إبحث عن:    
القائمة الرئيسيه
صفحة البداية
القصة القصيرة
القصص والروايات
دراسات و ابحاث
المقالات والترجمات
الكاتب يوسف العيلة
معرض الصور
شاركنا رأيك
English Site

تسجيل الدخول
إسم المستخدم:

كلمة المرور:


تسجيل
هل نسيت كلمة المرور

المقالات الأكثر قرائة
1 من الممات إلى البعث .... نظرة إسلامية تقليدية
2 تأملات - الفصل الخامس : موروثات
3 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المصادر والمراجع)
4 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المقدمة)
5 الإسلام دين الفطرة الإنسانية

الكاتب يوسف العيلة


جديد الروايات

 

صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في رام الله دراسة بحثية بعنوان " لسانيات الخطاب الشعري المعاصر ، ليليان بشارة - منصور نمرذجاً " للروائي يوسف العيلة . تضئ الدراسة بعضاً من واقع اللغة العربية في الداخل الفلسطيني . ويقع هذا الإصدار في مئة وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، وهو السابع عشر في سلسلة إصدارات يوسف العيلة النقدية والروائية .


قراءة المقاله



نحو رؤية جديدة لحق تقرير المصير في عالم يتقلب ولا يتغير
كتبت بواسطة: يوسف العيلة - el 03/07/2009 - 1287 زوار        


أ‌-المقدمة
ب- المحاور الرئيسة:
1- ما هو مصير الشعب الفلسطيني؟
2- تقرير المصير والانتخابات التشريعية.
3- حق تقرير المصير الفلسطيني يُلغي السيادة الإسرائيلية.
4- حق تقرير المصير يُناقض ثوابت المشروع الأوروبي في فلسطين.
5- حق تقرير المصير يُمهد لقيام المشروع الإسلامي.
ج- الخاتمة.

