إبحث عن:    
القائمة الرئيسيه
صفحة البداية
القصة القصيرة
القصص والروايات
دراسات و ابحاث
المقالات والترجمات
الكاتب يوسف العيلة
معرض الصور
شاركنا رأيك
English Site

تسجيل الدخول
إسم المستخدم:

كلمة المرور:


تسجيل
هل نسيت كلمة المرور

المقالات الأكثر قرائة
1 من الممات إلى البعث .... نظرة إسلامية تقليدية
2 تأملات - الفصل الخامس : موروثات
3 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المصادر والمراجع)
4 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المقدمة)
5 الإسلام دين الفطرة الإنسانية

الكاتب يوسف العيلة


جديد الروايات

 

صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في رام الله دراسة بحثية بعنوان " لسانيات الخطاب الشعري المعاصر ، ليليان بشارة - منصور نمرذجاً " للروائي يوسف العيلة . تضئ الدراسة بعضاً من واقع اللغة العربية في الداخل الفلسطيني . ويقع هذا الإصدار في مئة وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، وهو السابع عشر في سلسلة إصدارات يوسف العيلة النقدية والروائية .


قراءة المقاله



قراءة نقدية في رواية "قصة حب مقدسية"
كتبت بواسطة: يوسف العيلة - el 06/03/2009 - 2231 زوار        


بقلم : د. علي خواجا
جامعة بير زيت
النص المحيط :

1. يشير عنوان الرواية - بالحرف واللون والصورة - إلى المغزى الحقيقي الذي يريد الكاتب يوسف العيلة أن يضيئه في روايته هذه . ويوضّح عنوانها أن الكاتب كتب رواية اسماها "قصة حب مقدسية" , حيث تقع أحداثها في بيت المقدس وجواره , ويخص بالتحديد جريمة حرق منبر المسجد الأقصى على يد مايكل روهن في عام 1969

