إبحث عن:    
القائمة الرئيسيه
صفحة البداية
القصة القصيرة
القصص والروايات
دراسات و ابحاث
المقالات والترجمات
الكاتب يوسف العيلة
معرض الصور
شاركنا رأيك
English Site

تسجيل الدخول
إسم المستخدم:

كلمة المرور:


تسجيل
هل نسيت كلمة المرور

المقالات الأكثر قرائة
1 من الممات إلى البعث .... نظرة إسلامية تقليدية
2 تأملات - الفصل الخامس : موروثات
3 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المصادر والمراجع)
4 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المقدمة)
5 الإسلام دين الفطرة الإنسانية

الكاتب يوسف العيلة


جديد الروايات

 

صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في رام الله دراسة بحثية بعنوان " لسانيات الخطاب الشعري المعاصر ، ليليان بشارة - منصور نمرذجاً " للروائي يوسف العيلة . تضئ الدراسة بعضاً من واقع اللغة العربية في الداخل الفلسطيني . ويقع هذا الإصدار في مئة وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، وهو السابع عشر في سلسلة إصدارات يوسف العيلة النقدية والروائية .


قراءة المقاله



تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (الفصل الثاني)
كتبت بواسطة: يوسف العيلة - el 05/11/2005 - 3289 زوار        


(التأثير والتأثر في تقنيات السرد الروائي واللعب الروائي)
* تقنيات السرد عند مستغانمي
- ذاكرة الجسد
- فوضى الحواس
- عابر سرير
* تقنيات السرد عند العيلة
- غزل الذاكرة
- زمن المرايا
* اللعب الروائي عند مستغانمي
* اللعـب الروائي عند العيلـة

يشـكل السرد وتقنياته ثاني محطات التأثير والتأثر بين "مستغانمي" و"العيلة"؛ فتشابه البناء الشكلي في "ذاكرة الجسد" و"غزل الذاكرة"، وتقنيات السرد فيهما من سارد، ومسرود له، ولعبة ضمائر، وما يلي ذلك من لعب روائي بدا جلياً عند كليهما، يغري المرء بمعرفة المزيد عن البنية السردية في أعمالهما، وتحليل جزئياتها، ليجد في ذلك متعة العثور على أشياء افترضها مسبقاً.
فالبحث في تقنيات السرد عند "مستغانمي" ومن ثم عند "العيلة"، لتجلية عناصر التأثير والتأثر، والامتداد بالدراسة إلى الأعمال الأخرى لكل منهما، ونعني الروايات الخمس، مع الإشارة إلى بعض روايات فلسطينية وعربية، اتخذت أسلوباً وصيغاً مثيلة، يشكل مادة هذه الجزئية من الدراسة.
ضمير المخاطب في روايات فلسطينية وعربية
تتخذ "مستغانمي" ضمير المخاطب صيغة سردية لروايتها "ذاكرة الجسد"، وتمارس، في بقية الروايات، لعباً روائياً واسعاً، وهما أمران سبقها إليهما آخرون، وقد ارتأينا – قبل تفصيل الحديث عن تقنيات "مستغانمي" السـردية، وأساليبها الروائية، وانعكاس ذلك على "العيلة" – أن نشير إلى بعض روايات فلسطينية وعربية، سبقت أعمال "مستغانمي" و"العيلة" زمنياً، واتخذت من ضمير المخاطب صيغة سردية، ومارست لعباً روائياً معيناً، وذلك لطرح تساؤل يلح علينا، فيما إذا كانت "مستغانمي" قد اطلعت على هذه الأعمال، أم أنها قرأت الروايات الفرنسية، نظراً لإقامتها هناك فترة من الزمن، واتساع ثقافتها الفرنسية؟ أم كان استخدامها لهذا الضمير مجرد رغبة في التجديد، أو حاجة سردية ملحة؟ فرغم كون هذا الضمير هو الأقل وروداً، ثم الأحدث نشأة في الكتابات السردية المعاصرة( ) لم يكن وليدها، ولم تكن فرنسا أول من أوجده، كما يرى بعض النقاد؛ إذ يعتبرون (ميشـــال بيطور)، في روايته "العدول" أو "التحوير"، أول من وظَّفه؛ ذاك أنه استخدم، كما يؤكد "مرتاض"، في السرد الإنساني القديم، وتحديداً في "ألف ليلة وليلة" في نسختها العربية، وإن كان المعاصرون هم الذين أعطوه وضعاً جديداً ( )؛ فغدا غريماً لضميري الغائب والمتكلم( )، واستخدمه، بالتالي، الروائيون العرب.
يقف الكتاب النثري "يوميـات الحزن العادي" لـ "محمود درويش"، في طليعة الأعمال الأدبية المشار إليها؛ إذ صدرت طبعته الأولى عام 1973، يوحد فيه "درويش" بين المخاطِب والمخاطَب، مدللاً على ذاته لا غير، إلا في حالات قليلة، يخاطب فيها آخر، في حوار قصير، يعود بعده لمخاطبة ذاته، ملتزماً صيغة الفعل المضارع، موهماً القارئ بآنية الأحداث "تمشي في الشارع، تجلس في مقهى"( ).
ويوظف "إميل حبيبي" في روايته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشـائل" 1974، الضمير ذاته، ويجعل روايته رسائل يوجهها "سعيد" إلى قارئ يختاره لينشرها له، محافظاً على صيغة الخطاب: يا محترم، يا أستاذ، يا معلم … "فأنا اخترتك لتروي عني أعجب عجيبة"( )، ونستمع في آخر الرواية إلى المخاطَب يحدثنا عن "سعيد"، وليس المخاطِب والمخاطَب إلا " إميل حبيبي"( ).
كما يبدو اللعب الروائي جلياً في رواية " خرافية سرايا بنت الغول "إميل حبيبي" 1991، إذ نستمع إلى صوت السارد يروي عن البطل بالغائب، ثم نستمع إلى البطل يروي عن ذاته بالمتكلم، علماً أن السارد والبطل والمؤلف شخص واحد( ).

ويضطلع البطل هنا، كما سنرى في روايات "مستغانمي" و"العيلة"، بدور المؤلف، مؤكداً كتابته لهذه الخرافية "وأستمر في هذه "الخرافية""( ). كما يتلاعب بالضمائر، فيأتي عليها جميعاً، مدللاً على شــخصه، إضافة إلى تناصه مع أعماله السـابقة، وهـو مـا تفعله "مستغانمي" و"العيلة"، فيشـير البطل إلى مقالات وقصص وروايات للمؤلف "حبيبي" معلناً نسبتها إليه، مؤكداً تاريخ صدورها في الهوامش، ومن ذلك " وكتبت قصــة النورية "( )، و"قصتي الأولى في هذه الدولة "بوابة مندلباوم"( )، و"شرعت في كتابة" المتشائل""( )، ويشير إلى مقالة له بعنوان "جراب الكردي"( ).
ومن أمثلة اللعب الروائي أيضاً، ما يصنعه الروائي الفلسطيني، "جبرا إبراهيم جبرا" في روايته "يوميات سراب عفان"، 1992، إذ يظهر كل من البطلة "سراب" والبطل "نائل عمران" سارداً للرواية ومؤلفاً لها في آن، تضطلع هي بسرد الفصول (1، 3) مؤكدة كتابتها ليومياتها، التي نطلع عليها كجزء من الرواية، ويتوافق ما تصف به هذه اليوميات مع ما تسرد؛ إذ تؤكد فيها على مزجها بين الواقع والخيال( )، وهي فيما تسـرد تتخيل لقاءها بـ "نائل عمران"، وتضرب مواعيد في الخيال، منتظرة تحققها، لتعلن، من ثم، تحول الخيال إلى واقع معيش( )، كما تفعل "مستغانمي" في "فوضى الحواس"، كما تؤكد في يومياتها أنها لا تكتب إلا عنه وعنها، وهذا هو ما تسرده( ).
ويسرد هو الفصول (2، 4)، يتحدث فيها عن قصة كتابته للرواية "الدخول في المرايا"، وهو إذ يتحدث عن تقنية السرد فيها( )، نتأكد أن "الدخول في المرايا" هي "يوميات سراب عفان"؛ إذ أدخل فيها "سراب" بطلة( ).
كما يشير إلى نص كتبه "جبرا" وهو "صراخ في ليل طويل"، لعله بذلك يعلن تطابقه معه( ). وكأن كلاً من "نائل وسراب" كاتب للفصول التي يسردها، وكأن الرواية جزءان جمعا في نص واحد، علماً أن كاتبها هو "جبرا" لا غير.
وفي رواية "تداعيات ضمير المخاطب" 1993، يوظف كاتبها "عادل الأسطه"، في عمل روائي، الصيغة التي وظفها "درويش" في كتاب نثري؛ إذ يوحد بين المخاطِب والمخاطَب، ويصوغها بالفعل المضارع من أولها لآخرها( ).
ويمكن أن ندرج هنا رواية "ثرثرة فوق النيل" لـ "نجيب محفوظ" 1966، إذ تقرر فيها "سمارة بهجت" إحدى الشخصيات، كتابة مسرحية عن أشخاص الرواية، وتبدأ بتدوين الملاحظات، ووضع المخطط والهدف، كما تصف الشخوص ونفسها بالصفات التي وردت لهم في الرواية( )، وكأن الرواية هي المسرحية التي تتحدث عنها.
نشير إلى هذه النصوص – ابتداءً – لطرح تساؤلنا فيما إذا قرأت "مستغانمي" لهؤلاء، وبالتالي كان التأثير والتأثر متبادلاً، فهل تأثرت "مستغانمي" بكتّاب فلسطينيين هم هؤلاء، أولاً، ثم أثرت بالتالي في"العيلة" ثانياً؟ومما يزيد تساؤلنا مشروعية كونها قارئة جيدة لـ "درويش "؛ إذ تتناص مع أشعاره فـي رواياتها الثلاث، وتذكر اسمه وبيتاً مـن شعره فـي "فوضى الحواس"( ).

"ذاكرة الجسد"
البنية الشكلية
توزع "مستغانمي" روايتها (404) صفحة، على ستة فصول، غير معنونة، مكتفية بالترتيب العددي لكل فصل، ونظراً لتكسر السرد، وانعدام تسلسله، ينهض كل فصل بجانب من القصة، مع إشارات متفرقة إلى جوانبها الأخرى على سبيل الاسترجاع والاستباق.
وتختلف أحجام الفصول، فيقترب الأول (42) صفحة من السادس (53) صفحة، ويقترب الثالث (92) صفحة من الرابع (86) صفحة والخامس (83) صفحة، ويكون الفصل الثاني أقصرها (33) صفحة.
كما تقترب بدايات هذه الفصول ونهاياتها إلى حد التشابه؛ إذ تبدأ الستة وتنتهي بجمل فعلية، مع اختلاف في كونها فعلية استدراكية، أو منفية، أو استفهامية …، ولعل اختيار الجمل الفعلية وما تحمله الأفعال من دلالات على الفعل والحركة، يتناسب مع كون الرواية – في مجملها – فعل تذكر من الراوي، لفعل جرى في الزمن الماضي.
وعلى الرغم من انعدام تسلسل الأحداث، يمهد كل فصل لما يليه، وينتهي بعبارات تحمل بذور أحداث، تزود القارئ بشحنة تشويق، تصحبه للفصل التالي.
وتنتهي الرواية نهاية دائرية مفتوحة، تتمثل في لملمة السارد لأوراق روايته، الأوراق التي طالعنا بها ، في بدايتها ، منثورة أمامه، تحتاج بعض إضافات. ولا ندري ما سيفعل بها، في حين تنشر "مستغانمي" روايتها.
الصيغة السردية
تتخذ "مستغانمي" الـ أنا/أنت صيغة سردية لروايتها؛ إذ تختار راوياً رجلاً هو " خالد بنطوبال " على اعتباره نفساً مدركة "ترى الأشياء وتستقبلها بطريقة ذاتية تتشكل بمنطلق رؤيتها الخاصة"( )، يروي بضمير المتكلم الذي هو "شكل سردي متطور، وقد تولد، غالباً، عن رغبة السارد في الكشف عما في طيات نفسه للمتلقي؛ عن تطلع إلى تسجيل ذكرياته على قرطاس ليلم عليها الناس"( )، ولما لهذا الضمير من سمات تجعله أقدر تعبيراً عن الذات، وأكثر التصاقاً بها، إذ يحيل على مرجعية جوانية( )؛ كان أكثر ملاءمة لسارد هو في الوقت ذاته شخصية محورية، يقدم نفسه كمؤلف لهذه الرواية، وكأنه يكتب ما يسرده، أو يسرد ما يكتبه، ليكون مع آخر سطر قد شكل كتاباً هو "ذاكرة الجسد". ولأنه يتوجه بسرده إلى ذات ماثلة في النص هي "حياة"، محدداً هويتها، تاركاً لها التعبير عن ذاتها بلسانها أحياناً، يستخدم الأنت الذي " لا يستطيع إبعاد شبح "الأنا" من الشريط السردي، بل لعله لم يزده إلا مثولاً وبروزاً، فكأنه ترجمة له من جنس لغته"( )، طالباً منها قراءة الرواية من ألفها إلى يائها؛ فالسرد قائم من أجلها، ولولا ما سببته للسارد من ألم ما قام بسرد روايته، ولا بتأليف كتابه "فاقرأي هذا الكتاب حتى النهاية"( ). ويغدو النص بذلك رسالة يتوجه بها إليها، مشيراً إلى تقنية سرده، مؤكداً ما نذهب إليه "ليست الروايات سوى رسائل وبطاقات، نكتبها خارج المناسبات المعلنة، لنعلن نشرتنا النفسية لمن يهمهم أمرنا"( ).
من هو السارد، وما هي نشرته النفسية التي سيطلعنا عليها؟ ثم من هي هذه التي يكتب من أجلها؟ وهل يحافظ كل من المخاطِب والمخاطَب على أدوارهما، أم يعكس الضمائر، ويراوح بينها؟ وما دلالة هذا إن وجد؟ من أية زاوية ينظر الراوي، كيف يرى الأحداث، ما علاقته بالشخصيات؟ هذا ما سنتناوله بتفصيل يهدف إلى إيضاح تقنيات "مستغانمي" السردية في هذه الرواية.

