إبحث عن:    
القائمة الرئيسيه
صفحة البداية
القصة القصيرة
القصص والروايات
دراسات و ابحاث
المقالات والترجمات
الكاتب يوسف العيلة
معرض الصور
شاركنا رأيك
English Site

تسجيل الدخول
إسم المستخدم:

كلمة المرور:


تسجيل
هل نسيت كلمة المرور

المقالات الأكثر قرائة
1 من الممات إلى البعث .... نظرة إسلامية تقليدية
2 تأملات - الفصل الخامس : موروثات
3 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المصادر والمراجع)
4 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المقدمة)
5 الإسلام دين الفطرة الإنسانية

الكاتب يوسف العيلة


جديد الروايات

 

صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في رام الله دراسة بحثية بعنوان " لسانيات الخطاب الشعري المعاصر ، ليليان بشارة - منصور نمرذجاً " للروائي يوسف العيلة . تضئ الدراسة بعضاً من واقع اللغة العربية في الداخل الفلسطيني . ويقع هذا الإصدار في مئة وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، وهو السابع عشر في سلسلة إصدارات يوسف العيلة النقدية والروائية .


قراءة المقاله



من الممات إلى البعث .... نظرة إسلامية تقليدية
كتبت بواسطة: يوسف العيلة - el 04/02/2007 - 11863 زوار        


ماذا يحدث لبني الإنسان بعد موتهم ؟ ربما لم يشغل سؤال آخر خيال الأحياء مثلما يفعل هذا السؤال . فالإجابات متعددة : منها المخيبة للآمال وبعضها مخيف . والقرآن الكريم كان واضحاً في كثير من التفصيلات المتعلقة بيوم الحساب والجنة والنار ولم يترك إلا القليل عن حيثيات مصير الإنسان . على كل حال , إذا نظرنا إلى الفترة الزمنية التي تبدأ بموت الفرد على أنها وحدة واحدة فإنه لا يبقى سوى الحقبة التي تقع بين الممات وبين قيام الساعة التي سعى المجتهدون المسلمون لتوضيح بعض جوانبها الغامضة .

