال لك إننا نأكل حقوق الناس؟ عندما يعود "أبو حسام" بالسلامة سأعطيك الحساب على داير مليم!" أخشى ما أخشاه إن أحست بتلاعبي مع غيرها من النساء أن تلعب هي أيضاً مع الخضرجي, خصوصاً أنه يوجد بيننا جفاء قديم لا يساعدها على الوفاء لي في الظروف الصعبة! أخشى أن يعقد معها صفقة تجارية:" الحساب مقابل الحب!" يا ويلي ما أصعب هذه الصفقة, أصعب من حساب ناكر ونكير! الويل لها إذا استجابت لتحرشاته أو عروضه! سأقيم المخيم ولن أقعده:" لن أصبح "أبو قرون" ؟ إذا ِبدِك تزرعي في رأسي قرون رايحة تدفعي الثمن!"
لكن من يحميني من غضبها إن بقيت وفية لي, وعَرَفت أنني خرقت أهم بند من بنود زواجنا؟ أول كلمة قالتها لي ليلة عرسنا:" يا ويلك إن أحببت غيري, يا جمال!" وستقول لي عند عودتي إلى المخيم عاشقاً لغيرها:" خسئت, يا خائن! تتركني أقاسي الأمرين في المخيم, وأنت تطارد بنات الناس في الغربة! والله ... والله ... لو ما الناس يقولوا مالهم لأجعلك مسخرة المخيم!" ماذا تراها ستفعل كي تجعلني مسخرة المخيم؟ المسألة بسيطة: تمازح الخضرجي وتضحك معه على مرأى من بعض شباب المخيم, أو تجعل كبار السن يرونها وهي تروح وتجيئ إلى دكانه والكحل في عينيها, وأحمر الشفاه يلوّن شفتيها بحيث تجعلهم يشكون بها, كما شكوا في أم العود من قبل وحرضوا زوجها عليها وهو في ألمانيا! أو ربما تواعده فعلاً ثم تنسلل إلى دكانه وقت الضحى حين يكون رجال المخيم متواجدين في أماكن عملهم, ويفعل بها ما أود أن أفعله بمرام زعيتر! ولا من شاف ولا من دري!" وستقول لي إن عرفت وعاتبتها على خيانتها:" سكّر نيعك! واحدة بواحدة!" هل تراها تجرؤ على إرتكاب ما أتخيله من فعل شنيع؟" لا أستبعد خيانتها فهي ليست أشرف من زوجة سعيد العبد, ولا تُشبه الحاجة فضة في عفافها.
تُعرف بعض النسوة بقوة حدسهن في الأمور العاطفية؛ يَعرفن متى ينشطر قلب الزوج فيمسي بنصف قامة, بلا قلب حنون أو موقف ثابت. كما يَعرف بعض الرجال متى تخفي زوجاتهم كراهيتهن لهم أو تخفق قلوبهن لغيرهم, خصوصاً إذا كانت إحداهن تعيش حالة ندم على عدم الزواج ممن تمنت حين كانت بنتاً. همستُ في سري للخلاص من شكوكي:" ما في أحسن من الغربة للزوج الخائن, يرتاح من شكوك زوجته فيه, ومن رائحتها الكريهة!" ردت عليّ زوجتي من خلف الشفق البعيد, كأنها سمعت اعترافاتي فأرادت أن توبخني على محاولتي التصابي في زمن كهولتي:" تعقّل وعد إلى بيتك, يا يافاوي! العيال أصبحوا كثراً, حقهم علينا أكبر من حبنا لأنفسنا وأهوائنا! إرجع إلى مخيمك! فالحب في غير زمانه ومكانه يجعل من صاحبه مسخرة!"
في تلك اللحظات من المكاشفة سحت في متاهة من التساؤلات الصعبة, وبحر من إجابات لا نهاية لها عن مصيري معها إذا عرفت أنني لثمت هبات نسيم عليل من تحت إبطي امرأة مجهولة الهوية. ستطردني من بيتي الوضيع في المخيم, وستعاتبني قائلة:" أما زلت تحن إليها؟" وإذا اكتشفت أن شفتّي لامستا شفتّي مرام ستثور؛ ستقلب البيت أسفله أعلاه إذا عرفت أن كتفي مال على كتفها بحجة أنني إبراهيم الجميل, لن تقبل اعذاري الواهية عند عودتي إليها بنصف قلب مهتز, وجيب فارغة, ونصف آخر أضعته في قفار من التيه, وعلى شواطئ مدينة أبراج تعاني من الإفلاس المادي والحضاري.