أ- مقدمة :
الحديث عن حق الشعب الفلسطيني الثابت في أرضه يعتوره الكثير من التلاعب الفلسطيني واللغط العربي والشغب الإسلامي والمراوغة الدولية بحيث بات موضوعاً مستهلكاً تلوكه الألسن على مقاهي الحق الضائع. فالأداء السياسي العربي عموماً والفلسطيني خصوصاً على الساحة الدولية كان وما زال مضطرباً وذلك لتضارب المواقف السياسية العربية النابعة من حقيقة أن النظام العربي برمته ليس سيداً ولا أميناً على قضاياه الوطنية أو القومية أو الإسلامية. وحالة الفصام التاريخي بين آمال الشعوب العربية وقياداتها المستبدة والمفروضة عليها فرضاً خلقت ثقافة سياسية أصبحت معروفة لدى العرب المتعاملين في الشأن العام, سواء كان ذلك في قضاياهم المحلية أم فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية التي أمست قميص عثمان, يتمسح بها كل سياسي وصولي, ويرفع شعاراتها في التحرير والعودة كل نظام مهترئ يريد أن يتكسب على حسابها من غير التزام حقيقي بها.
وفي رؤية الواقع السياسي العام, كان الخطاب الفلسطيني السياسي أكثر تقلباً من الخطاب العربي أو الإسلامي. علماً أن هذه الأبعاد الثلاثة للصراع العربي الإسرائيلي تعاني من نفس أعراض الاحتلال الأجنبي منذ أكثر من مئة عام؛ أي أن مصدر ألمها هو ذاته الآخر الأوروبي الأنجلوسكسوني, صاحب المشروع الحضاري المضاد لكل أحلامها. والشواهد التي تؤكد عدوانيته واضحة جداً في أفغانستان ولبنان وفلسطين والصومال ودارفور والبوسنة والهرسك وتركيا. وما دام الحديث هنا منصباً على حق تقرير المصير الفلسطيني فإن فكرة التعميم التي يقتضيها الحديث عن تلك القضايا العامة جاءت من باب إضاءة جوهر الإشكالية الكبرى مع هذا الغرب الأوروبي.
لقد كان الشعب الفلسطيني - منذ سقوط الخلافة العثمانية عام 1923 - عرضة للعدوان والابتزاز من قبل الدول الأوروبية وبخاصة بريطانيا. وقد وجد نفسه فجأة في فم الذئب ولم تكن لديه القدرة على مواجهة أطماع الغازي في أرضه وهويته وتاريخه وثقافته. ولم يكن جهد الفلسطيني في الدفاع عن بقائه على أرضه على المستوى المطلوب لأنه لم يستكمل بعد الشرط الحضاري للمواجهة مع الآخر الغازي. وكانت قوة الغزو أقوى من قدراته فخسر وطنه على دفعتين رئيستين؛ كانت الأولى في عام 1948 , والثانية في عام 1967 . وأول ما يتبادر إلى ذهن الباحث في قضية ضياع الوطن الفلسطيني هو تفكك عرى العلاقة الإنسانية والحضارية التي تربط الوطن بالمواطن – ألا وهي المواطنة في حالة السلم والتي يناظرها في الشتات والتهجير حق العودة وتقرير المصير.
إن تقلب الموقف السياسي الفلسطيني من قضيته لم يكن بمعزل عن المراوغة الدولية والخيانة العربية. وللتدليل أقول إن الخطاب الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية أيام قيادة أحمد الشقيري كان مختلفاً جذرياً عنه في زمن ياسر عرفات. فقد كان الأول يؤكد على إتباع النهج الثوري المقاوم الذي لم يكن يقبل المساومة أو الحلول الوسط: أي أنه كان خطاباً وطنياً وقومياً بامتياز, ويعمل على مخاطبة الأمة بكاملها كي يستثير وجدانها ويجند طاقاتها. وحين قلب عرفات أحمد الشقيري من دست الحكم واستلم دفة القيادة بدلاً منه تغيرت صورة ومضمون الخطاب الوطني الفلسطيني؛ فرأيناه يتحول من خطاب عربي قومجي ثوري إلى خطاب فلسطيني إقليمي قطري. وبات عرفات متيماً ب "الرقم الفلسطيني الصعب" الذي أثبتت الأيام - خصوصاً بعد كارثة اتفاق أوسلو - أنه أوهى الأرقام منذ أن ابتدع الإنسان نظام العدد البسيط والعشري. فما بالكم لو تمت مقاربته بالنظام الرقمي الإلكتروني المعاصر؟ ثم جاءت مرحلة التخبط السياسي الثالثة, ألا وهي مرحلة "مشعل: البديل الإسلامي" التي تهدف إلى تدمير النهج العرفاتي وتكريس إخراجه من السياق النضالي الفلسطيني الحقيقي الذي كان ينشد حقه الضائع منذ ستين عاماً. فكما كانت القضية ومتعلقاتها وحيثياتها قومية في زمن أحمد الشقيري, تحولت إلى قطرية وجهوية في زمن عرفات, وإسلامية عالمية في زمن خالد مشعل. وكان آخر المواقف الفلسطينية سعي مشعل إعادة القضية إلى افقها الحقيقي, أي أسلمتها واعتبارها قضية فوق قومية وفوق فلسطينية. وأسلمتها تعني بالضرورة سحب البساط من تحت قدمي أصحاب الرقم الفلسطيني الصعب, الذي أثبتت الأيام أنه كان سهلاً مستباحاً. كما تعني تجريد النظام العربي من شعاراته الزائفة بخصوص وصايته القومية على فلسطين. لكن عملية أسلمتها تعني بالضرورة تصديها لواقع العلمانية الرسمية الرابضة على صدور الشعوب الإسلامية على هيئة اثنتين وعشرين دولة. بالإضافة إلى إسرائيل العلمانية والنظام العسكري العلماني التركي الذي يعتبر نفسه حامي العلمانية الأتاتوركية والذي يُحكم الخناق على أهل دار الخلافة الإسلامية.
إن حلم حركة حماس في جعل غزة "حماسستان" وربطها بسلطان الباب العالي في اسطنبول يبدو صعب المنال, فالخليفة عبد الحميد الثاني الذي قاوم الأطماع الأوروبية في فلسطين وحارب السياسة الصهيونية فيها, لم يعد يتربع على كرسي العرش هناك, وليس له صدر أعظم يُحرك الجيوش للدفاع عن حماس في غزة إذا ما تآمرت عليها النظم العلمانية العربية التي أنشأها سايكس وبيكو بعد نجاحهما في هدم الخلافة وإقصاء السلطان عن العرش.
لست ضد التعدد الحزبي أو التنويع التكتيكي في المواقف السياسية للأحزاب الفلسطينية. فتلك لعبة راقية لا تتقنها إلا القيادات الواعية والنظيفة التي تمثل شعوباً أرقى منها وتبحث عن أفضل السبل كي تحقق لشعبها أحلامه في الحرية والاستقلال والتقدم والمواطنة الصالحة التي تضمن لكل الشعب حاضره وتحترم ماضيه وتضمن مستقبله. أما الذي حصل للشعب الفلسطيني على أيدي قياداته على مدار الستين عاماً الماضية فكان "حدّث ولا حرج". وقد يكون من المفهوم تعثر المشروع الوطني في مرحلة ما, أو إخفاقه في تحقيق خطوات معينة على درب الحرية أو فشله في اتخاذ تدابير خاصة تبنتها قيادته في مواقف معينة, لكننا كنا أمام منحنيات مختلفة عما ذُكر. كان هناك تفريط يصل درجة الخيانة العظمى من قبل أبوات اتفاق أوسلو! أعجب - بعد استعراض ستين عاماً من النضال - كيف يضيع حق شعب وتباع قضيته في سوق النخاسة الدولية على النحو الذي تم في عام 1993 ؟ وأعجب أكثر من حالة الغيبوبة السياسية التي يعيشها الشعب الذي لم يدرك حتى اللحظة أنه خرج من فلسطين التاريخية قانونياً نتيجة اتفاق أوسلو؟ وأُدهش من تصفيقه لمن جلده وباع قضيته؟ لماذا وكيف أصبح الشعب الفلسطيني عدواً لنفسه وأحلامه ومشروعه الوطني بتلك السهولة التي ما زلنا نعايشها حتى اليوم؟ لكن ماذا باستطاعته أن يفعل وهو المُحاصر من الأشقاء قبل الأعداء ؟
ب-محاور النقاش:
1- ما هو مصير الشعب الفلسطيني ؟
لو لم أكن فلسطينياً مهتماً بقضيتي لما تخيلتُ نفسي باحثاً يريد تعريف الآخرين بالحال الفلسطيني. وأسأل نفسي:" ما هي طبيعة المصير الذي يبحث عنه الفلسطينيون؟ وما هي صورة حقهم بالضبط في وطن أصبح متنازعاً عليه بين أطراف دولية شتى؟" وقبل أن استرسل يسألني وجداني أيضاً:" هل يحتاج الفلسطيني إلى دليل دامغ كي يثبت أن له حقاً مقدساً في وطن أجداده الصالحين ورجال قومه المصلحين؟ ولماذا يحتاج الفلسطيني دائماً إلى غطاء دولي وقوانين أممية كي يشهد له العالم أن له حقاً شرعياً في وطنه؟ لماذا لا تحتاج إسرائيل إلى براءة ذمة من دم الفلسطينيين المسفوك طيلة ستة عقود؟ ولماذا لا تحتاج أميركا أيضاً لبراءة ذمة من دم الهنود الحمر حين تتحدث عن حقوق الإنسان والأقليات والشعوب في الحرية والاستقلال؟" أظن أن الفلسطينيين ما زالوا يحتاجون إلى مثل هذا الضمانات لأنهم ضعفاء فقط, وعلى الضعيف الذي يعيش في عالم يتقلب كالحرباء أن يتخلى عن المطالبة بتطبيق قرارات وقوانين دولية, قد تعيد له إنسانيته المهدورة.