ومع شح التفاسير القرآنية المتعلقة بحالة الميت قبل البعث والحساب فإن بعض المصادر الإسلامية حاولت تقديم نظرة شاملة حول قضية الموت والحياة . وقد ذكرت عدة سور قرآنية أن الله يعلم الآجال وقيام الساعة وأننا جميعاً نحيا إلى أجل مسمى . يكشف الكتاب والسنة لنا أن الله يمتنا مرتين ويحينا مرتين كما في سورة (02 :28 ) وسورة ( 40 : 11 ) . وعليه فقد أجتهد علماء التفسير في تقديم وصف لأحوال الحياة والموت . وأكثر تلك الحالات شيوعاً هي حالة الجنين في بطن أمه قبل أن يولد . أول حياة يمنحها الله لنا هي خروجنا من رحم أمهاتنا إلى الحياة الدنيا . أما الموت الثاني فيزيل وجودنا من وجه الأرض ثم تكون حياتنا الثانية يوم النشر . وقد أشار بعض الفقهاء إلى أن حياتنا الثانية هي حياة القبر والتي يتلقى فيها الإنسان نتيجة عمله في الدنيا : إن كان خيراً فخير وإن كان شراً فشر . وعلى كل حال يبقى السؤال المتعلق بمصير الإنسان في البرزخ قائماً من غير إجابة شافية .
يزخر التراث الإسلامي بقصص تصف ملاك الموت وحالة الميت بعد وفاته . أما التفسير القرآني لتلك الحالة فهو موجز جداً . ففي سورة رقم (82 :6 5 ) يخبرنا القصص القرآني أن روح المحتضر تلتصق بحنجرته أثناء موته . كما تصف سورة رقم ( (6 :93 ) الموت كغمرات فيضان حيث يبسط ملاك الموت يده طالباً روح الإنسان . ولا يشير القرآن إلى ما يحدث بعدها بالرغم من أن المصادر الإسلامية الأخرى تسترسل كثيراً في وصف الموت وما يحدث للميت . والإشارة الوحيدة الموجودة في القرآن التي تصف حالة الميت هي في سورة رقم ( 22: 35 ) والتي تشير صراحة أن لا تشابه بين حالة الميت في مماته وبين حالة الحي في حياته . وتذكر أن الله يعطي بعظيم قدرته السمع لمن يريد من الأموات وأن الأحياء لا يستطيعون جعل الأموات في القبور يسمعونهم . إن الاختلاف بين حال الأموات وبين حال الأحياء يجعل من البرزخ فاصلاً يفصل بين الحياة الدنيا وبين حياة الأموات . وبمجرد دخول الميت ذك العالم لا يمكن له العودة ثانية إلى الحياة الدنيا من أجل أن يعمل صالحاً ليمحو سيئاته أو أن يتواصل من جديد مع الأحياء .
يلحظ القارئ العادي لآيات القرآن أن الله يعلم توقيت قيام الساعة كي يُجزى كل إنسان حسب عمله : إن خيراً فخير وإن شراً فشر . وقد ناقش الفقهاء المسلمون مسألة العقاب الأول الذي يسبق يوم الحساب حيث أشار القرآن بشيء من الغموض إلى عذاب القبر . كما أننا لا نعرف على وجه اليقين إن كان المجاهدون في سبيل الإسلام أحياءً أم أمواتاً . ولا نستطيع التأكد من أنهم يحيون في نعيم مقيم , سورة رقم ( 58 :22 ) . ويبدو أن هناك أمواتاً يتعذبون في جهنم علماً أن تلك الإشارات لا توضح إن كانت العقوبة تقع في الزمن الماضي أو الحاضر أو المستقبل . كما تتحدث سورتان عن كيف تكوي الملائكة وجوه وظهور الكافرين بألسنة من نار . ويعتبر بعض المفسرين المسلمين هذا العقاب جزاء للكافر على ما فعله في الحياة الدنيا .
ولو عدنا إلى النص القرآني المُحكم فإنه من الصعب التثبت بما يجري في مرحلة ما بعد الموت وما قبل قيام الساعة . لهذا لا يمكن إعطاء فكرة واضحة عن تسلسل الأحداث هناك . من الثابت أن الإسلام قدم في القرون الأولى من انتشاره معلومات موجزة تتعلق بحقبة ما بعد الممات وأن المسلمين الأوائل لم يكن لديهم ميل لوصفها بحقبة زمنية كما هو ثابت في أدبيات الفكر الإسلامي أو من خلال الأحاديث النبوية التي توارثها المسلمون حيث تصفها كأنها رمشة عين . مع مرور الزمن أصبحت المسائل أكثر وضوحاً وتم إضافة تفصيلات جديدة يجدها القارئ رائعة المعاني إذا ما تم ربطها ببعضها الآخر خصوصاً تلك المتعلقة بمصير الفرد بعد وفاته .
يحاول هذا الفصل ترتيب الأحداث المختلفة التي وردت من خلال السيرة والأحاديث النبوية في "صحيح مسلم" و"موطأ مالك" والتي تعاينها الروح أو الجسد في مرحلة ما بعد الممات وقبل البعث . وتبني هذا الأسلوب يجعل المرء يتنازل عن نوع آخر من الترتيب الزمني ذي الخصوصية النسبية والذي انتهجه علماء الفقه الإسلامي بالنسبة للقضايا التي كانت محط اهتمامهم .
لقد اهتم علماء الكلام عموماً بتوضيح سمات خاصة تتعلق بوصف البرزخ ولم يولوا اهتماماً يُذكر إلى ترتيب الأحداث بعد الممات وذلك لتبان بعض المسائل المتعلقة بطبيعة الله . وعليه فإن العقائد الإسلامية التي تعبر عن نهج السنة النبوية أكدت على وصف نوعين من الأحداث يلاقيها الميت . أولاً , تعرضه للسؤال من قبل الملكين ناكر ونكير ثم عذاب القبر . والاهتمام الإسلامي بمسألة العقاب يأتي في إطار ديني فكري أشمل يتصل بعدل الله المطلق . وقد نمت وكبرت تلك الصورة العامة التي تصف الأحداث في البرزخ بسبب اتضاح بعض التفصيلات والحيثيات المتعلقة بأنواع العذاب كما ذكرتها كتب التفسير الإسلامي .
