إبحث عن:    
القائمة الرئيسيه
صفحة البداية
القصة القصيرة
القصص والروايات
دراسات و ابحاث
المقالات والترجمات
الكاتب يوسف العيلة
معرض الصور
شاركنا رأيك
English Site

تسجيل الدخول
إسم المستخدم:

كلمة المرور:


تسجيل
هل نسيت كلمة المرور

المقالات الأكثر قرائة
1 من الممات إلى البعث .... نظرة إسلامية تقليدية
2 تأملات - الفصل الخامس : موروثات
3 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المصادر والمراجع)
4 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المقدمة)
5 الإسلام دين الفطرة الإنسانية

الكاتب يوسف العيلة


جديد الروايات

 

صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في رام الله دراسة بحثية بعنوان " لسانيات الخطاب الشعري المعاصر ، ليليان بشارة - منصور نمرذجاً " للروائي يوسف العيلة . تضئ الدراسة بعضاً من واقع اللغة العربية في الداخل الفلسطيني . ويقع هذا الإصدار في مئة وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، وهو السابع عشر في سلسلة إصدارات يوسف العيلة النقدية والروائية .


قراءة المقاله



تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (الفصل الاول)
كتبت بواسطة: يوسف العيلة - el 05/11/2005 - 1626 زوار        


(التأثير والتأثر في العنوان)
* ذاكر الجسد
- العنوان بنية نصية
- العنوان والنص
- العنوان في النص
- العنوان الغائب ودوره في تشكيل المعنى
* غزل الذاكرة
- العنوان بنية نصية
- العنوان في النص
- العنوان الغائب
* النص الموازي عند مستغانمي
* النـص المـوازي عند العيلة

أول ما يلحظه الدارس، حين يقارن بين الروايتين "ذاكرة الجسد" و "غزل الذاكرة"، هو تأثر "يوسـف العيلة"، في عنوان روايته، بعنوان رواية " أحلام مســتغانمي"؛ إذ ترد لفـظة الذاكـرة فـي العنوانيـن، ولا يقتصر هذا على العنوان، إذ أن تكرار اللفظة في رواية "مستغانمي"، في متن النص، يوازيه تكرار مماثل في رواية "العيلة". وهذا ما سيحاول التطبيق الإجابة عنـه، بدءاً من العنوان المؤثر "ذاكرة الجسد" وانتقالاً إلى العنوان المتأثر "غزل الذاكرة".
ذاكرة الجسد
العنوان بنية نصية
كما ينفتح العنوان الشعري على خصائص فنية لأشكال أدبية مختلفة بهدف "تجريب إمكانيات تعبيرية محضة، تتيح للشاعر أن يجذّر رؤيته الشعرية مكانياً وزمانياً، وأن يقترحها على القارئ مفعمة بالمعنى والقيمة والانسجام"( )، ينفتح العنوان الروائي على الشعر مشكلاً انزياحاً لغوياً، ينحو منحنى الاستعارة؛ إذ شُبه الجسد، هنا، بعقل له ذاكرة تختزن الأحداث، وحذف المشبه به تاركاً شيئاً من متعلقاته هو الذاكرة، على سبيل الاستعارة المكنية. انزياح يتكون من مسند مفرد نكرة، ومسند إليه مفرد خصص بتعريف يدهش المتلقي، ويثير تساؤله عن صاحب هذا الجسد، أهو الروائية "مستغانمي"؟ أم أحد أبطالها؟ إدهاش يبلغ ذروته بإسناد الذاكرة إلى الجسد، فمنذ متى كان للجسد ذاكرة؟ وليست عضواً من أعضائه، ولا مستلزماً من مستلزماته.
وبإضافة الذاكرة إلى الجسد، يشتمل العنوان على مكون فاعل؛ إذ يغدو الجسد فاعلاً، والذاكرة مفعولاً به، يصنعها أولاً ثم يسترجعها، فهو صانع لذاكرة صاحبه.
عدا المكون الفاعل، يتضمن العنوان إشارات زمنية، تكشف عن مقاصد صاحبه الذي يسرد أحداثاً جرت، تسترجعها الذاكرة.
فضلاً عن المكون الحدثي الذي يطغى على غيره من المكونات، فخلف كلمات العنوان تكمن أحداث عدة، ومغامرات كثيرة، حُفرت في ذهن صاحب الجسد، وصارت ذاكرة له.
وهو عنوان مبتور، يعتوره الحذف المضموني والنحوي، حذف يثير قريحة المتلقي، ويغريه بالبحث عن الجزء الناقص؛ لفهم النص، وبلوغ قصد المؤلف. مضموناً يعتور محتواه الحذف والتكسير؛ إذ يتراوح بين البوح والكتمان، يخبر ويحجب، "لأنه لا يمكن لجملة واحدة مهما كثفت من معناها أن تعبر عن أحداث وأفعال عديدة"( )، يشكل غموضاً يعدد المعنى، ويعطي فرصاً عدة للتأويل، وكما يرى "حليفي" في دراسته "النص الموازي"، يدمر الحذف المعنى القاموسي، ويؤسس على أنقاضه معاني عدة، لا تتشابه، لكن بينها رابط خفي.
وهو ناقص نحوياً، يفتقد ركناً أساسياً فيه، فهو إما مبتدأ خبره محذوف هو النص التالي له وتقديره "ذاكرة الجسد هي هذه التي سأرويها لكم"، وإما خبر لمبتدأ محذوف هو النص أيضاً تقديـره "هذه هي ذاكرة الجسد" حذف يكمله النص، والنص فقط، فعلى الرغم من كون العنوان نصاً قائماً بذاته له مقوماته، وعلى الرغم من دلالاته العديدة إلا أنه يحتاج إلى جسده، فأية ذاكرة وأي جسد تريد "مستغانمي"؟ وأية تجارب تلك التي خاضها هذا الجسد، جنسية أم وطنية، أم إصابات وجروح، أم كلها مجتمعة؟ النص فقط يملك الإجابة، وبحركة صعود وهبوط بينه وبين عنوانه يُدرك المعنى، ويُبلغ المراد.
ولأن العنوان "يمتلك قابلية للتعبير عن الحاضر بالغائب، والظاهر بالخفي، والمتناهي باللامتناهي"( )، يبحث عقل المتلقي عن العنوان الغائب، وعن أضداد كلمات العنوان، التي يشي بها، وإن لم يخبر عنها، فالذاكرة تستدعي واقعاً وحاضراً، كما تستدعي نسياناً، والجسد يســتدعي روحاً. فأين الواقع الذي صار ذاكرة؟ ونســيان من الذي افترض وجود عقل يمتهن تخزين الأحداث، واســتذكارها؟ وإذا كان للجسد ذاكرة فماذا بشأن الروح؟ فالعنوان الحاضر "ذاكرة الجســد" يســتدعي عناوين غائبة مثل "واقع الجســد"، "نسـيان الجسد"، "ذاكرة الروح".. يتوقع المتلقي أن يجدها في النص، فينطلق باحثاً عنها ويكون العنوان بذلك قد حقق إغواءً وجد من أجله.
العنوان والنص
بعد قراءة العنوان نصاً مستقل، واستقراء بنيته وتركيبه الصرفي والنحوي، وتخمين بعض دلالاته الأولية، التي تفهم من وراء سطحية الكلمات، ننتقل إلى النص، لنعزز التصور الذي كوَّناه، أو نهدمه، وذلك من خلال البحث في تناصّ العنوان ونصه، أو تعالقهما الذي يندرج تحت أمرين:
أولاً: التعالق اللغوي: وذلك بالبحث عن كلمات العنوان، عددها، وصيغ ورودها، ودلالة هذه الصيغ.
ثانياً: التعالق الدلالي( ): من خلال البحث في المعاني التي يولدها النص للعنوان، كيف ورد هـو أو كلماته، وما المعنى الذي أداه في بنية النص؟ هل جاء مكتملاً أم بشـيء من الاختلاف؟ ثم هل للعنوان الغائب حضور في النص أم لا؟ وأخيراً هل يجسـد العنوان ما رأته الكاتبة مهيمناً من موضوعات الرواية؟ أم يجسد المعنى العميق لبنية النص؟ ولا يتجلى ذلك إلا من خلال قراءة للنص والعنوان في آن، بحركة صعود وهبوط بينهما.
التعالق اللغوي
تشكل كلمات هذا العنوان مفاتيح لقراءة نصه، ووظائف بارزة فيه، وتسهم في تجسيد معناه العميق؛ إذ ترد بصيغ متعددة، يتعدد معها المعنى، وإن كان يعطي مدلولاً عاماً وشاملاً في نهاية المطاف. سنتناول البحث في صيغها، وعدد مرات ورودها، مع إشارة ملحة إلى المعنى، يتم توضيحها عند الحديث عن التعالق الدلالي.
صيغ الذاكرة
تأخذ الذاكرة في النص صيغاً عدة، تعد تنويعاً لصيغة العنوان، فقد وردت في النص 183 مرة على وجه التقريب لا الحصر، 85 مرة مضافة إلى ضمير، و 98 مرة مفردة منها 28 مرة نكرة و70 مرة معرفة كما وردت في العنوان.
بالنسبة للضمائر، أضيفت أولاً إلى ضمير المتكلم لتشير إلى "خالد" بطل الرواية صاحب الجسد المشوَّه الذي يتولى سرد قصته، واستحضار ذاكرته؛ لذا كانت أكثر الصيغ وروداً( ).
وأضيفت ثانياً إلى ضمير الجماعة "ذاكرتنا" لتشير إلى اشتراك اثنين فأكثر في ذاكرة واحدة، كاشـتراك "خالد وحياة"، المرأة التي يحب، في ذاكرة كانت هي النسخة الأخرى منها( ) ثم اشـتراك " خالد مع حياة " وزياد "، الشاعر الفلسطيني، في ذاكرة واحدة( )، واشتراك "خالد" مع "سي الطاهر" والد "حياة"( )، إذ جمعهما تاريخ نضالي واحد فترة من الزمن، ثم اشتراكهما مع "سي الشريف" عم "حياة" في ذاكرة نضالية أيضاً( ).
وتجمعه الذاكرة مع صديق سجنه ومنفاه، وصنوه في العشق والسياسة، الكاتب الجزائري "كاتب ياسين"( ). كما استخدمت للتدليل على الجماعة الإنسانية كلها عند تعميم الحديث، وصياغته على شكل حِكَم هي خلاصة تجارب إنسانية( ).