ويبقى السؤال عالقاً حتى اللحظة دون إجابة:" ما هو شكل المصير الذي يبحث عنه الفلسطينيون اليوم؟ هل هو تلك الصورة النمطية التي يعرفها الناس عن شعب سيد, يعيش في وطن حُر, ويستمتع بخيرات أرض مقدسة, ويحيا عزيزاً على تراب أغلى من الذهب؟" إذا كان الجواب بنعم فأعتقد أنه يبحث عن سراب بقيع في صحراء عربية كل ما فيها فانتازيا! فالدول العربية جميعها دون استثناء ما زالت محكومة من قبل المقيم السياسي البريطاني أو الأمريكي أو الفرنسي, الذي يرسم لها سياستها ويراقب مسلكها اليومي بصمت. وهذا يعني أنها ما زالت محتلة بأسلوب "الرموت كنترول" أو "على التلفون" بعد أن غير العدو أسلوبه القديم في الاحتلال القائم على قوة الجيوش الجرارة. وإذا كان الجانب الفلسطيني يسعى للحصول على دولة مستنسخة عن النظام العربي فهو – بدون أن يعي - كمن يبحث عن احتلال كي يحتله! وإذا كان يقبل أو يحق له المطالبة بهذا النمط الموجود منذ اتفاقية سايكس -بيكو, فلديه من الاحتلال الإسرائيلي ما يكفيه طيلة عمره القصير على أرضه! أليست الضفة الغربية وقطاع غزة ما زالا محتلين رغم مرور سبعة عشر عاماً على اتفاق أوسلو السلمي؟ وإذا كان هذا هو الهدف الفلسطيني فإن مسألة حق تقرير المصير لن تكون قضية تستدعي إيجاد حل سياسي لها لأن الاحتلال قائم بالفعل منذ عام 1967, و لم يبق على الشعب الفلسطيني في الضفة وقطاع غزة إلا أن يحمد الله ويشكر أبوات أوسلو الذين شرعنوا الاحتلال الإسرائيلي.
أما إذا كان الحلم الفلسطيني في تقرير المصير رؤية حرة, غير تقليدية, وتخالف سياسات وثقافات النظام العربي الخانع, فإن هذا الأمر يتطلب جهداً غير مسبوق من حيث حجم الصعوبات التي تقف في طريق تحقيقه. وإذا ما قرر الشعب الفلسطيني العمل على تحقيق أنموذج مغاير للنظام العربي فسيجد نفسه مطالباً بتحقيق مهام شبه مستحيلة؛ عليه, مثلاً, أن يزيل الاحتلال الإسرائيلي, ويقلب النظام العربي, ويصد الهيمنة الأوروبية الأنجلوسكسونية على الأرض العربية, وأن لا يغضب دول العالم "الحر"! وإذا استطاع تحقيق النصر على كل من ذُكر فإن حقه في تقرير المصير يكون قابلاً للتطبيق على أرضه. وهل يملك الشعب الفلسطيني المحتل مرتين القوة كي يحقق حلمه الوطني؟ وهنا لا بد من القول إن أجندة البحث عن صيغة جديدة تغاير ما هو قائم منذ سقوط الخلافة العثمانية عام 1923 هي بمثابة إعلان للحرب على العالم "الحُر" الذي تقوده الثقافة الأنجلوسكسونية. أقول هذا وأنا أُدرك سلفاً أن الصيغة الحرة التي أتحدث عنها كانت أمراً واقعاً منذ بزوغ فجر الإسلام في بداية القرن السابع ميلادي وحتى سقوط الخلافة عام 1923م.
إذاً حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني يطرح أسئلة فوق استراتيجية في غاية التعقيد, تفوق أهميتها مكانة الحلم الفلسطيني في نفوس قادة العالم "الحر". لكن التساؤل عن ماهية الشكل السياسي لحل القضية الفلسطينية يبقى أمراً مشروعاً:" ما هو شكل المصير الذي يريده الفلسطينيون إذا قُدر لهم أن يختاروا .... هل يريدون, أولاً, صيغة معاصرة تحاكي الأنظمة العربية الراهنة أم, ثانياً, إحياء الصيغة العثمانية السابقة التي أسقطتها الدول الأوروبية من خلال الحرب العالمية الأولى؟ أم , ثالثاُ, حلاً على شكل تصفية تدريجية قوامها المال السياسي ثم الترحيل؟ وفي حال تمسكهم بالأجندة الوطنية والبرنامج السياسي السيادي, فهل بإمكانهم أو حتى في واردهم أن يقيموا دولة حرة تشب عن الطوق القطري الضيق الذي أرسى قواعده السيدان الأبيضان, سايكس وبيكو؟
هناك سيناريو رابع, يبدو أن السياسة العربية والأوروبية تميل إلى تبنيه: ألا وهو إعادة ربط الشعب الفلسطيني – ديموغرافياً – بالنظام العربي كما كان حاله قبل حرب عام 1967. وهذا الميل الغربي يقوم على فصل مصير الأرض الفلسطينية عن مصير شعبها. وهذا الحل يرضي إسرائيل مؤقتاً؛ لأنها تحلم بتطهير "أرض إسرائيل" من "الجوييم" الذين يهددون نقاء شعبها. وعليه فإن على مصر التي أرادت أن تخرج نهائياً من دائرة أن تعود إلى غزة وربما تجد نفسها متورطة من جديد في حال قيام فلسطينيين بمهاجمة إسرائيل من قطاع غزة الذي ستديره ثانية. وبما أن إسرائيل ما زالت تعتبر مصر عدوها الأول بصفتها أقوى الدول العربية عسكرياً, فإن عودة قطاع غزة إلى مصر يعني عودة مصر إلى ساحة المواجهة العسكرية مع إسرائيل. وهذا ما لا يرغب به النظام المصري الحالي. كما أن السلام الذي تم التوقيع عليه بينهما لم ولن يضبط الوجدان المصري المسلم الذي يرى في إسرائيل عدواً يجب التخلص منه آجلاً أو عاجلاً. وبنفس المنطق سيجد النظام الأردني نفسه في حالة صدام قصري مع إسرائيل إذا ما قررت الأخيرة أن تضرب مواقع في الأردن انطلق منها "إرهابيون". لقد أصبح النظام الأردني يدرك أن أطماع إسرائيل في أراضيه لا حدود لها وأنها تنتهز الفرصة الدولية كي تنقض عليه وتحقق حلمها التاريخي في استعادة الجناح الشرقي لأرض إسرائيل الكبرى.
وعليه فإن بقاء الفلسطينيين على أرضهم وإلحاقهم بإدارات الدول العربية المجاورة يعني تكريس واقع الصراع, لا حله. وهذه النظرة مرفوضة من قبل إسرائيل التي تخطط للخلاص من الأجندة الوطنية الفلسطينية عن طريق إيجاد حل على أراضي عربية خارج حدود فلسطين التاريخية.
2- تقرير المصير ونتائج الانتخابات التشريعية:
يستطيع المراقب للشأن العام الفلسطيني المقاربة بين المستقبل الفلسطيني ونتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي جرت قبل نحو أربع سنوات. فقد هُيئ لحركة حماس أن الشعب الفلسطيني قد نضج سياسياً كي يُدرك أن خيار أوسلو التفاوضي بين المنظمة وإسرائيل ما هو إلا "حَمل كاذب" وأن عملية "الزنا الثقافي-القانوني" التي أُرتكبت بحق المصير الفلسطيني في أوسلو على وشك الزوال. لهذا قرر قياديوها المشاركة, ديمقراطياً, في إدارة دوامة الصراع العربي الإسرائيلي معتقدين أن الشعب الفلسطيني قادر وحر بما فيه الكفاية كي يفرز الغث من السمين على الساحة الفلسطينية. ولم ينتبهوا إلى الفارق الكبير بين الصراع الديمقراطي تحت قبة المجلس التشريعي, والصراع الوطني ضد العدو في ساحة الميدان. ثم أراهم قد تجاهلوا حقيقة تواطؤ "قيادات من فتح" وبعض الأنظمة العربية والإدارة الأمريكية وإسرائيل على نصب شرك لحركة حماس لتوريطها في مصيدة أوسلو تمهيداً لإجبارها على الاعتراف بإسرائيل أو احتوائها سياسياً بإطار أوسلو بصفتها حزباً إسلامياً معمماً. وكان الهدف الإستراتيجي من وراء استدراجها هو جعلها تلعب دوراً سياسياً بارزاً في مسرحية "كازينو أريحا أولاً". وإن تم لهم ذلك فإنهم يكونوا قد نجحوا في سلخها عن الموقف العقدي الشرعي الذي يُحرم الاعتراف بإسرائيل تحت كل الظروف. وأقول إن إسرائيل ليست بحاجة عسكرية أو سياسية ماسة لاعتراف حماس بها, لكن إن حدث الاعتراف فسيكون مكسباً روحياً تضيفه إلى اعتراف فتح القانوني بها. وعليه تنال إسرائيل قبولاً رسمياً من الطيفين الرئيسين للموقف السياسي الفلسطيني, وهما فتح الوطنية العلمانية وحماس الجهادية الإسلامية, اللتان هما بيضة القبان في الموقف السياسي الفلسطيني العام.