إن سرد الأحداث التي تقع للميت ضمن إطار محدد مهمة صعبة وقد تكون مخيبة للآمال لأن الأمر مرتبط ارتباطاً دينياً بعقيدة الأجيال المتعاقبة عند المسلمين . إن كتب الأحاديث النبوية تضم مرجعيات مختلفة ولا يمكن ترتيبها في نظام معرفي واحد . وأسهل الطرق لتكوين نظرة شاملة لما نسميه تواتر الأحداث التي تقع للميت هي التي تم اعتمادها أصلاً في القرون الوسطى . وتضم هذه الكتب النبوية أراء فقهية محدثة تم تخريجها في أوقات لاحقة وهي عموماً تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر . وهي تتفق مع آراء علماء الكلام وتعطي مادة سردية تحث على التمسك بالعقيدة والإيمان بالله وتجنب الكبائر .
ومن الكتب التي يمكن اعتمادها في هذا السياق كتاب حجة الإسلام أبو حامد الغزالي " الدرة الفاخرة " الذي يعود للقرن الحادي عشر . وكتاب ابن قيم الجوزية "كتاب الروح" في القرن الرابع عشر . وكتاب جلال الدين السيوطي " بشرى الغائب بلقاء الحبايب " في القرن الخامس عشر . وكتاب أبو ليث السمرقندي " كتاب الحقائق والدقائق " في القرن السابع عشر وكتابه الآخر " أحوال القيامة" .
وقد أوردنا بعض الأحداث المستقاة من كتب الأحاديث لتأكيد بعض القضايا العامة . ذلك أن الكتابات المتعلقة بالحياة بعد الممات كثيرة في التراث الإسلامي ولا يمكن الإحاطة إلا ببعضها وذلك على سبيل التمثيل لا الحصر .
وتعالج هذه الكتب من حيث المبدأ طبيعة البشر والهدف من خلقهم وعلاقتهم بالله . وفي معرض الحديث عن مصير الفرد بعد موته تصف ملاك الموت عزرائيل على أنه مخيف وضخم . ويجد القارئ صورة مثلى له في كتاب عبد الوهاب الشعراني الذي يعود للقرن السادس عشر : له ألف جناح يطوي بها الأرض والسماء , يستطيع حمل الأرض من أقصى نقطة في الشرق إلى أقصاها في الغرب بما فيها الجبال والسهول والغابات . وهي بالنسبة للميت المؤمن أجنحة رحمة وأما للكافر فهي كماشات حديدية . ومن غير المستغرب أن يتشكل ملاك الموت بأشكال عدة تبعاً لحال الميت حيث يظهر للكافر في أبشع صورة .
ويذكر "كتاب أحوال القيافة " ص ( 11-13 ) تفصيلات دقيقة عن عملية خلق الموت وعلاقته بعزرائيل . ولهذا الملاك السلطة وجبروت الموت لكن تبقى الكلمة النهائية بيد الله الخالق . وتقول الروايات أنه عندما خلق الله الموت أمر الملائكة كي تنظر إليه . وكم كان منظره مخيفاً عندما نشر جناحيه وطار : غابوا عن الوعي ألف عام . عندما استيقظوا اعترفوا لله أنه خالق أقوى المخلوقات قاطبة .ثم أجابهم :" خلقته وأنا أعظم منه وكل نفس ذائقة طعمه " ص (11) . ويقال في الأثر أن الموت خضع لعزرائيل بطريقة دراماتيكية مثيرة مطلقاً صرخته المدوية : " أنا الموت الذي يفرق بين الأحباب . أنا الموت الذي يفرق بين المرء وزوجه وبين الرجل والمرأة ! أنا الموت الذي يفرق بين الأم وابنتها ! أنا الموت الذي يفرق بين الأب وأبنائه ! أنا الموت الذي يفرق بين الأخ وأخيه ! أنا الموت قاهر كل حي . أنا الموت الذي يسكن القبور .. ولن يبقى على ظهر المعمورة بشراً لا يذوق طعمي !"
يظهر في لحظات الاحتضار الأخيرة الموت وعزرائيل بهيئة غامضة لم توضحها كتب التفاسير الإسلامية . يرى المحتضر الموت يقترب منه فيسأله :" من أنت ؟ " ثم يجاب على سؤاله :" أنا الموت ( أو ملاك الموت) الذي يجعل أبناءك أيتام وزوجتك أرملة !" عندها يضيق المكان بالميت ويطارده الموت حيث اتجه وهو يحثه على تسليم روحه لأن أجله انتهى . وتبدو الصورة رهيبة حيث لا مفر من دنو الأجل , لا إمكانية لعقد أي تسوية بينهما لأن إرادة الله سبقت ولا تبديل لحكم الله . هذه المشاهد الغيبية توضح أن عزرائيل لا يملك قرار تحديد لحظة دنو الأجل فهو ينفذ أمر الله ليس إلا . فكل شيء مسطور في اللوح المحفوظ أما ملاك الموت فيعرف وقت قبض روح الميت عندما يشاء الله ويأذن . إذ يقوم ملاك الأعمال الصالحة والطالحة بتبليغ ملاك الموت ساعة قبض روح الشخص المقصود . وتكون أسماء الصالحين محاطة بنور أبيض بينما تحيط الخطوط السوداء أسماء الطالحين . وتذكر روايات المفسرين أن قصة موت الإنسان تبدأ عندما يتبقى من عمره أربعين يوماً حيث تسقط ورقة , مكتوب عليها اسمه , من شجرة مزروعة أسفل العرش العظيم . يفهم عزرائيل من إشارة السقوط تلك أن منية شخص ما قد دنت وعليه الاستعداد . وتذكر إحدى الروايات الشعبية أنه منذ لحظة ولادة الإنسان يأمر الله أحد الملائكة بوضع ذرة تراب , من المكان الذي سوف يُدفن فيه , في رحم الأم .
تُعتبر العلاقة الملتبسة بين الروح والنفس في التراث الإسلامي قضية معقدة التركيب وصعبة الفهم . ويعود السبب إلى أن القرآن لا يستخدم بوضوح كلمة الروح للتعبير عن الجانب المعنوي في الإنسان . والسورة رقم (39 : 42 ) تقارن بين النوم والموت وتذكر أن الله يتولى الأنفس عند مماتها ! كما يتحدث بعض المفسرين عن النفس عندما يصف ما يقوم به ملاك الموت أثناء قبضه روح المحتضر . ويتحدث فقهاء آخرون عن بقاء النفس في جسد الميت بعد خروج الروح منه . وتصبح الصورة أكثر تعقيداً عندما يرى القارئ هذا التداخل في الحديث عن الروح والنفس لدرجة أن التمييز بينهما في هذا المجال يبدو مستحيلاً . في بحثنا هذا نستخدم الكلمتين كما وردتا في النصوص العربية متجاهلين التباين بينهما واضعين في الاعتبار أنه بالرغم من الإشارات القرآنية الغامضة عن النفس فإن معظم المفسرين والفقهاء يتفقون على أن ما يبقى بعد موت الفرد هي الروح .