السارد
تصطنع "مستغانمي" سارداً رجلاً، لتكشف به عالم قصتها، الأمر الذي جعل البعض يتهمها بعدم كتابتها للرواية( )، بيد أنها، وفي رواية "فوضى الحواس" تؤكد معرفتها التامة لهذا الرجل، فلا تفترق عنه إلا في الجنس، والعاهة، مبررة، ربما، بهذه المعرفة إمكانية سردها من خلاله، وتقمصها شخصه؛ إذ تعرف دواخله، ودقائق شعوره "رجل أعرف كل شيء عنه، كما لو كان أنا. ولم تفصلني عنه سوى الرجولة، وجسد شوّهت الحرب ذراعه اليسرى"( ).
سارد يعلن عن رغبته في كتابة رواية يسجل فيها فشله العشقي، وخيباته الوطنية وقد تجاوز الخمسين من عمره "الكتابة بعد الخمسين لأول مرة ... شيء شهواني وجنوني وشبيه بعودة المراهقة"( )، يكتب لينسى، فتزداد ذاكرته ثقلاً، هو "خالد بن طوال"، مناضل جزائري، فقد ذراعه في حرب التحرير، وسجن في السجون الفرنسية والجزائرية، درب على الرسم كي ينسى، فصار من كبار الرسامين الجزائريين( )، عمل بعد حرب التحرير محرراً في وزارة الثقافة، رافضاً كل المناصب الأخرى، ولما اكتشف تحوله إلى شرطي حقير، يتجسس على الكلمات( )، قرر السفر إلى باريس، رافضاً الجلوس على مبادئه، وهناك يلتقي بـ "حياة" التي عرفها طفلة، وأحبها صبية، مثقف تشجيه أخبار الوطن، ويثقله الحزن الذي يرفض تقاسمه مع غيره( ).
مازوشي وصل بمرارته وخيباته حد الطمأنينة والسعادة( )، بطل إشكالي في خلاف مع مجتمعه، مع من يحب، حتى مع نفسه، مسكون بالتناقضات، شديد النقد لمجتمع صار يخجل فيه من عاهته، يخفيها وكأنه يعتذر لسارقي الوطن. قارئ لروايات المرأة التي أفرط في عشقها، وعشق قسنطينة، لكنه يفاجأ بالذاكرة، فيتنكر لكل شيء، يقلع عن حب الجسور، وقسنطينة و"حياة"( ).
إضافة إلى صوته، نستمع إلى صوت بعض الشخصيات، التي تراوح الكاتبة في رسمها بين الطريقة التحليلية والتمثيلية( )، فتترك المجال مثلاً لـ "حياة" كي تروي عن ذاتها، كذلك "زياد"، و"سي الشريف" … وذلك في حوار لا يرتقي إلى مستوى السرد، تعبر فيه الشخصيات عن داخلها، ولهذا دلالته، إذ تصور "مستغانمي" السارد مثقفاً، عانى من القمع السياسي والثقافي، فضَّل الغربة على قيود الوطن، فلا عجب من بطل كهذا أن يترك للآخر فرصة التعبير عن رأيه، ومحاورته حتى لو اختلف معه.
المسرود له/المروي عليه
يتوجه "خالد" بسـرده إلى امرأة لا تقل عنه ثقافة وحزناً، تفوقه، فقط، قدرة على التجاوز والنسيان "تتجاوزين الجراح بالكذب"( )، ماثلة في النص، وركن أساسي فيه حيث إن السرد "لا يستلزم راوياً واحداً على الأقل فحسب، بل يستلزم أيضاً مروياً عليه"( )، وقد ظهرت مروياً عليها مطلوباً منها أن تطّلع "على الأحداث بالقراءة من الصفحة الأولى إلى الصفحة الأخيرة"( )، "فاقرأي هذا الكتاب حتى النهاية، بعدها قد تكفين عن كتابة الروايات الوهمية، وطالعي قصتنا من جديد … دهشــة بعد أخرى، وجرحاً بعد آخر"( )، هي سبب مأساته، نتعرف عليها من خلاله، ومن أقوالها وأفعالها، يطلعنا على صفاتها الشــكلية "كنت فتاة عادية، ولكن بتفاصيل غير عادية، سـر ما يكمن في مكان ما من وجهك ... ربما في جبهتك العالية وحاجبيك السميكين والمتروكين على استدراتهما الطبيعية، وربما في ابتســامتك الغامضة و...." ( ).
هي ابنة الشهيد "سي الطاهر" من قواد حرب التحرير، لها أخ اسمه "ناصر" تكبره بخمسة أعوام، روائية تحترف قتل عشاقها في كتب، ولها فلسفة خاصة في الكتابة( )، تعشق قصص الحب ثلاثية الأطراف، فعلى الرغم من حبها لـ "خالد" تحب صديقه "زياد"، وتتزوج من رجل عسكر خائن، تبرر خيانتها باعتبار زواجها هروباً من ذاكرة لم تعد صالحة للسكن( )؛ فيصب عليها "خالد" جام غضبه، واصفاً إياها بالخيانة، والمراوغة، وتغيير ذاكرتها دون جهد مثل الوطن.
لعبة الضمائر
بما أنه "ليس نادراً أن يكون المروي عليه راوياً في الوقت نفسه"( )، يتبادل كل من المخاطِب والمخاطَب مواقعهما في الرواية، وينتج عن ذلك مستويان من السرد، يتولى "خالد" زمام المستوى الأول والرئيسي، متوجهاً به إلى "حياة"، وقد تم ذكر العديد من الأمثلة عليه في سياق الحديث عن الراوي والمروي عليه، نتجنبها تلافياً للتكرار.
فيما يشكل حديث الشخصية عن ذاتها، في معرض الشكوى للآخر، مستوى سردياً ثانياً وثانوياً، يضيء جوانبها من الداخل، ويسمى بالحكاية (حكاية الشخصية) داخل الحكاية العامة للرواية( ).
ويأتي هذا المستوى في سياق الحوار هنا، لكنه حوار يطال الكثير من أسرار النفس، وتجاربها، حيث تغدو "حياة" مخاطِبة، ويتحول "خالد" إلى مخاطَب، وأمثلة هذا المستوى السردي ليست كثيرة في الرواية، فمثلاً تتولى "حياة" السرد عن ذاتها معظم الصفحات من 103-111، محدثة "خالد" عن أحاسيسها الداخلية "يهمني أن أعرف شيئاً عن أفكاره"( )، وعن عمها( )، وناصر( )، كما تسرد قصة جدتها( )، ثم قصة زواج أمها من أبيها( )، وعن حبها لـ (زوربا) وقصصه "أتدري أنه الرجل الذي أثر أكثر في حياتي؟"( )، كما تبث آراءها حول الفنان والملهم، والروايات، ووظيفة الكاتب( ). وعلى الرغم من قلة الحديث المنسوب إليها، إلا أنه موجود يتسع في الجزء الثاني "فوضى الحواس" حيث تستلم هي زمام السرد.
ولا يتوقف الأمر على تبادل المواقع، بل يمتد إلى استخدام السارد للضمائر كافة، وتنقله بينها؛ ذاك أن أسلوب السرد الذاتي، وهو الغالب على هذه الرواية، "ينفتح على جميع الضمائر"( ). فيستخدم السارد، إضافة إلى ضمير المتكلم، ضميري الغائب والمخاطب، مدللاً على ذاته لا غير، بل يراوح ويمازج بينها حتى لنجد ضميرين في فقرة واحدة، ومن أمثلة ضمير المخاطب، إذ يناجي البطل نفسه"هناك جرائد تبيعك نفس صور الصفحة الأولى … ببدلة جديدة كل مرة"( ). ومن مزجه بين المتكلم والمخاطب "وأقول وأنا أضع عليه حزمة الأوراق التي سودّتها في لحظة هذيان ... "حان لك أن تكتب ... أو تصمت إلى الأبد أيها الرجل"( ).
وعلى الرغم من اسـتخدامه ضمير الغائب للحديث عن الشخصيات الأخرى، "سي الطاهر"، "زياد"، "أما الزهرة"...، يشير به إلى ذاته، محولاً الأنا إلى الهو " ما أتعس أن يعيش الإنسان بثياب مبلّلة ... خارجاً لتوه من مستنقع..." ( ).
ولا يقتصر هذا التحول على السارد، بل يمتد إلى المسرود له "حياة"؛ إذ يتحول بها من الحضور إلى الغياب "يا امرأة كساها حنيني جنوناً، وإذا بها تأخذ تدريجياً، ملامح مدينة وتضاريس وطن"( ).
بيد أن هذا التنقل الدائم بين الضمائر، الذي تعج به الرواية، أمر مبرر، وليس مجرد لعبة شكلية، بعيدة عن المعنى؛ فالسارد يتحدث عن ذاته بالأنا، لدى مكاشفته "حياة" بكل خلجات نفسه، عارضاً أمامها جراحه، غير آبه لبشاعتها، ذاك أن ياء المتكلم "تتيح للسارد الحديث من الداخل، وتجعله يتعرى في صدق وإخلاص وبساطة أمام الفعل السردي، أو أمام المسرود له"( ).
ويجرد من ذاته أخرى يخاطبها، لدى اشــتداد حزنه ووحدته، وذاك بعد انتهاء قصته مع "حياة"، وعودته لحضور جنازة أخيه، ليجد نفسه وحيداً، وقد مات الصديق "زياد"، والأخ" حسان"، ومات الحب بزواج "حياة"، فليس أمامه إلا أن يحادث ذاته في مونولوج داخلي مسموع.
ويحول السارد نفسه إلى غائب، بضمير يحيل إلى الموضوع( )، لتحويل قصته من ذاتية إلى موضوعية، تخص الإنسانية كلها، وكأنه من خلال ذاته يعبر عن البشر جميعاً، معلناً ذوبانه في الزحام الآدمي، وغيابه في ضبابه. ويؤكد هذا استخدامه لضمير الجماعة " للمتكلمين " فهل تزحف الشيخوخة هكذا نحوناً( ).
إذن ... يصير السارد في هذه الرواية، مسروداً له، والمسرور له سارداً، ويعبر السارد عن ذاته بكل حالاتها حضوراً وغياباً، لعظم معاناته، وكبر همه.
زاوية الرؤية
تتخذ "مستغانمي" من ثنائية الرؤية تقنية سردية؛ لترتقي إلى مستوى المحكي، الذي يصور وجع شعب بأكمله، لا سيما وأن زاوية الرؤية هي "التقنية المستخدمة لحكي القصة المتخيلة، وأن الذي يحدد شروط اختيار هذه التقنية دون غيرها، هو الغاية التي يهدف إليها الكاتب عبر الراوي"( ).
فبينما يؤطر المنظور الذاتي روايتها، جاعلاً منها محكياً ذا تبئير داخلي بمفهوم (جيرار جنيت)( )، حيث السارد بطل تتمحور حوله الأحداث، ومنه تصدر، يجاوره المنظور الموضوعي، ذلك أن "المنظور الذاتي يتحول من شخصية إلى شخصية ومن ذاتي إلى موضوعي فإذا نظرت شخصية (أ) إلى شخصية (ب) فالمنظور بالنسبة إلى (أ) ذاتي وبالنسبة إلى (ب) موضوعي لأننا نرى (أ) من الداخل و(ب) من الخارج"( ).
وعلى الرغم من تمازج المنظورين يبقى الذاتي هو الأغلب في رواية تقترب من البوح الاعترافي، لبطل بلغ بتناقضه حد الحقيقة، فكان الأكثر شقاءً وحزناً، وهو يرى الموازين تقلب، والمعايير تختلف، ولعل ما يخبرنا به من دقائق شعوره، وأحزانه، وأشواق روحه وجسده، وما يعتمل في نفسه من تساؤلات يحتار في إجاباتها، هو الشيء الذي تجهله "حياة"، في قصة تعرف عنها الكثير؛ إذ كانت أحد طرفيها، لهذا يعلن أنه ينوي إدهاشها "فلا مقياس عندي سوى مقياس الألم، ولا طموح لي سوى أن أدهشك أنت، وأن أبكيك أنت، لحظة تنتهين من قراءة هذا الكتاب"( )، ولا مجال لحصر أمثلة السرد الذاتي؛ فجلّ الرواية من هذا القبيل "لحظتها شعرت بهول ما حل بي، وأنا أمد نحوك يدي الفريدة في محاولة للإمساك بك"( ).
إضافة إلى منظور "خالد" الذاتي، يطالعنا المنظور الذاتي لـ "حياة"؛ حيث تتولى السرد عن ذاتها، في حيز ضيق كما أشرنا سابقاً، " يحدث أن أشعر أنني ابنة لرقم فقط، رقم بين مليون ونصف رقم آخر"( )، ولعل حديثها عن ذاتها يجعل السرد ذاتبئير داخلي متنوع كما يسميه (جيرار جينيت) ( )؛ حيث يبدأ السرد مبأراً على شخصية "خالد"، ينتقل بعدها لشخصية "حياة" ليعود إلى "خالد".