كانت إسرائيل لا تعول كثيراً على اعتراف الفلسطينيين أو العرب أو المسلمين بها؛ لأن العالم "الحر" كان وما زال يعترف بها ويدعمها وبخاصة الحلف الأنجلو- أمريكي. لكنها لن ترفض اعترافاً إسلامياً بها إن تحقق لها بالمجان. والدليل أن منظمة التحرير الفلسطينية -التي منحت إسرائيل اعترافاً مجانياً لم تكن تحلم به – لم تحصل منها على أي شيء ذي قيمة وبات احتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة "قانونياًً".
لن يستطيع أي من ثعالب أوسلو أن يُنكر أن اتفاق أوسلو كان على أساس مشروطية دولية أخذت من الفلسطينيين وطنهم وأعطته لإسرائيل مقابل دفع بعض المليارات لأبوات الثورة الفلسطينية الذين زعموا أنهم حلموا يوماً بتحرير فلسطين من البحر إلى النهر. وعليه فإن انزلاق حماس في استراتيجية الكازينو الرخيصة لن يجلب على الشعب الفلسطيني غير الويل والثبور وعظائم الأمور. وقد يقول قائل "متحمس" إن استراتيجية المقاومة تفرض أن يكون هناك تكتيكاً وحصاراً ومعاناة وقتل, فلِمَ العجب مما يحدث للشعب في غزة ؟ أقول هذا جائز لكن يجب أن يكون للثورات وحركات المقاومة خطوطاً للإمدادات وجهات داعمة بالمال والسلاح, فأين واقع المقاومة التي تقودها حركة حماس من هذا كله وهي المحاصرة من قبل إسرائيل ومصر وباقي الأذناب العرب؟
الشاهد هنا أنه لم يُؤتَ بحماس إلى المشهد السياسي الفلسطيني كي تفوز في الانتخابات مجاناً وتقيم دولة إسلامية حرة على طريقة حماسستان, بل كان الهدف توريطها من أجل إجهاض وتسفيه الخطاب الإسلامي في حال اعترافها بإسرائيل. وسيعاتبها الفتحاويون العلمانيون ممن سبقوها على هذا الدرب العبثي:" ما هو الأمر الجديد المختلف الذي حققته حماس في مقاومتها لإسرائيل ثم الاعتراف بها؟ هل حررت أرضاً فلسطينية, سلماً أو حربا , لم تحررها فتح؟" والتوقيع الثاني لدخول حماس معترك السياسة المحاصرة هو أن ما جرى لها في غزة هو في حقيقة الأمر صورة مصغرة لما يمكن أن يحدث لأي كيان فلسطيني له برنامج سياسي يعاكس الواقع السياسي الذي خلقه سايكس وبيكو. أي أنه من شبه المستحيل أن تكون هناك كينونة سياسية فلسطينية حرة وذات إرادة مستقلة لا تدين بالولاء للسيد الأبيض في لندن ونيويورك. وما دام هذان السيدان يعتبران المشروع الأنجلو سكسوني في العالم العربي هو الأساس الذي تبني عليه الشعوب العربية حقوقها السياسية والثقافية فإن أحلام الفلسطينيين السياسية تبقى مجرد سراب خصوصاً إذا كان أبواتها بحجم القيادات الفلسطينية والعربية الحالية.
وسأظل أعتقد أن اتفاق أوسلو كان بمثابة "زنا ثقافي- قانوني " بين دليلة الفلسطينية التي كان اسمها منظمة التحرير وشمشون الإسرائيلي الذي يحكم السيد الأبيض قبضته على شعره الأشقر. كما أُجزم أن ما تمخض عن تلك المضاجعة على ذلك الفراش الغير شرعي هو بالضرورة سفاح من سفاح. وعليه فإن حق تقرير المصير الفلسطيني يبقى رهينة في يد إسرائيلية قوية, تستطيع غرسه في غير مكان خارج فلسطين التي باتت "قانونياً" أرض إسرائيل.
3- حق تقرير المصير يُلغي السيادة الإسرائيلية :
إن المأزق الذي يمر به "حق تقرير المصير" الفلسطيني يساوي بالضبط توأمه "حق العودة" إلى الوطن الأم الذي هُجّر منه الفلسطينيون قبل ستين عاماً خلت. وإذا كان حق العودة يشق الطريق نحو تقرير المصير فإن الأخير يصبح تحقيقه في حكم المستحيل, قانونياً وعملياً, في ظل الاعتراف الفلسطيني الرسمي والصريح بسيادة إسرائيل على فلسطين التاريخية. وذلك أن إسرائيل اليوم تملك – حسب المفهوم السيادي والقانوني – أرض فلسطين التي أصبحت بناءً على اتفاق أوسلو أرض إسرائيل. وامتلاكها الأرض وإقامتها دولة ذات سيادة ومعترف بها من قبل دول العالم وبعض الدول العربية والإسلامية يعني بالضرورة موت الحل السياسي الذي ينشده الشعب الفلسطيني على أرضه. ولا يستطيع طرف عربي أن يجادل أن إسرائيل ليست دولة سيادية, أو يقنع أي دولة أوروبية أن الجماعات الفلسطينية القاطنة على أرضها ليست جماعات طارئة مؤقتة, وليس من حقها أن تقيم دولة ذات سيادة.
وفي الرؤية الأنجلوسكسونية – الصهيونية, فإن حق تقرير المصير الفلسطيني قد تم دفنه بين لحدين: وعد بلفور والوعد الإلهي التوراتي, فكيف له أن يحلم بالقيامة من الموت؟ هذان الوعدان يؤطران الحلم اليهودي النقيض في فلسطين. وقد انتظر اليهود العودة إلى الأرض الموعودة قرابة الألفي عام لكن الله لم ييسر عودتهم, وقد استبدلت الصهيونية الوعد الإلهي بوعد من بلفود وعقدت مع الأنجلوسكسونية البريطانية شراكة استراتيجية لم يشهد التاريخ مثيلاً لها. وبموجبها تنازلت الصهيونية عن الانتماء لشريعة موسى والوعد الإلهي وأعطت الولاء للسيد البريطاني. وقد قام السكسوني بلفور بمنح اليهود وعداً في عام 1917 ونجحت حكومته في فرضه بالقوة على أرض فلسطين. وهذا يعني أن حق تقرير المصير الفلسطيني يعاني من إشكالية توراتية اسمها "أرض الميعاد" وإشكالية إيديولوجية سكسونية قائمة اسمها "وعد بلفور". وبين الوعدين أدرك الضياع فلسطين العربية, وبدد شعبها المسكين,ولم يعد هناك متسع لإحياء قضيتها من جديد.
ويدرك أصحاب سلام كازينو أريحا أولاً, أن حق تقرير المصير الفلسطيني يقع رسمياً تحت مشروطية الاحتلال وبنوده السيادية التي تنص عليها صراحة اتفاقات أوسلو. ومنها أن "عرب إسرائيل " هم أقلية عرقية غريبة, لا تنتمي لثقافة الدولة العبرية ولا لهويتها اليهودية, ولا تتمتع بحقوق المواطنة الدائمة فيها. وعليه فإن مقولة حق تقرير المصير باتت شعاراً سياسياً مستهلكاً, تجاوزه الزمن ولا يعترف به الدستور الإسرائيلي ويقع حسب اتفاق أوسلو خارج السياق الإسرائيلي. وتعتبر إسرائيل أن لا شأن لها به, لا من قريب ولا من بعيد. وتعتقد أنه إذا كان "الوسط العربي" فيها, داخل وخارج الخط الأخضر, لا يريد العيش تحت القانون الإسرائيلي المعمول به منذ عام 1948 فما عليه إلا أن يحزم حقائبه ويغادر أراضى الدولة التي اعترفت بها قيادته الفلسطينية بمحض إرادتها.
وتنظر إسرائيل إلى اتفاق أوسلو على أنه استسلام قانوني من قبل منظمة إرهابية إلى دولة إسرائيل السيادية, وهو أشد وابلغ من استسلام ألمانيا واليابان عسكرياً للحلفاء في الحرب العالمية الثانية. وعليه لم يكن "اتفاق" أوسلو معاهدة بين طرفين متساويين في السيادة والشرعية والحقوق, بل طرف سيادي يملك كل شيء ومنظمة مكونة من أشخاص يديرون شؤون شعب لا يملك وطناً. وهكذا لا يرى الباحث مجالاً قانونياً أو حتى عملياً يمكن من خلاله الوصول إلى تطبيق حق تقرير المصير للفلسطينيين على شبر واحد من أرض فلسطين التاريخية التي تم الاعتراف بها على أنها إسرائيلية. كما أن السيد الأبيض لا يرى نفسه ملزماً بالاعتراف بحق وطني فلسطيني في أرض ورثها السكسون عن أجدادهم الإغريق والرومان. وعلى هذا الأساس أقام اليهود دولتهم العرقية التي تحميها القوى الأوروبية العظمى, وتمدها بكافة الوسائل التي تضمن بقاءها وتفوقها على كل العرب.
4- حق تقرير المصير يُناقض ثوابت المشروع الأوروبي:
يهدف المشروع الغربي الأوروبي في الشرق العربي الإسلامي إلى تغيير انتماء وسلوك الإنسان العربي وثقافته الشرقية الإسلامية كي تناسب ذوق النمط الحضاري الأوروبي. وقد تم إرساء قواعد هذه الثقافة العرقية الغازية من قبل النخبة الاستعمارية التي حكمت شعبي الآنجلز والسكسون الذين يعتبرون أنفسهم الطبقة الوطنية الحقيقية التي حررت الوطن الإنجليزي من أدران الغزو النورمندي في القرن العاشر الميلادي. وقد تآلفت روحهم الجمعية على أساس عرقي أسموه العرق الأنجلو- سكسوني. وتنادي ثقافتهم بأن هذين الشعبين هما أرقى الشعوب الأوروبية. وقد اشتد عودها على مر التاريخ وكان لانتصارها في الحربين العالميتين أثر كبير في تسلطها على الشعوب المضطهدة. وهي تسيطر اليوم على ذهنية أصحاب القرار في لندن ونيويورك باعتبارها أرقى الثقافات العرقية التي انتشرت في أوروبا. وتعبر عن نفسها في المجال السياسي كحلف أنجلو-أمريكي, يسيطر عملياً على سياسات دول العالم. ويحكم هذا الحلف ثوابت السياستين الخارجيتين في أمريكا وبريطانيا بغض النظر عن توجهات الأحزاب والحكومات المتعاقبة فيهما.
وتفيد أهم المقولات الفكرية التي يتبناها منظرو الثقافة الأنجلوسكسونية أن الأرض العربية هي أرضهم؛ لأنهم ورثوها عن أسلافهم الإغريق والرومان. وبما أنهم الأوصياء التاريخيين عليها فإن لهم الحق الكامل في تقرير مصيرها ومصير من يعيشون عليها من الشعوب العربية "الدخيلة". وعليه فإنهم يعتقدون ويتصرفون على أساس أن الحق التاريخي الأوروبي الأنجلوسكسوني أقوى وأقدم من الحق العربي في الأرض العربية. وما ينطبق على العالم العربي ينطبق على أرض فلسطين التي يعتقدون أن نبوءات أنبياء الشرق لم تفلح في تغيير ملكيتها الإغريقية الرومانية, ولا محت بصمات تاريخها الهلينستي على مدار آلاف السنين. وعليه فإن السيطرة الأوروبية الأنجلوسكسونية عليها ليست حالة استعمارية طارئة بل وضعية قانونية يحميها السياق التاريخي الذي حدد العلاقة بين الأرض العربية ومراكز السيطرة في أثينا وروما ولندن ونيويورك.
كما تنص فلسفتهم الاستحواذية على أن الأرض العربية لهم, وهم الذين يقررون مصير من يعيش عليها مؤقتاً من العرب والمسلمين. فالقوانين التي مررتها مجالسهم الدستورية وصادقت عليها حكوماتهم واعتمدتها هيئات الأمم المتحدة المتعلقة بوضعية الشعوب العربية تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنهم يتصرفون بها تصرف المالك بملكه. وحق مُلكيتهم لها يلغي كافة الحقوق الوطنية والثقافية والقانونية العربية التي نجمت عن تراكم الوجود التاريخي العربي والإسلامي عليها. ويعبّر السيد الأبيض عن سياسة الإلغاء والشطب إزاء الهوية العربية المستقلة بشكل صامت؛ فقد عيّن نفسه سيداً مطاعاً ومندوباً سامياً وقاضياً عادلاً, يحاكم الحكام العرب وشعوبهم وسياساتهم الداخلية والخارجية والأمنية, ويعاقب من لا يلتزم بفلسفته وسياسته. والدليل أنه ما زال حتى اليوم مقيم سياسي بريطاني أو أمريكي أو فرنسي يرسم مستقبل الدول العربية, ويعتبرها دولاً غير نهاية, وقابلة للتجزئة والتشطير. ويمنع تأسيس قاعدة صناعية وتقنية من شأنها تحقيق برامج التصنيع والتطور. وكما يحكم الجنرال دايتون الأمريكي المشهد السياسي والثقافي الفلسطيني بحجة الأمن فإن هناك "دايتون" آخر في كل بلد عربي, يحكم قبضته على السياسة الداخلية والخارجية للنظام العربي. وتكون أوامره سارية المفعول دائماً دون موافقة أو حتى علم الرئيس أو الملك أو الأمير أو السلطان.
ويمارس المقيم السياسي سياسة المصادرة والشطب ضد أي برنامج وطني من شأنه أن يعيق الهيمنة الأوروبية السياسية والاقتصادية والثقافية على الهوية العربية. كما يرى في نفسه السيد الوحيد الذي يُعين ويُقيل ويحاكم ويشنق من يشاء من الزعماء والقادة العرب تحت ذرائع شتى تتراوح ما بين تهم مساندة الإرهاب أو الحصول على أسلحة دمار شامل أو حتى الاعتراض على سلوكيات الحكام الشخصية.
وتقوم استراتيجيته على تعطيل أي مشروع نهضوي يسعى للتطور, ويُحرّم على كل الزعماء العرب التفكير بتحقيق ما تحلم به شعوبها من وحدة سياسية أو اقتصادية أو ثقافية. وفي هذا السياق يرى أن على الزعيم العربي أن يكون حجر عثرة في سبيل تحقيق حلم الوحدة العربية أو حتى الاتفاق على رؤية هلال شهر رمضان والأعياد. وتكريس الهيمنة الأوروبية على الحياة العربية هو من واجبات النظام العربي, والويل للزعيم الذي يخرج عن الخط السياسي المرسوم له من قبل دوائر صنع القرار في لندن ونيويورك وباريس. ويبدو جلياً أن هناك مصالح متبادلة بين شيطان النظام العربي والشيطان الأوربي على حساب مستقبل الأمة العربية. وهذه التعهدات السرية بين الطرفين تحافظ على استمرار سيادة الأوروبي على الأمة العربية مقابل تقديم الحماية للحاكم العربي. والسعيد من الحكام العرب هو من اتعظ مبكراً مما جرى للسلطان عبد الحميد الثاني في أواخر عهد الخلافة الإسلامية الذي تم نفيه إلى سالونيك بعد أن رفض بيع أرض فلسطين لليهود, ونفي الملك طلال إلى اسطنبول بعد أُتهم بالجنون لأنه حاول أن يعترض على الاملاءات الإنكليزية, ومقتل الملك فيصل الذي قُتل لأنه تمنى أداء الصلاة في المسجد الأقصى محرراً من قيود الاحتلال , وإعدام صدام حسين الذي شُنِق لأنه حاول أن يكون سيد قراره السياسي, واتهام الرئيس البشير بالإبادة الجماعية في دارفور لأنه رفض الاستجابة لمطالب الأنجلوسكسوني في نهب خيرات السودان القابعة في باطن الأرض.
وتطول قائمة "المغضوب" عليهم من الحكام العرب الذين خرجوا أو ربما يخرجون عن الخط المرسوم لهم أصلاً. وكانت سياسة القصاص الأوروبي قائمة منذ أباطرة أثينا وروما: فقد احتل اسكندر المقدوني أرض فلسطين ومصر والعراق وبلاد فارس وقام بتنصيب نفسه إلهاً يمشي على الأرض العربية في معبد طيبة على يد كهنة مصريين, وأسر الإمبراطور الروماني أدريانوس الزباء ملكة تدمر لأنه عارضت سياسته في الشرق العربي, ثم أرسلها مخفورة اليدين إلى روما على متن عربة تجرها خيول مطهمة. كما هدد أكتافيوس قيصر الملكة كليوباتراً بأخذها أسيرة إلى روما للفرجة والإذلال إن لم تذعن له بعد أن أذعنت إلى سلفيه بمباي ويوليوس قيصر.
والشاهد هنا أن سياسة الغرب الأوروبي الرسمية تقوم منذ القدم على فلسفة مفادها أن مراكز القوة الأوروبية في أثينا وروما كانت صاحبة القرار السيادي على الأرض العربية, وهي ما تزال على ما كانت عليه رغم انتقال مراكز القوة إلى لندن ونيويورك. فشعارهم الاستعماري "الغرب الأوروبي يعيد تشكيل الشرق العربي دائماً" ليس شعاراً فارغاً من المضمون بل يعبر عن جوهر العلاقة القائمة بين الشرق العربي والغرب الأوروبي, خصوصاً في فترات الضعف العربي. وهذه الفلسفية التسلطية لا تسمح بقيام دولة فلسطينية مستقلة تناقض دولة إسرائيل "قانونياً وسيادياً".
5- حق تقرير المصير يُمهد للمشروع الإسلامي :
من أهم ميزات الخطاب الإسلامي الحقيقي أنه ربى المسلمين المؤمنين بعقيدته على عدم الإذعان لسيادة الآخر الأوروبي. وحثهم دائماً على عدم الاعتراف به أو الرضوخ إليه, ودعاهم لمقاومته في شتى المواقف والحقب. وهذا الموقف الصريح نابع من فهم عميق ومسبق لطبيعة العقل الأوروبي باعتباره الأكثر إلحاداً من كل عقول الكفر على مر التاريخ. والمقاربة بين العقل الأنجلوسكسوني والشيوعي, مثلاً , توضح أن الأخير كان صريحاً في إنكاره لوجود الله. فهو يؤمن:" أن لا إله والكون مادة!" أما العقل الأوروبي العلماني فإن كفره بالله أقسى وألعن من الكفر الشيوعي. فهو مصر على فرض تصور إيماني مُعين على ذات الله, ويرى أن الله كان موجوداً وحين كان كذلك خلق الكون ثم نام أو حتى مات بعدها. لهذا أطلق أرسطو لقب "المحرك الأول" على الله. وقد أقتفى الفيلسوف الألماني نيتشة أثر سلفه الإغريقي أرسطو حين أرسل رسالة تعزية إلى بابا الفاتيكان, يقول له فيها:" العوض بسلامتك يا أبانا , الله مات!" كما أن معظم فلاسفة الغرب الأوروبي لا يعترفون بوجود الله ومشيئته وحاكميته وعنايته وأنبيائه.