وفي سياق وصف أحوال الموت هناك عدة تفسيرات توحي أن الشخص المتوفي يستقبل أربعة من الملائكة , يخبرونه بأنهم موكلون بالسؤال عن ماله ومأكله وعمله وعمره . ثم يقرأ ملائكة آخرون صحيفة أعماله من على يمينه وشماله حيث يدور حوار بين الروح وهذه الصحيفة كما ورد في "كتاب أحوال القيامة " :
" ويقول الملاك عن يمينه : السلام عليكم ! أنا ملاك الرحمة . أتولى عرض أعمالك الصالحة , ثم يُخرج قطعة من الورق الأبيض وينشرها أمامه قائلاً : أنظر إلى أعمالك ! فيُسر ويُبش . ويقول ملاك جهنم عن يساره : أنا أتولى عرض أعمالك الشريرة ! ثم يُخرج قطعة من الورق الأسود وينشرها أمامه قائلاً : أنظر إلى أعمالك ! فيتصبب عرقاً وينظر يمنة ويسرة مرتعداً من قراءتها . "
لقد شغلت قضية دنو الأجل حيزاً وافراً في كتب التفسير . على سبيل المثال , يصف أبو حامد الغزالي النفس والروح في كتابه " الدرة الفاخرة " : " عندما يدنو أجل الإنسان , يهبط من السماء أربعة من الملائكة : ملاك ينزع روحه من طرف قدمه اليمنى وملاك ينزعها من طرف قدمه اليسرى وملاك ينزعها من طرف يده اليسرى ورابع من طرف يده اليمنى . يبقى جزء من عالم الملكوت خفياً على المحتضر لأنه يرى قدر استطاعته لا كما هم فعلاً حتى يتوفاه الله . يُربط لسانه كي لا يخبر عن مكان وجود الملائكة , وبينما يتم إسكاته يقوم الملائكة بسحب روحه من أطرافه . تخرج روح العبد الصالح من جسده مثل انسياب الماء من قربة الجلد . أما روح الشرير فتتمزق أثناء قبضها مثلما يحدث للشوكة العالقة عند خروجها من صوف مبتل ص ( 2: 5) .
ونجد في كتاب " الحقائق والدقائق " وصفاً للحيل التي يلجأ إليها المحتضر للحؤول دون قبض ملاك الموت روحه . فعندما يقدم عزرائيل على نزعها من فمه , يحتج المحتضر قائلاً إن البسملة كانت تخرج من فمه . ثم يجرب قبضها من أطراف يديه لكنه يمانع قائلاً أنها كانت تدافع عن الإسلام ضد الكفر وتمنح الصدقات . ثم يحتج على سحبها من أطراف أقدامه بزعم أنه كان يؤدي بها الصلاة وبها يسعى في زيارة المرضى . وأن أذنه كانت تسمعه القرآن وأن عيونه كانت له عوناً في تدبر معاني القرآن . ثم تُنزع روحه بأمر الله وذلك بأن يكتب ملاك الموت اسم الجلالة على راحة المحتضر المؤمن فتخرج من الجسد . ويذكر كتاب " الدرة " أن حجم روح الإنسان هي بحجم النحلة لكنها تتمتع بصفات أُنسية . وفي لحظة خروجها من جسد الميت إلى جهة غير معلومة فإنها تهتز وترتج كسوار الفضة في يد ملاك الموت ص (7) .
تؤكد كتب التفاسير الإسلامية أن الموت عملية مؤلمة . هناك آيات توضح أن خروج أرواح المؤمنين والصالحين يتم بيسر وسهولة كما ذكر الغزالي آنفاً . على العموم تبقى الفترة التي تبدأ بمعرفة المحتضر بدنو أجله حتى رحيل الروح ورؤية جسدها مغسولاً وجاهزاً للدفن فترة عصيبة .
وتروي التفاسير حواراً بين النبي الكريم وزوجته عائشة بعد أن تيقنت أن النبي سيرحل يوماً عن هذه الدنيا . وكان على أثر ما ذكره النبي عن المصاعب الجمة التي يواجهها الميت وهو يغادر بيته بينما يتعالى صراخ أطفاله من حوله قبل أن يوضع في الحفرة لينهال عليه التراب والروح ترقبه أثناء الدفن :" يا مغسل الأموات استحلفك بالله أن تخلع عني ملابسي برفق فقد انتهيت للتو من خشونة جبروت ملاك الموت . وبعد أن يتم غسل جسمه , الذي ما يزال يعاني من سكرات الموت , بالماء الساخن أو البارد وهو في حالة من الذعر بسبب فراقه لأحبائه يقول :" استحلفك بالله أيها المُكفن أن لا تُضيّق علّي حبال كفني كي أودع أحبائي وأقاربي وأطفالي فلن أستطيع مشاهدتهم بعد اليوم حتى قيام الساعة ."
يجري سؤاله للمرة الأولى عندما يحضر شيطان يغريه بالتخلي عن دينه . هذه الحكاية شائعة في كتب السير وتشكل عناوين الكتاب وفصوله الثانوية . هنا كم يكون الشعور بالوحشة والغربة مؤلماً عند الميت حيث يمسي هدفاً رئيساً لأحابيل الشيطان بينما يعاني من عطش شديد وحرقة في الكبد . يصرخ الميت :" أعطوني كأساً من الماء !" وهو لا يرى من يقف عن يساره . يأتيه الشيطان , يناوله كأساً من الماء البارد قائلاً :" قل النبي محمد كاذب !"