. وتشير الألوان التي استخدمها في رسم غلاف الرواية الأمامي أن عنوانها ينحو منحى سلبياً في معناه ومبناه , وذلك لاستخدامه اللون الأسود في كتابة كلمة "قصة" , وهي أولى الكلمات الثلاث التي يتشكل منها العنوان . وكأنه يريد الإيحاء , منذ البداية , أنها قصة متسخة الوجه , موشحة بالسواد , تشبه الكحل والسخام , مرّة المذاق , منافية للقيم والثوابت المقدسية , وأنه يدين سلوك أبطالها وأعمالهم ومواقفهم بسبب تقصيرهم إزاء جريمة حرق منبر صلاح الدين الأيوبي خاصة وسقوط القدس عامة . وتسري هذه (الثيمة) من بداية الرواية وحتى نهايتها سريان الدم في العروق لإضاءة واقع هزيمة المقدسيين . ثم نراه يعمد إلى استخدم اللون الأحمر لرسم الكلمة الثانية من العنوان "حب" , أي الإيحاء بأنها حامية المبنى , وعاطفية المعنى , وجنسية السلوك , وربما دموية النهج . ثم يلوّن بالأخضر كلمة "مقدسية" وكأنه يشير أن هوية الرواية إسلامية , وذات بعد إنساني , رغم ارتدائها ملابس الحداد . وكما هو معروف في عالم الإيحاء الأدبي فإن للألوان معان محددة ومتفق عليها ؛ فاللون الأسود يدلل على الحداد والهزيمة والعتمة والنكوص والخيبة ؛ بينما يرتبط اللون الأحمر بتداعيات الجنس , وإشعال الحروب , وعذاب الجحيم , وسفك الدماء . أما اللون الأخضر الذي يصبغ كلمة "مقدسية" فيدلل , أيضاً , على إمكانية تجدد ونماء وبقاء المسجد الأقصى رغم الحرق والقتل والاحتلال الذي تتعرض له مدينة القدس . علاوة على دلالته الروحية المرتبطة بفكرة لون الجنة لدى المسلمين . ويظهر على الغلاف الأمامي , أيضاً , منبر نور الدين زنكي - المعروف بمنبر صلاح الدين – والنار تشتعل فيه بسبب إقدام مايكل روهن – اليهودي الاسترالي – على حرقه في عام 1969 . ويُعتبر المنبر الأبنوسي العتيق رمزُ تراثي عالمي ثمين , يُذكّر المسلمين بنصرهم في معركة حطين بقيادة صلاح الدين الأيوبي , الذي احضر المنبر من حلب وأمر بنصبه في المسجد الأقصى , بعد أن أنجز نصر حطين وحرر القدس من الصليبيين , وغسل المسجد الأقصى والصخرة المشرفة بماء الزهر لتطهيرهما من أدران الغزاة . وتشير ظلال صورة الفارس الذي يمتطي صهوة جواده , على يمين الغلاف , إلى صلاح الدين الأيوبي , القائد الحيّ في الذاكرة الشعبية الجمعية الذي نراه يسابق ريح الزمن السيئ لحماية المسجد الأقصى , والثأر ممن حرقوا منبره .
2. إن صورة نهوض الميت من قبره دفاعاً عن المسجد الأقصى تبدو كاريكاتيرية , ساخرة لأنها تُدين الواقع العربي الرسمي والحزبي والشعبي الذي لم يتحرك لنجدة المنبر المحترق . وربما توحي أن قادة المسلمين الأوائل - وهم في قبورهم - أشد نخوة من ملوك ورؤساء وأمراء العرب الحاليين , وأن لهؤلاء الأموات إرادة لا تلين في التصدي لأعداء القدس في كل زمان ومكان . واستحضار الكاتب لرموز الماضي هو في حد ذاته دليل على العجز الذي أصاب الأمة وقادتها الحاليين . وهو احتجاج على صمت العرب والمسلمين إزاء حرق المنبر , لهذا لم يجد الكاتب من حل للأزمة سوى استدعاء أموات الماضي من قبورهم للدفاع عن الأقصى , وكأن الأحياء العرب هم أَموَتُ من الأموات الفعليين في قبورهم ! إن المقاربة بين الأحياء والأموات تنهد صوب إدانة الأحياء بسبب تقصيرهم في حق القدس .