وبينما يكون حديث "خالد" عن ذاته داخلياً ذاتياً، يكون حديثه عن غيره موضوعياً خارجياً، كحديثه عن "زياد" إنه إنسان متقلّب، مفاجئ، لن يفهمه أحد ولن يجد أحد مبرراً لسلوكه"( )، وعن "سـي الطاهر" "كان والدك رفيقاً فوق العادة … وقائداً فوق العادة"( )، وعن "حسان" "كان يحضر لزيارتي من سنة إلى أخرى، لكي يطمئن علي وليشتري بالمناسبة بعض لوازم عائلته التي ما فتئت تكبر وتتضاعف"( )، وعن "حياة" التي رغم حبه الجم لها، وقدرته على تفسير شخصها، يظل حديثه خارج نطاق شعورها، معتمداً على ما يرى ويسمع، وما يحسه كعاشق، فيكون حديثه خارجياً، على الرغم من انطلاقه من وجهة نظر ذاتية "ها أنت ذي تتقدمين كأميرة أسطورية، مغرية شهيّة، محاطة بنظرات الانبهار والإعجاب .. مرتبكة .. مربكة، بسيطة .. مكابرة .."( ).
ولعل تجاور النظرة الذاتية والموضوعية، يتفق مع الطريقة التي نتعامل بها في واقع الحياة حيث "إننا نعرف أنفسنا من الداخل، ونحن إلى حد ما عليمون بأنفسنا أما الآخرون فإننا مجرد مشاهدين لهم، وكل ما نستطيعه هو أن نخمن دوافعهم من أفعالهم وسلوكهم، إذ لا سبيل لنا إلى الوقوف على ما في داخل عقولهم"( ). فهل أرادت "مستغانمي" أن تقترب من طبائع البشر، وما فطروا عليه، لتقنع القارئ بواقعية ما تروي، وتجعله يدخل رواياتها كمتفرج على الحياة؟؟
مستويات السارد
ولما كان اختلاف زاوية الرؤية، يفترض اختلاف مستويات السارد؛ وجدنا أكثر من مستوى له في هذه الرواية، فمن سارد يعرف أكثر من الشخصية، إلى سارد ذي نظرة مصاحبة، حيث علمه مساو لعلمها، إلى سارد تقل معرفته عن معرفتها. وبما أن السرد متكسر؛ وزعت هذه المستويات على صفحات الرواية، حتى لنرى في صفحة نوعاً، وفي التالية نوعاً آخر.
ففي بداية السرد، يظهر "خالد"، وقد فاقت معرفته معرفة "حياة" عن ذاتها؛ حيث يعرف عن ماضيها، ولادتها وطفولتها، تسميتها باسمين، بطولة والدها واستشهاده … أكثر من علمها هي، فتتعلق به لتعرف ما تجهله" كيف أشرح لك في لحظات أنني أعرف الكثير عنك، أنا الرجل الذي تقابلينه لأول مرة"( ) و "كنت أنا الماضي الذي تجهلينه، وكنت أنت الحاضر الذي لا ذاكرة له، والذي أحاول أن أودعه بعض ما حملتني السنوات من ثقل"( ).
ويطور علاقته بها، ويتحول من وصي يحمل أمانة تسجيل اسمها، إلى عاشق يضرب المواعيد، فيتساوى علمه مع علمها، ولا يعرف عنها إلا بمقدار ما تعرف عن ذاتها في تلك العلاقة، ويعيشان قصة حبهما في رؤية متصاحبة، يخبر كل منهما الآخر بما يعرف، وبما يشعر، فهو يعرف رغباتها "سأحدثك عن زياد، أما كنت تحبين الحديث عنه وتراوغين؟" ( )، كما يؤكد معرفته لأمور لا يعرفها سواهما "وحدي أعرف قصتك التي لن تصدر يوماً في كتاب. وحدي أعرف أبطالك المنسيِّين وآخرين صنعتهم من ورق"( )، ويؤكد أن ما تبوح له به هو مصدر علمه، ففي بداية حديثها عن (زوربا) ظن بها قلة دراية بالرجال، أو قلة ثقافة "أدهشني اعترافك. فكرت إما أنك لم تعرفي كثيراً من الرجال .. أو لم تقرئي كثيراً من الكتب"( )، ولما استمرت تدلي بالكثير عنه، أعلن دهشته أمام ثقافتها. "كنت أستمع إليك بانبهار وبمتعة"( ).
ويتحول بعد دخول "زياد" طرفاً ثالثاً في قصتهما إلى سارد لا يعرف عن شخوصه الكثير، بل يغدو مراقباً، يجمع الأقوال، ويتابع الأفعال، يحللها محاولاً معرفة حدود تلك العلاقة روحاً وجسداً "إلى أي حد ستذهبين معه .. وإلى أي حد سيذهب هو معك"( )، ويراقب تصرفاته "كان إذا غير زياد بدلته، شعرت أنه يتوقع قدومك"( )، وتزداد حيرته أمام جهله، فتكثر تساؤلاته "ولكن كيف لي أن أعرف درجات جنونه هذا؟ من أين آتي بمقياس للزلزال، أعرف منه ما يحدث في أعماقه بالتحديد؟"( ). و"هل انفرد بك حقاً .. أمررت على جسده شفتيك .. أأشعلته .. أتوحد فيك .. وهل..؟ ( )" وتزداد حيرته وشكوكه لدى قراءته شعر زياد( ). كما يبدو في عبارة واحدة عارفاً وغير عارف "كنت أحاول أحياناً استدراجك للحديث عنه، عساني أصل إلى نتيجة تساعدني على تحديد القواعد الجديدة للعبة .. والتأقلم معها. وكنت تراوغيني كعادتك. كان من الواضح أنك تحبين أن أحدّثك عنه، ولكن دون أن تبوحي لي بشيء"( ).
فبينما يظهر في العبارة الأولى جاهلاً بحدث تم في أثناء غيابه، يظهر في الأخيرة عالماً بطبيعة "حياة" وقدرتها على المراوغة.
يبد أن هذا التنوع في مستويات السارد، يبدو مبرراً، غير مفروض على الرواية قهراً؛ فمعرفة "خالد" التي تفوق علم "حياة" عن ذاتها تبررها الأحداث؛ إذ عرف والدها بطلاً وإنساناً، وشهيداً، ثم عرف قصة ولادتها، وقد تم ذلك قبل نضج إدراكها. وحين يلتقي بها، وتنشأ علاقة حب بينهما، ويتحاوران، تكون رؤية السارد المصاحبة للشخصية، وعلمه المساوي لعلمها مبرراً. كما أن تحوله إلى سارد لا يعرف عن شخوصه إلا القليل، مكتفياً بالمراقبة والتفسير، مقتفياً الآثار كمن يحقق في جريمة، يبرره غيابه وعدم وجوده أصلاً؛ فلم يكن معها في باريس أيام دراستها، ولا بعد أن تركها طفلة وسافر إلى باريس، ولا يوم سافرت في إجازتها إلى الجزائر، ولا يوم أحبت "زياد" وسافر هو إلى غرناطة مدة عشرة أيام.
فليسـت القضية شكلية جمالية، بقدر ما هي تقنية فرضها المضمون؛ فكان التنقل الدائم بين الضمائر، واختلاف علاقة السارد بشخوصه، ينم عن حيرته، وعجزه عن لملمة ذاته، وتنظيم فكره، وتأكيداً على أنه يمتح من تيار وعيه، عاكساً بذلك حيرة الروائية "مستغانمي"، ومن ورائها المواطن الجزائري أمام ما يجري.
علاقة أنا الراوي بـ أنا المروي
يجعل "خالد" من حياته موضوعاً لسرده، ولا يروي عن الآخرين إلا بالقدر الذي يضيء جوانب ذاته، فتكون أنا الراوي هي ذاتها أنا المروي، وهو إذ يسرد بضمير المتكلم في الخمسين من عمره، يسترجع، من خلال ذاكرته، أحداثاً جرت منذ طفولته، مروراً بمراهقته، ثم شبابه ونضجه، منتهياً حيث بدأ.
ولأن الراوي بضمير الأنا "بطل يروي قصته، لكن هذا الراوي ليس، مع مسافة الزمن، هو تماماً البطل: ذلك أن الراوي هو من يتكلم في زمن حاضر عن بطل كأنه هو الراوي وقد وقعت أفعاله في زمن مضى"( ). وأن هناك مسافة "بين ما كانه الراوي وما غداه البطل"( )، وهي مسافة تنهض على الذاكرة، يصنع "خالد" من شخصه الذي كان، بعد ما جرى له من تحول، بطلاً، و"لولا هذا الاختلاف الذي طرأ على الشخصية لما كان من سبب يدفع الراوي لأن يروي عن نفسه"( )، فلولا تحوله من مناضل يفخر بجرحه، إلى معطوب حرب يخجل من ألمه، ومن وصي على طفلة، إلى عاشق لها، ثم ضحية لخيانتها... لولا هذه الأحداث التي آلمته حد الكـيّ، لما كان من داع لأن يروي قصته، متحدثاً عن نفسه، وعمن صنعوا جراحه.
ولكن .. هل يروي الماضي كصورته يوم وقوعه؟ هل استطاعت الذاكرة استحضار الانفعالات النفسية، أم اكتفت بالمشاهد الكبيرة؟ ثم هل يسرد مشاعره لحظة الحدث، أم يسقط عليها شيئاً من حكمة الكهولة، وعمق نظرة المجرب؟
تطالعنا الرواية بأمرين لافتين، كانا سبباً في كتابة هذا الجزء من تقنية السرد، الأول: يروي "خالد" الأحداث الماضية بكل انفعالاتها، وكأنها تحدث الآن، واصفاً دقائق شعوره، وتساؤلاته التي عبرت نفسه في ذلك الوقت، ومزيداً من إقناع القارئ، يذكر كلمات تؤكد حضور ذاكرته، وعدم نســيانه مثل: ما زلت أذكر، كنت يومها، أذكر…، وهـذا هو الغالب على سرده" يومها كنت أنا الرسام، وكنت أنت زائرة فضولية على أكثر من صعيد"( )، و"كنت أعي وقتها تماماً أن الولادة على يدك كالوصول إليك أمر لن يكون سهلاً( ).
بيد أنه وفي أحيان قليلة، يسقط رأيه، وتساؤلاته التي جرت في نفسه لحظة سرده، مشيراً إلى أنها نابعة من رجل الخمسين "فتصبح رؤية الراوي وهو يروي متحكمة فيما ينقل من أفعال ومشاهد "( )، ومن ذلك "كنت أستمع إليك بانبهار وبمتعة. وبدل أن أجد في ذلك "الخراب الجميل" الذي كنت تصفينه لي بحماسة، ما يمكن أن يثير مخاوفي من نزعة سادية، أو مازوشية ما قد تسكنك، رحت أنقاد لجمال فكرتك فقط"( )، ففي لحظة السرد فقط، وبعد انتهاء القصة، اكتشف ساديتها، وليس يوم كان مبهوراً بها. ومن تساؤلاته لحظة السرد "تراني بدأت أكرهك يومها"( ).
كما يصف شعوره لحظة الحدث، مضيفاً تساؤلاته لحظة السرد في عبارة واحدة "شعرت تلك اللحظة أنك ذهبت بعيداً في أفكارك، تراك كنت قد بدأت تحلمين به؟ تراني قد بدأت يومها باقتراف حماقاتي"( )، وفي أحيان أخرى، يفصل زمن الحدث تماماً عن زمن السرد، ويذكر صراحة أنه اليوم غيره بالأمس "عندما أذكر كلامك اليوم، أضحك وأنا أشبه نفسي آنذاك بأثيوبي جائع"( ).
الأخير: تحافظ لغة سرده على مستوى واحد، فهي لغة المثقف الذي خبر الحياة وعاشها، فلا يقترب من لغة الطفل والمراهق، إضافة إلى استخدامه الفعل المضارع لحظة سرد الحدث، أذكر، أرى ....، موهماً القارئ بآنية التذكر، وكأن السرد مزامن للقراءة "في هذه اللحظة .. أكره هذا الجانب الفضولي"( )، ويتحدث عن الحدث الماضي بالفعل الماضي غالباً "مددت يدي إليك"( )، وقد يستخدم المضارع لسرد الحدث الماضي، إيهاماً بدوام جريانه، وكأنه يحدث الآن، لكنه الحاضر المندرج في الزمن الماضي "ها أنا أكاد أضع قبلة على خدك"( ).
وهكذا تارة يقترب الراوي من شخصه المروي، ويضعنا أمامه وجهاً لوجه، وتارة يفصل بينهما، بإسقاط تساؤلاته، الآن، على البطل الذي كان، وأخرى يعلن الفصل بينهما وتحافظ اللغة على مستوى واحد من القوة، والقدرة على نقل انفعالات النفس.