وكما هو الحال في سير الأدب الجنائزي تبدو الخيارات أمام الميت وهمية لأن المكتوب عليه دخول النار سوف يستجيب للإغواء ويشرب من ماء الشيطان . والمؤمن الحق يرفض العرض كي يفوز كما هو مُقدر له . ويذكر الغزالي رواية مختلفة عن غواية الشيطان في كتاب "الدرة " ص (8-9 ) وهي أن إبليس ربما يرسل أحد أتباعه إلى المحتضر متلبساً هيئة أحد أفراد أسرته محاولاً إغواءه كي يموت على اليهودية " لأنها دين المسيح المُخلص " . أما الله فيعرض عن مساعدة الضالين ويرسل الملاك جبرائيل إلى المؤمن كي يخلصه من الشيطان . ولحظة الموت يعلو الِبشر وجه الأرواح السعيدة ويغمرها الفرح وهي راضية لموتها على دين الفطرة السليمة ( أي الملة الحنيفة ) .
" عندما تشاهد الزبد يخرج من فم الميت ويعلو شفتيه ثم يتحول لون وجهه إلى السواد وعينيه إلى الزرقة فاعرف أنه شقي . لقد كُشف له عن شقائه في الآخرة . وعندما تشاهد الميت فاغراً فيه كأنه يبتسم وعيونه تنظر إلى الأرض ووجه مشرق فاعرف أنه يرى مقعده من الجنة ونعيمها الدائم ص (10-11) . "
إن التعبير عن النعيم والشقاء هو أحد المواضيع التي ذكرت بأشكال كثيرة متباينة في كتب التفاسير في سياق الحديث عن الموت وما بعده من أحداث والذي يؤكدها حضور الملائكة الذين ينشرون صحيفة الميت . وتذكر التفاسير أن القبر يرحب بالميت المؤمن ويبشره بالنظر إلى أبواب الجنة . كما تصف بعض الروايات الأخرى العذاب الذي يلاقيه الكافر . ويقال أن القبر يحذره بأنه بيت للدود والوحشة والغربة والعقارب والأفاعي .
كما يطور كتاب " أحوال القيامة" موضوعاً جاهلياً مفاده أن الأرض تلوم الميت عند دفنه في جوفها بعد أن كان أثناء حياته ينعم بشتى ملذاتها وثمارها , جاء الأوان كي يأكله الدود في باطنها ص( 24-25) . ويستطيع المؤمن أن يتجنب عذاب القبر بقيام الليل وقراءة القرآن والقيام بالأعمال الصالحة والبسملة وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله . ويجني المؤمن ثمار تعبده خلال الرحلة التي تقوم بها الروح بعد خروجها من الجسد وحضور الملائكة لسؤال الميت . وتتشابه هذه الرحلة مع رحلة الإسراء والمعراج التي قام بها الرسول الكريم إلى السماوات العلى .
وبعد أن تخرج روح المؤمن بسهولة ويسر , يحضر ملكان أو أربعة وجوههم ناصعة بيضاء ويقومون بلف روح الميت بسديم أبيض ويبخرونها بالمسك والعنبر ويصعدون بها إلى السماء السابعة بصحبة ملاك الرحمة جبرائيل فيطرق باب كل سماء , فيُسأل :" من أنت ؟" فيجيب مزكياً الروح المقبوضة فتفتح له كل الأبواب حتى يصل إلى سدرة المنتهى تحت العرش . يصف الإمام الغزالي نهاية الرحلة : " يقطعون محيطات من النار والنور والظلمة والماء والثلج والجبال . يحتاج قطع كل محيط ألف عام ثم يدخلون بوابات العرش الذي يضم ثمانين ألف مقصورة وتحوي كل مقصورة ثمانين ألف شرفة كما تضم كل شرفة قمراً يضيء العرش ويسبح بحمد الله .
وتبدو مرحلة دخول أو عدم دخول الروح عالم الحضرة الإلهية مسألة غامضة . تقول بعض التفاسير أنها تسكن عليين حيث العرش . ويذكر كتاب "الدرة الفاخرة " أن الله يقول :" دعوه يقترب إنه حقاً من عبادي الشاكرين ! " أما الروح الشريرة فإن رحلتها إلى عليين أكثر تعقيداً وغموضاً . يقول الغزالي ص (17 – 18 ) : " ُيسلم عزرائيل الروح الشريرة إلى خازن جهنم ديكائيل ( مالك) الذي يلفها بسديم من الشعر ثم يصعد بها إلى السماوات العلى فلا ُتفتح له . يقذف بها في وجه الميت وهي تقول :" ضيعك الله كما ضيعتني !"
إن الوقت الذي تستغرقه رحلة الروح قصير جداً إذا تعود من رحلتها ولم يتم الانتهاء من غسل الجثة . ويمر المفسرون سريعاً على عودتها رغم أنهم يتفقون على وحدة الجسدي والروحي قبل الموت وبعد عودتها من رحلتها . ويقال أن الملائكة يضعون الروح في مكان خارج الجسد حيث لا تندمج ثانية معه ومن ذك المكان يستطيع الميت أن يشاهد أرحامه وأصدقاءه وهم ينتحبون عليه لكنه لا يستطيع التواصل معهم . ( هناك رأي يقول أنه يرى بوضوح من يبكي أو لا يبكي رحيله عن الدنيا) . ويقال أيضاً أن الله يأمر بعودة الروح إلى الجسد بعد أن يصل موكب الجنازة إلى القبر . يذكر كتاب "أحوال القيامة " أنه لا يوجد إجماع حول هذه التفاسير . ويعتقد بعض الفقهاء أن الله يبث الروح في الجسد من أجل تعذيبها في القبر . ويؤمن آخرون أن الروح وحدها تتعذب داخل القبر بدون الجسد . كما يعتقد فريق ثالث أنها تكون في مكان بين الجسد وثياب الكفن .
ثم تظهر في سياق تسلسل الأحداث ملائكة الحساب . هناك أكثر من رواية تصف ما يجري للميت على الرغم من تباين كتب التفاسير حيناً وتناقضها حيناً آخر ووجود قناعة عامة أن الأمور تسير على هذا النحو . ومن وجهة النظر الدينية الإسلامية , فإن سؤال القبر جزء من قضية العدل المرتبطة بحكم الله . وهما غير منفصلتين عن عذاب القبر الذي سنناقشه لاحقاً .
