إبحث عن:    
القائمة الرئيسيه
صفحة البداية
القصة القصيرة
القصص والروايات
دراسات و ابحاث
المقالات والترجمات
الكاتب يوسف العيلة
معرض الصور
شاركنا رأيك
English Site

تسجيل الدخول
إسم المستخدم:

كلمة المرور:


تسجيل
هل نسيت كلمة المرور

المقالات الأكثر قرائة
1 من الممات إلى البعث .... نظرة إسلامية تقليدية
2 تأملات - الفصل الخامس : موروثات
3 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المصادر والمراجع)
4 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المقدمة)
5 الإسلام دين الفطرة الإنسانية

الكاتب يوسف العيلة


جديد الروايات

 

صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في رام الله دراسة بحثية بعنوان " لسانيات الخطاب الشعري المعاصر ، ليليان بشارة - منصور نمرذجاً " للروائي يوسف العيلة . تضئ الدراسة بعضاً من واقع اللغة العربية في الداخل الفلسطيني . ويقع هذا الإصدار في مئة وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، وهو السابع عشر في سلسلة إصدارات يوسف العيلة النقدية والروائية .


قراءة المقاله



الإسلام دين الفطرة الإنسانية
كتبت بواسطة: يوسف العيلة - el 04/02/2007 - 4161 زوار        


المقدمة
تُعتبر مسألة الهوية أو الانتماء من القضايا التي تم بحثها كثيراً من قبل الباحثين الذين ناقشوا الأسئلة التالية : كيف ينتمي الإنسان إلى جماعة ما ؟ وكيف ينتمي إليها في حال ولادته في بيئة أخرى ؟ على سبيل المثال فإن الشريعة اليهودية تعتبر الإنسان المولود من أم يهودية يهودياً بغض النظر عن الخلفية الدينية أو العرقية للأب . ولا ترحب اليهودية بأي شخص يريد اعتناقها . في المقابل فإن الديانة الإسلامية تُسّهل عملية اعتناقها من قبل من ولدوا من أبوين غير مسلمين .

إن اعتناق الإسلام بصورة فردية أو جماعية بالنسبة لغير المسلمين كان وما زال موضوعاً رئيساً في كثير من الدراسات الفكرية الأكاديمية . وعليه فإنني لست الآن بصدد بحث هذه الظاهرة التي تناولها غيري من الدارسين . وما أسعى إليه هو بحث قضية أخرى لاقت نسبياً القليل من اهتمام الدارسين في أبحاثهم المعاصرة . هذه القضية ذكرها القرآن الكريم في غير موضع وتناقلها الحديث الشريف ألا وهي أن الإنسان يبدأ حياته مسلماً وأن والديه يفرضان عليه هوية أخرى . فإذا كان من أبويين غير مسلمين فإنهما يهّودانه أو ينصّرانه أو ُيمّجسانه ! ولهذا لا يعود إلى فطرته التي خلقه الله عليها إلاّ من خلال عودته إلى الإسلام ثانية . إن الآراء التي سوف أناقشها في هذا البحث تعود إلى القرنين الخامس والحادي عشر وهي فتاوي فقهاء وعلماء مسلمين ينتمون إلى المذهب الظاهري وعلى رأسهم العلامة ابن حزم القرطبي . لقد ناقش ابن حزم عدة مسائل فقهية وشرعية من خلال ما كتبه حول موضوع " الفطرة " . وبعد استعراض عدد من الدراسات التي تناولت هذه المسألة فإنني ابحث في نظرة ابن حزم الفقهية كما جاءت في كتابه " كتاب الفيصل في الملل والهوى والنحل " . وسوف أناقش المضامين الشرعية لآراء ابن حزم حول موضوع الفطرة كما بينته نظرته المؤسسة على المذهب الظاهري .