وأضيفت إلى ضميـر المخاطب "ذاكرتك" إشــارة إلـى ذاكرة "حياة" التي يخاطبها "خالد"( ). وإلى ذاكرته هو جاعلاً من نفسه مخاطباً( ).
كما أضيفـت إلى ضمير الغائب للمؤنث "ذاكرتها" إشارة إلى "حياة" و"أما والدة خالد"، ثم "أما الزهرة" أم "سي الطاهر"، وإلى مدينة قسنطينة.
وإلى ضمير الغائب المذكر "ذاكرته" لتشير إلى ذاكرة "زياد"( )، وذاكرة الوطن( ) والرسام أياً كان( )، وصديقه "روجيه نقاش"، وإلى "خالد" نفسه إذ يتلاعب بالسرد جاعلاً من نفسه غائباً( ).
كما أضيفت إلى ضمير الغائب للجماعة "ذاكرتهم" لتشير إلى الرجال الذين عبروا قسنطينة وتركوا فيها شيئاً من ذاكرتهم( )، وأضيفت كذلك إلى نون النسوة "ذاكرتهن" مشيرة إلى نساء قسنطينة( ).
صيغ الجسد
يقل ورود كلمة "الجسد" في النص مقارنة مع "ذاكرة" فلا يتعدى الـ 95 مرة، وإن كانت ترد بصيغ مشابهة لها، معرفة ونكرة، مفردة ومضافة إلى ضمير.
فقد أضيفت إلى ضمير المتكلم "جسدي" لتشير إلى جسد "خالد"، موضوع هذه الرواية، وكانت، كما هو الحال في "ذاكرتي"، أكثر الصيغ وروداً( ).
ثاني الصيغ هي المضافة إلى ضمير المخاطب "جسدك" لتشير إلى جسد "حياة"( )، وجسد "والد خالد"( )، كما تشير إلى جسد "خالد"( )، بتلاعب في السرد كما حدث في "ذاكرتك".
وتضاف إلى ضمير الغائب المفرد المذكر "جسده" لتشير إلى جسد "زياد"( )، والشاعر عموماً( )، "وسي الطاهر"( )، وزوج حياة ممثل السلطة( ). كما تضاف إلى ضمير الغائب للمفرد المؤنث "جسدها" إشارة إلى جسد (كاترين)( ) الفرنسية، و"حياة"( ). وترد مضافـة إلى ضمير الجماعة "جســدنا" كما في ذاكرة للحديث عن الجماعة الإنسـانية كلها( ). كما ترد جمعاً "أجسادنا" ( )، "الأجســاد"( )، ومصدراً صناعياً"( ) الجسدية"، ونسبة "جسديّ"( ).
التعالق الدلالي
كيف ورد العنوان وكلماته؟ ما المعنى الذي أداه في بنية النص وما المعاني التي يولدها النص له ؟ ما معاني الجسد والذاكرة؟ هل للذاكرة معنى واحد يتعلق بجسد واحد، أم تتعدد الذاكرات والأجساد؟
معاني الذاكرة
تتعدد الذاكرة ومعانيها في النص، وتصير ذاكرة العنوان ذاكرات، وهي المفارقة الأولى التي تواجه المتلقي. وقبل الحديث عن عددها، نتناول الحديث عن معانيها في النص، التي على الرغم من تعددها تكاد تنحصر فـي المعنى المعجمي والنفسـي لكلمة ذاكرة، التي يـرى علماء النفس أنها "القدرة على اكتساب وحفظ واستعادة المعلومات"( )، ومن أقسامها الذاكرة الحدثية وتعني "معلومات تدور حول أحداث مموضعة في الزمان والمكان، أحداث ذات طابع شخصي، تملك قيمة عاطفية كبرى"( )، والذاكرة الدلالية التي تتعلق بوقائع أو معارف، أو قواعد عامة، مكتسبة خلال الحياة. وقد وردت في النص بمعنى ذكريات الماضي وأحداثه، وتجاربه حيث الذاكرة هي الماضي( )، وتقترب هنا من الذاكرة الحدثية، ودلت في مواقع أخرى على إيمان الشخص وأفكاره( ) مقتربة من الذاكرة الدلالية. كما دلت على التاريخ "نحن ننتمي لأوطان لا تلبس ذاكرتها إلا في المناسبات، وبين نشرة أخبار وأخرى"( )، فالذاكرة تاريخ الوطن وأخباره. وفي محيط هذه المعاني وحولها، تتعدد الذاكرت، وتتنوع حتى لتصل إلى 27 ذاكرة تقريباً، فكلما طالعنا صفحات الرواية، تبدّت لنا ذاكرة أخرى، بيد أنها وعلى الرغم من كثرتها، لا تثير حيرة المتلقي، ولا تخلق في نفسه تناقضاً؛ إذ تسرد كلها من خلال شخص واحد هو بطل الرواية، الذي يطلعنا عليها باعتبارها جزءاً من ذاكرته … كل منها ساهم بخط كلمة، أو صنع تجربة "صفحات أخرى فقط.. ثم أعري أمامك ذاكرتي الأخرى"( )، "من ذاكرة إلى أخرى"( ). وهي ذاكرة جروح وألم، يسرد فيها تاريخ وطنه من خلال جسده "طالعي قصتنا من جديد، دهشة بعد أخرى، جرحاً بعد آخر"( ).
الذاكرة الأولى هي ذاكرة انطلاق الرصاصة الأولى لحرب التحرير الجزائرية التي شـارك فيها "خالد"؛ فشــكلت جزءاً من ذاكرته، وبالتالي ذاكرة وطنه "بتوقيت الذاكرة الأولى"( )، ثم ذاكرته النضالية، حيث اشــترك في الثورة وحصل على رتبة ملازم، منحها له "سي الطاهر" ساهمت في شفائه من ذاكرته الثالثة، ذاكرة الطفولة ويتمها حيث موت الأم وانشغال الوالد بعروسه الجديدة، أما الرابعة فهي ذاكرة جسده، المتمثلة بفقدان ذراعه اليسرى التي بترت إثر إصابته في معركة على مشارف (باتنة)، الجرح الذي أعاد إليه شعور اليتم من جديد واستبدلت " الذاكرة الحاضرة باليد الغائبة "( )، وصار الجرح يسرد قصة وجوده، وذراع المعطف الفارغة تحكي تاريخ نضاله "أصرّح بالذاكرة"( ).
ثم ذاكرة السوار الذي تلبسه "حياة" كان كلانا يحمل ذاكرته فوقه "( )، ويعني جرحه، وسوارها، ثم ذاكرته مع "حياة" التي اقترنت بجرحه، إذ حمل اسمها وهو محموم يهذي به ليسجله في البلدية، معطياً له شرعية الوجود، فقصة اسمها، وبتر ذراعه، ذاكرة مشتركة حيث لقاؤه الأول بها( )، ثم ذاكرة قسنطينة المدينة التي تسكنه، ويعني تاريخها، وثقافتها، وعاداتها وتقاليدها، ثم ذاكرته مع أمه حيث يذكره سوار "حياة" بسوارها ومعصمها، وذاكرة "سي الشريف"عم حياة الذي شكل جزءاً من ذاكرة نضاله، تخلى عنها " سي الشريف " باحثاً عن الثراء "كان بعض ذاكرتي"( ) .. في الصفحات الأخرى، وبعد لقائه بحياة صبية، تغدو ذاكرته، ويشكل لقاؤه بها في قاعة العرض منعطفاً للذاكرة "أسلم على ذاكرتي"( ) فليست جزءاً من ذاكرته بل هي النسـخة الأخرى لها. ثم ذاكرة الوطن كله الذي "حياة" رمز له "إن للذاكرة عطـراً أيضاً هـو عطـر الوطن"( ) "هـذا الوطـن الذاكرة"( )، ثـم ذاكرة موت "أما الزهرة" والدة "سـي الطاهر"، وذاكرة "حياة" شـخصيتها، وتاريخهـا، وآراؤها "لن أنقب بعد ذلك في ذاكرتك"( ).
ويصير للمكان ذاكرة، وتغدو قاعة العرض التي التقيا فيها جزءاً من ذاكرتهما، واللوحة الأولى "حنين"، التي تدرب فيها على الرسم واقترنت بجرحه، واسم "حياة" الذي سجله في البلدية، ذاكرته الأولى، ويعني أولى لوحاته التي رسم( )، ثم ذاكرة "روجيه نقاش" صديق طفولته وغربته، الذي يرفض العودة إلى قسنطينة خوفاً من مواجهة ذاكرته، وذاكرة "زياد" فهو "محملاً بالذاكرة"( ) بماضيه، وتاريخ وطنه، الذي قاسمه به "خالد" إشارة إلى قسوة التجارب التي خاضها الاثنان، ووطناهما.
وتتسع الذاكرة لتشمل ذاكرة العرب كلهم، بل ذاكرة المدن العربية( )، "فهل كل المدن العربية أنت، وكل ذاكرة عربية أنت"( ) "فحياة" رمز لقسنطينة، وقسنطينة هي كل مدينة عربية، تحمل الذاكرة ذاتها، وتعاني الجرح ذاته، وكأن الهم العربي واحد.
ثم ينتقل إلى غرناطة التي تشكل بقصورها المهجورة بعد فقدان آخر حاكم عربي، ذاكرته الأولى أيضاً( )، الفردوس الأول الذي ضاع، وكأن في ذلك إشارة خفية إلى الفردوس الثاني، فلسطين.
وتنويعاً على ذاكرة الوطن، يذكر ذاكرة الجزائر كلها، ثم ذاكرته هو في شهر حزيران حيث هزيمة 67 التي بإضافتها إلى نفسه، يعدها هزيمة له، وحيث ذكرياته في سجن الكديا( ).
ولا تقف ذاكرته عند حد المدن والوطن، بل تتعداهما إلى رجال مروا بقسنطينة يوماً، وتركوا ذاكرتهم فيها، أمثال (صيفاكس).. (ما سّينيسا)….( ).