ويعتقد العقل الأنجلوسكسوني أن الحضارات الشرقية – خصوصاً الإسلامية-التي لم تعترف بالعقل البشري كمرجعية إيمانية لها هي حضارات تلفيقية. والشاهد هنا أن الخلفية الفكرية التي شكلت كلا هذين العقلين كانت متباينة تبايناً جوهرياً عبر مراحل التاريخ المختلفة. فلا العقل الأوروبي آمن بالله كما تقتضيه دواعي الإيمان المسيحي, ولا ترك العقل العربي يؤمن به على طريقته الإسلامية. وكانت المعاركة بينهما ولا تزال مستمرة حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. وهذه المعركة عبّرت عن نفسها من خلال وجود مشروعين متضادين يتصارعان حول صيرورة ومصير هوية الأرض العربية: المشروع الأول ,غربي, أوروبي الطابع, علماني التفكير, ومادي النظرة. والثاني إيماني, شرقي السمات, عربي اللغة, وإسلامي الثوابت. وما تزال المبارزة بينهما قائمة, فكل منهما نقيض وجودي للآخر, ولا مناص من انتصار أحداهما على الآخر ولو بعد حين. المشروعان متعاكسان في الأصول العقدية والفروع الفقهية والمنهجية الفكرية, ولا يعطي أي طرف منهما أدنى فرصة حقيقية للتعايش مع الآخر. وتقول القاعدة الفكرية المتبادلة التي تحكم الصراع بينهما منذ أكثر من أربعة عشر قرناً: "إن المشروع الأوروبي كافر بالله, والإسلامي "كاذب" على الله."
وهكذا قرر الخطاب الإسلامي مصير خصمه الأوروبي على أساس ديني عقدي بينما صنف الأوروبي خصمه العربي على أساس عقلي فلسفي. وقد وصف الإسلام الكافرين بمفردات تدلل على الخزي والخسران في الدنيا وعذاب جهنم في الآخرة. كما قام السيد الأبيض بمحاصرة العرب والمسلمين في ديارهم وخيامهم حيث استطاع فرض الذلة عليهم في كل معاركه التي تلت سقوط الخلافة العثمانية. وهو لا يكترث لمصيره الأسود الذي تحدث عنه الإسلام في الآخرة لأنه لا يؤمن بها أصلاً.
وقد أصبح من المعروف أن الحد الأقصى من السيادة الذي يسمح به السيد الأبيض للعرب القابعين تحت مظلته هو حكم ذاتي فقط– وهو نفس النظام الذي يُوصف مجاملة بأنه دولة ذات سيادة لذر الرماد في العيون فقط. فالحكام العرب وكلاء للمحتل الأبيض, وهو الذي يقوم بتعينهم وترفيعهم وتنزيلهم حسب ما تقتضيه مصالحه العليا. وقد انتقاهم بعناية؛ فبعضهم من منابت دينية غير إسلامية, وبعضهم الآخر من أصول غير عربية. وتنحصر مهامهم في إدارة أمور "شعوبهم" ضمن معايير أوروبية تستعبد الشعب ولا تتسيد عليه. وقد وجدت تلك الشعوب أنها أمام خيارين: إما استعمار مباشر من قبل الأوروبي, أو استحمار علني من قبل حكام "عرب" ينفذون أجندة المستعمر القائمة على نهب الثروات, وقتل البشر, وتدمير الهوية من أجل إبقاء الأمة في مؤخرة الركب الحضاري الإنساني. وتأسيساً على ما ذُكر هل يُعقل أن يمنح الجنرال دايتون الفلسطينيين حرية تقرير مصيرهم في جو موبوء, تم التخطيط له منذ عشرات السنين على يد الجزارين سايكس وبيكو؟
تأسيساً فإن المشروع الإسلامي يعمل على تحرير الشعوب العربية من استبداد حكامها وسيطرة النفوذ الأوروبي كما حرر الغساسنة والمناذرة يوماً من هيمنة الروم والفرس. والمقصود بكلمة مشروع هنا ليس الطقوس الدينية المتعارف عليها بل البرنامج السياسي القائم على أساس استنهاض الهوية الحضارية وبناء قاعدة صناعية توفر للأمة العربية الأمن الصحي والاجتماعي والاقتصادي. وللأسف الشديد فقد تمت إزاحة الإسلام الحقيقي عن السلطة, ولم تعد بيده قيادة المواجهة المفروضة على المسلمين فرضاً. فرأس الإسلام وكتابه وهويته مطلوبة للآخر الأوروبي الذي يعتقد بأن المسلمين هم العدو الأول له, بعد سقوط الاتحاد السوفيتي.
والمقاربة بين حكم حماس في غزة وتجربة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية تظهر أن كليهما محاصر حتى إشعار آخر. ويبقى الهدف الإسرائيلي غير المُعلن هو إجبار الفلسطينيين على الاستسلام النهائي الذي يتلخص بترحيلهم أو بعثرة تجمعاتهم السكانية التي بدأت تقلق صناع القرار في إسرائيل. والحرب على غزة في عام 2008هو صورة مصغرة لما يمكن أن يحدث لفلسطيني الضفة الغربية إذا ما قرروا تبني الخطاب الإسلامي وبرنامجه السياسي المعروف سلفاً للغرب الأوروبي.
وفي رؤية المقاربة بين المصير العربي والإسلامي, فإن ما ينتظر إيران من تدمير وقتل في المستقبل القريب سيعطي الدليل بالمحسوس على ما نحن بصدده من توصيف للعداء الغربي الأوروبي للحلمين العربي والإسلامي. فإيران دولة إسلامية نامية, وقد أدركت أن الحفاظ على سيادتها الوطنية, وحماية هويتها, وضمان مستقبلها لا يكون إلا بالإرادة السياسية الحرة والجادة. لهذا انتهجت سياسة التعزيز الذاتي وتأسيس صناعة ذات تقنية عالية, والاستفادة من الطاقة النووية في كافة المجالات بما فيها صناعة القنبلة الذرية. وهي بهذا باتت تدرك, أكثر من أي وقت مضى, أنها تسلك طريق المواجهة العسكرية مع الغرب الأوروبي العلماني الذي لن يسمح لها بأي شكل من الأشكال تحقيق أهدافها الإستراتيجية الشرعية. فالثقافة الأنجلوسكسونية لا تجيز للعقل الأوروبي القبول بالآخر الشرقي والتعامل معه على أساس من النديّة. لهذا أرى أن حق تقرير المصير لكافة الشعوب العربية والإسلامية مرتبط عضوياً بشبكة التقدم العلمي التقني والإرادة السياسية للمؤسسة الحاكمة. فهل يستكمل عرب كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربا شروط حماية بقائهم قبل فوات الأوان؟
واعتقد جازماً أن تجليات الحق العربي في السيادة والهوية والأرض والشعب لن تتحقق ما دام النظام العربي مُكبل ومرتهن لإرادة الدول الأوروبية. وقد يسأل سائل:" هل يجوز التشكيك في استقلال الدول العربية وهي دول ذات سيادة, ومعترف بها, وتتمتع بعضوية هيئة الأمم المتحدة ؟" إن المنظور الفكري للتحالف الأنجلو- أمريكي الذي فرض نفسه على العالم العربي بعيد سقوط الخلافة العثمانية يعتبر الدول العربية جميعها غير نهائية التكوين. أي أنها قابلة للتجزئة إلى وحدات أصغر من خلال إعادة احتلالها إذا تطلب الأمر ذلك. وهي وإن نشأت أصلاً على مقاس اتفاقيات سايكس وبيكو إلا أنها لم تكتسب شرعية نهائية لأنها ما زالت محميات بريطانية أو مزارع فرنسية أو إسطبلات أمريكية لكن برداء دول تبدو مستقلة. ويُقال في التراث الإنساني - في باب حق تقرير المصير - إن سيد القبيلة يكون عادة كريماً معطاءً لعبيده, يدللهم ويمنحهم أجمل الأسماء ويلبسهم أغلى الثياب القشيبة خصوصاً في المناسبات الاجتماعية حتى يبين للناس أنه سيد حقيقي. وبالمقابل فإن العبد يقدم لسيده عهد الولاء والطاعة التام وإن حدث أن خان العهد فإن عقابه يكون الموت الزؤام. وهذا ما ينطبق على الحكام العرب الذين أغدق عليهم السكسوني ألقاب الجلالة والفخامة والسمو وهم في حقيقتهم عبيد يأتمرون بأمره وينتهون بنواهيه.
والحقيقة التي يدركها العارفون ببواطن الأمور في العالم العربي تقول إن الكيانات العربية الراهنة ما هي إلا صور عن حكم ذاتي موسع, يشبه الدولة لكن بلا سيادة وطنية. تماماً كما الحاكم العربي الذي يبدو سيداً لكنه عبد مرتهن للسيد الأبيض ويأتمر بأوامره في السلم والحرب. وإذا ما حاول شق عصا الطاعة في وجهه فإن مصيره السجن أو المشنقة أو القتل رمياً بالرصاص الحي. وإذا كان هذا هو الغيم الرسمي الذي يظللنا صيفاً فهل نتوقع خيراً ممن كرسوا أنفسهم خدماً للأعداء في كل الفصول؟