ج - وفي القراءة المتفحصة للعنوان , يجد الناقد المتبحر شيئاً من التناص مع رواية عبد الرحمن منيف " قصة حب مجوسية" . فقد استخدم عبد الرحمن منيف ومن بعده يوسف العيلة نفس الكلمتين - الأولى والثانية - في عنوانيي روايتيهما , وهما "قصة"و " حب " , ثم استبدل "مجوسية" ب "مقدسية" في مكان الكلمة الثالثة . ويبدو لي أن ما شجع الكاتب يوسف العيلة على هذا الإستبدال هو التشابه بينهما في الوزن والقافية , مما يدلل على أنه قرأ رواية عبد الرحمن منيف قبل أن يباشر في كتابة روايته , حيث أراد أن ينسج على منوالها رواية أخرى تشبهها في العنوان لكنها تختلف عنها اختلافاً جوهرياً في المضمون , والبنية الفنية , وتقنيات السرد , وهوية الشخصيات وتطورها الدرامي . ومن يقرأ الروايتين يكتشف أن لا شبه يُذكر بينهما سوى ما ذُكر من العنوان , وأن الاختلاف بينهما كبير جداً . فرواية عبد الرحمن منيف "قصة حب مجوسية" تتحدث - بروح مجوسية منفلتة جداً وبعيدة عن الروح الإسلامية - عن ذكريات بطلها العاطفية أيام دراسته في دولة أوروبية , وهي تقع في مئة وثلاثين صفحة من القطع المتوسط . أما رواية يوسف العيلة "قصة حب مقدسية" فنجدها مفعمة بالعاطفة الدينية الصادقة التي تنافح عن قداسة المقدس بعقلية منفتحة , وعاطفة إنسانية جياشة , وتقع في مئتين وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط . وإذا كان هناك من مقاربة بين الروايتين فإنني أعتبر رواية الفلسطيني يوسف العيلة معارضة سردية جادة أو حتى نقيضاً أدبياً إبداعياً لمضمون رواية السعودي عبد الرحمن منيف . وما كان انغماس الراوي حسن المغربي والبطل أحمد الصفافي العاطفي مع المرأة في رواية "قصة حب مقدسية" إلا تمويه تقني لجأ إليه الكاتب يوسف العيلة من أجل إدانة بطله وراويه وبعض شخصيات روايته بسبب انحرافاتهم الأخلاقية وتدنيسهم للمقدس , كي يضيء بعض الحيثيات السلوكية المهمة التي أدت إلى سقوط القدس في يد العدو وتحميلهم جزءاًً من المسؤولية .
المضمون :
يعالج يوسف العيلة في روايته هذه حكاية حب قديمة , حدثت إبان الحروب الصليبية , بين الملك الأيوبي العادل – شقيق صلاح الدين الأيوبي – والأميرة جوانا , ملكة جزيرة قبرص وشقيقة ملك انكلترا , ريكاردوس قلب الأسد . كما أنه يُلقي الضوء الساطع على محاولة التماهي النفسي بين بطل الرواية الأول , احمد المقدسي في حبه جوانا روبنسون مع الملك العادل في حبه الأميرة جوانا . ثم يتشعب التماهي ويمتد إلى علاقة الراوي حسن المغربي العاطفية بعايدة البشناقية في الجامعة العبرية . وتحوي الرواية عدة قصص حب ثانوية أخرى , تفترق وتلتقي , كي ترسم الثيمة الرئيسة , وهي حب المقدسيين لمدينتهم المقدسة , التي تشغل بال الكاتب وأبطاله على حد سواء , بأبعادها التاريخية والاجتماعية والنفسية من أجل تبيان بعض الأسباب الحقيقية التي أدت إلى ضياع القدس في حرب حزيران عام 1967 . فهناك حكاية "أبو ضامن" وليزا موناكو , وحكاية أحمد الصفافي مع جورجيت خوري , وحكاية أحمد المغربي مع عايدة البشناقية . ثم هناك نوع آخر من حكايات الحب الروحي التي تجلت في هجرة جد حسن المغربي من الدار البيضاء إلى القدس , ورحيل جد عايدة من بلاد البشناق إلى القدس , وانتقال جد ميسون من وادي قانا إلى نابلس ثم القدس الشرقية بعد أن باع أرضه وأملاكه في تل بيوت لليهود . وتشير قصص الحب التي يسردها الراوي الرئيس , سواءً كانت عاطفية أم روحية أم معنوية إلى حقيقة تدني المستوى الأخلاقي للراوي نفسه والبطل وبعض الشخصيات الأخرى - مثل "أبو ضامن" - وتفكك عرى العلاقات الاجتماعية العربية , وتحديداً المقدسية , وتلاشي الفعل السياسي الرسمي والحزبي والشعبي القادر على حماية المدينة المقدسة من الاحتلال والتهويد والأوربة . إن سبب فشل المقدسيين في حبهم للقدس وولائهم للأقصى كان نتيجة إخفاقهم في ترسيخ تربية وطنية تُعين الإنسان العربي المقدسي على تحقيق مبدأ المصالحة مع الذات قبل محاربة الآخر . فشعار الرواية يقول :" إن كل من يحب القدس هو مقدسي , سواءً كان عربياً أم أعجمياً ." وعليه فهو يُذكّر القارئ أن القدس منبع روحي , ومحطة تاريخية , ومعراج إلى السماوات العلى , يجمع شمل العرب والمسلمين نحو تحقيق الوحدة العربية والتقدم الحضاري والتحرير الوطني . فالذي جاء بجد عايدة من بلاد البشناق , وجد حسن المغربي من الدار البيضاء إلى مدينة القدس هو بركات القدس وحبهم لها بصفتها مكاناً مقدساً , احتضن أنبياء الله جميعاً في ليلة الإسراء والمعراج . وعليه فهي قادرة على جمع كلمة الأجساد الطاهرة والأرواح الراضية المرضية تحت راية الوحدة المقدسية .
يؤكد الكاتب أن خفوت الذاكرة المقدسية لدى هؤلاء أدى إلى سقوط المدينة المقدسة المدوي في قبضة الغازي الجنرال الانكليزي اللنبي في عام 1917, ثم الجنرال اليهودي ديان إبان حرب حزيران الخاطفة عام 1967 . وعليه فإن مضمون الرواية الأول يهدف إلى إدانة الشخصيات المُنحلة التي انحرفت عن الخط الوطني والديني, وقصّرت في الدفاع عنها وقت الشدة , وتورطت بعلاقات عاطفية ساذجة ورخيصة مع بعض النساء . ولهذا يعمد الكاتب إلى تصوير القدس على هيئة امرأة , تتقمص عدة أدوار ؛ منها دور الزوجة المضطهدة من قبل زوجها "أبو ضامن" , وأرملة مشردة , وأم ثكلى رغم كثرة ما أنجبت من أولاد عاقين , وحتى زانية , أنجبت لقطاء يتلقون تعليمهم المجاني في مدرسة المعهد العربي الكويتي في قرية "أبو ديس" . كما تم تصويرها , في نفس السياق , على هيئة فتاة قروية بسيطة , تشبه ميسون البريئة , التي تدافع أشقاؤها على قتلها ظلماً بزعم أنهم يدافعون عن شرف عائلتهم الذي ضاع عملياً مع ضياع القدس بكل رمزيتها ؛ أي ضياع مدينة موطن الروح المقدسية , والهوية الحضارية , والقضية الوطنية , والضمير الإنساني , والمصير الغامض في الدنيا والآخرة .
وتتمحور أهم الموضوعات التي أضاءها الكاتب في روايته حول رمزية المنبر التاريخية بصفته دليلاً حسياً , ومستنداً حضارياً يُذكّر العرب بانتصار المسلمين على الغزاة في حطين . ولهذا السبب فإن العيلة يعتقد جازماً أن مايكل روهن عمد إلى حرق المنبر عن قصدٍ وسبق إصرار وترصد حتى يحرق ذاكرة المقدسيين . وقد استشعر الراوي حسن المغربي تلك الكارثة الكبرى التي أصابته في تاريخه وعقيدته ووطنه المقدسي بصفته مُستأمناً على القدس ومنبرها بعد أن ورث تلك الأمانة عن جده الذي هاجر من الدار البيضاء إلى القدس تقرباً لله ووفاءً لها . كما ورث عن أبيه الشيخ رسالة الحفاظ على القدس كونها معراج الرسول الكريم (ص) إلى السماوات العلى . وعليه فإن حرق المنبر هو حرق بأثر رجعي لرمز تاريخي . وكان حرقه خسارة روحية ومعنوية لطخت وجوه المقدسيين بالسخام وسيعذبون – إن لم يحرروها من نير الاحتلال – في نار جهنم التي هي أفظع وأشد حرقاً من نار مايكل روهن . إن خسارة المقدسيين للقدس وسكوتهم على حرق منبر الأقصى جعلهم يعيشون في الدارين بين لظى نارين حارقتين , فأين المفر يا مقدسيين بعد ضياع القدس ؟
الشخصيات :
تتصارع شخصيات "قصة حب مقدسية" مع عنوان الرواية , بمعنى :"هل تستحق أن تكون مقدسية رغم تقصيرها في الذود عن حمى القدس ؟" والسؤال الذي تحاول الرواية الإجابة عليه :" هل هذا هو الحب المقدس الذي ننتظره من تلك الشخصيات لمدينتها المقدسة ؟" ويعتقد الكاتب يوسف العيلة أن كلمة "المقدسيين" لا تعني بالضرورة سكان القدس من العرب أو غيرهم بل تشمل كل مسلم أو عربي أو يهودي أو مسيحي يحبها وينتمي إليها بمشاعره . فالمقدسي إنسان يحب القدس , ويحرص عليها , ويدافع عن رموزها المقدسة , سواء سكنها أو كان يسكن بعيداً عنها . هذا المعنى يقصده الكاتب دون لُبس ويبشر به على صفحات روايته أكثر من مرة . وفي أسفل الصفحة (20 ) يقول الراوي