ثم ذاكرة جده "أحمد"، ذي الجاه والمال، الذي انتحر ملقياً بنفسه من على الجسر، مورثاً جرحه لعائلته، بعد ما توعده أحد البايات بالقتل بسبب تآمره عليه مع بعض رجالات قسنطينة، ثم ذاكرة نساء قسنطينة كلهن( )، وذاكرة رفيق سجنه ومنفاه، الكاتب الجزائري "كاتب ياسين" الذي كتب قصة "نجمة" قصة تحكي حبه لامرأة. شبيهة بقصة "خالد"، فذاكرتهما مشتركة، بدءاً من النضال، ومروراً بمعارضة السلطة، وانتهاءً بالحب المستحيل.
ولـم يترك شيئاً في قسنطينة إلا جعله ذاكرة له، حتى الأولياء الصالحين وقبورهم أمثال "سيدي راشد"، "سيدي مبروك" …؛ إذ كان أبوه واحداً منهم( )، ثم ثوب زفاف "حياة" الذي تمتع في نزعه عنها رجل واحد، يعتبره "خالد" ذاكرة وطن تصنعه أجيال عدة، ليحكمه متمتعاً بخيراته رجل واحد "( ).
ثم ذاكرة أثينا، حيث يمشي أهلها على تاريخها الذي صنعته الآلهة، وأبطال الأساطير.. ودار "صالح" آخر بايات قسنطينة، التي سرقت أحجارها وشبابيكها، وظلت هيكلاً يبول عليه الصعاليـك، صارت رمزاً لوطن يبول عليه أهله… وآخر الذاكرات، ذاكرة مضادة مغايرة، ذاكرة (كاترين) الباريسية، على الرغم من كونها جزءاً من ذاكرته؛ إذ عاش معها حيناً من حياته( ).
وهذه الأخيرة التي نعتها بالمضادة تؤكد ما نذهب إليه، فكل الذاكرات السابقة، ذاكرة واحدة، عرضت مجزأة، وذاكرة (كاترين) الفرنسية، وحدها التي تعاكسها.
معاني الجسد
كما تتعدد الذاكرة، يتعدد الجسد، وتتنوع معانيه، فليس هو جسداً واحداً كما أوحى العنوان، بـل أجساد عدة، أولها جسد "خالد"، المعطوب، المقشعر أمام الذاكرة( ) الـذي اشتاق "حياة" واشـتهاها وأمام خيانتها نسي شوقه، وأقام علاقات عابرة مع نســاء عابرات. وثانيها جسد "حياة" الذي لا تكترث إلا به، ولا يلامسه هو إلا في أحلامه وعتمة ليله( )، وكما وحد بين ذاكرتيهما، يوحد بين جسديهما؛ فكلاهما محطم، وأشلاء حرب، جرحه واضح على جسده؛ إذ بتر الفرنسيون ذراعه، وجرحها مخفي؛ إذ بتروا طفولتها بقتل والدها( ).
كما ورد في النص إشارة إلى جسد النبي "محمد"، الذي أصابته قشعريرة عندما جاءه الوحي( )، كقشعريرة "خالد" أمام الذاكرة.
إضافة إلى جسد (كاترين) العاري وليمتها؛ إذ يشكل موديلاً في قاعة رسم( )، ربطته بجسد "خالد" رغبات جنسية انطفأت عند لقائه "بحياة".
ويوحد بين جسده، وجسد المواطن الجزائري العادي الذي على وشك الانفجار( )، وكأن جرح جسده يحكي قصة كل جسد جزائري، سواء أكانت إصابته واضحة أو مخفية.
ويذكر جسد والده الذي كان ولياً، يغرس فيه السفود دون ألم( )، وأجساد نساء قسنطينة، كما يسند الشهوة إلى الجسد، والعفة إلى الروح، فهو مسكون بالأضاد كشعبه.
كما يشير إلى جسد أمه، حيث طرز عليه الأب مغامراته جرحاً، ووشماً( )، وكأنه ورق يُكتب عليه جروح الشخص وتاريخه، وفي هذا تأكيد لمعنى العنوان، فالجسد أجساد، كما الذاكرة ذاكرات، والذين ذكر أجسادهم، تحدث قبلاً عن ذاكرتهم، وكأنه يسرد بتاريخ جسده، وتجاربه، تاريخ وطن، وأجساد مواطنين؛ فالجسد ورق والذاكرة بأحداثها جروح تخط عليه.
العنوان في النص
يرد العنوان بنصه وكلماته مع اختلاف في الترتيب، أو الصياغة مرات أربع، في الفصل الأول، والثاني، والسادس.
سنتناول كل صيغة بتركيبها، ومعناها الذي أضاف إلى العنوان، بما أن العنوان لا يرد في النص إلا ليعطي معنى جديداً، يساهم في تفسيره، وتكثيف دلالاته.
الوجود الأول للعنوان بكلمتيه كان في الفصل الأول "بذاكرة تسكنها لأنها جسدك، جسدك المشوه لا غير"( ) حيث يرد بترتيب مغاير، تتخلله كلمات أخرى، تزيده وضوحاً، وتؤكد دلالته التي توصلنا إليها في حديثنا عن معاني الذاكرة والجسد. الذاكرة نكرة كما هي في العنوان، والجسد، معرَّف لكن بإضافته إلى ضمير المخاطب. يلهث البطل خلف الماضي الذي يعادل الذاكرة هنا، مؤكداً عدم مغادرته له؛ إذ يعيش فيه "لتلحق بماض لم تغادره في الواقع"( ) لأنه جسده، وما ذلك الماضي الذي صار ذاكرة إلا تلك الفترة التي شُوّه فيها، وبترت ذراعه، وصار فقدانها عـاهة تلازمه، وذاكرة تسرد قصته، ولما كانت العاهة تلازمه، ظل زمان حدوثها كذلك.
تواجهنا الصيغة الثانية في الفصل الثاني "كنت تحمل ذاكرتك على جسدك"( )، تنويع آخر، بكلمات أخرى جاءت مع العنوان تؤكد المعنى وتثبته، فقد عُرِّفت الذاكرة هنا بضمير المخاطب، وكذلك الجســد، يخصصهما "خالد" به دون غيره، فجسده حامل لذاكرته، وذراعه المبتورة شـهادة على نضالـه، وعاهـة حـرب كانت مدعاة فخر، ومجلبة لاحترام الناس وتقديسـهم، في سنوات الاستقلال الأولى.. ثم صارت مدعاة خجل، ومجلبة للشفقة، يخفيها صاحبها " وكأنك تخفي ذاكرتك الشخصية، وتعتذر عن ماضيك لكل من لا ماضي لهم "( ). وعلى الرغم من ذلك هم أسياد الحاضر، ورجال هذا الزمن الذي نسي المحاربين، ولم يعد الجرح كافياً لمعرفة تاريخ صاحبه، بل باتوا يتساءلون… بين هذين الزمنين، قبل الاستقلال وبعده.. تتم أحداث القصة وتسرد ذاكرة جرح أثره في نفس صاحبه أعمق منه في جسده.
تأتي الصيغة الثالثة في الصفحة المقابلة من الفصل نفسه "وأنت الذاكرة المعطوبة التي ليس هذا الجسد المعطوب سوى واجهة لها"( ) بمرارة أعمق، وقبح أشدّ، ينطق المجروح مخاطباً نفسه، معرِّفاً الذاكرة والجسد بال التعريف، ومخصصهما بالصفة، فكلاهما معطوب، أحدهما مخفي هو الذاكرة، والآخر ظاهر يعبّر عنها بل هو واجهتها أمام الناس، الجسد بذراعه الناقصة.
بكل ما تثيره كلمة "المعطوب" من ألم واشمئزاز، يتأكد المعنى، وتتضح دلالات العنوان؛ فقصة عطب الجسد قصة عطب وطن بأكمله، وطن يحترم جراح مواطنيه لكنه يرفضهم، ويلفظهم إلى المنافي إلى فرنسا التي تحترم موهبة الإنسان، وترفض جراحه التي أحدثتها هي…وفي انشطار "خالد" بين وطنه ومنفاه، موهبته وجرحه.. يسرد قصته، ويحكي ذاكرة انشطاره وشتاته، فتكون ذاكرة الجسد المشوَّه، تاريخ وطن مشوَّه.
في الفصل السادس، في الصفحة الأخيرة من الرواية، وقد بلغت المرارة لدى البطل ذروتها، وتوقف الدمع في عينيه أمام نسيان وطنه، وجهل مواطنيه، تطالعنا الصيغة الرابعة للعنوان "كان جسدي ينتصب ذاكرة أمامه… ولكنه لم يقرأني، يحدث للوطن أن يصبح أمياً"( )، وكما في الصيغة الأولى ترد الذاكرة نكرة غير مخصصة، بينما يخصص الجسد بياء المتكلم، إضافة إلى عكس كلمات العنوان، فجسده هو الذاكرة، تاريخ الوطن بكل تناقضاته، بانتصاراته وخيباته، وربما كان تنكير الذاكرة مقصوداً، فقد بات الوطن أمياً لا يقرأ يجهل تاريخه ومن صنعوا استقلاله، وهل أشـد قبحاً من وطن جاهل لا يحفظ تاريخه؟ ومن جيل أمي يرفض قراءة أمجاده رغم أن الخطوط عريضة تحرضه على القراءة، جهل يفيض أمامه الحزن المكابر، يمتنع عن مخاطبة جمركي ينتهي إلى عمر الاستقلال، جيل ولد في وطن محرر، ولم يكلف نفسه عناء البحث عن كيفية تحريره، يعمل بما لُقِّن دون ترك مجال لحواسه كي تقرأ ذاكرة الذراع المبتورة، وحزن صاحبها المترفع عن البوح، بل يضع الحزن في قفص اتهام، بينما يدخل السـارق الفعلي من أبواب شرفية، أي وطن هذا الذي يجعل المناضل متهماً، والمتهم مناضـلاً…؟ وتجيــب الذاكرة التي تحتاج إلى قارئ لعطبها وحزنها "أصرح بالذاكرة"( ) بهذه الرواية.
فذاكرة الجســد جرحه وعاهته ولكن، خلف الجرح الجسدي قروحٌ نفسية، وألم لا يسـرد حكاية بتر ذراع فقط، بل بتر وطن، وتشويه تاريخ،.. هي ذاكرة الجزائر كلها؛ إذ تطلعنا "مستغانمي" على بعض ما جرى ويجري، بأسلوب شاعري يغري بالقراءة، دون طمس للحقيقة.