ج - الخاتمة :
تمنيتُ لو استطعت تقديم أفكارٍ سلمية تساعد على إيجاد حل ما ينقذ الشعب الفلسطيني المحاصر من براثن احتلال يقضم وطنه في الليل والنهار. وما زلت أحلم بتقديم رؤية سلامية تخدم ثقافة السلام المنشود من قبل كل الأطراف المتصارعة في منطقة الشرق الأوسط. فالحرب بين البشر استثناء طارئ, والسلام بينهم ضرورة مُلحة, ورسالة مقدسة حمل لواءها الأنبياء والمفكرون والمصلحون على اختلاف أطيافهم وألوانهم وأديانهم. وبدون سلام واستقرار تفقد حياة الإنسان معناها السامي وتصبح مجرد غابة يقتل القوي فيها الضعيف, وينهب الغالب مال وطعام المغلوب. وعليه كان السلام بين البشر أمنية يتمناها حتى من فقدوا إنسانيتهم في خضم المواجهات المستعرة التي يديرها الغرب الأوروبي ضد الأمتين العربية والإسلامية للسيطرة على مواردها ومصائرها تحت غطاء الفوضى الخلّاقة وحقوق الإنسان والديمقراطية التي استخدمت كآليات استعمارية لمص دم شعوب العالم الثالث ومصادرة مستقبلها .
ولما كان السلام قضية وجودية ساخنة, خصوصاً في المشهد الفلسطيني الملتبس أيما التباس, فإن السذاجة في طرح الأفكار السلامية هي أمر ضار, وتضلل الناس وتُيسر على المتآمرين على مصير الشعب تنفيذ خططهم المعادية للسلام الحقيقي. كما تُسوق منطق الواهمين الذين يتصورون أن سعي الضعفاء لتحقيق السلام أسهل من خوضهم الحروب الدفاعية. فالذي لا يكون مستعداً للحرب, لا يستطيع بأي حال من الأحوال صنع سلام حقيقي مع الآخرين؛ تلك حكمة نطق بها حكماء الماضي وسار على نهجها الأجداد. أما عرب لندن ونيويورك فلا يتعظون بها لأنهم باتوا فاقدي الإحساس والشهامة. ومنطق الصراع القائم في الشرق الأوسط وحوله يؤكد أنه حين يكتشف طرف ما في المواجهة أن عدوه جبان فإنه يضن عليه بالحد الأدنى من السلام على أمل أن يندثر.
كان السلام هبة من الله على أرض السلام, لا ينعم به إلا من كان مستعداً للذود عنه. وحين يكون مستعداً لتعمّيد قضيته بالدم دفاعاً عن مبادئه, وفداءً لحريته وسيادة وطنه, يصبح قادراً على صنعه وإنتاجه لأبنائه وأحفاده. ويستطيع أن يمارس طقوس ثقافته الوطنية وينتج نتاجاً إنسانياً يخلو من الإذعان والقهر والاستلاب. وما دام أمر السلام هنا لا يتسم بهذه الخصوصية الراقية فإن التفكير في مخرج لأزمة الصراع الحالي يبقى حلماً أكثر منه إمكانية حقيقية للطرف الفلسطيني الضعيف. أما الطرف الإسرائيلي القوي فهو – بتأييد الأنجلوسكسونية غير المحدود – المهيمن على المشهد السياسي الساخن في فلسطين وما يجاورها. وتبقى عناوين الصراع العربي الإسرائيلي وإن تقلبت في أسمائها ومفرداتها محتفظة بمضامينها القديمة القائمة على مبدأ " تفكيك الخطاب الإسلامي وإعادة تشكيل الشرق العربي المسلم حسب النمطية الغربية الأوروبية السكسونية ذات الطابع العلماني الليبرالي."
لقد كانت ساحة الشرق العربي منذ الغزو الإغريقي وحتى اليوم حومة للوغى أكثر منها منتدى للسلام. وهذا التصور لم يفقد مضمونه إطلاقاً ولم ينزاح عن سياقه القديم قيد أنملة. وما يتجدد مع الأيام هو أسلوب البطش واسم المرحلة والعنوان السياسي فقط. وتظل فلسفة العدوان القائمة على قطع الرؤوس( Strategy Of Decapitation ( هي السائدة على الأرض المقدسة. فالطرف القوي يقطع رأس الطرف الضعيف, كما قطع الإمبراطور الطاغية نيرون رأس القديس بطرس الرسول, المشرقي الهوية, في عام 65 ميلادية حين اتهمه بالمشاركة في حرق مدينة روما.
ومع هذه القناعة التي تُعري تجار الهزائم المجانية من عرب لندن ونيويورك فإن البحث عن مخرج سلمي للصراع المفروض فرضاً على العرب والمسلمين يبقى أمراً مُلّحاً إنسانياً. فإسرائيل الراهن موجودة وجاثمة على صدورنا ولا بد من إيجاد طريقة ما تخفف عن الفلسطينيين شراسة الاحتلال. هذه قناعة يؤمن بها الجميع ويتبناها أولئك الذين لا يريدون خوض معركة قطع الرؤوس والذين أسلموا رقابهم وما عليها من رؤوس لأعدائهم. إن سيناريوهات التعايش مع إسرائيل "المنتصرة" عسكرياً علينا غير واردة قطعياً في حسابات قادتها وأسيادهم الأوروبيين. وهي لا تريد العيش المشترك مع عرب تعرف أنها سلبت منهم وطنهم ولا يمكن لأي منهم أن ينسى هذه الحقيقة الخطرة. فالعقلية الصهيونية المتحكمة في رقاب الإسرائيليين تعتقد أن الظرف السياسي الدولي والمحلي مؤآتٍ تماماً لإقامة دولة يهودية نقيّة, تخلو من أي عنصر غريب. وعليه فإنه ليس في واردها تبنّي سياسة وسطية تقوم على تقّبل العربي ولو عن بعد.
ما الحل إذن؟ أعتقد أن حلم العرب في إزالة إسرائيل وتحرير فلسطين هو أسهل تحقيقاً من إمكانية التفاهم معها على إيجاد صيغة مشتركة للتعايش اليهودي العربي. فاليهودي الصهيوني الذي باع بثمن بخس هويته الشرقية للسيد الأوروبي العلماني لا يمكن له أن يقبل أن يشاركه العربي في دولة مدفوعة الثمن "يهودياً" سلفاً. ثانياً , إن إسرائيل كدولة مسخ ووطن مزور على أرض فلسطين التاريخية يشكلان الملجأ الموعود الذي يحتضن الشتات اليهودي والشخصية اليهودية المعروفة بأمراضها العصابية المستعصية. وبالتالي فإن غنيمة أرض فلسطين التي حصل عليها اليهودي هي المعادل الموضوعي لما فقده من تراث وجذور وثوابت شرقية مقابل قبوله تطبيق النمطية الأوروبية التي تجرده من يهوديته الحقيقية. فما فقده من قيم شرقية بالأمس يراها ما زالت حيّة عند "الجوييم" العرب الذين يُذكّرونه يومياً بأنه ليس هو اليهودي القديم صاحب أرض الميعاد بل مجرد صهيوني علماني صاحب وعد من بلفور الذي هو عدو للعرب واليهود والمسيحيين على حد سواء. وفي هذا السياق فإن المقاربة بين التصفية الجسدية لليهود التي اخفق فيها أدولف هتلر إبان الحرب العالمية الثانية والتصفية الثقافية التي نجح فيها ونستون تشرشل تؤكد أن الثقافة الأنجلو سكسونية هي الأشد خطراً على اليهود قبل المسلمين والمسيحيين.
وبما أن الصهيوني هو الابن الغير شرعي للسكسوني فإن الأول يرفض معايشة الوجود العربي مرتين؛ مرة لأنه عربي معادٍ, وأخرى لأن الصهيوني يرى أن هزيمته المعاصرة أمام الأوروبي متجسدة في هذا العربي الذي يذكره بماضي أجداده الذين كانوا يهوداً في فلسطين. وإذا كان لدية فرصة كي يحن إلى قيمه اليهودية الشرقية القديمة من أجل تدويرها وإعادة إنتاجها فلا يمكن أن يستمدها من العربي الماثل أمامه والذي يعمل على إبادته جسدياً بعد أن أباده الأوروبي السكسوني قيمياً. فاليهودي الصهيوني المعاصر يحترق بنارين كاويتين؛ نار الاستلاب الأوروبي, ونار "الإرهاب" العربي. وهذه الحقيقة تقض مضجعه بعد أن توهم أنه قد تخلص من جحيم المحرقة النازية.
ومع هذا كله فإن استمرار الصراع العربي الإسرائيلي لا يمكن أن يدوم إلى ما لا نهاية, وسوف يأتي يوم تشرق فيه شمس السلام ونور المحبة على فلسطين العربية أو إسرائيل الصهيونية بدون حصار خانق واحتلال جائر وحروب مدمرة. وتمهيداً لجو السلام المنتظر هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة الحدوث. أولا ؛ إحداث تغيير جذري في أنظمة الحكم العربية, بحيث يكون مقدمة لتوحيد صفوف العرب من أجل تحقيق الشعار القديم الجديد, ألا وهو تحرير فلسطين وفرض صيغة وطنية تحكم النظام السياسي فيها. أو دفع الفلسطينيين إلى الهجرة الصامتة إلى بلاد الاغتراب حتى يشرب الفلسطيني من كأس الشتات المُرة التي شرب منها اليهودي على مدار ألفي عام. ثالثاً , وهو أقربها للحدوث , أن تقوم إسرائيل بشن حرب مدمرة ضد إيران, مثلاً , تستخدم فيها أسلحة الدمار الشامل, بحيث يقضي مئات الآلاف من الفلسطينيين ويتحولون نتيجتها إلى أقلية سكانية تحتضر, ولن يكون في مقدورها كماً ونوعاً المطالبة بحق العودة أو تقرير المصير.