الفطرة كما وردت في القرآن والسنة :

ذكر القرآن كلمة الفطرة أول مرة في سورة رقم 30:30 التي تقول : " لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ." لقد أبقيت على كلمة الفطرة كما هي من غير ترجمة لأنه ليس لها مقابل في الانجليزية . وذلك لأنها مشتقة من كلمة فَطَر أي خَلَق . وتعني الفطرة لبعض العلماء قضاء الله أو مشيئته أيضاً . تأسيساً عليه فإن القضاء والقدر يعني أن مصير الإنسان قد حدده الله منذ الأزل ولا يمكن تغييره . كما أشار بعضهم أن الفطرة تعني حالة من الكمال الجسماني . وهناك البعض ممن يعتقدون أنها تعني التوحيد الفطري والإيمان به . يعتقد غالبية الفقهاء المسلمين بمن فيهم ابن حزم أن الفطرة تعني الإسلام : أي أن الإنسان يبدأ حياته منذ لحظة ولادته مسلماً . وهم يدعمون رأيهم الفقهي بسورة قرآنية أخرى رقم 7 : 172 :" وإذا أخذ ربكم من بني أدام من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم : ألست بربكم ؟ قالوا بلى ! "
لقد ارتبطت كلمة الفطرة في الأدبيات الإسلامية بقضية أخرى : هل مصير الأطفال الذين يُخلقون من أبوين غير مسلمين أو مسلمين ويموتون قبل سن البلوغ هو نار جهنم ؟ لقد ناقش الفقهاء المسلمون هذه القضية كثيراً منذ القرن الأول لظهور الإسلام . وربما كان وراء ظهور هذه المسألة الأزارقة وهم طائفة من طوائف الخوارج الذين يؤمنون أن أطفال المشركين مأواهم جهنم إذا ماتوا قبل سن البلوغ , لأنهم لم يؤمنوا بعقيدة الإسلام إدراكاً في حين أن الرأي الفقهي الإسلامي العام كان ينص أن مأواهم الجنة .
ويزعم العالم " وينسك" أنه تم تطويع الأحاديث النبوية من أجل مخالفة رأي الأزارقة المتطرف . وعليه فإن هناك رأياً عاماً لدى الفقهاء المسلمين يقول بأن الطفل المولود لأب غير مسلم ثم يتوفاه الله قبل سن البلوغ غير مسئول عن كفر والديه وفساد عقيدتهم لأنه على دين الفطرة مسلماً .

رأي ابن حزم في الفطرة : فتاوي دينية :