فوضى الحواس
ليست "ذاكرة الجسد"، وحدها، صاحبة التأثير على "العيلة"، فقد صدرت "فوضى الحواس" قبل صدور روايته، وبما أنه قارئ لـ "مستغانمي"، فطبيعي أن يكون قرأها، وتركت بالتالي أثراً في نفسه، ربما انعكس على رواياته، لذا سنتناول تقنية السرد في "فوضى الحواس" لتجلية أثرها على "العيلة"، إن وجد، ونأتي بعدها على "عابر سرير"، على الرغم من صدورها بعد روايتيه، وذلك من أجل دراسة اللعب الروائي عند "مستغانمي" الذي لا يكتمل إلا بها، وأثره بالتالي على العيلة.
البنية الشكلية
تجعل "مستغانمي" روايتها في (375) صفحة، موزعة على خمسة فصول، عُنوِّن كل منها بكلمة من معجم كلمات البطل "خالد بن طوبال" المصوِّر، باستثناء الأولى، التي جاءت عنواناً للفصل الأول. (بدءاً، دوماً، طبعاً، حتماً، قطعاً). تبدأ هذه الفصول وتنتهي بجمل فعلية، باستثناء الفصل الأول الذي يبدأ بجلة اسمية، وينتهي بها، والخامس الذي يبدأ بجملة اسمية أيضاً. كما تتفاوت في طولها؛ إذ يقترب الأول (30) صفحة من الرابع (37) صفحة، والثاني (93) صفحة من الثالث (57) صفحة، ويكون الخامس أطولها (136) صفحة.
ويتخذ السرد شكلاً متسلسلاً، فهو سرد متصاعد، دون أن يخلو من استرجاعات واستباقات. ولعل الطريف في شكل الرواية، جعل فصلها الأول (30) صفحة خارج نصها، على الرغم من كونه يشغل حيزاً فيها، باعتباره قصة كتبتها الروائية الراوية، التي أعجبت بالبطل، فراحت تبحث عنه في الواقع، ليشكل بحثها عنه، ثم عثورها عليه، وما حدث بينهما في قصة حب، ليشكل قصة نصها الروائي، التي تبدأ ببداية الفصل الثاني، وكأن هذا الفصل إيجاز للرواية، أو الرحم الذي انبثقت منه، وسنتناول هذا بتوسع أكثر في اللعب الروائي.
وتكون الرواية ذات نهاية مفتوحة، تصلح بداية لرواية أخرى، ربما هي "عابر سـرير"؛ إذ تكرر بشكل إيقاعي في الصفحة (375)، عبارات وردت في أول الرواية ص(24)، حيث يغريها من جديد دفتر لكتابة نص آخر.
تتحول "حياة" المروي عليها في الجزء الأول، إلى راوية هنا، وشخصية محورية، تسرد بضمير المتكلم عن ذاتها، ودقائق انفعالاتها، بيد أنها لا تصطنع ضمير المخاطب كما هناك، بل ضمير الغائب، فبقدر ما تزيدها الأنا مثولاً، وتعريها من الداخل، تبعده الـ هو، وتجعله غير ماثل في النص كشخص مروي عليه، فلا نستمع له إلا في حوار يظل مقتضباً، وغير كافٍ لتعريته من الداخل.
السارد والمسرود له
تختار "مستغانمي" "حياة" راوية أنثى لنصها هذا؛ فلا تثار إشكالية الراوي الذكر التي أثيرت هناك.
ويفتقر النص لمروي عليه ممثل في داخله، دون أن يعني ذلك غيابه لأن "المروي عليه يمكن أن يكون غير مرئي في السرد، موجود رغم ذلك ولا ينسى كلية "أبداً""( )، هو هنا القارئ، ونظنه "خالد" المصور لا غير، إذ توجه النص إليه، رغم أنها تطبعه فيما بعد ويقرأه قراء لا يعنيهم أمره، ونستشف ذلك من رأيها في الروايات" والتي ليست إلا تذكيراً بخيانة لقارئ واحد. نسرق منه بذريعة أو بأخرى مخطوطاً كتب له، كي نصنع منه آلاف النسخ المزورة، لقراء لا يعنيهم أمرنا. قطعا .. في كل نجاح لكتاب خيانة لشخص"( ).
وربما كان المروي عليه هو الإنسان أياً كان، إذ تشتمل عليه بعض عباراتها بضمير المتكلم الجماعة "لا يحدث للإنسان ما يستحقه .. بل ما يشبهه"( )، و "فلم الألم ..؟ ما دامت تلك النهايات تشبهنا .. حتى لكأنما الموت يجعلنا أجمل"( ).
كما تصطنع في عبارات أخرى ضمير المخاطب، الذي يحتمل أن يكون المروي عليه شخصاً وهمياً، خاصة عندما لا تذكر قرينة تؤكد تطابقها معه، ومن ذلك "وحده الزمن سيدلك على الصواب، عندما يفقد الآخرون صوابهم"( )، كما يحتمل أن تكون هي ذاتها المروي عليه، وذلك في العبارات التي تذكر فيها ما يؤكد تطابقها مع المخاطب، ومنها "أن تخلو بنفسك ساعتين في سيارة يقودها سائق عسكري يعود بك من موعد حب .. يساعدك في ذلك زيّ التقوى الذي تلبسه"( ) فهي التي عادت من موعد حب، ترتدي عباءة التقوى؛ إذ تؤكد في الصفحة ذاتها خلعها لتلك العباءة "حتى أسرعت بخلع تلك العباءة"( )، وكانت قد أكدت ارتداءها لها في موضع سابق( ).
ومن ذلك أيضاً "أن تذهب إلى موعد حب، وإذا بك مع شخص خارج تواً من كتابك، يحمل الاسم نفسه، والتشويه الجسدي، نفسه لأحد أبطالك .." ( )، فهي الكاتبة التي حدث معها هذا الذي تؤكده بضمير المتكلم "ما يدهشني هو كون هذا الرجل، يواصل معي قصة بدأت في رواية سابقة"( ).
لهذا نرجح أن تكون هي المروي عليها هنا وليس شخصاً وهمياً، رغم عدم تأنيثها للضمائر، الأمر الذي فعلته في موضع آخر( )، وذلك من قبيل اللعب الروائي الذي تتقنه الكاتبة ببراعة.
لعبة الضمائر
تنفتح الأنا على جميع الضمائر، كما في "ذاكرة الجسد"، فتدلل "حياة" على شخصها بالضمائر الثلاث، حتى أنها تجمعها في عبارة واحدة "ولكن كنت أعي تماماً أنني أرتكب حماقة غير مضمونة العواقب، بذهابي بمفردي لمشاهدة فيلم، في مدينة مثل قسنطينة، لا ترتاد فيها النساء قاعات السينما. فما بالك إذا كانت هذه المرأة زوجة أحد كبار ضباط المدينة، وتصل إلى السينما في سيارة رسمية"( ).
فعلى الرغم من حديثها عن الآخرين بضمير الغائب، تشير به إلى ذاتها "لم يبق لها من تلك القصة سوى عطر اختزنه جسدها"( )، كما تصطنع ضمير المخاطب مجردة من ذاتها أخرى تخاطبها، مؤكدة توحدهما "دوماً، كنت أقول لامرأة كانت أنا: لا تمري عندما تشعل الحياة أضواءها الحمراء.."( )، وتكثر أمثلة هذا في الرواية، كما تمازج بين المتكلم والمخاطب "اغتالني عطر رجل مات تواً، تاركاً لي رائحة الوقت .. ومدينة جبلية يحلو لها أن تخيفك بجسور الاستفهام"( ).
بيد أن مراوحتها بين الضمائر، كما في "ذاكرة الجسد"، لم تكن عبثية، أو مجرد مسألة شكلية جمالية، بل تفرضها نفسية الراوية، كما فرضها المضمون هناك، فهي تسرد لقارئ عما أصابها من دهشة إثر تحول قصة كتبتها إلى واقع معيش، فتشير إلى نفسها بالغائب، وكأن الأحداث تجري لأخرى، لبطلة قصتها وليس لها، كما تشير به إلى "حياة" بطلة الجزء الأول، وكأنها غيرها، رغم كونهما شخصية واحدة( ). ويأتي استخدامها للمخاطب، نتيجة لوحدتها ودهشتها التي لا تستطيع اطلاع أحد عليها؛ فلا يعقل أن تحدث زوجها عن حبها لآخر، ولا أمها المنشغلة بالحج، ولا أخاها "ناصر" المنهمك بقضاياه أيضاً … ولأن "خالد " المصور مجهول أمامها، تلجأ إلى تحليل تصرفاته وأقواله، مع ذاتها، تحلل بصوت عال إن جاز التعبير.
زاوية الرؤية
تتولى "حياة" زمام السرد هنا، متحدثة عن ذاتها، لتكون هذه الرواية بوحاً اعترافياً منها، ليس إزاء "خالد" الرسام، بل إزاء "خالد" آخر هو بطل هذه الرواية، فتطلعنا على رأيها في الرجال والحب وزوجها وأمها وأخيها والوضع الجزائري وتحديداً المرأة .. من منظور ذاتي، يطال خلجات النفس، وخفايا الشعور "لم يكن قرطي الذي وقع مني هذه المرة. وإنما قلبي الذي أصبح بكلمة واحدة يقع مغمىً عليه"( ).
كما نستمع إلى "خالد" المصور متحدثاً عن ذاته" لنقل إنني منشق عن أحلامي أنا الشاهد الأخير يا سيدتي على الأفول العربي. قضيت عمري على شرفة الخيبة "( ).
بينما تكون نظرتها للشخصيات الأخرى موضوعية خارجية؛ إذ تعتمد على شكلها وتصرفاتها وأقوالها وأثاث منازلها .."أتأمل طويلاً أصابعه، أشعر أنها في امتلائها وطولها تقول الكثير عن رجولته"( ).
مستويات السارد
في الرواية مستويان للسارد؛ الأول تعرف فيه الشخصية عن السارد أكثر من معرفته عنها، وذلك في الفصول (2، 3، 4، 5)، ويبدو عليماً محيطاً بشخوصه في المستوى الثاني، وذلك في الفصل الأول.
فلا تعرف "حياة" عن "خالد" الصحفي إلا ما يبدو لها من كلامه ولباسه وأثاث بيته وذوقه في انتقاء كتبه، بينما يعرف هو عنها ما يكفي لإدهاشها، وجعلها تغرق في حيرتها "ومده أمام دهشتي بورقة نقدية .. وبعنواني كاملاً، طالباً منه أن يوصلني حتى الباب"( )، ويتأكد جهلها لدى تسميتها له وفقاً للون لباسه "أجاب اللون الأسود"( )، ولتعرف المزيد، تلجأ إلى وسائل السارد الشاهد، تراقب تصرفاته، وتستنتج "من خلال يديه عرفت أنه عرف الحياة حد الولع"( ) حتى زوجها، لا تعرف شيئاً عن عشيقاته، وتصرفاته خارج بيته إلا من جارة عجوز( )، وتؤكد هي أن هذا مخالف لمنطق السرد "طبعاً، في منطق الأشياء كان يجب أن أعرف عنه أكثر مما يعرف عني. ما دام ليس إلا بطلاً في قصتي. ولكن أصبح إبداعي الآن يقتصر على التحايل عليه. لاكتشاف قصتي الأخرى وهي تروى على لسانه"( ). وتتحايل عليه فعلاً، وأمام سـيل أسئلتها، يبوح بشـيء عن ذاته، وتعرف أنه صحفي، مثقف، شـلت ذراعه اليسرى بسلاح جزائري، لحظة تصويره لحدث ما، رجل صامت، يفلسف الحزن، ويختزل اللغة في أربع كلمات جعلتها عناوين لفصولها، قرأ روايتها "ذاكرة الجسد"( )، فقرر التعرف عليها بعد أن عرف عنها الكثير، دون أن تعرف عنه شيئاً.
بينما تبدو في الفصل الأول، مؤلفة لقصة قصيرة وراوية لها في آن، وتظهر عالمة بكل شيء عن البطلة لا البطل، فعلى الرغم من كونها خارج النص، تعرف داخلها، وتساؤلاتها مع ذاتها "أم لأنه لا يريد إذلال الذاكرة، أراد لها طاولة لا يتعرف الحب فيها إليهما"( )، ولعل معرفتها بداخل البطلة لا البطل، تأكيد على ما ذهبنا إليه من اعتبار الفصل الأول، إيجازاً لقصة نصها، حيث تحولت إلى ساردة عليمة بذاتها، جاهلة بالبطل الذي تحب.
ولعل الكاتبة تراعي، بذلك، منطقية الأشياء، فتبدو معرفتها بدواخل شخوص في قصة كتبتها مبررة، لا سيما وأن الكاتب هو الذي يخلق شخص السارد، بيد أن جهلها بالبطل يظل مثار تساؤل وغير مبرر، إلا إذا كانت تروي من زاوية نظر المرأة، وتقف خلفها.
ويبدو جهلها، بشخوص رواية هي راويتها، مطابقاً لطبيعة الإنسان أيضاً؛ إذ يعرف ذاته تماماً، بينما يجهل غيره، إلا ما يبدو له منه. وكل ذلك من قبيل اللعب الفني؛ ذاك أن جهل الراوي شبه التام "ليس إلا أمراً اتفاقياً، وإلا فإن حكياً من هذا النوع لا يمكن فهمه"( ).
عابر سـرير
البنية الشكلية
تكتب "مستغانمي" الحلقة الأخيرة في ملحمتها الروائية في (319) صفحة، موزعة على ثمانية فصول، غير معنونة، بسرد متكسِّر مثل "ذاكرة الجسد"، تتراوح أحجام الفصول (1، 2، 3، 4، 6، 8) بين (17-36) صفحة، ويقترب حجم الخامس (75) صفحة من السادس (79) صفحة.
تتنوع بدايات الفصول ونهاياتها، فلا ينتظمها إيقاع واحد؛ إذ قد يبدأ الفصل بجملة اسمية، وينتهي بجملة فعلية، أو شبه جملة، وكأنها أرادت جمع صيغ الجملة العربية، كما جمعت أبطال رواياتها في هذا الجزء.
وتبقى الفصول الثلاثة الأولى، فـي علاقة تناص مع "ذاكرة الجسد"، و"فوضى الحواس"؛ ينشغل فيها السارد وهو المروي عنه في "فوضى الحواس" يكشف حقيقة أشخاص الجزأين السـابقين، وتبدأ مع بداية الفصل الرابع، باستثناء بعض الاستباقات، قصة الجزء الثالث، المتمثلة بالتقاء بطل "فوضى الحواس" مع بطل "ذاكرة الجسد" الذي يعاني السرطان على سرير مرض باريسّي.
يتحول "خالد" المصور، المروي عنه وله في "فوضى الحواس" إلى سارد يتولى سرد عالمه الداخلي بضمير المتكلم، مشيراً إلى "حياة" بالغائب، عاكساً ما كان عليه السرد في الجزء الثاني، مجيباً عن تساؤلات حيرت القارئ في ذلك الجزء، وعلى الرغم من أنه يسرد عنها وعن "خالد" الرسام بضمير الغائب،إلا أنه يتيح لهما، من خلال الحوار، التعبير عن ذاتيهما، كما في الأجزاء السابقة،فيغدو الواحد منهم مخاطِباً ومخاطَباً في حوار يجري، خاصة بين المصور والرسام.