العنوان الغائب ودوره في تشكيل المعنى
تفترض الذاكرة نسياناً وواقعاً، كما يفترض الجسد روحاً، وبما أن العنوان "يملك قابلية التعبير عن الحاضر بالغائب، والظاهر بالخفي، والمتناهي باللامتناهي، والمتصل بالمنفصل"( )، يستدعي النص عنوانه الغائب ليوضح به الحاضر، فنجده ماثلاً فيه، يلعب دوراً بارزاً في تشكيل معناه، وإيضاح دلالاته.
منذ الصفحة الأولى يطالعنا العنوان الغائب معلماً بوجوده، فللذاكرة وجه آخر هو النسيان، يعلمنا "خالد" منذ بداية نصه أنه يكتب ذاكرته لينساها "أجتاز بها الصمت إلى الكلام والذاكرة إلى النسيان ولكن …"( ) يكتب قصة عشقه "لحياة" وللوطن.. علَّه يتحرر من الجنون ثم يستدرك بـ "لكن" استدراكاً يتضح معناه في الصفحات التالية، فبعد أن يجترَّ ماضيه، ويعتصر ذاكرته، يفرغها على ورق، تكبر في داخله، وتصير أكثر ثقلاً، يعَّبأ بها بدل أن يفرغ منها "وحـدها الذاكرة أصبحت أثقل حملاً" ( )، فعلى الرغم من نسيان كثير ممن شكلوا ذاكرته، يبقى هو حارساً لها، رافضاً محوها، يشاركه "زياد" الذي مات وذاكرته حاضرة.
يخاف النسيان، وكما لكل إنسان طريقته في المقاومة والنضال يلجأ للرسم موثقاً ذاكرته "أرســم بيدي الموجودة وتلك المفقودة" "أرسم بكل تقلباتي، بتناقضي وجنوني، بذاكرتي ونسياني"( )؟
وهو مسكون بالمتناقضات، فعلى الرغم من إصراره على الذاكرة، يرجو الوصول إلى النسيان، عاشق أرهقه العشق وأعياه، يطلب عيداً للنسيان كما هناك عيدٌ للحب( ).
يريد نسيان "حياة" الرامزة إلى قسنطينة، الجزائر كلها، كما سنوضح في فصول لاحقة، فهل يملك مناضل عاشق نسيان سبب نضاله؟ يئن تحت وطأة الذاكرة، متمنياً الوصول إلى نقيضها فلا يستطيع( ).
وبينما الذاكرة تسكنه فإن نسيان الآخرين يطوقه؛ إذ يجد في رحلة عودته إلى الوطن لحضور زفاف "حياة" مقاعد الدرجة الأولى محجوزة لمن حجزوا كراسي الوطن، ونسوا تاريخه، ولم يبق سوى الكراسي الخلفية لمن نسيهم الوطن، واحتفظوا بذاكرته، فيجلس على مقاعد المنسيين، ويصعب عليه النسيان "أجلس على مقعد في الدرجة الثانية للنسيان"( ).
ولا يقتصر النسـيان على أصحاب السـلطة، بل يمتد إلى "حياة"، وإلى الوطن كله، "رفعت كأسي الملأى بك .. نخب ذاكرتك التي تحترف مثله النسيان"( ) والهاء في "مثله" تعود على الوطن، الذي تتماثل معه في نسيانها .. تنسى من تحب، "زياد"، "خالد"، ذاكرتها، حيث نضال والدها.. وترضى الزواج بضابط خائن، يغتصب الوطن، ويدوس على شهدائه وذاكرته، ولا تكتفي بذلك بل تبرر نسيانها وخيانتها كما نسبت الجزائر النضال والمناضلين، فهي وطن يحترف النسيان، لا ينسى ذاكرته فقط بل يبول عليها( ).
ويشاركهما في النسيان عمها "سي الشريف" الذي نسي تاريخه النضالي، وراح يركض وراء الثورة كغيره ممن تسلموا السلطة "لقد مات فيه الرجل الآخر"( ).
ويقابل النسيان الواقع، كما يقابل الذاكرة الماضي، فنجد كلمتي الواقع والحاضر، ماثلتين في النص، اختارهما من فضَّل النسـيان، وترك الماضي خلفه، فكما اختار "خالد وزياد" الماضي، اختارت "حياة" وعمها الحاضر الذي بات نقيضاً للماضي، يخافه "نقاش" ويخشى مواجهته "أصعب شيء على الإطلاق مواجهة الذاكرة بواقع مناقض لها"( ) ويؤيده "خالد" في الرأي؛ إذ تصير الذاكرة في نفوسهم أجمل من الواقع، وإنقاذها هو الأهم. وبهذا ينتصر النص للعنوان الحاضر وليس الغائب.
وهكذا تكمل معاني النسيان والواقع دلالات الذاكرة، تجتمع بذكرهما الأضداد، وتصطرع المتناقضات التي يعج بها الوطن.
بينما تحضر كلمة "الجسد" في العنوان، تحضر كلمة "الروح" في النص، فآلام الجرح تتعدى الجسد، وتغزو الروح المدمرة.. نفسه عاشقة معذبة، وأشواق روحه تفوق أشواق جسده؛ إذ نسي جسده "حياة" بينما ظلت روحه تشتاقها .. وهو منشطر مثل كل رجال وطنه بين شهوة
الجسد وعفة الروح( ).
غزل الذاكرة
العنوان بنية نصية
يتناصّ عنوان "غزل الذاكرة" مع عنوان "ذاكرة الجسد" في تركيبه ومكوناته، فيكون بارقة تحيل على خارج النص، ومحاكاة تشكل استفزازاً للقارئ، وتحريضاً لقراءة نص تشابه مع آخر في عنوانه، متسائلاً إن كان التناص يمتد إلى المضمون الروائي حيث العقدة، أو تشابه الأحداث؟ أم يقتصر على كلمات العنوان؟ علماً أن التناص بين العناوين، وتأثر اللاحق بالسابق ليس جديداً في مجال الأدب، ومن أمثلته في عناوين الرواية الفلسطينية، تناص عنوان "مذكرات خروف" لـ "عـبد الرحمن عباد" مع "مذكرات دجاجة" لـ "إسحاق موسى الحسيني"، و "عائد إلى حيفا" لـ "غسان كنفاني" مع "عائد إلى القدس" وغيرها( ).
وليست كلمة الذاكرة الواردة في العنوانين فقط ما يشد الانتباه، بل تركيب العنوان، وبنيته، وربما شاعريته، وتحطيمه المعنى المعجمي للكلمات بإلصاق شيء لآخر بعيد عنه؛ فليس الغزل للذاكرة، ولا كان يوماً من متعلقاتها. فهو عنوان إسنادي التركيب، انزياحي اللغة؛ إذ تقابل كلمة "غزل" هنا " ذاكرة " هناك، نكرة مفردة، مسـندة إلى مفرد معرف " الذاكرة " التي تقابل "الجسد". أسند الغزل إلى الذاكرة فصارت فاعلاً، تقوم بفعل التغزل، وإذا كان الغزل معجمياً يعني اللهو مع المرأة ومداعبتها تقرباً وتودداً، والذاكرة هي القدرة على اكتساب المعلومات وحفظها، واسـتعادتها، ندرك انزياح المعنى، فهل تجارب الماضي تغازل؟ وتغازل من إذا كانت هي الفاعلة؟ ففي هذا العنوان، كما في ذاك، استعارة مكنية؛ إذ شبهت الذاكرة بإنسان يغازل، وحذف المشبه به، وترك شيء من لوازمه هو "الغزل".
كما يشتمل على استبدال لغوي بين ذات وإحدى مستلزماتها، أو أعضائها، فبدل الذات الإنسانية كلها نرى الجسد منها دون الروح هناك، والذاكرة دون وعائها الرأس هنا.
وعلى الرغم من الإشارة الزمنية للذاكرة الفاعلة هنا كما في رواية "مستغانمي" يشتمل العنوان علـى مكون حدثـي يطغى على مكوناتـه الأخرى، فتحت جلده أحداث عدة، قد جرت تحت مسمى الغزل، وأسئلة تثار هل بدأ هذا الغزل أم انتهى؟ إذ يعتور تركيبه الغموض، كما يعتور مضمونه الحذف والتكسير، فقد قام الكاتب بتكثيفه في كلمتين، على الرغم من عمق دلالتيهما يبحث المتلقي عن الركن الثاني لهذه الجملة الاسمية؛ إذ حذف أحد طرفيها كما في رواية "مستغانمي" إما المبتدأ وتقديره "هذا هو غزل الذاكرة"، ويعني النص دون غيره، أو الخبر وتقديره "غزل الذاكرة هذا هو الذي سأرويه في النص لا غير".
وبعد … أية ذاكرة هذه التي تغازل؟ ذاكرة "العيلة" الشخصية أم ذاكرة بطل روايته؟ أهي سعيدة، في استرجاعها غزل؟ أم حزينة استخدم الغزل فيها مجازاً؟ وإذا عرفنا أن "العيلة" فلسطيني، فهل يغازل وطنه المنكوب؟ أم ذاكرة جرحه الفلسطيني تفرض نفسها على روحه؟ أم تراه يغازل "ذاكرة الجسد" المستغانمي ليس أكثر؟ النص وحده يملك الإجابة؛ إذ يشكل كما يرى السيميائيون إجابة على تساؤل العنوان( ).
ويستحضر العنوان نصه الغائب كما في "ذاكرة الجسد" ليتم به فهم الحاضر وإبانته، فاعتبار الأحداث ذاكرة يفترض وجود واقع وحاضر كانته، كما يفترض نسياناً لهذا الواقع. والغزل بما ينطوي عليه من مداعبة ورقة يستحضر تعذيباً وقسوة، فهل يفر البطل من قسوة واقعه إلى غزل ذاكرته؟ أم مرارة نسيان ما يجب تذكره هي التي دفعته إليها؟