ذكر ابن حزم كلمة الفطرة في عدة مواضع . أولاً : أنها تعني أن الله هو خالق كل شيء . ثانياً : ذكرها أيضاً في معرض مناقشته للفرق بين الجن والإنسان والحيوان . وحسب وجهة نظره التي تقول أنه ما دام لا يدخل الجنة إلا المسلمون وما داموا ليسوا حيونات فإن الحيوانات لا تدخل الجنة . وقد خالف ابن حزم رأي الأزارقة أيضاً الذين يعتقدون بعدم دخول الأموات من أطفال الكفار الجنة . ويشير إلى أن هناك عدة أحكام تتعلق بأطفال المسلمين وغير المسلمين الذين لم يبلغوا الحلم . ويعتقد الأزارقة أن أطفال غير المسلمين يذهبون إلى جهنم . ويعتقد آخرون أنه يوم القيامة يؤمر هؤلاء الأطفال بالقفز في أتون النار : من يطيع الأمر يدخل الجنة ومن يعصيه يذهب إلى جهنم .
يهاجم ابن حزم رأي الأزارقة ويقول أن هؤلاء الخوارج يؤولون الآية القرآنية على لسان نوح عندما طلب من الله أن يمحق الكافرين في السورة رقم 71 : 26:" ربي لا تدع من الكافرين دياراً ! " وهم يدعمون رأيهم بقصة وردت في السيرة النبوية عندما سألت خديجة الرسول عن مصير أطفال الجاهليين , وكانت تشير إلى أطفالها من زواجها السابق , فقال :" في جهنم " وعندما عاودت سؤاله للمرة الثانية قال لها :" إن أردت أجعلك تسمعين صراخهم !"
كما يستعين الأزارقة بحديث ثان عن الرسول الكريم بشأن المرأة التي وأدت ابنتها الطفلة أيام الجاهلية . ويعتقدون أن الذين يدخلون الجنة هم الذين آمنوا بالإسلام فقط وهذا الأمر لا ينطبق على أطفال الكافرين الذين لم يؤمنوا بالدين الإسلامي وإن دخلوا الجنة فهذا يعني أنهم مسلمون ولهذا لا يجوز أن يدفنوا في مقابر الكافرين . وإذا بلغوا الحلم واعتنقوا دين آبائهم الكافرين فإنه يجب اعتبارهم كافرين وبالتالي مرتدين ويجب قتلهم ! ثم إن اعتبارهم مسلمين يعني جواز أن يرثوا المسلمين وأن يرثهم المسلمون وهذا الأمر مخالف للشرع الإسلامي الذي يُحرم تبادل الميراث بين المسلم وغير المسلم .
ويقول ابن حزم أن استشهاد الأزارقة بسورة نوح التي يطلب فيها من الله أن يقتل الكافرين وأبناءهم الكافرين أيضاً هو غير دقيق لأن نوح اعتبرهم كافرين على وجه التخصيص لا التعميم : أي أنه ليس جميع أبناء الكافرين كافرون . طلبه يمس الكافرين وأبناءهم من قوم نوح فقط . ويتهم ابن حزم الأزارقة بأنهم لم يفهموا معنى الآية ولم يدركوا مقاصدها الشرعية . ويستشهد بأن والد محمد وإبراهيم كانا مشركين فكيف لنا أن نعتبر أبناءهم مشركين وهم أنبياء بررة ؟ ثم نقل عن الرسول الكريم أن آباء الصحابة الأجلاء أبو بكر وعمر وخديجة كانوا مشركين . ويتساءل ابن حزم : ألم يكن والد نافع ابن الأزرق , شيخ الأزارقة , مشركاً ؟ كيف للأزارقة أن يحكموا على شيخهم الطفل بالخلود في نار جهنم ؟
ثم يفند ابن حزم الدليل الثاني الذي يتبناه الأزارقة عن خديجة بشأن أطفال الكافرين عندما يزعمون أن سلامة بنت يزيد الجعفي ذهبت إلى الرسول تسأله عن مصير أمها التي كانت تحسن وفادة الضيف وتساعد الفقراء . قال الرسول : هي في النار ! وسألته عن أمها التي وأدت ابنتها في الجاهلية . فقال هما في النار ما لم يكن الوائد يفهم عقيدة الإسلام ويؤمن بها . ويرد عليهم ابن حزم أن جواب رسول الله بشأن الفتاة المؤودة كان يؤكد أن الفتاى تلك ارتكبت جرماً تعاقب عليه والدليل أنهم لم يذكروا عمرها : هل كانت طفلة أم بالغ ؟ لأنه لا يمكن أن يوافق الرسول على وأد طفلة بينما ينص القرآن صراحة على عدم جواز وأد البنات :" وإذا الموؤدة سؤلت بأي ذنب ُقتلت ." هذه الآية توضح أن البنت التي وُئدت كانت بدون ذنب . ويعتقد ابن حزم أن الأطفال هؤلاء لا يشاركون آباءهم ديانتهم بل يشاركونهم عاداتهم وأعراف مجتمعهم لهذا لا مانع من أن يدفنوا في مقابرهم ويبقوا من وجهة النظر الإسلامية مسلمين .