الســارد
يكشف " خالد" المصور جوانب شخصه الخفية على "حياة" وعلى القارئ، فهو حزين حزن وطنه، مثقف، كما "خالد" الرسام، بثقافة الوجع، يريد كتابة قصة، يسـجل فيها ما حدث له "أتنازل الموت في كتاب؟ أم تحتمي من الموت بقلم"( )، يتيم كبطل "ذاكرة الجسد"، متزوج، لم يكن يريد لزوجـته أن تنجـب خوفاً علـى طفله من اليتم، ولكنها تنجب طفلاً، ويفكر بالانفصال عنها( ).
مصور قدم إلى باريس للحصول على جائزة نالها عن أحسن صورة صحافية، مفرط في رومانسيته " لا أدري لماذا أصابني منظر الأشجار المحروقة على مد البصر، بتلك الكآبة التي تصيبك لحظة تأبين أحلامك"( )، مسكون بالموت كأي صحافي جزائري، يعاكس العشاق، ومنهم بطل "ذاكرة الجسد"، "عكس العشاق الذين يستميتون دفاعاً عن مواقعهم ومكاسبهم العاطفية، عندما أغار أنسحب، وأترك لمن أحب فرصة اختياري من جديد"( )، أحب وصديقه "عبد الحق" امرأة واحدة، هي "حياة"، التي تبدأ بحبه، ثم تحب صديقه كما فعلت في الجزء الأول "لأفهم بأية مصادفة أوصلنا الحب معاً إلى تلك المرأة"( )، يكتشف واقعية أبطال الجزء الأول، وأسماءهم الحقيقية، يتعرف عليهم، ويصادق "زيان" في مرضه، ليعود به جثة إلى قسنطينة.
المسـرود له
على الرغم من عدم وجود مسرود له ماثل في النص، يتوجه إلى السرد من أوله لآخره، كما في "ذاكرة الجسد"، يعلن السارد في أكثر من موضع عن وجهة نصه، وعن هذا المسرود له، فتارة يوجهه إلى "حياة"، التي من أجل قتل حبها يكتب كتابه هذا، مؤكداً أنه ضدها. "وما كنت لأستطيع كتابة هذا الكتاب لولا أنها زودتني بالحقد اللازم للكتابة فنحن لا نكتب كتاباً من أجل أحد، بل ضده"( ).
ويشير، كما فعل "خالد" الرسام، إلى أن كتابه هذا، أشبه برسائل يرسلها إلى الموتى، ويعني هنا "حياة" التي قتل حبها داخله "حرائقك التي تنطفئ كلما تقدمت في الكتابة، لابد أن تجمع رمادها صفحة صفحة، وترسله إلى موتاك بالبريد المسجّل، فلا توجد وسيلة أكثر ضماناً من كتاب"( ).
وتارة يوجه نصه إلى صديقه "عبد الحق" مؤكداً أن هذا النص له وحده "أكتب هذا الكتاب من أجل الشخص الوحيد الذي لم يعد بإمكانه اليوم أن يقرأه، ذلك الذي ما بقي منه إلا ساعة أنا معصمها، وقصة أنا قلمها"( ).
وفي أحيان كثيرة يخاطب ذاته، ويصير هو المروي عليه لا غير "كنت تشعر معها كأنك تسلم نفسك إلى قبيلة من النساء"( )، ولعل كثرة لجوء السارد إلى مخاطبة ذاته، يجعلنا نميل إلى كونه المروي عليه في تلك الصفحات؛ إذ يحاور ذاته في مونولوج داخلي مسموع. فهل النص موجه لـ "عبد الحق" ضد "حياة" ليريه حقيقة المرأة التي أوقعتهما في شــركها؟ أم موجه إلى "حياة" ليؤكد لها أنه كشف زيفها وكذبها؟
المروي ولعبة الضمائر
يجعـل "خالد" المصور من نفسـه موضوعاً لســرده، وإن كان يأتي على ذكر آخرين "زيان"، (فرانسواز)، "عبد الحق"، "حياة"، أخبار الجزائر، يتناول بذلك الخارج لإيضاح الداخل، ويسرد هموم الداخل لبيان قباحة الخارج وألمه، وهو إذ يروي ذاته في مراحل عمرية مختلفة من طفولته ومراهقته، حتى يتمه وشلل ذراعه وزواجه وعلاقته "بزيان" و"حياة"، يستخدم الفعل الماضي غالباً "كنت تزوجت امرأة لتقوم بالأشغال المنزلية داخلي"( )، وأحياناً قليلة، الفعل المضارع "ذات يوم تبدأ حياتك الزوجية..." ( )، ليسرد عن حدث وقع أصلاً؛ إذ يبدأ سرده بعد نهايته.
ويصف، كما فعل الرسـام، أحاسيسه بدقة، وكأنها تنتابه الآن، موهماً القارئ بآنية حدوثها "وكنت هناك، تائهاً، في مهب الأسئلة"( )، وتارة يسقط تساؤلاته لحظة السرد، حيث اتسمت نظرته بالنضج وشمول الرؤية، وذلك على سبيل الاستباق والتشويق "ولا توقعت يومها أنني، كمن سبقني إلى ذلك الرجل، سأرتق ثوب ذاكرته في كتاب"( ).
ولا يتخذ لسـرده ضميراً واحداً، بل يراوح بين الأنا/أنت، ويزاوج، ليكون الراوي والمروي لـه في آن، حيث تمتد صيغـة المخاطب على طول صفحات الرواية، ولهـذا دلالاته "ويصبح همك كيف تفكك لغم الحب بعد عامين من الغياب"( )، ومن مزاوجته بينهما حتى ليذكر سطراً بالأنا وآخر بالأنت "أفسدت علي فرانسواز فرحتي .. كالناس الذين تلتقيهم ويولدون فيك شعوراً مسبقاً بالفقدان"( )، إضافة إلى استخدامه لضمير المتكلم للجماعة، ليدل على الجزائريين عامة "منشغلين كنا بزمن النفط الأول"( ).
ولعل كثرة استخدام المخاطب في هذه الرواية، ضرورة فرضتها حال الشخصية، وظروفها، فهو وحيد كبقية أبطال "مستغانمي"، محاط بمن لا يباح لهم .. زوجة يخفي عنها أبسـط الأمور، وحبيبة يكره ضعفها، فيخفي عنها الكثير، وصديق " عبد الحق " قد مات، وآخر " مراد " قد خانه مع (فرانسواز)، ولأنه أدرى بألمه، يعري ذاته أمام ذاته، وينشر قروحه التي لا يفهمها سواه، ويؤكد هذا أنه لما صادق "زيان" وأحبه، راح يوجه إليه الخطاب، ويبوح ببعض أحزانه، لكن صعوبة المكاشفة التامة معه؛ لما بينهما من حواجز، جعلته يلوذ إلى ذاته، موجهاً خطابه إليها في معظم مقاطع سرده.
زاوية الرؤية
تحرص "مستغانمي" على إيهام القارئ بواقعية ما تروي، فتجعل المصور محتاراً في اختيار زاوية السرد، وتقنية تنظيمه، متأثراً بمهنته كمصور " كمصور يتردد في اختيار الزاوية التي يلتقط منها صورته، لا أدري من أي مدخل أكتب هذه القصة التي التقطت صورها من قرب، من الزوايا العريضة للحقيقة"( )، بيد أنه وعلى الرغم من حيرته يروي من داخل الأحداث؛ لكونه بطلاً محورياً، مشرعاً أبواب ذاته، مثيراً تساؤلاته، مستبطناً وعيه، وتنثال على رأسه الأفكار غير مرتبة كتيار وعي "لا أدري ما الذي كان يجعلني متعاطفاً مع ذلك الطفل"( )، فيتكسر سرده، عاكساً اضطراب نفسه.
أما الآخرون، فيروي عنهم من الخارج؛ إذ لا يعرف مشاعرهم إلا بالقدر الممكن ملاحظته واستنتاجه "أتراها أحبت هذا الثوب حتى لتبدو فاتنة فيه إلى هذا الحد؟ أم هي أحبت فتنة هذا الموقف"( ). فتنتظم الرواية، بذلك، ثنائية الرؤية، ذاتية وموضوعية.
وليس السارد سارداً عليماً، بل إن معرفته تساوي معرفة شخصياته، لا يقول شيئاً إلا بعد أن تكون قد توصلت إليه وعرفته، فهو في رؤية متصاحبة معها، يعتمد على قراءته عنها؛ إذ قرأ ما قالته "حياة" في "فوضى الحواس"، وما قاله الرسام في "ذاكرة الجسد"، بيد أن حبه " لحياة " ولقاءه بـ "خالد" الرسام زاد من معرفته بهما، يقول عنه " هو الهارب الأبدي، لا ملاذ له سوى البياض "( )، وعنها " بعد ذلك سأكتشف أنها كانت إلهة تحب رائحة الشواء البشري، ترقص حول محرقة عشاق تعاف قرابينهم ولا تشتهي غيرهم قرباناً "( ).
وكما يعرف الســارد عن الشخصيات، تعرف الشخصيات عنه، فقد قرأ "خالد" الرسام " فوضى الحواس" التي هو بطلها.. فكل يعرف عن الآخر ما يعرفه الآخر عنه، دون أن يتكاشفا صراحة" لكننا منذ البدء جعلنا التغابي بيننا ميثاق ذكاء، أو ميثاق كبرياء"( ).
تقنيات السرد عند "العيلة"
"غزل الذاكرة"
"البنية الشكلية"
تعد "البنية السردية نقطة تناصية مهمة"( )، ومجالاً خصباً لدراسة التأثير والتأثر بين نصوص الكتاب؛ فكثيراً ما يتكئ النص اللاحق على السابق في حيله السردية، كما يسـتعير هنا "العيلة" تقنيات "مستغانمي" السردية، ويحوِّر فيها، ليعبر عن همومه الفلسطينية، فيسرد بطريقتها تاريخ وطنه، وألم شعبه.
فمثلها يجعل روايته المكونة من(168) صفحة، في فصول غير معنونة، مكتفياً بالترتيب العددي لكل فصل، مع فارق في العدد؛ إذ يبلغ عددها ثمانية، جميعها، باسـتثناء الفصل الأول، الذي يبدأ وينتهي بجملة اسمية، تبدأ وتنتهي بجمل فعلية، تماماً كما في "ذاكرة الجسد"، تأكيداً على كونها رواية استرجاع وتذكر لأحداث جرت. وتكاد فصوله تتساوى في حجمها؛ إذ تتراوح بين (16-29) صفحة، باستثناء الفصل الثامن، الذي يقع في ست صفحات فقط.