رأيت أم حسام ترميني بنظرة ساخطة بينما كان إبراهيم ما يزال محملقاً في مرام, فأصابني إنحراف في البصر, عين تجوس خلال المخيم, وأخرى في الحافلة. ثم تسمرت عيناي صوب أشباح معلقة من أكتافها في سماء ملبدة بغيوم شر مستطير ينتظرني في المخيم .... وهل لي أن أرى خيراً وأنا أتنكر لزوجة تنتظرني في مخيم يتراقص في خيالي كي يغلق علّي طريقاً تمتد ألف كيلومتراً؟ كأن مخيلتي كانت مترعة بقطرات مطر أغبر تساقطت على أرض جرداء متشققة, ثم هربت مني مدينتي مثل غزالة داهمها وعل هائج. أسكتُ أنفاسي, وحمّلت نفسي وأنفاسي فوق طاقتها, فسكت عنها غضبُها.
تغير موقف نبيل السلطي من مرام:" لقد هزت مشاعري معانقة الأكتاف التي قام بها إبراهيم الجميل هذا... يجب أن نتقدم من مرام بالاعتذار! هذا لا يليق برجل مُحصن! حرام عليه أن يؤلم كتف امرأة محتشمة!" كأن إبراهيم أجابه بدلاً مني:" أنت لست احرص مني عليها! لا تحرضها علّي؛ أنا لم أرتكب خطأ بحقها, لقد سلمتها رسالة تأخرت عن الوصول إليها عشرين عاماً بسبب غربتي عنها, وزواجها من المرّي, هل فهمت؟" سألني نبيل باستهجان:" ومَن هذا المرّي الذي يتحدث عنه صاحبك دائماً بمرارة؟ هل يكون زوجها أم والدها أم شيخ قبيلتها؟" سمعت مرام سؤال نبيل لكنها لم تنبس ببنت شفة, لم يشدها كلامه, بقيت صامتةً كأن شيئاً لم يحدث, وهما أبقيا كلامهما في جوفيهما بلا أصداء. تاهت نظرات باقي الركاب الزائغة في قفار ممتدة بلا نهايات, تبحث عن ظبية أحبتها قلوبهم وعيونهم في ذلك اليوم الجميل من أيام الماضي المضطرب.
نظرتُ إليها حين أرخت للمرة الثالثة جفنيها إلى أسفل خجلاً من حوارهما, فحضنت نظراتي الولهى رموش عينيها الذابلتين. كانت تتماهى أمامي مع خيالات فتاة أحبها إبراهيم الجميل وهي تقطف زهر الورد من جوار مغارة جعيتا, ثم اتسعت حدقات عينيها فشاهدت حبات لؤلؤ منثور تتساقط دمعاً على منقبها الخارجي. ربما كانت تبكي جرحاً بليغاً أصابها في رمانة كتفها الأيمن. سألتها مواسياً:" مَن أحدث فيك هذا الجرح, يا أميمة؟ لماذا لم تبصقي في وجه لاجئ وقح إن كنت لا تطيقينه؟ لو صرختِ "واجمالاه!" لفديتك بروحي! سأطلق النار على إبراهيم الجميل, وأرديه قتلاً من أجلك, هل تصدقين؟" لم تجبني, بقيت محنية الرأس, منتصبة القامة كأنها فرس أصيلة فقدت فارسها وتعاني من جرح بليغ في كتفها. تساءل نبيل:" لماذا نشغل قلوبنا بحكاية امرأة لا تستجيب إلا لنداء نقابها؟ لو كان لها قلب امرأة ودود لهتفت لداعي حبها! أم أنك تروي حكاية خرافية قرأتها على وجوه جنيات؟ هل وقعت في فخ غريزتك المكبوتة, يا جمال الموسى؟ والله إنك مسكين وعقلك صغير؛ تخلق من عطش غريزة عمياء حباً لا يرمم خرابات أصابت قلبك الذي يبحث عن جسد تغرس فيه أوهامك العقيمة!" أجابه إبراهيم:" ما زلتُ أحبها وأبحث عنها." ربما ارتكبتُ خطأ فادحاً في بحثي عن شاب كان يشبهني في الماضي ولن أجده في الحاضر, ماذا أفعل بقلبي الذي لا ينصاع لكهولتي؟ هكذا حدثتني أشواقي! حاولت رسم رسالة حب, لكنها لم تصل إلا لرمانة كتفها. ماذا دهاني؟ هل صحيح أن قلبي ما زال محاصراً بأريج باقة ورد فقدت رائحتها منذ زمن طويل؟"