لكن كيف ولماذا سيُباد الثقل الديموغرافي الفلسطيني في حال قيام حرب بين إسرائيل وإيران؟ أتصور أنه في خضم الحرب الإسرائيلية المتوقعة على إيران ستقوم إسرائيل باستغلال الوجود الأمريكي في العراق بإطلاق مئات الصواريخ, مثلاً, نحو التجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية, تحت ستار من دعاية صهيونية تزعم أن إيران هي التي أطلقتها لكنها أخطأت أهدافها الإسرائيلية فأصابت التجمعات العربية. وإذا تحقق لها ذلك فإنها تكون قد تخلصت من الخطر السكاني الفلسطيني للأبد. وعليه لن يكون هناك فرصة لأي أجندة وطنية فلسطينية تنادي بحق تقرير المصير للفلسطينيين على اعتبار أن الفلسطينيين قد لاقوا مصيرهم في الحرب. إن التصفية الجسدية للشعب الفلسطيني هي المرحلة الثانية التي يخطط لها المشروع الأوروبي – الصهيوني, كما خطط أدولف هتلر ذات يوم بتصفية اليهود جسدياً. وهذه التصفية لا تتم في العادة إلا من خلال حرب تضيع في خضمها الأهداف الحقيقية ويؤخذ الناس بالأهداف المُعلنة والنتائج الفعلية التي لن تؤدي إلى معرفة حقيقة تداعيات الحرب.
وإذا أخذنا في الاعتبار القوة العسكرية التي تملكها إيران – إذا بقيت دولة متماسكة-وتلك التي بحوزة الدول المهاجمة فإن درجة التدمير ستكون كبيرة. وربما يغير التدمير القادم خرائط دول مجاورة, أو يحرك بالقوة شعوباً بأكملها من موطنها الأصلي إلى أماكن أخرى لا ترغب بها أصلاً.
وللتدليل على إمكانية حدوث ما تصورته آنفاً فقد صرح أحد المسئولين العسكريين الإيرانيين أن بلاده ستطلق أكثر من أحد عشر ألف صاروخ على الأهداف المعادية في أول دقيقة للحرب. وإذا كانت إيران ستطلق هذا العدد الهائل من الصواريخ فكم صاروخاً ستطلق أمريكا وإسرائيل؟ ألا تساعد القواعد الأمريكية في العراق على قصف المدن الفلسطينية, ثم الادعاء أنها صواريخ إيرانية؟ ألا يكون من السهل على الآلة الإعلامية الأمريكية الادعاء أنها صواريخ إيرانية أخطأت أهدافها الإسرائيلية فأصابت أهدافاً فلسطينية؟ وهل من الممكن للشعوب العربية أن تعرف من أطلق تلك الصواريخ في أجواء حرب طاحنة؟ سيكون الناس أو من تبقى منهم مشغولين بنتائج حرب مروعة لا تحليل سياسي يحتاج إلى أدلة وبراهين.
لا يستطيع أحد التنبؤ بما ستؤول إليه الهجمات العسكرية إذا ما تم استغلالها بشكل يدمر وجود الشعب الفلسطيني. ولا أعتقد أنه في وارد المسئولين الإيرانيين أن تكون نتائجها إبادة شبه جماعية للتجمعات السكانية الفلسطينية في الضفة الغربية؛ لكن حين تبدأ الحرب تضيع "الطاسة" ولن يكون هناك متسع من الوقت أو إمكانية تقنية للتحقق من هوية الصواريخ التي تنهال على المدن الفلسطينية. وحتى لو عرفنا أنها ليست إيرانية بل أمريكية-إسرائيلية متعمدة فماذا يستطيع النظام العربي عمله؟ هل يجرؤ حاكم عربي واحد على الوقوف في وجه من أطلقها أو حتى توجيه تهمة الإبادة الجماعية التي يواجهها حالياً الرئيس السوداني عمر البشير؟
لقد حلمت إسرائيل طويلاً بالخلاص من الوجود الفلسطيني من الضفة الغربية, وقد سبق هذا الحلم حلمها العسكري في الانتصار على العرب. فتطهير الدولة اليهودية من "الجوييم" سيُمهد لتحقيق الحلم الأنجلوسكسوني لإعادة تشكيل الشخصية العربية التقليدية حسب النمط الغربي القائم على الليبرالية والعلمانية والإلحاد. وبالتالي فإن نقاء إسرائيل الأوروبية من "أدران" الروح والقيم الشرقية يساعد على تطبيق المشروع الغربي في عموم العالم العربي. علماً أن موجة العولمة ومقولات الشرق الأوسط الجديد تلاقي نجاحات واسعة في أوساط الطبقات الغنية العربية في الخليج وباقي العواصم العربية. وعليه فإن حلم الخلاص من "عرب إسرائيل" يراود العقل اليهودي منذ عام 1948 , وقد أعلنها إسحق رابين يوماً جهاراً نهاراً. ألم يتمنى أن يصحو يوماً من نومه فيجد قطاع غزة غارقاً في قاع البحر بأهله. كما تفضل إسرائيل سياسة التطهير العرقي التي تمارسها علناً في ظل "السلام" على اتفاقات السلام المعقودة بينها وبين مصر والأردن ومنظمة التحرير مجتمعة. فهي تسعى إلى سلام دائم بدون العرب وكأنها تتجاهل إحدى أهم المسلمات الكونية التي تؤكد أن تحقيق السلام يكون بين المتحاربين, وغالباً ما يكون ذاك الشريك عدواً لدوداً .
ويجب التنويه أن مظاهر الانهيار الأخلاقي في إسرائيل تزداد انتشاراً في الوسطين العسكري والمدني على حد سواء. ومنها ارتداء بعض اليهود قمصاناً مرسوم على ظهرها صورة امرأة فلسطينية حامل, ومكتوب تحتها:" برصاصة واحدة تستطيع أن تقتل اثنين!" ويأتي هذا الشعار كي يكمل شعاراً صهيونياً قديماً يقول:" العربي الطيب هو العربي الميت!" إن مثل هذه الشعارات اللأخلاقية تعبر عن تربية عنصرية غذت الروح اليهودية الجمعية بالكراهية ضد كل ما هو عربي. وتقوم هذا التربية على الاستهانة بالحق العربي والحياة العربية والإيمان الأعمى بالقوة العسكرية لتحقيق مبدأ تطهير أرض إسرائيل من العرق العربي.
كما أن الخلاص من الوجود الفلسطيني نهائياً على "أرض إسرائيل" يؤدي إلى إغلاق ملف المطالب الفلسطينية المتعلقة بإقامة دولة فلسطينية بجوار إسرائيل ضمن حدود الرابع من حزيران عام 1967. وهذا يعني عملياً محو مقولتي حق العودة وحق تقرير المصير التي يطالب بهما الفلسطينيون. كما أن تحقيق حلمها هذا سيؤدي إلى شطب معادلة "حماسستان" في غزة و"فتحستان" في الضفة الغربية والتي احتلت بالقوة المشهد السياسي الفلسطيني كي تعفي إسرائيل من استحقاقات ما يسمى في عرف السلطة الفلسطينية"ما تم الاتفاق عليه مسبقاً". أما الانتصار الأكبر الذي ستحققه إسرائيل في حال استمرار الانقسام الفلسطيني فهو اغتيال مستقبل مدينة القدس ودفن هويتها الإسلامية التي تهدد وجود إسرائيل.
وفي حال إخفاق الهجمة الأوروبية الغربية في حربها القادمة على إيران فإن المطلب الفلسطيني في حق تقرير المصير ينتعش من جديد وينقلب من جديد إلى مطالبة وطنية إسلامية بتحرير كامل فلسطين من الوجود الصهيوني. وسيعتبر "المنتصر الإيراني" أن صموده في وجه الاستكبار الأمريكي هو الذي جعل الحلم الفلسطيني قابلاً للتحقيق. وهذه النتيجة "المستبعدة" للحرب تفتح المجال لإحداث تغيرات جذرية في بنية النظام العربي والتي من شأنها تغيير وجهه البشع واستئصال قلبه الخبيث. إن ربط حق تقرير المصير الفلسطيني بنتائج الحرب على الجبهة الإيرانية – الأوروبية معادلة وجودية وفقهية لها ما يبررها نظرياً. أولاً , إن من شأن غياب الدور العربي الرسمي في قضايا الحرب والسلام المس بمستقبل النظام العربي ووضع حد لصلاحيته. ثانياً , إن المقصود, أوروبياً, بالحرب على إيران ليس إيران وحدها بل كل ممانع عربي وغير عربي يقول لا للسياسة الأمريكية؛ فما يقلق أمريكا وإسرائيل هو سوريا الحاضنة لإرهاب المنظمات المقاومة, والوجود السكاني الفلسطيني, وأيديولوجيا أحمدي نجاد وتشافيز, وثقافة حزب الله وقنابل كوريا الشمالية وكل حاكم يحترم نفسه في هذا العالم. ثالثاً, إن من عادة الاستراتيجية الأوروبية فرض الحروب المدمرة على العرب والمسلمين كل عقد من الزمن تحت شتى الذرائع المنطقية وغير المنطقية. وهي تقوم على تدمير المستقبل العربي من خلال آلية الحرب التي تخلق واقعاً سياسياً جديداً ينفي استحقاقات الموقف السياسي القديم ويؤدي بالعرب إلى قبول ما كانوا يرفضونه سابقاً والتخلي الطوعي عما كانوا يتشبثون به بالأمس القريب على اعتبار أن مستجدات الأحداث وحقائق السياسة قد تجاوزته. ألم يكن العرب يطالبون بتحرير يافا وحيفا قبيل عام 1967 ؟ بماذا باتوا يطالبون بعد أوسلو عام 1993؟ أراهم يطالبون بما احتلته إسرائيل في حرب عام 1967 فقط , أليس كذلك؟ وبماذا سيطالبون بعد وقوع الحرب القادمة؟ هل سيطالبون باستعادة ما سيتم احتلاله من جبال مؤآب وجنوب سوريا وشمال السعودية فقط وينسون ما تم احتلاله في حرب حزيران؟ وإذا حلت بنا هزيمة أخرى هل سيكون لدى القادة العرب الجرأة على المطالبة بحق تقرير مصير فلسطيني تأكله ثلاث هزائم عسكرية سابقة, ويحاصره أربعة وعشرون حاكماً مخصياً, وتخنقه ثلاثة مشاريع نقيضة؟






تعليقات حول هذه المقاله
العنوانالكاتبوقت الإضافه

تصويت
ما رأيك بالموقع ؟
ممتاز
جيد
مقبول
سيء
نتائج التصويت

حجة بالوان العصر


لوحاتي




كتاباتي

غزل الذاكرة
زمن المرايا
وطن العنقاء
كثبان الذهب الأسود
أبو علي إياد
تأملات مصطفى صبري
الأولاد والشمس
إنشطار الذات
معركة النفق
مكانة القدس
جدار الفصل العنصري
وطني ليس حقيبة
إمبراطورية النفايات
قراءات أمنية
امرأة لا تغار
صراع لا يموت
أصحاب الملايين
صوت الذاكرة


الساعة

صدر حديثا


 
Qalqilia NetWork