وفي رأي ابن حزم أنه ليس من الضرورة اعتبارهم كفاراً حتى لو لم تقام الصلاة عليهم عند موتهم وذلك أن شهداء المعارك مع الأعداء لا ُيصلَ عليهم أيضاً . وحقيقة كون أطفال المشركين لا يرثون منا ولا نرث منهم لا ينفي كونهم مسلمين وحالهم في هذه المسألة مثل حالة العبيد المسلمين الذين لا يرثون غيرهم من المسلمين ولا يرثهم أحرار المسلمين . ويستطرد قائلاً أنها من غير الصحيح أن المسلم السيد لا يرث عبده الكافر الذي يموت قبل أن يبيعه في سوق النخاسة . كما أن كثيراً من الفقهاء أجازوا للكافر أن يرث عبده الذي يدخل في دين الإسلام , كما أجازوا للمسلم أن يرث عبده الكافر بعد موته أو قتله . وعليه فإن الخليفة معاوية ومعاذ ابن جبل وبعض الأئمة أجازوا للمسلمين أن يرثوا أقربائهم المشركين . وإن حقيقة موافقتنا على أن يُدفن أطفال المشركين في مقابر آبائهم الكافرين أو أن يعتنقوا دين آبائهم عند بلوغهم الرشد هو تنفيذ لما أمرنا الله به في كتابه العزيز :" كل من يلد يولد على الملة وأبواه يهودانه أو وينصرانه أو يُمجسانه . وهذا ما يحدث فعلاً على أرض الواقع وعليه فإن الأزارقة لا يملكون البرهان القاطع على ما يدّعونه من تأويلات .
ثم يتطرق ابن حزم إلى أولئك الذين ناقشوا المسألة من زاوية الثواب والعقاب يوم القيامة . ويعتمد هؤلاء على قول الرسول الكريم عندما قال أن أمرهم بيد الله الذي يعلم ما صنعوا . كما بنوا موقفهم على جواب رسول الله على كلام عايشة التي قالت عن طفل من الأنصار توفاه الله أنه من طيور الجنة . قال الرسول :" كيف عرفت أن الله لن يرسله إلى الجحيم . " ويرد عليهم أن هذين الدليلين لا يمكن اعتبارهما برهاناً قطعياً على ما ذهب إليه الأزارقة لأن النبي تقصد عدم الوضوح في كلامه لأن الله لم يخبره بعد بمصيرهم وعليه لم يرغب في الخوض في تفسيرات ما أنزل الله بها من سلطان .
هناك إجماع بين الفقهاء أن الله لا يحاسب الطفل على ما اقترفته يداه قبل سن البلوغ مثل الزنا والقتل وشرب الخمر والتقصير في أداء الصلاة والصوم . ولا يحاسبه على ما كان مقدراً له أن يقوم به لو أن المنية لم تعاجله وهو طفل . ولا يحاسب الله الإنسان على جرم لم يرتكبه . والله لا يعاقب الإنسان الذي ينوي ارتكاب خطيئة ما ولم يباشرها فعلاً . قال تعالى :" كل نفس بما كسبت رهينة ." وقوله :" أم حسبتم أن تجزون بما لم تفعلون ." وإن حديث الرسول عن :" والله أعلم بما كنتم تفعلون " لا يعني أنهم كانوا مشركين , كما لا يعني أنهم سوف يلاقون نار جهنم أو أن يعاقبوا على ما لم يفعلوه لو امتد بهم العمر .
لقد دحض ابن حزم رأي من قال أن الله سيعاقب الطفل المتوفي أيضاً على ما فعله أبواه المشركان وذلك لنفس السبب :" كل نفس بما كسبت رهينة ." كما أن الله لا يعاقب أحداً عن أخطاء أحد :" لا تزر وازرة وزر أخرى !" وتعقيباً على النار التي يعدها الله لأبناء المشركين فقد فند ابن حزم رأي الازارقة حول الموضوع وأشار أن تلك النار أعدت للمجانين وللذين لم تصلهم رسالة الإسلام ولم يتم تبليغهم بها .