وعلى الرغم من تكسر السرد، وتقلقل استمراريته، تترابط الفصول كما في "ذاكرة الجسد"، ليمهد كل فصل لما يليه، بجمل استباقية، تشي ببعض أحداث الفصل التالي، فليس البياض بين الفصلين سوى التقاط أنفاس لسرد المزيد من ماضٍ ينزّ قيحاً.
وتكون نهاية الرواية مفتوحة، كما في "ذاكرة الجسد" و "فوضى الحواس"، نهاية دائرية تقترب أكثر من نهاية "فوضى الحواس"، فكما فتحت تلك على نص جديد، تنفتح هذه؛ إذ يعلن "نبيل" فشله في حماية وطن على شكل امرأة، ورغبته في ولادة جيل جديد، ببطل وراوٍ آخر ينجح فيما فشل هو فيه" الآن أعطي القوس باريها، أتركه في قبضة نبيل يأتي كل عقدين كما أتيت أنا، راو يكتب بريشته قصة ضياع متجدد لوطن مفقود، وامرأة يغتصبها ديفيد أو خاله مستر كوك كل عشرين عاماً "( ).
الصيغة السردية
يختار "العيلة" راوياً رجلاً لنصه، يوافق جنس الكاتب، كما فعلت "مستغانمي" في "فوضى الحواس"، ويصطنع الأنا / أنت صيغة سردية، كما هناك، بيد أنه يوظف في روايته هذه تقنيات "مستغانمي" في روايتيها "ذاكرة الجسد" وفوضى الحواس "؛ فبينما يستعير البناء الشكلي للأولى، ليشكل الإطار السردي العام لروايته، إذ يتولى "نبيل" زمام السرد، متوجهاً به إلى "عايدة"، نستمع إلى كل منهما يسرد عن ذاته بالأنا، طفولته، شبابه، أفكاره، انفعالاته مخاطباً الآخر، فنتعرف عليهما من الداخل، كما تعرفنا على "خالد" في "ذاكرة الجسد" و "حياة" في "فوضى الحواس"، وكأنهما يتناوبان على السرد، بيد أن حديثهما لا يعدو كونه حواراً، وإن طال، يشكل صلب الرواية وقصتها.
فهل يتشابه "نبيل" و "خالد"؟ وهل تتشابه "عايدة" و "حياة"؟ وإذا كان الأمر كذلك فما نقاط التشابه والاختلاف إن وجد؟ كيف يسرد "نبيل" قصته؟ ما زاوية الرؤية التي يرى منها؟ هذا ما سنوضحه لتجلية نقاط التأثير والتأثر.
السارد
يتشابه "نبيل" و "خالد" إلى حد التطابق، باستثناء اختلافات بسيطة يمتاز بها نص عن آخر، فكلاهما يبدأ سرده، بعد غياب، عن قصة أوجعته، وقد شارف على الخمسين. فـ "نبيل" كاتب ومثقف، له سيرة منشوره، ويعمل مدرساً( )، سجل قصة ضياع حبه، ووطنه في كتاب كما فعل أبطال "مستغانمي" "ما كان يشغل البال سجلته في كتاب"( )، يتشابه مع "خالد" المصور في كونه متزوجاً وله أولاد، يطلّق زوجته فيما بعد، هو ذكر بين دستة بنات، من قلقيلية، زامن ولادته قيام دولة إسرائيل، وهو مأزوم بمنطق الماضي( )، مشدود إلى داخله، مفرط في حزنه ومازوشيته إلى حد اللذة كما "خالد" الرسام "لقد عانيت بسببها عشرين عاماً، ولم أزل أفرح لمعاناتها، فرحتي بجرحك "( )، تسكنه هموم الوطن، ويراقب تحوله من حال إلى حال، هاجر عن قريته عام 1967، مدة شهر ونصف، سافر بعد عودته إلى بيروت، لإكمال تعليمه، كما سـافر "خالد" الرســام إلى باريس هرباً من جور وطنه، هو معاكـس "لخالد" في كيفية نضاله، فبينما كان الأول يقاتل بالسلاح، كان هو يحارب بالكلمة "ألفيت نفسي جسماً ذهنياً يتعامل فكراً وكتابة مع الآخر"( )، وعلى الرغم من ذلك استدعي من الحاكم العسكري وسجن( )، يكون طرفاً ثالثاً في قصة حب، مع امرأة تخونه باسـتسلامها لـ "ديفيد" اليهودي، يعلن عفة حبه لـ "عايدة"، فلم يطل جسدها رغم اشتهائه لها، كما "خالد" الرسام "أجزم بعفة شبابي رغم أن غواية جسدك كانت تثير في نفسي شجن الشباب وشهوته الجامعة الجامحة"( ).
وهكذا يتشابه "خالد" الرسام و "نبيل" إلى حد التطابق، كما أشرنا، فكلاهما مسكون بهموم وطنه، يكتب عن ضياعه وضياع حبه، يناضل "خالد" ويخسـر ذراعه، ويقتصر نضال "نبيل" على الكلمة، جرحه داخل نفسه، ينتهي الأول مريضاً على سرير مرض، بحزن مكابر وهمّ ساخر، ليعود إلى وطنه جثة، وينتهي الثاني يائساً من إمكانية إعادة ما سُرق، مسكوناً بالخيبة، محملاً راية نضاله لـ "نبيل" آخر، وجيل آخر.
المسرود له / المروي عليه
يتوجه "نبيل" بسرده إلى "عايدة"، باعتبارها مروياً عليه ماثلاً في النص، يطلعنا على صفاتها، وتطلعنا هي على دواخل ذاتها، مؤكداً لها استرجاعه لقصته التي تتقاطع مع قصتها، فيخبرها بأمور تعرفها؛ إذ كانت طرفاً فيها، وبوح داخلي تسمعه لأول مرة "أجيبك منذ الآن عزيزتي أنني أعود في الحال أسترجع وأتصفح سيرتي وهي تتطابق، مع بعض الاختلاف، مع سيرتك في محيطك"( )، يدعوها بذلك لقراءة ما يكتب.
وتتشابه "عايده" مع "حياة"، فهي مثقفة بثلاث ثقافات، وثلاث لغات، العربية، والعبرية، والأمريكية، كما كانت تلك تعرف الفرنسية والعربية، تحمل فلسفتها؛ إذ تحب رجلاً وتتزوج بآخر، تخطب "لرباح" أولاً، ولـ "عوني" آخراً، "لهذا قررت الارتباط بغيرك زوجاً لأنني لن أستطيع نسيانك بل ستكون الطرف الثالث، يحضرني من غير أن أستدعيه"( ). وهي من قرية العثمانية، على مشارف القدس، من أصل بلقاني، تعيش طفولة غير عادية كما "حياة"، مع فارق السبب، وهو خلاف والديها، وعدم وجود حب يجمعهما، تعاني الاغتراب( )، وهي شــخصية نامية، تغير قناعاتها؛ إذ تعارض الزواج في أول الرواية( )، وتتزوج في آخرها من "عوني". مسكونة بأزمة الهوية، دائمة التساؤل عن ماضٍ تتنكر له في النهاية " سأختار زوجاً من الحاضر وابنه، خياري يعني انقطاعي عن الماضي، واجتثاث ذاكرة عزيزة لا أرغب في شطبها "( )، وكما فعلت "حياة" التي اعتبرت الذاكرة غير صالحة للسكن، ترفض هي أن تكون ابنة لزمنين "لا يستطيع الإنسان أن يكون وليداً لزمنين متناحرين"( ).
يطلعنا "نبيل"، كمـا فعـل "خالد"، على صفات "عايده" الشكلية، فهي بيضاء البشرة، زرقاء العينين، عربية بملامح أوروبية، ترتدي ملابس أوروبية وكوفية عربية ( )، يغتصبها (ديفيد) اليهودي بعد افتراقها عن "نبيل"، فتنجب طفلاً شاذاً هو "جاد" متهمة "نبيل" بالتخلي عنها( )، ويظل مصيرها معلقاً بـ "عوني" الذي لا يزورها إلا خلســة مـن زوجته "سناء"( )، كما ظلت "حياة" زوجة لعسكري تزداد عشيقاته كل يوم.
الراوي والمروي عليه ولعبة الضمائر
بينما يظل "نبيل" مرسلاً للنص و "عايدة" مستقبلة له في الإطار العام لبنية الرواية، كما في "ذاكرة الجسد"، يتبادلان مواقعهما في المروي الذي هو نقل لما جرى بينهما من حوار، فيصير كل منهما مخاطِباً ومخاطَباً في آن.
كما لا تقتصر الرواية على الأنا / أنت، بل تمثل الضمائر جميعها في النص، بتلاعب أقل مما ورد فـي روايات "مستغانمي"، فعدا المخاطَب، يشير "نبيل" إلـى "عايدة" بالغائب "كانت عايدة ولم تزل امرأة من لحم ودم تؤدي دوراً فكرياً شـاملاً لإضاءة حقيقة ضياع الوطن والهوية"( ) وتشير هي إليه بالغائب أيضاً "وأبقيت على نبيل حاضراً داخلي"( )، وكما تشــير "حياة" إلى ذاتها بالغائب، تفعـل "عايده" "كفتاة تحلم بزواج فضفاض وزوج مرن"( ).
وبينما يراوح "خالد" بطل "ذاكرة الجسد" في الإشارة إلى نفسه بين الأنا، والأنت، والهو، يلتزم "نبيل" ضمير الأنا، إلا فــي حالات قليلة، يجعل مـن ذاتــه غائباً، "جعلت مني مخلوقاً يضيق بنفسه وذاته"( )، وفي حديثه عن الكاتب " الكاتب يرى ما لا يراه العادي"( ).
ويشير إلى تقنية استخدامه للضمائر مؤكداً أنه مغرق في أناة "فألفيت نفسي أستخدم ضمير المتكلم، أحادثك الآن بذات الضمير وكأنه الغائب، حاضر في ثنايا النص، غائب في ثنايا الزمن الفني والذاكرة الموضوعية"( )، يشير بهذه العبارة إلى الحكمة من اقتصاره على المتكلم غالباً، والغائب في أحيان قليلة، وكأن الأنا تتضمن الهو، فهو حاضر غائب، حاضر في النص الذي يسرد الماضي، وغائب عن ذلك الزمن الماضي، حيث تعيش روحه. ولهذا أيضاً لا يســتخدم المخاطب كما فعل "خالد"، فهـو غائب في الزمن الماضي، وليس وحيداً مثله، لديه "عايده" التي ظل يحاورها، وبعد غيابها كان صديقه " أحمد "، ثم بعد مضي الزمن كان لديه أحفاده.