العنوان والنص
أولاً: التعالق اللغوي
صيغ الذاكرة والغزل
كما في "ذاكرة الجسد" كانت "الذاكرة" أكثر وروداً من "غزل"، فقد وردت 103 مرات، مضافة إلى ضمير 48 مرة، ومفردة معرفة 34 مرة، ونكرة 21 مرة، في حين لم يتجاوز ورود كلمة "غزل" الخمس مرات باستثناء تراكيب العنوان.
وكما هناك كان ورودها مضافة إلى ياء المتكلم "ذاكرتي" أكثر الصيغ تكرراً، تدل تارة على "نبيل" بطل الرواية وساردها( )، وتارة على "عايدة"، المرأة التي يحب إذ تستلم زمام الحديث عن ذاتها( ). كما تشير إلى "جد نبيل" الذي يروي قصته مع العميل "أبو جميز"( ).
تليها في الورود تلك المضافة إلى ضمير الغائب المذكر "ذاكرته" لتشير إلى ذاكرة "جد نبيل"، وجيل الأبناء الذي يرى الوطن بذاكرته( )، والسجين بشكل عام، وإن عنى به نفسه عندما كان سـجيناً في سـجن نابلـس المركزي( )، وذاكرة المقهى مكان لقائه "بعايدة"( )، وذاكرة "محمود الأقطش" رجل الماضي( )، والوطن كله( ). وأضيفت كذلك إلى جماعة الغائبين "ذاكرتهم" لتشير إلى ذاكرة أهل "نبيل" أمه، وعمه "صالح"( )، ثم أبناء بلدته (قلقيلية)( ).
وتشير أيضاً إلى عائلة "عنايات"( )، وأخرى إلى أطفال مدينة السلام( ) وتضاف، كما في "ذاكرة الجسد"، إلى الغائب المفرد المؤنث "ذاكرتها" مشيرة إلى زوجة "أبو مصطفى" صديق "نبيل"( )، وذاكرة "عنايات"( ).
ثم إلى ضمير المخاطب "ذاكرتك" حيث تشير إلى "نبيل"؛ إذ تخاطبه "عايدة"( )، كما أضيفت إلى جماعة المتكلمين "ذاكرتنا" حيث يشترك "نبيل" و "عايدة" في ذاكرة واحدة( )، كما اشترك هناك "خالد وحياة"، ثم تشير إلى الشعب الفلسطيني كله( ).
أما كلمة "غزل" فقد وردت بصيغتها في العنوان( )، ومصدراً ميمياً "مغازلة"( ).
ومما يعزز تأثر "العيلة" بـ "مستغانمي"، واستلهامه روايتها، تناصّ عنوان روايته مع عنوانها ليس فقط في كلمة " ذاكرة " بل في كلمة "الجسد"، فقد تكرر ورودها في نصه 75 مرة تقريباً، وجاءت بالصيغ نفسها، مشيرة إلى المعاني ذاتها تقريباً، فكانت أكثر هذه الصيغ تلك التي أضيفت إلى ياء المتكلم "جسدي" لتشير إلى جسد "نبيل"( )، وجسد "عايدة"( ) كما أشارت إلى جسد "أحمد" صديقه( ).
وأضيفت كذلك إلى ضمير المخاطب "جسدك" ويعني "عايدة"( )، وإلى ضمير الغائب المفرد المؤنث "جسدها" مشيرة إلى بيروت( )، و"عايدة"( )، وزوجة "نبيل"( )، وإلى الغائب المفرد المذكر "جســده " ويعني الإنسان المصاب( )، وجاءت نسبة كما هناك "الجسديّ"، كـما أضيفت إلـى ضمـير الجماعة، حيث التوحد بيـن جسـدي "نبيل وعايدة "، كما وحدت "مستغانمي" بين "خالد وحياة"( )، وتشير كذلك إلى جسد الشعب الفلسطيني كله الذي اغتصبت ذاكرته وجسده.
وبهذا يكون "العيلة" قد استلهم كلمات عنوان "مستغانمي" ووظفها لتحمل معاني متقاربة، لأشخاص آخرين، من شعب آخر.
ثانياً: التعالق الدلالي
معاني الذاكرة
يشكل هذا العنوان المفارقة ذاتها التي شكلها عنوان "مستغانمي" إذ تتنوع الذاكرات ليصل عددها إلى 27 تماماً كما هناك، فهل كثف العنوان ذاكرات نصه، فكانت تنويعاً عليه؟ أم قصد ذاكرة واحدة هي المحور والأساس؟
إضافة إلى تماثل الذاكرة في صيغها مع تلك التي في رواية "مستغانمي" حيث أضيفت إلى الضمائر نفسها، فقد أشارت إلى المعاني ذاتها، حيث الدلالة على أحداث الماضي ومجرياته كان المعنى الأكثر وروداً، كما جاءت بمعنى اللغة والعادات والثقافة والبيئة( )، إضافة إلى معنى الماضي، ونقيضه الواقع( ).
أولـى الذاكرات هنـا ذاكـرة المكان، الكفتيريا التي شــهدت لقاء "نبيل" الأخير بـ "عايدة"، ثم ذاكرته التي تحتل "عايدة" أعلى قممها( )، وذاكرة "عايدة" حيث هو جزء منها( )، وذاكرتهما معاً( )، ثم ذاكرة البشر جميعاً( ). وتصير اللغة والثقافة ذاكرة إذ تطالعنا ذاكرات ثلاث، الأمريكية والعربية والعبرية، "تلبسني الذاكرة الأمريكية"( )، ثم ذاكرة "أم مصطفى" زوجة صديق "نبيل"، ويعني بيئتها عادتها وتقاليدها، وطبيعة حياتها، وتجاربها التي تتماثل معها جيداً( ). ثم ذاكرة "جده" الذي كان ضابطاً في الجيش العثماني، وظل بعد رحيله يحلم بعودة الخلافة منتمياً إلى حزب التحرير، يملك ذاكرة ملتهبة، مجروحة بسـبب سرقة العميـل " أبو جميز " لكوشان أرضه وبيعها لليهود على أنها ملكٌ له( ).
كما يأتي السارد على ذاكرة أهله، أمه وأبيه وعمه وكل من يعرف من أبناء وطنه، وذاكرة اليهود وتاريخهم المزعوم وثقافتهم التي صارت واقعاً( )، وذاكرة الماضي وهزائمه( )، إضافة إلى ذاكرة جيل الأبناء التي بها يرى وطنه( )، ذاكرة هزيمة "عبد الناصر" في 67( )، وذاكرة "السادات" وتعني الواقع الذي راح يؤسسه بعد موت "جمال عبد الناصر"( )، وكما كان للسوار ذاكرة هناك، يكون للقلادة الرامزة إلى الوطن ذاكرة هنا( )، كما يطلعنا على ذاكرة العباسيين والأمويين والعثمانيين، حيث انهارت قوتهم وماتوا تاركين الحياة لليهود( )، ذاكرة الأزمان حيث تقاطعات الموت والحياة( )، ثم ذاكرة "محمود الأقطش" الذي خدم في العسملي، يرفض الواقع، ويحتقر الوجوه الضعيفة، ويحيا في الماضي حيث التوقيت الهجري( )، إضافة إلى ذاكرة أحفاده، عاداتهم وتقاليدهم، وواقع حياتهم، الذين لم يرد "لعايدة" أن تكون نموذجاً لنسائهم( )، ثم ذاكرة الوطن، فكما في رواية "مستغانمي" ترمز عايدة إلى الوطن، فهي امرأة تحمل شارات حياة غربية، وهوية لا تمت لذاكرة وطنها بصلة عربية، فقد تنصل الوطن من ذاكرته وأمسى يمثل الآخر اليهودي، ولم يعد موجوداً إلا في ذاكرة أهله( ). وكما للتاريخ هناك ذاكرة نجد الأمر ذاته هنا( )، كما نجد ذاكرة الشعب الفلسطيني التي يسعى اليهود إلى طمسها( ). وذاكرة عائلة "عنايات" التي ارتدت عن الإسلام في إسـبانيا لكنها احتفظت بذاكرتها العربية( ). ذاكرة أطفال مدينة السلام المعطوبة ونفوسهم المبتورة لما أصاب وطنهم من فقدان تعززه "عنايات" فيهم، وتغرس عدم انتمائهم لذاكرتهم( ). إضافة إلى ذاكرة العثمانيين، وتاريخهم في فلسطين التي تنتمي إليهم، ذاكرة سجن نابلس المركزي( )، وهي ذاكرات ورد معظمها في رواية "مستغانمي".