ويعتقد ابن حزم أن تلك الآراء فاسدة ويجب الرجوع إلى مصادر التشريع الصحيحة في الحكم على المسألة التي نحن بصددها . وعليه فإن الله أمرنا أن نؤمن بالدين الحق وأن لا مبدل لخلق الله الذي خلقنا على دين الفطرة ولكن المشركين لا يعلمون حقيقة الإسلام :" وإذا أخذ ربك من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم : ألست بربكم ؟ قالوا بلى ! والمسلمون مدعون للإيمان بالله وبما أُنزل عليهم وما أُنزل على إبراهيم وإسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط . وما أُنزل على موسى وعيسى وما أنزل على الأنبياء من ربهم .
من الثابت أن الله هو خالق الكائنات جميعها : الإنسان والحيوان والجن والملائكة . وعليه فإنها جميعاً مؤهلة لدخول الجنة إلا من كفر منها بالله ونقض عهده ومات على غير دين الإسلام أي الفطرة .
يورد ابن حزم حديثاً قدسياً بما معناه أن الله خلق الناس على دين الفطرة حنفاء ولكن الشيطان يغويهم ويضلهم عن الصراط المستقيم . وقد ذكر أن الله قال لإبليس : " أن عبادي ليس لك عليهم من سلطان إلا الذين اتبعوك من الغاويين ." وهنا لا بد من الإشارة أن الذين يضلون لا بد لهم أن يؤمنوا أولاً بأنهم على دين الفطرة التي فطرهم خالقهم عليها وأن الجنة هي من نصيب المؤمنين . كما أن الله أعد نار جهنم للذين يكذبون بيوم الدين ويتبعون أهواءهم . ومن الواضح أن الأطفال لا ينطبق عليهم وصف من يستحقون نار جهنم . ويعتقد ابن حزم أن ليس هناك غير الجنة أو النار تنتظر الميت وأنه لا يوجد مكان وسط بين الجنة والنار مخصص للأطفال . وفي الأحاديث المتواترة عن الرسول الكريم أنه شاهد إبراهيم الخليل في الجنة ومن حوله الحدائق والنعيم وأطفال كالدرر وقد أخبر أصحابه أنهم أبناء أقوام مختلفين ماتوا قبل أن يبلغوا الحلم بما فيهم أبناء المشركين . وعليه فإنه من الثابت أن كل أطفال المشركين واليهود والنصارى والمسلمين ممن قضوا في طفولتهم المبكرة هم من أهل النعيم كما هو واضح في الكتاب والسنة .
وقد أثار ابن حزم قضية أخرى حول اعتبار الجنة دار جزاء للشاكرين والذين عملوا الصالحات أو قاوموا الشر والهوى وأن شيئاً من هذا لم يفعله الأطفال حتى يستحقون الجنة . لقد فند هذا الرأي بقوله أن الجحيم دار عقاب للمجرمين والكافرين أما الجنة فهي دار النعيم للشاكرين الذين عملوا صالحاً أو للعاصين الذين شملتهم رحمة الله الواسعة . وقال بعض الفقهاء أن هؤلاء الأطفال هم "الولدان المخلدون" الذين ذكرهم القرآن في أكثر من موضع وهم يقومون على خدمة أهل الجنة من المؤمنين والصالحين . والله أعلم . وبالنسبة للمجانين فإنهم يموتون على دين الفطرة حنفاء ولهذا يستحقون الجنة .
لقد أخبر أحمد بن محمد التلموكي ابن حزم أن النبي قال : أن من بين الذين سيُعرضون أمام الله رجلاً أصم وآخر جاهل ورجلاً مات على الفطرة . وسيقول الأصم أنه لم يسمع برسالة الإسلام وسيقول الذي مات على الفطرة أنها لم تصله وسيقول الجاهل أنه لم يفهمها . وسيذّكرهم الله بالعهد الذي قطعوه على أنفسهم عندما كانوا في عالم الذر . سيجيبون : "بلى , نؤمن بالله " ثم يقضي بإرسالهم إلى جهنم وعندما يدخلوها سيجدونها برداً وسلاما ً . وتلخيصاً لحال أطفال أبناء المشركين وغير المؤمنين الذين ماتوا قبل أن يعوا حقيقة الإسلام فيعتقد ابن حزم أنهم مؤمنون حتى لو بقي آباؤهم على شركهم أو كفرهم لأنهم لم يخالفوا صراحة فطرتهم . لهذا فإن مصيرهم الجنة .