فرحتُ حين توقفت الحافلة في محطة رفحاء كي أستريح من جموح خيالي, ودقات قلبي المتسارعة, لكن إبراهيم بقي يصارع حاضره وماضيها. لم يحاول أن يستريح من عبء ذاكرته البيروتية كما فعلت أنا. ثم تركتُ طيفه يُحلق خيالاً فوق خيال في الحافلة, ودخلت "سوبر ماركت " مجاور. امتدت يمناي إلى رف يزخر بعلب التمر وعبوات ماء زهر الورد والنرجس. أردت أن أبتاع إحداها لأمي التي قالت لي يوماً:" حين كنت حبلى بك أوصتني القابلة أم العبد اليازورية أن أشرب كأساً من الماء مذاباً فيها ملعقة من السكر, وثلاث قطرات من ماء زهر النرجس لتسهيل عملية الولادة. وبعد أن ولدتُكَ أوصتني أن أغسّلك بماء الزهر في الأسبوع مرة أو مرتين كي أحميك من لسع الحشرات الضارة التي تعيش على مياه الصرف الصحي الجارية في قنوات المخيم المكشوفة. كانت أيامك وعرة يا بني! فقد حملتُ بك في مدينة عز, ووضعتك في مخيم قميء. وحين ولدتك في المخيم ظلت رائحة الزهر تفوح من بيتنا, وتعلق بثيابك حتى أصبحت شاباً."
داهمتني ذكرياتي في المخيم من الجهات الست حين كنت منهمكاً في احتضان عبوات التانجو والتمر المحشي باللوز بين ذراعيي. كأنها كانت في استقبالي في منتصف طريق العودة بعد أن عرفت بخبر عودتي من دبي خائباً. لم أفطن إلى وضعها في سلة تسير على أربع عجلات, أو حتى في كيس نايلون كما تقتضي طقوس التسوق العصري في الأسواق التجارية الراقية. لا يستطيع أحد أن يلومني على جهلي بتقنيات الشراء في بلاد ثرية لم أعتد على التسوق فيها, فقد تعودت على شراء حاجياتي الأساسية من دكان "أم العود" الصغير, والحاجة "فهيمة", ثم "أبو عبدو بطاطا". كنت أضع كل أغراضي في كيس نايلون أسود حتى لا يرى أحد ما الذي اشتريه. فلماذا, إذن, استخدم اليوم عربة أنيقة بعجلات أربع؟ ماذا تغير بالنسبة لي؟ لا شيء البتة, ما زلت لاجئاً, فقيراً, عاطلاً عن العمل, يجول في المدى العربي بحثاً عن عمل فلا يجده. ثم من قال إن هناك طرقاً سالكة في المخيم حتى تسير العربة عليها من وإلى بيتي في آخر زقاق أهل يافا؟ لم أتعود شراء كميات كبيرة تستدعي حملها في سلة عربة بأربع عجلات مطاطية. كأني سمعتُ أبي يستهزئ بي:" لم نتعود على استخدام العربات الفاخرة في مراكز التسوق, يا بني!"
ثم همس في أذني صوت كنتُ أسمع شبيهاً له أيام دراستي الجامعية في بيروت. إلتفتُ خلفي مباشرة فوجدتُ ذات الخمار الأسود تقف ورائي كالطود الشامخ ترصدني, كأنها هي التي كانت تهامسني بصوتي أمي وأبي وشبابي. لم أتمالك أعصابي فانتفضتُ مثل طفل رضيع ضل حلمة ثدي أمه الدافئ, ثم أصخت لها سمعي. كأنها همست بخيال جامح من شفتين لم أتذوقهما وعينين لن أنساهما:" خذ هذه, يا إبراهيم! إنها هديتي لمن ينتظرونك في المخيم, باي باي حبيبي." ناولتني سلة مملوءة بالهدايا, ثم إنسلت من بين الرفوف الزاخرة بشتى أنواع السكاكر, والتمور, والبسكويت, والعطور الخليجية المعتقة, صوب آلة "الكاشير" الرنانة. كأنني سمعت صوتاً خافتاً يهامسها أيضاً, متسائلاً عن ثمن باهظ يمكن أن تدفعه منتقبة في مدينة غير بيروت إذا أحبت مسافراً بطريق الصدفة, أثناء رحلة صحراوية المدى. كيف أراها تُحبني ولم تتعرف علي من قبل, ولم تقابلني في شبابي؟