وعلى الرغم من تنوع الذاكرات تبقى أجزاء لذاكرة "نبيل" التي هي ذاكرة "عايدة" الرامزة إلـى الوطن كلـه، فتكون ذاكرة وطن من خلال مواطن؛ إذ يسترجعها بكل جروحها وألمهـا، فمن خلال علاقاته بأبناء وطنه، ومواقفه النفســية من قضاياه، يســرد تاريخ وطنه "فلســطين".. ذاكرة تمتد مـن الحكم العثمانـي .. إلى اتفاقات أوســلو 1993، كما سردت "مستغانمي" تاريخ الجزائر.
ولم يقتصر تأثر "العيلة" بـ "مستغانمي" على تعدد الذاكرات، بل امتد ليطال بعض عباراتها أمثال.. " ذاكرتهم المعطوبة، ونفوسهم المبتورة "( ) والتي أشار بها إلى أطفال مدينة السلام، وهي عبارة وردت في رواية "مستغانمي" "الذاكرة المعطوبة التي ليس هذا الجسد المعطوب سوى واجهة لها"( ) كما وردت "ذلك المناضل أو المجاهد المعطوب الذي كنته"( ). ومـن تـلك العبارات أيضـاً عبارة "العيلة" "ذاكرتي المجروحة"( )، التي ذكرت في رواية "مستغانمي" "ذاكرة جرحي"( ).
معاني الغزل
ترد "غزل" بشكل أقل من قرينتها " ذاكرة " كما كان ورود "الجسد" أقل من "الذاكرة" في رواية "مستغانمي"، وعلى الرغم من قلة ورودها لا تحمل معنى واحداً بل معنيين، يؤكد الأول المعنى المعجمي للكلمة وهو مداعبة المرأة والتودد إليها؛ إذ اعتبرت "عايدة" حديث "نبيل" عن "فريال" الفلسطينية غزلاً( ) و "دعوة فيها غزل ومداعبة"( )، حيث دعوة الأم لرجلها بعد انتهاء نفاسها لكسب وصاله الجنسي.
فيما عدا هذا وردت ثلاث مرات بمعنى الحديث عن الشيء، أو كتابته الذي هو ذاكرة حيناً، ووطن حيناً آخر، وتقترب في هذا من معنى أورده "ابن منظور" للغزل وهو الدنو من الشيء والاقتراب "غازل الأربعين" دنا منها( )؛ فهو إذ يتحدث عن الذاكرة، ويكتبها يقترب منها.
يعتبر "نبيل"، ومن ورائه "العيلة"؛ إذ يضع على غلاف روايته فقرة سردت على لسان "نبيل"، ويوقع اســمه تحتها، ما يشير إلى تطابق السارد والكاتب، الأمر الذي ستتم مناقشته في فصل لاحق من هذا البحث، يعتبر نصه هذا غزلاً ذاتياً "كانت الكتابة وهماً أو غزلاً ذاتياً"( )، يحاول فيـه فحص قدرته على رسم نص جميل يحمي الوطن من الغياب، فيكتب تاريخ وطنه وثقافته لحفظه وحمايته من النسيان، ويؤكد في موضع آخر أن روايته تغازل وطناً يرتحل فتاريخ شعبه وثقافته، يضيع، فيكتبه توثيقاً له. وتؤكد "عايدة" هذا المعنى "الهروب إلى الماضي أو مغازلته أكثر مما يجب"( )، إذ الحديث عن الماضي وكتابته مغازلة له.
فالغزل كتابة، والذاكرة ماضٍ ووطن يرتحل .. هذا ما وشى به العنوان، وأكده النص.
معاني الجسد
تشكل كلمة "جسد" مفتاحاً لبعض مغاليق النص، وأساساً ترتكز عليه معانٍ عدة في نسيجه، فعدا صيغ ورودها التي تتماثل مع نظيرتها في رواية "مستغانمي" نلمح تطابقاً في الدلالات.
فلسنا أمام جسد واحد بل أجساد، بدءاً من جسد الإنسان أياً كان، إلى جسد الزوج الذي تريده "عايدة" متعدد الثقافات بجسد واحد، ثم جسد "عايدة" الذي يغوي "نبيل" لا سيما فترة غيابها؛ إذ يثير شهوته الجامحة وشجن شبابه( )، على الرغم من كونه محرماً عليه، فهو مقدس كتراب الوطن، جعله الأمريكان والإنجليز واليهود ورشة لإعادة التشكيل في محاولة لترويضه( )، وصار صفقة سياسية يعتاش عليه العملاء والأعداء( )، "جسداً مثخناً بآلام جرح أحدثه عن قصد"( )؛ إذ فضَّ (ديفيد) اليهودي بكارتها، وأفقدها عذريتها.
ثم جسـد "نبيل" المثخن بجراح روحه، كما "حياة" في رواية "مستغانمي"، يشتهي "عايدة" ولا ينالها كما لم ينل "خالد حياة" إلا في خياله، ثم جسد صديقه "أحمد" المجروح روحياً بسبب انتحار زوجته.
وبما أن "عايدة" ترمز إلى الوطن فالجسد هو "فلسطين" وطن تم اغتصابه على أرض الواقع، يكتب "العيلة" قصته ليحفظه على الورق، كما كانت "الجزائر" في رواية "مستغانمي" ومع وحدة الهم، وتماثل الأحداث في كليهما، يغدوان وطناً واحداً، بل تغدو البلاد العربية وطناً يعاني الاغتصاب.
وقد ورد عنوان "ذاكرة الجسد" بتركيب مختلف، عطف كل من جزئية على الآخر، مضافاً إلى ضمير المتكلم للجماعة الفلسطينية، وكأن كلاً منهما موضوع قائم بذاته، مغتصب من العدو "اغتصب وطننا وجسدنا وذاكرتنا"( ).
العنوان في النص
كما في رواية "مستغانمي" يرد العنوان بنصه مرات أربعاً، وفي الفصل الأول، والثاني، والسادس، كما هناك، بينما يرد مستبدلاً كلمة بأخرى ثلاث مرات.
منذ الصفحة الأولى كما في "ذاكرة الجسد" يطالعنا العنوان بتركيب مغاير، "أمسى عين ذاكرتي التي لا أقوى على لجمها أو تحمل غزلها"( )، مشيراً إلى لقائه الأخير "بعايدة". والذاكرة هنا فاعلة كما في العنوان، تغازل "نبيل" الذي يعتبر تدفقها، وسيطرتها عليه غزلاً، وكأنها تتودد إليه، وتداعبه وتقترب منه. هذه الصيغة فقط هي التي توافق بنية العنوان النحوية؛ ففي الصفحة ذاتها نقرأ تركيباً آخر للعنوان "كيف أغازل ذاكرتي"( )، إذ يغدو هو الفاعل والذاكرة مفعولاً به... فهو المتذكر، وغزله سرد لما حدث في ذاك اللقاء، واستعادة للكلمات والمشاعر ما أمكن.
في نهاية الفصل الثاني يرد العنوان بنصية مغايرة، تضفي وضوحاً على المعنى، وشرحاً لغموضه "وطن من كلمات أغازل فيه ذاكرتي الجمعية وأمنيها بحلم التخلص من حالة الفقدان والتلاشي"( ) يخبرنا عن هدفه من كتابة نصه، إذ يجرب فيه، ككاتب، قدرته على رسـم وطن من كلمات .. فالغزل هنا كتابة، والذاكرة تاريخ وطن ومواطنين، يكتبها موهماً نفسه بإمكانية الخلاص، وكأنه بنصه هذا يرد على الفقدان، ويحفر الوطن في نفوس أبنائه.
في الفصل السادس من الرواية، يرد العنوان بتركيب آخر "غزل" كما هي في العنوان، أما الذاكرة فترد نكرة مخصصة بالصفة "غزل يداعب ذاكرة تضيء"( )، وقد وردت هنا بمعنى التاريخ العثماني وفترة حكمه في فلسطين، حيث شق العثمانيون الطرق لما كان المكان لهم، وكانوا رجاله، فتبقى الطريق بعد ذهابهم غزلاً يداعب ذاكرتهم التي تضيء المكان.