حسن المغربي إن أمه همست في أذنه يوماً محذرة :" إللي ما له أقصى ما له قريب . ما دمت تحبها (أي القدس) فأنت مقدسي حتى لو كنت من سيبيريا , لم ينجبك أبوان مقدسيان شرعيان , ولم يسهرا عليك الليالي فيها ." إن التأثير الكبير الذي تركه ضياع القدس على شخصيات الرواية جعل بطلها الرئيس يتيه في حواريها بحثاً عن ذاته التي أضاعها . وفي خضم بحثه عنها توهم أنه وجد طوقاً للنجاة في حضن سائحة اسمها جوانا روبنسون التي أغرقته ببحر عواطفها الرخيصة , وشغلته عن الاهتمام بمدينته وحبيبته ميسون الضامن . وعليه فإن الكاتب يشير من طرف خفي إلى أن أحمد الصفافي ليس دائماً مقدسياً في حبه للقدس ؛ فهو صفافي تارة , وشامي تارة أخرى , ومقدسي تارة ثالثة وبعثي تارة رابعة ؛ أي أنه متعدد الولاءات . ورغم أنه من مواليد بيت صفافا المجاورة للقدس , وعاش فيها طفولته, وقضى سني مراهقته في القدس إلا أنه ليس دائماً مقدسياً ملتزماً بسبب انحرافاته السلوكية . ونراه يتوفر على ثلاث ذاكرات رئيسة , كأنه كان متزوجاً من ثلاث نساء , إحداهما القدس ؛ فكانت ذاكرته الأولى صفافية , والثانية مقدسية , والثالثة شامية , بالإضافة إلى كونه حزبياً ينتمي إلى حزب البعث العربي الاشتراكي الوحدوي . وما يُقال عن بطل الرواية أحمد الصفافي , يمكن أن يُقال أيضاً عن الراوي حسن المغربي الذي كانت له ثلاث ذاكرات متباينة أيضاً ؛ كانت الأولى مغربية , والثانية مقدسية , والثالثة ريحاوية لاجئة . والملاحظ هنا أن الكاتب يجعل من الذاكرة المقدسية قاسماً مشتركاً أعظم وأساساً يجمع بين الراوي والبطل وبقية شخصيات الرواية .
كما تحمل كلمة مقدسي بعداً إنسانياً خاصاً قد يثير إشكالية لدى القارئ المسلم . فإذا كان كل من يحب القدس "مقدسي بالضرورة " فهل نستطيع القول إن الغازي ريكاردوس قلب الأسد وأخته الأميرة جوانا , وراخيلا مزراحي اليهودية هم أيضاً مقدسيون لأنهم أحبوا القدس ؟ واستطراداً نسأل :" هل يبقى مايكل روهن مقدسياً بعد قيامه بحرق منبر صلاح الدين بحجة أنه يحب القدس على طريقته اليهودية ؟" قد تكون الإجابة على هذه الأسئلة سهلة لأن الكاتب تساءل مستنكراً جريمة روهن في غير مكان في الرواية قائلاً :" وهل يحق لمن يحب القدس أن يحرق تراثاً إنسانياً ثميناً ؟"
يلحظ قارئ الرواية أن معظم شخصياتها إنسانية الطابع , بلا دلالات رمزية أو قيم ثابتة . فهي منا وتشبهنا , وتمثلنا ونمثلها , نابضة بالحياة ونستشعر وجودها فينا , بعيدة عن النوع النمطي الوعظي الذي يتوهم أنه يمتلك الحقيقة . فبطلها أحمد الصفافي وراويها حسن المغربي , والبربري الخائن "أبو ضامن " , والبريئة السمراء ميسون , والشقراء الفارعة الطول عايدة , والبعثية الجميلة جورجيت خوري , كلها شخصيات دافقة بالحياة , مستقلة بتكوينها الدرامي وتطورها , وتتحدث وتتصرف بحرية تامة دون قيد أو شرط . ونرى أن الكاتب يحررها من قبضته كي تنعم بالحرية الدرامية التي سلبها منها الاحتلال على أرض الواقع , لذلك نراها تمارس حريتها بالطول والعرض . وهي مزيج من الخير والشر , متشابكة مع بعضها الآخر , متفجرة في عواطفها , وتعبر عن كبتها المُزمن , وتعتمد في سلوكها على قناعاتها الذاتية المحضة , دون مواربة أو خوف من جلاد . وقد استطاع الكاتب الغوص في أعماقها , والاستماع إلى أناتها , وإسماع القارئ صوتها المشروخ الذي يعبر عن أرواح مجروحة . إن نجاحه في توصيف أزمتها النفسية وصراعها مع الآخر أو آخر الذات كان بارزاً . فنراه يفكك شخصية البطل أحمد المقدسي دون محاباة , حتى بات القارئ على إطلاع على خفايا أسراره الشخصية , وسيرة أسرته , وحلمه في الحياة , ووجعه الاقتصادي , ونجاحه