وقد ذكر القرآن الكريم مسألة عذاب القبر عدة مرات لكن بصورة مختصرة . بالإضافة إلى ما ورثه المسلمون عن ذات الموضوع من مصادر سامية وجاهلية ومجوسية . وعليه فقد توفر للأجيال المتعاقبة إرث كبير يؤكد حضور ملكين إلى قبر الميت كي يسألانه عن عقيدته ودينه ونبيه . ويعرفان أحياناً بناكر ونكير . وتتباين أوصافهما حسب المصادر المختلفة لكن من المعلوم أنهما مخيفان ولونهما أسود وعينيهما خضراوان وصوتهما يجلجلان مثل الرعد وتلمع عيناهما مثل البرق . وتستثني بعض المصادر ذكر وصفهما ولكن البعض الآخر يذكر أنهما يظهران فقط لأصحاب النار . وهنا لا بد من القول أن المسألة تبدو غير منطقية : ما جدوى أن يُسأل من تقرر مصيره في النار عن أعماله ودينه ؟ يقال أن سؤال الملائكة له لا تقرر مصيره بل تشير إلى مكانه من الجنة أو النار يوم الحساب . أي أن الهدف من سؤال الميت هو إشارة أولية تدلل أنه إما أن يكون مصيره خيراً أو شراً بعد محاسبته .
وهناك تباين حول طبيعة الأسئلة التي يلقيها الملكان على الميت في قبره . والرواية المتداولة بين الناس تقول أن بعيد دخوله القبر يطلب الملكان منه الوقوف ويسألانه عن ربه ودينه ونبيه . وتكون إجابات المؤمن الصحيحة هي : " الله ربي والإسلام ديني ومحمد نبيي ." وتشير رواية أخرى أن السؤال الأول يكون عن :" من هو إمامك ؟ من هو رسولكم الذي أرسل إليكم ؟ ماذا علمك ؟ " وإذا كانت إجاباته صحيحة فإن باباً يُفتح له عن يمينه أو نافذة من فوقه حيث يستطيع النظر إلى الجنة واستنشاق ريحها وريحانها .
وتذكر بعض التفاسير أن الملائكة تصعد بالروح إلى السموات وتضعها في مصباح معلق على العرش كي تنال رحمة الله وغفرانه بعد أن يوضع في القبر حيث يظهر له شخص بملابس جميلة مزركشة ورائحة عطرة ويجيبه الملاك :" أنا أعمالك الصالحة " أو يظهر له ملاك قبيح ذو رائحة كريهة ويسأله الميت :" من أنت ؟" فيجيبه :" أنا أعمالك الطالحة ."
يقول الغزالي في كتاب " الدرة " أن هناك أربعة أصناف من الأشخاص الذين يتلبسون بلبوس الملائكة لسؤال الميت . وفي كتابه , يصنف الغزالي الأموات إلى أربع فئات وأول هذه الفئات هم العلماء الذين يعتبرون أفضل الناس عبادة وأتقاهم لله . وتنكمش الروح أمام هول مظهر الملكين وتحاول الخروج من أنف الميت . ويقال أنه في تلك اللحظات تعود إلى جسده ويعود جسده إلى الحالة التي كان عليها أثناء خروج الروح . ويسمع الميت ويرى لكنه لا يستطيع الحراك من شدة خوفه من الملكين المرعبين اللذان يسألانه : "ما دينك ومن ربك وأين قبلتك ؟" ومن البديهي أن تكون الإجابات من قبل العلماء صحيحة لأن الغزالي يقول أن الله يهدي الميت إلى قول الحق ( وهنا تبرز مسألة كلاسيكية خلافية حول كيفية التوفيق بين عمل الإنسان وإرادة الله في إطار العدالة السماوية ) . وتسعى الملائكة للترويح عن روح الميت الذي نجح في امتحانه حيث ينعم بالحديث مع الحور العين اللواتي يحضرن للتسرية عنه .
الصنف الثاني من الأموات هم أولئك الذين عملوا الصالحات في الحياة لكنهم لم ينالوا درجة رفيعة لمعرفة أسرار ملكوت الله . وتدخل هيئات أعمالهم أمام الملائكة في أبهى صورة وأجمل زينة تعبر عن مادية أعمال الميت أكثر مما تعبر أعمال العلماء من الصنف الأول . وتقوم بتحذير الميت من زيارة ناكر ونكير له وأن لا يخاف منهم ثم تعلمه كيفية الدفاع عن نفسه . ( والغزالي لا يلق بالاً للتناقض القائم هنا لأن هدفه هو التأكيد على أن رحمة الله أكبر من الخطوات التي تتم لتحقيق العدالة ) . وعند دخول الملائكة للقبر يكون الميت على أهبة الاستعداد للإجابة :" الله ربي ومحمد نبيي والقرآن دليلي والإسلام ديني والكعبة قبلتي وإبراهيم الخليل أبي وملته ملتي ." ص ( 25) .
ثم يصف الغزالي كيف يُفتح الملائكة باباً على يسار الميت فيرى أهوال الجحيم . ثم نشاهد كيف أن هذا الصنف من الأموات , على عكس العلماء , لا ينالون الجزاء العاجل على أعمالهم الصالحة . وتنشغل الروح في مراقبة الأفاعي والعقارب وسلاسل الحديد والماء المغلي وشجرة الزقوم . لكن الملائكة تُطمئنها بأن لا تخاف لأنها لن تضره شيئاً :" فالله قد استبدل مكانك في النار بمكان آخر في الجنة ." ويبقى مصيرهم النهائي في يد الله .
أما الصنف الثالث فهم أولئك الذين تكون إجاباتهم غامضة . وهذا الصنف يشمل أولئك الذين لا يستطيعون الإجابة بأن الله هو ربهم وأن الإسلام دينهم والكعبة قبلتهم والقرآن دليلهم بسبب خوفهم من الملائكة أوعدم تيقنهم وضعف حصانتهم إزاء سؤال الملائكة لهم . ويتلقى هؤلاء عذاباً وسطاً مثل الضرب بساطور من حديد أو تحول القبر إلى شعلة من نار . وفي بعض الحالات لا يتم تشخيص الأفعال على هيئة بشر بل كحيوانات مثل الكلاب والخنازير التي تستخدم كأدوات لمعاقبة الأموات ( ص26) . وليس هناك دليل على أن سؤال الملائكة للأموات هنا هو تعبير عن مصيره النهائي .
والصنف الرابع هم الكفار الذين لا يستطيعون الإجابة فحسب , كما هو حال الصنف الثالث , بل إنهم ببساطة يجهلونها . أما أنواع العذاب التي يلقونه فهي متعددة مثل الضرب المبرح ثم تأتي أفعالهم على شكل حيوان نجس وكريه الخلقة والخلق :