وغير هذه المواضع الأربع التي ورد فيها العنوان، يرد في مواضع أخرى بصيغ أخرى مع استبدال أحد طرفيه بمعنى مشابه. ففي الفصل الثالث ترد عبارة "داعبتني الذاكرة"( ) يستعيض فيها عن الغزل بالمعنى المرادف هو المداعبة، حيث الذاكرة فاعل وهو مفعول به كما في العنوان، تداعبه وهو مهاجر عن وطنه، مرتحل إلى المنافي بعد هزيمة 67، فتعيد إلى ذهنه دعاء جده على "عبد الناصر" يوم عرفة متمنياً له الهزيمة كما كسر جماعة "حسن البنا".
في الفصل الثامن نلفي الصيغة ذاتها، بالاســتبدال ذاته،باختلاف الفاعل والمفعول؛ إذ داعب هو ذاكرته، تودد إليها كي تتذكر،حيث كان في سـجن نابلس، الاسم الأول "لأبي المعارك" .."داعبت ثنايا الذاكرة"( ). بينما وفي الفصل ذاته تبقى كلمة غزل، ويكون الاستبدال في الذاكرة؛ إذ جعل الوطن محلها، مؤكداً تفسيرنا للعنوان، وليس أي وطن، بل وطن يرتحل ويغـيب، وربما شـكلت هذه الصيغة " رواية تغازل وطناً يرتحل"( ) مع الصيغة الثالثة للعنوان "وطن من كلمات أغازل فيه ذاكرتي الجمعية" خير تفسير للعنوان الذي عين بـه نصه؛ فليست روايته إلا قصة وطن يغيب، وكأن هـذه الجملة تحديداً هـي خبر لمبتدأ هـو العنوان"فغزل الذاكرة" "رواية تغازل وطناً يرتحل" وطن يكتب تاريخه بنكباته وانتصاراته، بوفاء أهله وخيانتهم معتبراً توقيع اتفاقات السلام في أوسلو 1993 إعلان فقدان رسمي لهذا الوطن.
وبهذا يشكل العنوان دلالاته، ويستجلي غموضه من خلال جسده الذي حمل في طياته الخبر المحذوف، وتكون "غزل الذاكرة" كتابة تاريخ وطن تم فقدانه هو "فلسطين" كما كتبت "ذاكرة الجسد" تاريخ "الجزائر" التي لا زالت تواصل ضياعها على أيدي المحتلين أولاً، وأيدي أبنائها ثانياً، وحيث المرارة واحدة، والألم يعتصر الكاتبين … وثّقاه في روايتين علهما تشيران إليه، وتذكّران بمأساويته.
العنوان الغائب
كما في "ذاكرة الجسد" يستدعي العنوان الحاضر عناوين غائبة .. "غزل النسيان" "غزل الواقع" "ألم الذاكرة"، تساهم في تعميق فهمنا للعنوان الحاضر، وتشكل مفتاحاً لفهم النص ذاته، وهي حاضرة فيه بتفاوت.
يصرح "نبيل"، ومن ورائه "العيلة"، منذ بداية نصه أنه يكتب حفاظاً على ذاكرة وطنه، وحماية لها من الغياب والنسيان، فارضاً على غيره التذكر، جاعلاً من نصه ناقوساً يُقرع" كلـمات أغازل فيها ذاكرتي الجمعية وأمينها بحلم التخلص من حالة الفقدان والتلاشي"( ).. هو مصِّر على الذاكرة، لن يسمح حتى للزمن أن ينسيه حبه "لعايدة" التي هي الوطن بكل ما جرى على أرضه من أحداث "لن أسمح لوطأة الزمن المتقلب أن يجتث من أعماقي هيئتك الحميمية، تأسرني بوعي غير قابل للنسيان"( )، هو رجل الحاضر الذي يحيا بكليته في الماضي( )، أرهقته الذاكرة كما أعيت من قبله "خالد" في رواية "مستغانمي" "اختل أداء الجسم، أرهقته تداعيات الذاكرة والحلم"( ).
مقابل هذا المتشبت بذاكرته، نلفي "عايدة" التي تتنصل منها، تمارس النسيان كما "حياة"، وهي في ذلك كالوطن فهما صنوان؛ يرمز أحدهما إلى الآخر، وطن نسي ذاكرته، شوِّه وتهود، وصار يمثل الآخر" كوطن يحمل شارات حياة غربية، وهوية لا تمت لذاكرته بصلة عربية أصيلة أمسى يمثل الآخر"( )وبهذا تكون "كلمة النسيان" لا تقل أهمية عن الذاكرة في بناء النص.
وكما يقابل النسيان الذاكرة، يقابل الواقع الماضي، فيرفض "نبيل" الواقع، ويعود إلى ذاكرته هرباً منه ليحيا في الماضي( ) كما ظل "محمود الأقطش" يحيا فيه "رجل من الماضي"( ) يرفض الزمن الميلادي حيث المجد اليهودي، ويحيا بالتوقيت الهجري حيث العرب وأمجادهم.
بينما تفضل "عايدة" كما "حياة" الواقع والمستقبل "فالمستقبل أكثر أهمية من الماضي وإرهاصاته فينا"( )، ترى في الذاكرة ضعفاً، فترفض "نبيل" زوجاً لتختار آخر من الحاضر، تنقطع عن ماضيها وتجتث ذاكرة عزيزة عليها" لا يستطيع الإنسان أن يكون وليداً لزمنين متناحرين"( ). تحمل منطق حياة ذاته، تبرر النسيان، وتفلسف اختيارها.
ويشكل عنوان الرواية مفارقة في المعنى والتركيب؛ فبينما توقع القارئ لدى قراءته شيئاً من فرح، ومداعبة، أوحت به كلمة "غزل" بدلالاتها العشقية، يصدمه النص بالمعنى النقيض؛ فإذا به يرسم جروحاً يعمرها القيح، تحفر في النفس ألماً، كما فعلت رواية "مستغانمي"؛ فلم تكن ذاكرة سعيدة في استرجاعها بهجة للنفس، بل كان استرجاعها نبشاً في جروح الماضي، بكل ما تحمله الكلمة من مرارة "ولا كنت أقدر وطأة نبش الذاكرة الحبلى بالمرارة"( ) فبحثه في ذاكرة جده نبش ينكأ جرحه القديم، كما ترد في تركيب آخر في الصفحة المقابلة "وأعمل بذاكراتهم نبشاً وتهديماً بحجة الحفاظ على رمزية الوطن في دواخلنا"( ). فهو إذ يكتب الماضي، ويبحث في ذاكرة أمه وعمه وأهله ينبش دواخلهم، ينكأ جراحهم ويثير ألمهم.
كما لم تكن الذاكرة هي المغازلة الفاعلة دائماً .. فعلى الرغم من طغيانها على نفس "نبيل"، وانصبابها شلالاً عليه كما كانت عند "خالد"، نجدها مفعولاً به غالباً، يقوم باسترجاعها، واستدعائها إلى ذهنه كي لا ينساها.
فقد شكل النسيان والواقع، والنبش حضوراً لافتاً في النص، ودوراً بارزاً في فهم دلالاته.
النص الموازي
لمزيد من فهم العنونة، وتوسيع أفق ذاكرتها التي نتسلح بها في مواجهة النص؛ ندرس النص الموازي أو العتبات "لأنها تتكامل وتتلاقح من أجل توفير دلالة حقيقية للنص"( ) فلم يوضع النص الموازي عبثاً وإنما هو "خطاب مفكر فيه، آثم لأنه الشيء الذي يواجه المتلقي ويرسم انطباعاً أولياً عن ذلك النص، سرعان ما يتوسع أو يتقلص مع القراءة"( ).
وإذا كان النص الموازي وتحديداً " النص المحيط " هو كل ما يتعلق بالمظهر الخارجي لكتاب من عنوان ومقدمة، وعناوين فرعية داخلية للفصول، بالإضافة إلى مقطع من الحكي، أو كلمة الناشر، أو الصورة ..؛ يكون سؤالاً مثل كيف شكل كل من "العيلة" و "مستغانمي" كتابيهما؟ على درجة من الأهمية.
تكتب "مستغانمي" على لوحة الغلاف العنوان أولاً ثم اسمها، وبينهما الإشارة التجنيسية لهذا العمل "رواية"، وفي آخر الصفحة تكتب دار النشر، ثم تواجهنا صفحة صافية كتب في كعبها الأيسر العنوان مرة أخرى، ثم صفحة ثالثة كتب اسم الكاتبة في أولها، ثم العنوان فالإشارة التجنيسية، وبعدها دار النشر.