أما حديثه عنها بالغائب، فيبرره غيابها فعلاً، وتباعد فترات لقائهما فــي أثناء علاقتهما "كنت دائماً حبيبتي الأبدية، أنظر جسدها رغم غيابها، أتحسسه رغم ضياعه، وأتنسم ريح ترابه وطينه"( ).
زاوية الرؤية
لا تقتصر "غزل الذاكرة" كما "ذاكرة الجسد" على زاوية واحدة للرؤية، ولا على مستوى واحد للسارد؛ فبينما تؤطر النظرة الذاتية البنية السردية العامة للرواية، تنتظم المروي ثنائية الرؤية: الذاتية والموضوعية.
فالسارد بطل مشارك يحلل الأحداث من الداخل، بنظرة ذاتية، كاشفاً خفايا نفسه، وآلام روحه دون خجل، أمام "عايدة" التي يتوجه إليها بسرده، كما فعل "خالد" "كنت مأخوذاً أيامها بتلك الأسطورة التاريخية التي أثارها اهتمامك بالكشف التاريخي لأصول العائلة"( )، كما يكشف عن حيرته وتساؤلاته" هل هو العرف الاجتماعي وتقاليده؟ أم أنه القدر"؟( ).
وكما كانت نظرة "حياة" ذاتية إلى ذاتها من خلال حوار بدأته في "ذاكرة الجسد" وسرد تسلمت زمامه في "فوضى الحواس"، تطلعنا "عايدة" على دواخلها، من خلال حوارها الموسع مع "نبيل"؛ إذ تسرد عن طفولتها وأفكارها "كنت أقف خلف الباب أرتجف خوفاً من حركات يده العصبية"( )، كما تسرد عن شعورها لحظة اغتصابها "عشت معه بضعاً من وقت يقاس بالعقود في عمق ثقله، يقاس باللحظات في زهوه ولذته المسروقة، ويقاس بالدهر في أثره وضياعه"( ).
وكما كانت نظرة "خالد" الرسام لـ "حياة" وبقية الشخوص موضوعية خارجية، تكون نظرة "نبيل" إلى "عايدة"، وبقية الشخوص، وكذلك نظرة "عايدة" إلى "نبيل" وبقية الشخوص، موضوعية خارجية، تعتمد على أقوال الآخر، وتصرفاته، دون النفاذ إلى دواخل شعوره، مهما بلغ إحساسه به. فمن سرده عن "عايدة" "تغير لون وجهك، كان دائماً ناصعاً مشرباً بالحمرة لدرجة الإشباع"( ) وعن نظام "فاجأني رجل قصير القامة، حليق الذقن والشاربين "( ).
ومن نظرتها الموضوعية إلى "نبيل" "عربي فلسـطيني، هل يعرف أني كذلك أيضاً"( )، وعن والدتها "كان كلامها جارحاً. تعايره بفقره وتنال من نشأته الأسرية المتواضعة"( ).
ويشير "نبيل" إلى زاوية الرؤية مؤكداً ما نذهب إليه "من يرى صوابية موقفي الشخصي ويؤيد استخدام قلمي وخيالي في رسم صورة تبدو ذاتية لموضوعة عامة تتسع لتشمل وطناً وشعباً وحتى أمه "( ).
وهكذا .. نفرغ من قراءة الرواية، وقد عرفنا كلاً من "نبيل" و "عايدة" من الداخل؛ إذ يتسـلم كل منهما، في مشهد حواري، سرد قصته، ووصف شــعوره، كما عرفنا "خالد" في "ذاكرة الجسد" و "حياة" في "فوضى الحواس"، لتكون الرواية محكياً ذات تبئير داخلي متنوع كما "ذاكرة الجسد"، وربما كان ذلك لأن "العيلة" لن يتحدث عنهما في روايته القادمة، بل عن بطلين آخرين، أبناء الجيل التالي، وهذا ما سنأتي عليه في " زمن المرايا".
مستويات السارد
تطالعنا الرواية بمستويين للسارد وجدا في "ذاكرة الجسد"، سارد يساوي علمه علم الشخصية، وسارد يقل علمه عن علمها، ويكون الأول نتيجة لعلاقة الحب التي ربطت بين "نبيل" و "عايدة"، ومصاحبته لها، ومكاشفتهما؛ إذ يعرف عنها، خلال علاقته بها، ما تعرف عنه، معتمدين على أقوالهما، يقول هو "أجبتك وكأنني أجتهد الإجابة استقراءً مما قلته لي ومما عرفته عنك من طريقة تفكير"( )، وتؤكد هي ذلك "سأزيدك قولاً وخبراً لتزداد معرفة بأهلي"( )، فتبدو معرفته منطقية إذ تخبره هي، ويستنتج هو، وفي المستوى الثاني، وبعد غيابها، وعدم رؤيته لها، لا يعرف عنها إلا ما يسمعه مصادفة من غيرها، خاصة "عنايات" "قالت: - عايدة .. تقدم لها شاب يخطب يدها، مشكلتها في طريقها لنهاية سعيدة، أرجو ذلك. بادرتها بالسؤال: من هو؟"( ).
وينتظم الرواية مستويان من السرد، كما "ذاكرة الجسد"، يتولى "نبيل" زمام المستوى الأول؛ إذ يسرد الرواية من بدايتها إلى نهايتها، ويشكل ما تسرده كل شخصية عن ذاتها مستوى سردياً ثانياً، فتكون حكايتها .. طفولة وشباباً وأفكاراً، حكاية داخل إطار الحكاية العامة للرواية.
العلاقة بين أنا الراوي وأنا المروي
يجعل "نبيل"، كما "خالد" الرسام، من ذاته وهمومه موضوعاً لسرده، فيسـرد الآن عن البطل الذي كانه يوماً، طفلاً يزور مقامات الأولياء، مع جدته، فشاباً يدرس في بيروت ثم في الجامعة العبرية، فسجيناً وعاشقاً ..
ويقترب كما هناك من المروي، فيســرد الحدث بكل انفعالاته، ويذكر تساؤلاته يومها "شعرت ساعتها أنك تهزمينني للمرة المائة!"( )، مؤكداً على حضور ذاكرته، وعدم نسيانه، أذكر يومها، مازلت أذكر ..، كما يسرد الحدث الماضي بصيغة المضارع المندرج في الماضي، إيهاماً بآنية حدوثه كما هناك "أجدني أغذّ الخطى نحو جدي لوالدتي لطرح أسئلة علّه يجيبها"( ).
بيد أنه وفي حالات أخرى، يسقط نظرة المجرب على الحدث الذي كان، ويثير تساؤلات خطرت له لحظة سرده، على سبيل الاستباق كما في "ذاكرة الجسد" "لم أكن متيماً كنت يتيماً أكتوي بلظى نار وهو يحسبها نوراً"( )، فبعد نهاية التجربة فقط، أدرك أنها نار.
أما سرد "عايدة" عن ذاتها في حوارها معه، فتقترب فيه من شعورها لحظة الحدث، خاصة في حديثها عن اغتصابها( ).
"زمن المرايا"
يجعل "العيلة" روايته في (133) صفحة، موزعة في تسـعة فصول، يتراوح حجمها بين (7-19) صفحة، ربما كان في تنوع بداياتها ونهاياتها، التي تراوح بين الجمل الفعلية والاسمية وشبه الجملة، إشارة إلى توتر السرد وتنوع مستوياته.
ويبدو تأثر "العيلة" بـ "مستغانمي" في روايتها "فوضى الحواس" جلياً هنا؛ حيث يجعل سرده متسلسلاً، كما فعلت، يكمل الفصل اللاحق أحداث السابق، ويبدأ بجديد يكمله التالي، وهكذا يسير السرد إلى نهاية الرواية، وكأن التقسيم إلى فصول ليس سوى محاولة لتجزئتها.
كما يجعل الفصل الأول من روايته خارجاً عن قصة نصه، على الرغم من كونه يحتل (17) صفحة فيها، مؤكداً بداية السرد من الفصل الثاني، بعد نهاية الفصل الأول، الذي عدّه مكاشفة ليس أكثر "بدأت من محطة ربما كانت هي عينها نهاية المكاشفة بين شخوص صنعها الكاتب"( )، كما فعلت "مستغانمي" في فصلها الأول، مؤكدة أن أحداث الرواية تبدأ من الفصل الثاني، الذي أخذت فيه الأدب مأخذ الحياة "دون أن أدري أن الكتابة، التي هربت إليها من الحياة، تأخذ بي منحنى انحرافياً نحوها، وتزج بي في قصة ستصبح، صفحة بعد أخرى، قصتي"( ).
تقنية السرد
تبدو الحكايات في "زمن المرايا" مجموعة من الوقائع المتناثرة يعرضها الرواة، مختلفين في حقيقتها وكيفية وقوعها، يضطلع بروايتها راو واحد، هو "أبو سـعد"، الذي ليس سـوى نبيل راوي "غزل الذاكرة"، مشكلاً الإطار السردي العام للرواية، يقوم في داخله مستوى سردي آخر، تغدو فيه الشخصيات جزءاً من الشبكة السردية، ومصدراً من مصادر السرد، مع بقاء السارد، رغم كونه خارج الأحداث، غير مشارك فيها، يدير الحوار بينها، واصفاً تحركاتها، ومعقباً على كلامها، مسلماً السرد من هذه إلى تلك، لتروي الحدث الرئيسي وهو اختفاء المختار، ومرض "عايدة" الصغيرة.
ويشير الراوي كثيراً إلى تقنيات سرده، كما الرواة عند "مستغانمي" "في محيط دائرة الحدث في زمن المرايا، تتوالى النقاط، تتتابع محطات السرد، كل محطة هي بداية لحبكة لم أرسمها، وهي نهاية في ذات اللحظة لأحداث، رصدتها من غير إرادة أتوفر عليها كراو"( ).
فمن هو السارد؟ ما مستويات ظهوره، ومدى معرفته بما يروي؟ ثم إلى أي حد تتحول الشخصيات إلى رواة؟؟
السارد
لا نعثر في هذه الرواية على "نبيل" راوي "غزل الذاكرة" كبطل مشارك كما هناك، كما لا نعثر على "عايدة" التي يعلن موتها " ماتت "عايدة" أو هكذا أريد لها أن لا تكون الآن "( )، ويؤكد أن لا دور لها في المرايا، وإن كانت قد حضرت في الفصل الأول مدافعة عن الكاتب( )، بـل يطالعنا جيل جديـد كما أراد "نبيل" فـي "غزل الذاكرة"، ممثل "بجاد" ثمرة اغتصاب (ديفيد) لـ "عايدة"، و"عايدة" الصغيرة ابنة العقيد "عوني وسناء المطران".