" تقول أحد الروايات أن ميتاً قد شوهد حلماً وقد سُئل :" كيف حالك ؟" فأجاب :" كنت أصلي من غير طهارة أو وضوء فوضع الله لي في القبر ذئباً يخيفني وأنا أعيش في أسوء حال بسببه ." ص ( 28) .
ما يقصده الغزالي من تقسيم الأموات إلى أصناف أربعة هو أن أعمال بني البشر المتعلقة بالنهي والأمر لا يمكن حصرها وأن مسئولية الناس عن أعمالهم هي مسألة واضحة وأن تقسيم الأموات إلى فائز وخاسر هي رسالة القرآن لعباد الله . وبالنسبة للغزالي وبعض علماء المسلمين فإن تقسيم الأموات إلى صنف أسود وآخر أبيض كي يُعاقبوا في القبر أو أن لا يعاقبوا هي مسألة ليست بهذه البساطة . لهذا فهو يؤكد أن كل ميت سيلقى شيئاً من عذاب القبر , كثيره أو قليله , مما يتناسب مع عمله في الدنيا . ( هناك إشارة أن الاعتقاد الجدي بأن هذه الأحداث ستجري على وجه اليقين هو أمر مضلل ويجب الانتباه له على اعتبار أن هذه الأعمال تعرض له للتذكير بأن أعماله مسجلة عليه وسوف يقرأ صحيفته يوماً ) .
هناك الكثير من الروايات التي تصور العذاب الأليم الذي يلقاه الميت في القبر . وتقول إحداها أن ناقة الرسول ارتعدت خلال مرورها من مقبرة للأموات عندما سمعت , ولم يتمكن أحد غيرها من البشر من السماع , صراخ الكافرين الذين كانوا يُعذبون داخل قبورهم . وكان الرسول يسير مع صحبه بجانب المقبرة عندما عرف أن اثنين من الأموات يُعذبان داخل قبريهما فقاما بقطع أغصان من الشجرة ووضعوها على القبور كي يهدأ صراخ الأموات .
وفي الأثر أن عائشة أم المؤمنين أعربت عن انزعاجها من وصف الرسول الكريم لحالة المؤمن عند سؤاله في القبر فأجابها : " يا عائشة ! إن صوت ناكر ونكير في أذن الميت المؤمن مثل الشائبة في العين وعذاب القبر هو مثل حال الأم الرؤوم التي تمسح رأس طفلها عندما يشكو من وجع في الرأس . يا عائشة الحسرة على الذين يكفرون بوجود الله – تُعصر جنوبهم في القبر مثلما يفعل الجلمود بالبيضة ."
ربما نلحظ هنا بوضوح أن المسلم التقليدي يقبل التصديق بأن المؤمن والكافر يُعذبون في القبر بالرغم من أن الكافر وحده تكويه نار السعير . وتذكر كتب التفاسير أن المؤمنين يعذبون على ذنوبهم الصغيرة وإنهم , حسب التفاسير الأكثر مرونة , سيلاقون الثواب الذي يلاقيه المتقون والصالحون . ولا تذكر التفاسير القديمة أشكال النعيم في القبر ( هذه تشكيك في عقيدة المسلمين ) لأن اهتمام المدارس السُنية منصبُ على ما ذكرته كتب الصحاح مثل مالك والموطأ . هذا التأكيد مرتبط بالتفسير القرآني الذي يصف الحياة الأولى والثانية والموتين . ويرى المفسرون , كما ذكرنا آنفاً , أن الحياة الثانية هي حياة القبر وأن الموت الثاني هو الذي يعقب اليقظة القصيرة التي يلاقي خلالها الميت سؤال الملكين وعذاب القبر .
يؤكد النص القرآني أن الشهداء يدخلون الجنة من غير حساب أو سؤال . ومع مرور الزمن فإن فئة الشهداء تزداد وتشمل الأنبياء والعلماء . ومن المفهوم ضمناً أن تلك الحقبة الزمنية تبدأ منذ دخول الملائكة وتنتهي بانتهاء عذاب القبر وتستغرق أربعين يوماً للكافر والمشرك وسبعة أيام أو ثمانية للمؤمن الذي ارتكب ذنوباً صغيرة . وهناك اعتقاد بأن المؤمنين يبتهجون عندما تتحد الروح بالجسد حينها يذوقون طعم النعيم وتفتح لهم الملائكة نافذة تطل على الجنة حيث يأتيهم ريحها الطيب ثم يُوسع لهم في قبورهم وتضاء بالمصابيح .
ربما توسع الفقهاء المسلمون في وصف أحوال القبر ونعيمه . ومن ثم قاموا بنقل تلك الروايات من مصادر غير إسلامية سابقة كانت موجودة في جزيرة العرب والتي لاقت استحساناً من قبل عامة المسلمين لتوافقها النص القرآني . ثم تطورت هذه الروايات ضمن إطار ديني عقدي حتى أصبحت تصوراً يفسر الأحداث التي تجري على الميت والتي عُرفت بأحوال القيامة أو عذاب القبر أو فتنة القبر . وينكر كثير من الفقهاء على مر التاريخ الإسلامي عودة الروح للجسد في القبر وبالتالي لم يعترفوا بالأحداث التي تم وصفها آنفاً . المعتزلة , مثلاً , أنكروا حدوث عذاب القبر عقلاً : " إن الناظر للجثة يجد أنها لا تنبض بالحياة ولا يمكن إحياؤها من جديد : حتى تلك الجثامين التي لم تفترسها الأسود أو لم تحرقها النار أو التي لم يتم تشويهها لا توحي أنها تحس : وأن أحداً لم يسمع يوماً صوت الميت وهو يجيب على أسئلة كما تزعم الروايات حول ناكر ونكير . وأن (إخوان الصفا وخلان الوفاء ) وغالبية الفلاسفة والمتكلمين وكثير من أئمة الشيعة أنكروا فكرة عذاب القبر لأنها مبنية على توحد الروح والجسد . ويعتقدون أن الموت ما هو إلا تحرير الروح من قيود الجسد وأن إتحادها به من جديد لا يمكن تصديقه .