في المدرسة والجامعة , وإخفاقه في الحب . ويرسم لنا معاناة البطل السياسية , أيضاً , جراء تقسيم القدس وبيت صفافا وضياع كامل فلسطين في حرب حزيران عام 1967 . كما يظهر لنا الاحباطات النفسية التي أصابت الشخصيات الرئيسة جراء فشل الوحدة العربية بين مصر وسوريا , وتأثرها من نجاح اليهود في توحيد شطري القدس عام 1967 . ثم نشاهده يضيئ حقيقة الواقع السياسي العربي الرسمي من خلال إظهار سيطرة المقيم السياسي البريطاني على قرارات معظم الدول العربية التي تدّعي أنها استقلت عنه . ويرسم لنا معاناة بطل الرواية أحمد المقدسي وأسرته في أعوام الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين , بجانب صراعه النفسي الحاد جراء موت حبيبته ميسون . كما يُبرز تقاطيع وجه جدة بطل الرواية وأحاديثها , وعادات أبيه على مائدة الطعام , وسلوك أمه معه أثناء مرضه بداء السكري . كما يوضح علاقة بطل الرواية مع ذكرياته وتاريخ أمته ورموز تراثه في حطين والقدس وبيت صفافا . ثم يبيّن لنا شدة معاناة الراوي نتيجة خلافاته المستمرة مع زوجته الخليلية , أم حسين .
إن هزيمة بطل الرواية في النهاية , وإخفاقه في تحقيق أحلامه في الحب والتحرير , وحنينه المستمر للماضي يشير إلى أزمة نفسية وحضارية حادة تعاني منها شخصيات الرواية جراء معايشتها الواقع المقدسي المأزوم . فقد أثر سقوط القدس وجريمة حرق منبر صلاح الدين في اعتلال نفوسها وعقولها وقلوبها بحيث كادت تفقد بوصلتها في الحياة في أكثر من موقف في الرواية . ذلك الفقدان سهّل عملية انحرافها الأخلاقي وأشعل بدل أن يقوي عملياً وشائج القربى مع القدس ومسجدها المنكوب . ويرى القارئ كيف يفقد حسن المغربي توازنه وينهار نفسياً أمام مشهد المنبر المحترق في نهاية الفصل الأول . وفي هذا المشهد بالذات الذي يمثل ما يسمى ب ) الذروة المعاكسة ) يعلن الراوي - الذي يتقاسم البطولة مع البطل الرئيس - تكذيبه لأهم أحداث التاريخ العربي الإسلامي التي كان يؤمن بها من قبل كمسلمات تاريخية ؛ مثل انتصار المسلمين في معارك اليرموك وحطين وعين جالوت . ويتساءل بحسرة :" ما فائدة أن ننتصر ألف مرة في الماضي ونُهزم في حزيران عام 1967 وتسقط القدس في يد اليهود ؟"
كما يلحظ القارئ أن لغة شخصيات رواية "قصة حب مقدسية" تتصف بالتوتر النفسي , والحماوة اللغوية في تعبيرها عن خلجات نفوسها , ودوافع شهيتها , ونوازع شهوتها , وحنينها لذكرياتها الماضية . ونسمع انفجارها اللغوي نتيجة للكبت النفسي والقهر السياسي الذي تعاني منه , مما يجعلها تفقد معاني حلمها الإنساني جراء هزيمة حزيران وجريمة حرق المنبر الأبنوسي . فلغة حسن المغربي الجارحة في حق نفسه , وزوجته الخليلية , وحبيبته عايدة البشناقية , وحتى في حق صاحبه المقدسي الذي يصفه في بداية الرواية على أنه " الفكرة الطائرة وهو ( أي الراوي ) الكلمة الجاثمة على الورق " , تعبر عن جَلدِه لذاته بسبب فشله في أن يكون حفيداً صالحاً , يرث أحلام جده المغربي في العيش في أكناف بيت المقدس طائعاً لله , مؤدياً واجباته الدينية , حتى ينال رضاه ويفوز بالجنة التي وعد الله المؤمنين المخلصين بها . وقسوة مفردات لغته لا تنبع من فسقه - كما رأينا في حكاية البربري الخائن "أبو ضامن " - بل من وجعه الناتج عن فقدانه بيته في حارة المغاربة التي هدمتها القوات الإسرائيلية غداة حرب حزيران عام 1967 , وشعوره العميق بالغربة في أريحا القاع بدل الحياة في القدس المعراج . كما نشاهد توتر لغة أحمد المقدسي في وصفه لأجساد وعيون وسيقان وأرداف وروائح حبيباته , وتشتد لغته صرامة وتشتبك مفرداتها مع معاني فلسفية عميقة أثناء زيارته ضريح صلاح الدين الأيوبي بعد أن هجرته جورجيت خوري بشكل مفاجئ .