------------------------------------------------------

الفطرة في كتاب المُحلى
تطبيقات شرعية
نناقش هنا أهم كتابات ابن حزم الفقهية وهو " كتاب المُحلى" . أرى اهتمامي هنا منصباً على الأطفال الذين لم يتأثروا بآبائهم أي أنهم لم يعتنقوا دينهم ( سواء كان الإسلام أو اليهودية أو المسيحية أو المجوسية أو عقيدة الشرك ) . وأركز هنا على الجنين والخداج والطفل المولود لأبوين غير مسلمين ووقع في الأسر أو المشكوك في أُبوته واللقيط . وأول حالة نناقشها هي مكانة الجنين والتي تم التطرق غليها في "فصل الجنائز " من الكتاب المذكور . ومن المعروف على نطاق واسع أن الحياة لا تدب في الجنين إلا بعد أربعة أشهر حيث يصبح إنساناً له روح وجسد . ماذا سيحدث لو أن الجنين أُجهض ؟ هل سنقيم على روحه صلاة الجنازة ؟ هل نعتبره مسلماً مشوهاً أم لا ؟
يعتقد ابن حزم أن الصلاة عليه أمر مستحب وليس فرضاً مثل أقامتها على روح أي ميت آخر حتى لو لم يبلغ سن الرشد . وهو عمل صالح ولم يتم تحريمه . ويضيف قائلاً أن النبي لم يقم صلاة الجنازة على روح ابنه الميت إبراهيم وهذا الترك لا يرقى إلى درجة النهي . وفي ما يتعلق بالصلاة على الجنين الميت فقد استعرض عدة آراء فقهية تؤيد رأيه منها ما ذكره ابن شهاب الزهري الذي قال بالصلاة على روح كل حي يموت حتى لو كان ابن سفاح . وذلك أنه وُلدَ حسب الفطرة ويجب احترامه كمسلم . ويستشهد ابن شهاب بحديث الرسول :" كل مولود يولد على الفطرة ." وقد استرسل ابن حزم في مناقشة مكانة الجنين الشرعية في فصل " أحكام الجنين . " والسبب في أهمية هذا الفصل يكمن أن إسقاط الجنين بصورة غير متعمدة من قبل طرف ثان يتطلب مسؤولية مادية على جرمه . وقد ذكر القرآن أن من قتل مؤمناً خطأ فعليه عتق رقبة مؤمنة ودفع الدية لأسرته ما لم تصفح وتعفو عنه عن طيب خاطر . أما بخصوص إسقاط جنين الحامل , عن غير قصد , قبل مضي أربعة أشهر على حملها فلا كفارة على المتسبب به . أما إذا كان الإسقاط غير متعمد وبعد مضي أربعة أشهر على الحمل فتقع عليه كفارة بعد التحقق من الأمر بأخذ شهادة أربعة قابلات .
لكن الحكم الشرعي يختلف في حال الإجهاض المتعمد للجنين سواء من قبل طرف ثان أو من الأم الحامل نفسها . وهنا لا تجزي الكفارة بل على الجاني دفع " القود" أو الدية لأن القتيل مسلم وينطبق عليه حكم القتل العمد أي "النفس بالنفس" ما لم تقبل أسرة الطفل الدية . وهنا لا بد من الإشارة أن حكم القتل العمد لا ينطبق على هذه الحالة إذا لم يكن مضى على الحمل أربعة أشهر . وعليه فإن رأي ابن حزم يتلخص في تأيده دفع دية للمرأة الذمية الحامل مساوية لدية جنين المرأة المسلمة باعتبار الجنينين مسلمين . وقد انتقد رأي بعض الفقهاء القائل أن دية جنين الحامل غير المسلمة يجب أن يكون أقل من نظيرتها المسلمة موضحاً أن رأيهم مبني على القياس الذي يرفضه ابن حزم بصفته ظاهري المذهب . كما أنه لا يؤيد إقامة مراسم دفن إسلامية للطفل المتوفى والمولود لأبوين غير مسلمين لأنه عاش ومات في مجتمعه ولكن هذا الأمر لا ُينقص من إسلامه شيئاً . هناك استثناء اعتمده ابن حزم في حال موت طفل كان يعيش في الأسر لدى المسلمين حيث أفتى بالصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين لأنه لم يبلغ الحلم بعد . وفي حال وقوع طفل بالغ من أطفال المشركين في أيدي المسلمين فلا يمكن اعتباره مسلماً .
لقد استخدم ابن حزم أحاديث وأفعال الرسول الكريم لدعم وجهة نظره في فصل " أحكام القيافة" التي تناقش علم الأنساب من أجل تحديد أبوة الطفل المشكوك في نسبه وأبوته . وهو يعالج حالات تتعلق بأبناء المرأة التي تضاجع أكثر من رجل في وقت واحد من أجل تحديد نسبهم . أول الطرق المستخدمة لفض هذا الإشكال بين الرجال الذين يدعون أبوتهم للطفل هو أسلوب القرعة العشوائية ومن تكون القرعة من نصيبه يأخذ الطفل . والأسلوب الثاني هو استخدام القيافة حيث يتم استدعاء من لهم خبرة في مجال الخصائص الجسمية لتحديد الأب . ويمكن للتماثل في حجم وشكل القدمين بين الأب والطفل من حل المشكلة . هذا إذا كان الخلاف الناشب بين رجلين مسلمين . أما إذا كان الخلاف بين مسلم وبين مشرك أو غير مؤمن فإن الطفل الدعي يأخذه المسلم دون حاجة للقرعة أو استعمال القيافة . والحديث الذي يستند عليه ابن حزم هو : " أن كل مولود يولد على الملة وأبواه يُهودانه أو يُنصرانه أو يُمجسانه ." ويعتقد أنه لا يجوز انتزاع طفل من فطرته التي خُلق عليها إلا إذا ثبت بالوجه القطعي أن والده غير مؤمن .
وأخيراً فإن ابن حزم قد ذكر موضوع الفطرة في احد فصول " المُحلى" الذي يناقش مسألة اللقيط أو المنبوذ . ويقول في مستهل الفصل أنه إذا وُجد طفل فإن على من يعثر عليه واجب العناية به لقوله تعالى :" وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " سورة 5:2" . وقوله : "من أحياها فقد أحيا الناس جميعاً ." كما يعتقد أن لا جريمة أكبر من جرم التخلي عن نسمة ولدت على الإسلام . ومن يترك وليداً يواجه مصيره المحتوم نتيجة الجوع والبرد فكأنما ارتكب جريمة متعمدة . يقول الحديث الشريف :" من لا يرحم الناس لا يُرحمه الله ."
ويستطرد ابن حزم في معرض حديثه عن الطفل اللقيط قوله أنه إذا وجد أحد المسلمين لقيطاً فهو له ما لم تكن هناك بينة قاطعة بأنه يكذب . أما إذا كان الذي يزعم أبوته غير مسلم فلا يجوز تسليمه الطفل لأنه سينقطع عن دين الفطرة التي خلقه الله عليها حنيفاً مسلماً . ومن الواضح أن ابن حزم يمنع الأب الذمي من استعادة ابنه بدعوى تجنب تربيته على دين غير دين الفطرة أي الإسلام .
ولم يكن ابن حزم الوحيد الذي يقول بهذا الرأي فهناك أحد تلامذة الإمام مالك وهو أشهب بن عبد العزيز الذي يقول أيضاً بوجوب اعتبار اللقيط مسلماً في كل الظروف بالرغم من مخالفته ابن مالك في موضوع الفطرة التي ربما كانت كامنة في وعيه من حيث لا يشعر . وعليه نرى كيف أن مقولة الفطرة في الإسلام قد تم استخدامها كوسيلة من أجل النيل من حقوق المجتمعات غير المسلمة .