لكن غالبية العامة من المسلمين يؤمنون أن عذاب القبر حقيقة تؤكدها كتب أهل السنة والجماعة واجتهاداتهم الفقهية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة المتواترة وغير المتواترة . وإذا حاولنا غض الطرف مؤقتاً عن فكرة التطور التاريخي لمقولة عذاب القبر فإنه من المفيد تبيان بعض الأسباب التي دعت عموم المسلمين بالإيمان بعذاب القبر . هناك وجهة نظر مفادها أنه لا يوجد غير إجابة واحدة ووحيدة للسؤال التالي :" لماذا تطرأ الأحداث ؟" والجواب هو أن الله أراد لها أن تحدث . كما أن هناك أمراً غامضاً يسري في مناقشات علماء الدين حول تواتر روايات الحديث ثم ما القيمة الأخلاقية التي تتضمنها مسألة توضيح العذاب الذي أمر الله به . وهذه الأسباب هي على النحو التالي :
1- تحديد المصير النهائي للميت : تقول بعض التفاسير المتوارثة أن أسئلة الملائكة للميت تعني , في حال الإجابة الصحيحة عليها , أن تصعد روحه إلى السموات العلى ثم يدخل الجنة . أما الذين يفشلون في الامتحان فإن أرواحهم تذهب إلى جهنم .
2- تطهير نفس الميت : تقرر التفاسير أن هناك حاجة لوجود آلية لمعاقبة الذين عملوا السيئات وتطهيرهم من ذنوبهم . لا يوجد توافق تام بين فقهاء المسلمين حول موضوع ما إذا كان المذنبون هم وحدهم الذين سيدخلون الجنة أخيراً أم أن عقوبة القبر وسؤال الملائكة يسبق دخول الجميع إلى الجنة .
3- تأكيد مقولة أنه مهما عمل المؤمن من أعمال صالحة فربما ارتكب أثناء حياته أخطاءً أو قصر في القيام بأعمال يجب عليه القيام بها . وتشير التفاسير لأن العقاب يقع على كل مخالف لنواهي الدين حتى من أولئك المؤمنين :" لماذا تعاقبوني وقد قمت بواجب صلاتي وتصدقت بيميني وصمت شهر رمضان ؟ وتجيب الملائكة :" تُعاقب اليوم لأنك مررت يوماً بشخص مظلوم طلب منك المساعدة ولم تقم بمساعدته . وقمت في يوم من الأيام بتأدية صلاتك لكنك لم تتطهر من النجاسة بعد تبولك !"
4- تهذيب حالة المتوفى الذي ارتكب خطيئة الكبرياء والغرور وعاش حياة الترف .
5- إنذار الأحياء : يتبدل المشهد هنا حيث يسلط المفسرون الضوء على وعظ الأحياء أكثر مما يصفون ما يحدث للأموات في القبر . وتصف بعض الروايات التي يقوم بها الميت لأقاربه من أجل حثهم على عمل الخير وتقوى الله والتوقف عن الأعمال التي قد تؤذي الأموات أنفسهم .
6- تأكيد استمرار الحياة بعد الموت : ينظر إلى البرزخ كجسر أكثر منه حائط يربط حياتنا وأعمالنا في الحياة الدنيا مع مصيرنا يوم القيامة .
تشير بعض كتب التفاسير أن الميت بعد الانتهاء من عذاب القبر يغط في حالة من اللاوعي حتى تقوم الساعة . وتشبيه الموت بالنوم هو استعارة متكررة في كثير من الروايات الدينية حيث يجد القارئ أن النوم هو الموت الأصغر . وقد تم قلب هذا التفسير رأساً على عقب أي أن الموت حالة من حالات النوم عند الإنسان . ونقرأ في "كتاب الحقائق والدقائق " أن الملائكة تقول لمن يتم عذاب القبر من المؤمنين :" نم كالعريس ! " هناك بشرى شائعة حيث يوضع فراش في قبر الميت كي ينام كما ينام العريس ص ( 52) .
وفي معرض حديثه عن العلاقة بين الروح والجسد يقول السيوطي :" أن الروح ترتبط أثناء نومها – موتها مع الجسد بشكل مغاير عنه أثناء حياتها . وتشير مصادر كثيرة أخرى إلى "حالة النوم " كما هو الحال عند أبو القاسم النيسابوري الذي عاش في القرن الثامن الميلادي في وصفه للسيدة رابعة العدوية :" اعتادت رابعة العدوية قيام الليل . في إحدى الليالي قبيل موعد الفجر غفت غفوة قصيرة في محرابها ثم نهضت فزعة من نومها وهي تردد :" أيتها الروح ! كم من الوقت غفوت وكم مرة سوف تستيقظين ؟ عندما يدنو الأجل تنامين ولن تستيقظين حتى يُنفث في البوق يوم البعث الأكبر ." وهناك أراء كثيرة لا تتفق مع تفسير النيسابوري والسيوطي . في رأي الغزالي مثلاً أن حالة اليقظة ودرجاتها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بإحدى الفئات التي قام بتصنيفها سابقاً .
وبعد استعراض حالة الوعي التي تعتري الروح بعد سؤال الميت في القبر فإننا ننتقل إلى أحوال الميت الذي ينتظر يوم البعث . يذكر كتاب " أحوال القيامة " وكتاب " الحقائق والدقائق " إحدى التجارب المخيفة التي تمر بها الروح بعد ثلاثة أيام من انفصالها عن الجسد إذ تعود بعدها إلى القبر وتشاهد الجثة عن بعد والدم ينزف من منخرها أو فمها فتبكي عليها الروح :" يا جسدي العزيز ! هل تذكر أيامك على وحه هذه الأرض ؟ هل ترى الآن كيف أن القبر أمسى بيتاً للوحشة والغربة والندامة والعذاب ؟ " ثم تقوم الروح بزيارة الجسد مرة أخرى ثم تقوم بأخرى بعد سبعة أيام وتنعي تحلل جسدها وتبكي تآكله وذوبانه والدود يسرح فيه ويمرح .






تعليقات حول هذه المقاله
العنوانالكاتبوقت الإضافه

تصويت
ما رأيك بالموقع ؟
ممتاز
جيد
مقبول
سيء
نتائج التصويت

حجة بالوان العصر


لوحاتي




كتاباتي

غزل الذاكرة
زمن المرايا
وطن العنقاء
كثبان الذهب الأسود
أبو علي إياد
تأملات مصطفى صبري
الأولاد والشمس
إنشطار الذات
معركة النفق
مكانة القدس
جدار الفصل العنصري
وطني ليس حقيبة
إمبراطورية النفايات
قراءات أمنية
امرأة لا تغار
صراع لا يموت
أصحاب الملايين
صوت الذاكرة


الساعة

صدر حديثا


 
Qalqilia NetWork