التقنيات :
يستخدم يوسف العيلة عنصر الزمن في روايته "قصة حب مقدسية" كتقنية تؤطر مخزونه الفكري والفني الذي يريد الإفصاح عنه إزاء جريمة حرق المنبر . فقد قسّم روايته إلى أربعة فصول متساوية تقريباً في عدد صفحاتها , وهي تعكس أربع مراحل زمنية , تواكب تطور شخصيات روايته , ووعيها بذاتها ومكانها وزمانها وقضيتها ووجعها . ومن الجدير ذكره أن مفردات عناوين الفصول الأربعة تعبر عن فكرة الزمن الروائي المُعاش من خلال تقطيعها وحدات زمنية مألوفة ؛ مثل "زمن" و"جيل" و"طفولة" و"أيام " . يبدأ الفصل الأول بعنوان – زمن اليتم - في عام 1979 حين كان الراوي - حسن المغربي - يعمل مدرساً في مدرسة المعهد العربي الكويتي في قرية "أبو ديس" , حيث تزامل مع بطل الرواية أحمد الصفافي لمدة عامين كاملين . واليتم هنا يحمل معانٍ اجتماعية وسياسية وتاريخية , فهو ناتج عن ضياع ثابت الأبوة لدى الأيتام واللقطاء في مدرسة المعهد العربي الكويتي في "أبو ديس" , وضياع الأبوة يعني فقدان اليتيم البعد التاريخي الشخصي . في نهاية الفصل الأول يستلم أحمد المقدسي مهمة السرد الروائي , ويواصل سرده للأحداث طيلة الفصل الثاني وحتى نهاية الفصل الثالث حيث يستعيد الراوي حسن المغربي صوته ومهمته السردية من أحمد المقدسي , ويستمر في سرد الأحداث حتى نهاية الرواية . وعليه فإن أحمد المقدسي كان في الفصلين الثاني والثالث استدراكاً على الراوي في الفصل الأول . ثم كان الراوي حسن المغربي في الفصل الرابع استدراكاً على أحمد الصفافي في الفصلين الثاني والثالث . وأستطيع القول إن السرد كان موزعاً مناصفة تقريباً بين الراوي حسن المغربي والبطل أحمد الصفافي . وهذه المناصفة لم تكن اعتباطاً بل تأكيد على أن الراوي والبطل هما وجهان لعملة واحدة , تتصف بالتشظي .
تقع أحداث الرواية بين محطتين زمنيتين في الماضي : الأولى تضم بداية أحداث الرواية في عام 1979 , ثم يتجه الكاتب إلى الوراء - بأسلوب الفلاش باك - إلى عام 1187 الذي شهد معركة حطين . كما أن هناك محطتين زمنيتين أخرياي تقعان في الماضي القريب : وهما زمن النشر في عام 2008 وزمن انتهاء أحداث الرواية في عام 2005 حين قام الراوي بآخر زيارة له إلى قبر صديقه في بيت صفافا . ونرى أن الفصل الأول – زمن اليتم - يبدأ من مدرسة أبو ديس في عام 1979 , أي في الذكرى العاشرة لحرق منبر صلاح الدين . ثم ينتقل إلى الفصل الثاني – جيل الأحلام , ص 60 – إلى قرية بطل الرواية , بيت صفافا , كي يصف بداية رحلته إلى جامعة دمشق لدراسة التاريخ , مدفوعاً بحكاية حب العادل والأميرة جوانا . وفي الفصل الثالث – طفولة مبعثرة , ص 113 – يتحدث البطل احمد الصفافي عن مولده ونشأته وطفولته ومعاناته منذ أن جاء إلى هذه الدنيا عام 1942 . وفي الفصل الرابع – أيام الحنين , ص 177 – يتحدث الراوي حسن المغربي عن حنينه لأيام شبابه في عام 1978, أي أنه يقترب من لحظات السرد الروائي في عامي 2007 / 2008وعلاقته العاطفية مع عايدة البشناقية التي يلتقيها على مقاعد الدراسة في الجامعة العبرية فيحبها وتحبه ثم تنقطع العلاقة بينهما بسبب زواجها من عوني .
كما يستخدم الكاتب يوسف العيلة ضمير المفرد المتكلم على لسانيي الراوي حسن المغربي والبطل أحمد المقدسي , مما يعطي السرد طابعاً حميمياً , كأنه نوع من المذكرات أو الاعترافات الشخصية التي تدور حول تجربة الكاتب الشخصية التي مر بها . وهنا لا بد من القول إنه ربما يختبئ وراء الراوي والبطل كي يسرد حكايته هو مع ميسون وعايدة وجورجيت وجوانا السائحة . وهو يستخدم أسلوب التماهي مع شخصياته في حبه لهؤلاء الفتيات كي يعبر بصورة استثنائية عن عاطفته الدينية تجاه القدس , وتحديداً تجاه حادثة حرق منبر صلاح الدين وكأنه يستنجد بالمقدس كي يستريح من عذاب الضمير الذي يلازمه حتى اليوم .