إن مثل وجهات النظر تلك تتعارض مع آراء فقهية أخرى تنادي ببذل الجهود من أجل تحديد هوية الطفل أو دين والديه . ويقول أحد تلامذة الإمام مالك وهو ابن القاسم( 191/806 ) الذي ذكر أنه إذا وُجد لقيط في بلدة مختلطة يسكنها يهود ونصارى ومسلمون فيجب تسليمه للطائفة الأكثر عدداً . وإذا وُجد على ثيابه ما يدل على أنه يهودي أو مسيحي أو مسلم فيجب تسليمه للطائفة التي ينتمي إليها . وإذا لم تكن على ثيابه إشارات تدل على دينه وبالتالي لا يمكن الجزم بهويته فلا مانع من إعطائه للطائفة المسلمة ما لم تكن أغلبية السكان في المدينة من غير المسلمين .
لقد خصص القاضي المالكي ابن عبد البار , وهو نظير ابن حزم , عدة صفحات في "كتاب الاستذكار" و"كتاب التمهيد" للحديث عن الفطرة ووافق ابن القاسم في ما ذهب إليه . ولم يوافق ابن عبد الجبار المالكي نظيره الظاهري ابن حزم في اعتبار الفطرة مساوية للإسلام . وقد خالفه مخالفة صريحة حيث يعتقد أن "إسلام" و "إيمان" هما من عمل اللسان وعقيدة القلب وفعل الجوارح . والطفل لا يقدر على القيام بهذه الأمور فما بالكم بالجنين . وابن عبد الجبار لا يؤمن أن الإنسان ولد على دين الفطرة أي الإسلام بل على "السلامة" خالياً من الخير والشر والإيمان والكفر أي في حالة حيادية لكن لديه طاقة كامنة كي يصبح مسلماً . والتربية التي يتلقاها الطفل من والديه هي التي تقرر فيما إذا كان مؤمناً أو غير مؤمن . ومع أننا نجد أصداء لما يؤمن به ابن عبد الجبار في أعمال لاحقة مثل كتاب " الجامع لأحكام القرآن , التفسير " لمؤلفه الأندلسي أبو عبد الله محمد بن احمد الأنصاري المعروف بالقرطبي ( 668/ 1269 ) إلا أن أراء ابن حزم أصبحت أكثر شيوعاً من غيرها . ومهما تباينت التفسيرات حول كلمة الفطرة , سواء كانت مساوية للإسلام أم حيادية , فإنها تبقى صيحة بعيدة كل البعد عن الفكرة المسيحية القائلة أن الإنسان يولد وهو يحمل خطيئة سيدنا آدم الأصلية والتي تعيش معه طيلة حياته .
------------------------------------------------------------

بقلم : كاميليا آدانج _ جامعة تل أبيب
ترجمة : يوسف العيلة – قلقيلية






تعليقات حول هذه المقاله
العنوانالكاتبوقت الإضافه

تصويت
ما رأيك بالموقع ؟
ممتاز
جيد
مقبول
سيء
نتائج التصويت

حجة بالوان العصر


لوحاتي




كتاباتي

غزل الذاكرة
زمن المرايا
وطن العنقاء
كثبان الذهب الأسود
أبو علي إياد
تأملات مصطفى صبري
الأولاد والشمس
إنشطار الذات
معركة النفق
مكانة القدس
جدار الفصل العنصري
وطني ليس حقيبة
إمبراطورية النفايات
قراءات أمنية
امرأة لا تغار
صراع لا يموت
أصحاب الملايين
صوت الذاكرة


الساعة

صدر حديثا


 
Qalqilia NetWork