عدتُ إلى مقعدي في الحافلة مسرعاً, لم أُحدّث نبيل عن الحوار الواعد الذي دار بيني وبينها. ثم انفتق جرحي, فجأة, في لحظة طيش لذيذة الإحساس, غالية الثمن, وتحوّلَ إلى جرحين لا يندملان؛ أحدهما أصاب رمانة كتف امرأة تشبه مرام زعيتر, والآخر رمانة كتف زوجتي أم حسام. ركنتُ رأسي على زجاج نافذة الباص وأغمضتُ عينيي كي لا أرى امرأتين تعانيان من جرحين في كتفيهما أثناء رحلة فاشلة. أغلقت أذنيي كي لا أسمع غنج امرأة أعرفها تماماً:" هل لي أن أقول الآن إن سوس "أبو عبدو بطاطا" بدأ ينخر عظم أم حسام وهي تتأوه في حضنه في المخيم؟" ثم انفتق الجرحان في لحظة طيش عن طيف قديم يشبه وجه محمد المرّي وهو يضاجع مرام زعيتر, وآخر جديد كأنه وجه نبيل السلطي الذي كانت كلماته تسليني في غربتي الطيّارة:
- سأحضر لك اسم المرأة المنتقبة حين نصل نقطة الحديثة, أستطيع هناك أن أقرأ جواز سفرها وأعرف عنوانها بالتفصيل سواء في بيروت أو في غيرها.
- لا تتعب نفسك! أعتقد أن المشكلة قد حُلت.
- كيف؟ هل عرفتها ؟
- بل هي التي عرفتني.
- عدت تتحدث بالرموز والإشارات, يا يافاوي! لم يبق وقت لدينا, الحافلة تقترب من الحدود, ويجب أن نعرف وجهتها ومن تكون.
- لماذا أنت مهتم بها كثيراً, يا نبيل؟
- أنا أريد مساعدتك فقط!
- لا تفعل بي ما فعلته أنا بمحمد المرّي, يا سلطي! حب المرأة الجميلة نوع من الوباء المعدي, يصيب عيون الرجال, ويستفز ذكورتهم, فتفرقهم قلوبهم ولو كانوا أصدقاء. اتركني وشأني!
لم أعر اهتماماً يذكر لخطة نبيل السلطي لكشف هوية المرأة المنتقبة. طوت الحافلة المسافات وابتعدت ذاكرتي عني, ثم اقتربت غير عابئة بما حدث لقلبين يتهافتان للوصول إلى قلب امرأة ترحل عائدة صوب بيروت. حين عبرت الحافلة نقطة الحدود في الحديثة خُيّل لي أن إبراهيم الجميل ينتظرني هناك, فقررت متابعة السير خلفها إلى فردان. غيّرت وجهة سيري القديمة إلى المخيم؛ لم يعد حلمي يمر عبر عمان الجغرافيا السياسية بل عبر بيروت الحب والحرية والحلم الشرقي الجميل.
كانت جغرافيا حلمي أثناء سفري متعبة؛ تتمطى صعوداً ونزولاً, مليئة بالوديان المتحجرة, والجبال الوعرة, والطرقات الملتوية, والأبراج التي تناطح السماء. وكنتُ شخصاً متعباً, مراوغاً, يبحث عن ذاته التي لا تريد العودة إليه في دائرة يسكنها الوجع المزمن. وكانت مرام مراوغة, مثلي, تتقلب في وجوه نساء كثيرات, وتساكن قلوب رجال كثيرين. وكان إبراهيم الجميل طيفاً من مشاعر جانحة, عفا عليها الزمن, يتلبسني حيناً, وأتلبسه حيناً آخر. وكانت مدينتي الحلم امراة تبحث في صدور الرجال عن فارس غادرها ثم انقطعت أخباره عنها. ولما كانت أمور حياتي على ذلك النحو المزري من اللف والدوران والتيه, قررت المقامرة بباقي أيام رحلتي في ملاحقة المنتقبة إلى آخر الدنيا علّها تكون مرام التي ربما تعيدني إلى إبراهيم الجميل الذي ربما يعيدني إلى شبابي حين كنت أحلم بالعودة إلى يافا. يا الله شو كانت سنوات عمري مراوغة وملتبسة! بقيت تزداد معنىً لا عدداً حتى بَعُدت عني مرام, وبَعدتُ عن إبراهيم الذي حاول الهرب مني عدة مرات.






تعليقات حول هذه المقاله
العنوانالكاتبوقت الإضافه

تصويت
ما رأيك بالموقع ؟
ممتاز
جيد
مقبول
سيء
نتائج التصويت

حجة بالوان العصر


لوحاتي




كتاباتي

غزل الذاكرة
زمن المرايا
وطن العنقاء
كثبان الذهب الأسود
أبو علي إياد
تأملات مصطفى صبري
الأولاد والشمس
إنشطار الذات
معركة النفق
مكانة القدس
جدار الفصل العنصري
وطني ليس حقيبة
إمبراطورية النفايات
قراءات أمنية
امرأة لا تغار
صراع لا يموت
أصحاب الملايين
صوت الذاكرة


الساعة

صدر حديثا


 
Qalqilia NetWork