إن وصفه المرأة بالمدينة أو المدينة بالمرأة أسلوب مألوف لدى الكثير من الروائيين , ولكن الجديد هنا هو توظيف المُقدَس في عمل سردي راقٍ وكأنه يريد أن يضفي طابع القدسية على تجربته الأدبية حتى يبعد شبح الإسفاف العاطفي للغة شخوصه الدرامية . وهو يفعل هذا عن وعي مسبق بطبيعة اللغة السياسية التي يمارسها النظام العربي القمعي على مواطنيه في السر والعلن . وهل يلام راوٍ إذا تحدث بلغة جلاده لتبيان لغة الجلد النفسي والقمع السياسي التي يمارسها جلاده عليه ؟ وتبقى الرواية حدثاً ذا قيمة أدبية فريدة من حيث صدق التجربة , وقوة اللغة , وجزالة الأسلوب , وعمق المعنى , وتمكن الكاتب من استخدام تقنيات السرد الراقي . فالرواية ملأا بالحوار الداخلي الذي يفصح عن صراع محتدم بين عقل وقلب أبطال الرواية الذين يجدون أنفسهم في مأزق نفسي , وكأنهم هم الذين يحترقون بنار روهن , وهم الذين يكتوون بحرائق الهزائم المتتالية التي أدت إلى ضياع القدس . كما أن تماسك الحبكة , وارتباط الأحداث المختلفة بثيمة متماسكة , لها مفرداتها المعروفة جيداً للقارئ مثل : المنبر الأبنوسي , والقدس , وعكا , ومعركة حطين , والناصر صلاح الدين , ونور الدين زنكي , والبطل المضاد ريكاردوس قلب الأسد , وأخته جوانا الصليبية , والحملات الصليبية المتتالية تُدّعم البنية السردية وتعطيها حبكة متماسكةً , لها معاني سامية , وزيّن موحد .
الخلاصة :
يمكن القول إن الكاتب يستقي سخونة لغة النص من شعلة نار روهن التي أحرقت المنبر الأبنوسي . كما أن وقوع معظم أحداث الرواية في فصل الصيف , وتحديداً في شهر آب اللهاب , هو محاولة من الكاتب لسكب الزيت على النار لتكريس واقع الحريق في نفوس القراء والشخصيات على حد سواء . وأراه يريد القول إن النار التي اشتعلت في الأقصى يجب أن لا تحرق المنبر الأبنوسي بل كل من ساهم وسهل وتساهل وسكت على جريمة حرق المنبر . وعليه فإن الكاتب يوظف حرارة الطقس في فلسطين كي تتساوق مع حريق مايكل روهن من أجل تفجير غضب المقدسيين في أرجاء العالم . كما تتماشى درجة حرارة لغة النص المرتفعة مع الغليان الداخلي الذي يفتك بنفس وعقل كل من شاهد أو سمع بالحريق . وهذه الرواية بلغتها الساخنة تعبّر عن احتجاج الكاتب العنيف على الصمت العربي والخنوع الإسلامي , وربما تجعلنا نقارب بينها وبين لغة "الأدب المكشوف " . وهذا يدلل على عجز المقدسيين على اعتبار أنهم لم يستكملوا بعد شرطهم الحضاري الذي يؤهلهم للدفاع عن الأقصى أو حتى تحرير القدس . وربما يهدف الكاتب من وراء هذا الحماوة العاطفية واللغوية كشف مواقف المقدسيين المتناقضة , الذين يحبون القدس بالقول لكنهم يسيئون إليها بالفعل . وعليه يرى من واجبه استنهاض همم المتخاذلين للدفاع عن المسجد الأقصى باستخدام لغة جارحة , تستفز مشاعرهم , وتزيل عن وجوههم قناع اللامبالاة الذي بات جزءاًً من تقاطيع وجوههم .






تعليقات حول هذه المقاله
العنوانالكاتبوقت الإضافه

تصويت
ما رأيك بالموقع ؟
ممتاز
جيد
مقبول
سيء
نتائج التصويت

حجة بالوان العصر


لوحاتي




كتاباتي

غزل الذاكرة
زمن المرايا
وطن العنقاء
كثبان الذهب الأسود
أبو علي إياد
تأملات مصطفى صبري
الأولاد والشمس
إنشطار الذات
معركة النفق
مكانة القدس
جدار الفصل العنصري
وطني ليس حقيبة
إمبراطورية النفايات
قراءات أمنية
امرأة لا تغار
صراع لا يموت
أصحاب الملايين
صوت الذاكرة


الساعة

صدر حديثا


 
Qalqilia NetWork