وإذا كان الإهداء يشي بقصدية المؤلف سواءً في اختيار المهدى إليه أو في اختيار عباراته( )؛ فقد وجهت "مستغانمي" إهداءها إلى كاتب جزائري هو "مالك حداد" ابن بلدتها قســنطينة "الذي أقسـم بعد اسـتقلال الجزائر ألا يكتب بلغة ليست لغته"( ) فأصبح شهيد اللغة العربـية. والإهداء الثاني لوالدها "عسـاه يجد هناك من يتقن العربية"( ) .. وإذا عرفنا أن والدها أيضاً صاحب قضية، ومناضل جزائري، تتأكد لدينا قصدية الإهداء، ونوعية القرَّاء الذين تتمنى لروايتها، أولئك الذين ضحوا من أجل قضية أو وطن.
على الصفحة الخلفية للغلاف يطالعنا رأي نقدي للشاعر "نزار قباني" إذ يكتب بخط يده رأياً له في هذه الرواية، ينم عن إعجاب شديد بصاحبتها، ويشي بتشابه بينهما حد التساؤل فيما إذا كانت "مستغانمي" تكتبه في هذا النص، متمنياً توقيع اسمه تحته. فالنص يشبهه حد التطابق "مجنون، ومتوتر، واقتحامي، ومتوحش، وإنساني، وشهواني، وخارج على القانون". ولا يكتفي ببث إعجابه بل يطلعنا على شيء من فهمه للرواية، فهي رواية "حب وجنس وإيديولوجية، وثورة جزائرية بمناضليها ومرتزقيها، وأبطالها وقاتليها، وملائكتها، وشياطينها، وأنبيائها وسارقيها". معززاً برأيه هذا فهمنا للعنوان الذي يشي بتناقض يجده القارئ في جنبات النص، حيث الذاكرة يقابلها واقع، والمتذكر يقابله ناسٍ.
ثم يؤكد أنها "لا تختصر ذاكرة الجسد فحسب، ولكنها تختصر تاريخ الوجع الجزائري، والحزن الجزائري، والجاهلية الجزائرية التي آن لها أن تنتهي" رأي يحمله القارئ ذاكرة لدى قراءته النص، شهادة تكثف إغواء العنوان، وتدفع المتلقي مسرعاً إلى الصفحات الأولى، إضافة إلى كونها تؤكد الحذف الذي لاحظناه نحوياً ودلالياً، فذاكرة الجسد ذاكرات، وهو ما يؤكده النص لاحقاً.
ولما كان الغلاف "بوابة التناص، والعتبة الأولى من عتباته، تدخلنا إشاراته إلى اكتشاف علاقات النص بغيره من النصوص"( ) يحيلنا غلاف رواية "العيلة" كما أحالنا عنوانها من قبل إلى رواية "مستغانمي" إذ تكاد تتطابق معها في نصها الموازي، مع اختلافات بسيطة ربما تؤكد على تميز كل رواية عن الأخرى، باعتبارها كياناً قائماً بذاته.
فعلى لوحة الغلاف هنا كتب العنوان ثم اسم المؤلف ثم الإشارة التجنيسية "رواية"، بينما كتب العنوان في الكعب الأيسر للصفحة التالية كما هناك، ثم في الصفحة الثالثة، نجد العنوان ثم اسم المؤلف، وبينهما الإشارة التجنيسية، ثم دار النشر، ترتيباً يقابل صفحة الغلاف عند "مستغانمي".
ويصدر "العيلة" روايته بإهداء يشي بغايات نصه، ونوعية من يتوجه إليهم؛ إذ يهديه إلى اثنيـن: والده كما فعلت "مستغانمي" مؤكداً أن هذا الأب لا يقل عنه ثقافة، بل هو الذي علمه "أبجديات تقلب الزمـن" ثم إلى ولده "صالح" الذي أهدى إليه هدوء الأبد. فوالده كما والد "مستغانمي" من رجال الجيل السابق، يهدي إليهم، عرفاناً بصبرهم، نصاً ربما ساهموا في بعض أحداثه.
وكمـا هناك نجد على الصفحة الخلفية للغلاف رأياً لنقاد قرأوا الرواية، وبينما نجد رأي "قباني" وحده هناك، نجد رأياً لناقدين هنا، إضافة إلى فقرة مقتطفة من الرواية سردت على لسـان "نبيل" ووقعت باسم "العيلة"، وفي هذا، كما أشرنا سابقاً، إشارة إلى تطابق السارد والكاتب. يقول "العيلة " "كانت عشرين عاماً من حب وحرب، عشق وكراهية، حضور وغياب لاقيت فيها مـن الخيانة والغدر ما أفقدني القدرة على متابعة واجب الدفاع عنك" من هي التي يدافع عنها؟ وهل ما قام به خلال عشرين عاماً هو ما سجله في نصه؟ وإذا سلمنا بذلك فنحن إذن أمام رواية تجمع بين المتناقضات كرواية "مستغانمي" فيها غدر وخيانة، حب وكراهية.
يوقع تحت الرأي النقدي الأول د. "نادي ساري الديك"؛ إذ يرى أن "العيلة" يبحث في خبايا النفوس الفلسطينية "يستل عن مقلنا ذر الرماد الذي يعيق أبصارنا ويقول بصوت الحقيقة واليقين إن هذه حياتنا في متون قرن من الزمن" ولن تتغير حتى يغير الفلسطينيون طرق تفكيرهم وسلوكهم، فنحن وكما يقول "الديك" أمام نص يكتب تاريخ فلسطين في قرن من الزمان، ويوضح هذا دلالة الذاكرة في العنوان، فهي تاريخ الفلسطينيين جميعاً، كما كانت "ذاكرة الجسد" تاريخ الجزائريين.
ويجهر "فايق مزيد" بإعجابه مشيداً ببراعة "العيلة" كما أشاد "قباني" ببراعة "مستغانمي" معتبراً العمل "نجماً جديداً في مسار الإبداع قارب فيه بين السيرة الذاتية والرواية" وفي هذا إشارة إلى أسلوب الرواية، فكما أشار " قباني " من قبل إلى شعرية رواية "مستغانمي" يشير "مزيد" إلى مقاربة "العيلة" لفن السيرة الذاتية، وهذا يؤكد أن عتبات النص "هي المؤطر لبنائه، ولبعض تداخل طرائق تنظيمه، أي أنها تحمل في طياتها وظيفة تأليفية تحاول كشف استراتيجية الكتابة"( ).
كما يؤكد "مزيد" أن "العيلة" أودع ذاكرته في محار الآخرين، وهي إشارة مهمة لما جاء في النص، تضفي وضوحاً على دلالة العنوان وكأنه يقول أن الذاكرة ذاكرة "العيلة" لكنها تخص الآخرين الذين أسهموا في تشكيلها، فتوجه بها إليهم، يسرد ذاكرة شعبه من خلال ذاكرته أو العكس. إلى أي حد مثَّلت ذاكرته الفلسطينيين؟ إغراء يدفعنا إلى القراءة، كما فعلت كلمات "قباني" فتكتمل للنص الموازي قيمته الإغرائية، يرسخ دافعية للقراءة، ويضفي على العنوان دلالات غاية في الأهمية، وتكون هذه العتبات "الإرشادات التي تهيئ القارئ لتلقي النص وتوجيهه إلى الطريق الصحيح للتلقي، كما أنها، أيضاً، بوابات التواصل التي تمكن القارئ من الانفتاح على تركيب النص وأبعاده الدلالية"( ).





تعليقات حول هذه المقاله
العنوانالكاتبوقت الإضافه

تصويت
ما رأيك بالموقع ؟
ممتاز
جيد
مقبول
سيء
نتائج التصويت

حجة بالوان العصر


لوحاتي




كتاباتي

غزل الذاكرة
زمن المرايا
وطن العنقاء
كثبان الذهب الأسود
أبو علي إياد
تأملات مصطفى صبري
الأولاد والشمس
إنشطار الذات
معركة النفق
مكانة القدس
جدار الفصل العنصري
وطني ليس حقيبة
إمبراطورية النفايات
قراءات أمنية
امرأة لا تغار
صراع لا يموت
أصحاب الملايين
صوت الذاكرة


الساعة

صدر حديثا


 
Qalqilia NetWork