في الرواية مستويان للسارد، يبدو في الأول، مشاركاً يروي بضمير الأنا، وفي الثاني غائباً. يروي في الفصل الأول من الرواية بالأنا مخاطباً الكاتب، كما كان الأمر في الجزء الأول، مع اختلاف المروي عليه، مؤكداً أنه لا يملك إرادة فعل ما يريد، وأنه يرصد الأحداث فقط "رصدتها من غير إرادة أتوفر عليها كراو"( )؛ إذ يرى في الكاتب مثقفاً يفرض رأيه على شخوصه، كما فرضت "حياة" ساردة "فوضى الحواس" رأيها على شخوص قصة كتبتها، وأنطقتهم بما لا يريدون "ها قد جعلته ينطق أخيراً، يقول كلاماً أردته أنا"( ).
ويذهب في الفصل التاســع، وكأنه مـلَّ دور المتفرج، يذهب في رفقه المحامي لزيارة "عروب" بعد أن قدم الكثير عنها في سرده، وعن تحولها إلى سجينة رأي "وأنا أغذّ خطى خائفة من أجل إطلاق سراحها وتحرير قلادتها"( )، ويكون بذلك قد سكت سبعة فصول، تحول فيها إلى سارد غائب "أسكتني سبعة فصول"( ).
ويعلن في بداية الفصل الثاني عن تحوله إلى راوٍ غائب، ومن صفاته نعرف أنه "نبيل" راوي "غزل الذاكرة" "لم أعد بطلاً راوياً، يشارك في صنع الحدث ويرويه بإحساسات مباشرة، يجملها خيال فارس نبيل تكسرت نصاله على صخرة صماء ... إنه أنا الآن الذي أمسى جداً له أحفاد كزغب الحواصل، يتلهى بهم عن شوارد الذاكرة"( ).
ويغيب طوال الفصول السبعة (2-8)، يبدأ السرد فيها منذ ذهابه إلى كافتيريا الشروق لرؤية "عنايات"، التي تؤكد أنه راوي "غزل الذاكرة" "العم راوينا، صديقنا منذ عقدين أو يزيد، شاهد على أحداث سبقت قدومكم على هذه الحياة"( )، حيث يرى " جاد" و"عايدة الصغيرة"، فيتحول إلى مستمع لقصصهما، وبقية الشخوص، يدير الحوار بينهم؛ حيث تسرد الشخصية عن ذاتها وعن غيرها، فيغدو وكأنه راوي الرواة؛ فهو سارد يعلن عن نفسه، ويعيد قراءة ما يرويه الرواة، محققاً في مصداقية الوقائع، فهو المؤطر للمروي؛ إذ ينقل ما ترويه الشخصيات، ويعقب على أقوالها، ممسكاً بخيوط السرد. ومن ذلك "في الطريق إلى حانوتا، همس جاد في أذن السيدة بسر كان قد أخفاه عنها"( )، ومن أمثلة تعقيبه كان منذر صادقاً فيما روى، لم تكن حكايته عن حسين "أبو شلحة" وخطيبته "عروب" قصة فردية"( ).
أما مقدار علمه بشخوصه، فيبدو غير عليم بخفاياها، ويؤكد ذلك "أعترف أنني كنت راوياً ناقصاً، لم أكن محيطاً بكل تفصيلة مهمة تتصل بحيوات الشخوص، هكذا أراد الكاتب أن لا أكون عالماً عارفاً بكل جوانب عملي الدرامي"( )، فيعتمد على وصف الشخصيات من الخارج، بنظرة موضوعية، متسائلاً عن حقيقة شعورها "لا أعرف إن كانت صرخة أمل، أم ألم، أم احتقار"( ).
بيد أنه، وفي حالات قليلة، يسرد عن داخل الشخصيات "رغبة منها في إفراغ صدرها من إحساسات قديمة أتعبتها فلم تعد تطيق معايشتها"( ). كما يسرد عن أشياء حدثت، ولم يسـمعها من غير أن يحدد مصادر معرفته، فيظهر بمظهر الراوي العليم مخالفاً ما وصف به نفسه في أول الرواية( )، إذ يصف مكالمة هاتفية بين "عنايات وسمور"، يذكر ما قاله "سمور" على الجانب الآخر للهاتف، رغم كونه لم يسمع إلا "عنايات".
بيد أنه في جلّ الرواية، السارد غير العليم، المتخفي على الرغم من حضوره في النص، معتمداً على الرؤية من خلف، متحدثاً عن الآخرين، دون الإشارة إلى ذاته.
الشخصيات وتحولها إلى رواة
تتولى الشـخصيات مقاليد السـرد وتستبطن ذاتها، باسترجاع الماضي كما يفعل "جاد" و"عايدة"، أو تسرد عن شخصيات أخرى كما يفعل "منذر" و"حسين أبو شلحة" ..، ونرى الشخصية ذاتها في مرايا متعددة، بيد أنها مهشّمة، وغير مكتملة "علاقتي بزمن المرايا المتكسرة، تعكسني عشرات المرات بجزئيات لا تكتمل، تعجزني بما تفيض من صور مهمشة مشوهة، لا يجمع هويتها جامع من زمان أو مكان من بقايا جغرافياً أو تاريخ"( ).
كما نسمع الحكاية الواحدة من شخصيات متعددة، دون أن تجتمع لدينا صورة مكتملة عنها، كل يسرد جزءاً منها، أو يتناولها من زاوية نظر معينة، ما يضفي على السرد طابع وجهات النظر.
وثنائية الرؤية هي المتحكمة هنا، كما في روايات "مستغانمي"؛ إذ تسرد الشخصية عن ذاتها من الداخل، وعن غيرها من الخارج بنظرة موضوعية. تقول "عايدة" عن ذاتها " إن مفارقة بشعة جردت طفولتي من براءتها"( )، وعن "جاد" "يبدو جاد متماثلاً معهم، يصافحهم بحميمية قل نظيرها"( ).
من أمثلة سرد الشخصيات:
- يسرد "جاد" حكايته، وحكاية "أبو ريالة"، وحكاية القبطان التي سردتها "أم عوني"( ).
- تسرد "عايدة" عن ذاتها( )، وعن رحلتها مع "جاد"( ).
- يسرد "أبو شلحة" قصة المختار وعم "صادق"، بصورتين، يخوّنه( ) تارة، ويجعله محرراً لنصف الوادي تارة أخرى( )، يقاطعه رجل مسن بعين واحدة، مكملاً سرد القصة.
- تسرد "عروب" قصتها من الداخل، و"منذر" يسـرد عن "حسين" ويعتبره خائناً، كما يسرد قصة المختار من وجهة نظره، وقصة "عروب من الخارج"( ).
وجدير بالذكر أن "العيلة" يجعل روايته هذه مثقلة بالرموز، الأمر الذي لم تفعله "مستغانمي"، باستثناء رمزية المرأة / المدينة، ربما عاد ذلك للظروف السياسية في فلسطين، وصعوبة التعبير صراحة عن حقيقة ما يجري، ولعله بهذا متأثر بالكاتب الفلسطيني "إسحاق موسى الحسيني" في روايته "مذكرات دجاجة"، 1943، خاصة في حكاية الديك البلدي التي تسردها أكثر من شخصية.
اللعب الروائي
لعل أول تلاعب روائي يطالعنا به كل من "مستغانمي" و"العيلة"، هو التماهي وعدمه مع أبطال رواياتهما، وهو أمر لجأ إليه العديد من الروائيين، نذكره بإيجاز لضرورة إيضاحية لا أكثر.
نلاحظ تماهياً بين "مستغانمي" و"حياة" بطلة الروايات الثلاث، حتى ذهب البعض أمثال "مفيد نجم" إلى اعتبارها شخصية واحدة، معتمداً على تطابق اسم المؤلفة على الغلاف، مع اسم البطلة في العمل الروائي، الذي يرد في "ذاكرة الجسد"، ص(37)، ويرى في ذلك "تحولاً في موقع المرأة وقدرتها على استخدام اسمها بجرأة حتى في الأعمال التي تتناول جوانب تعتبر من التابو الاجتماعي، وتتصل بعلاقة المرأة مع جسدها ومع الرجل"( )، ولعل ما أوردته "رباب محمد"( )، من معلومات عنها، تتشابه مع ما ذكر عن "حياة" يؤكد ذلك؛ فكلتاهما من قسنطينة، من أصل جزائري، تولد في تونس، وتعود للإقامة في الجزائر بعد الثورة، تسافر لإكمال دراستها العليا في باريس، وتعود لتستقر في بيروت، وتصدر روايتها الأولى. ونضيف نحن، إشارة "حياة" إلى روايات مستغانمي على أنها لها، وأنها هي الكاتبة، لعل في هذا اعتراف منها بتطابق الشخصيتين.
بيد أن التطابق بين "أحلام" المؤلفة "و"حياة" الشخصية المؤلفة داخل النص الروائي ليس تطابقاً تاماً، فرغم التشابه يظل الخلاف قائماً؛ فبينما يستشهد والد "حياة"، لا يحصل ذلك لوالد "مستغانمي"، رغم كونه مناضلاً، شارك في المظاهرات، وسجن، كما أنها ليست عاقراً، بل لديها أولاد، ومتزوجة من صحفي لبناني، لا من رجل عسكر. إضافة إلى وجود عبارات في "عابر
سـرير"، وبقية الروايات، سنأتي عليها لاحقاً تجنباً للتكرار، تشير فيها إلى أن الكاتب مزور وكاذب، ومساحة الحقيقة فيما يكتب، لا تتجاوز مساحة أريكة وطاولة في بيت، ربما تؤكد بذلك وهمية أحداث الروايات، واعتمادها على الخيال، لدفع شبهة قيامها بما ورد فيها.
ويتطابق "العيلة" تماماً مع "نبيل"؛ فكلاهما يحمل الصفات ذاتها، باستثناء كون "العيلة" غير مطلِّق، ولعله إذ يقتبس فقرة قالها "نبيل" في "غزل الذاكرة"( )، ويوقع اسمه تحتها، على الغلاف، يؤكد أن "نبيل" قناعه الفني، يتحدث من خلاله عن ذاته لا غير.
اللعب الروائي عند "مستغانمي"
تتعالق نصوص "مستغانمي" ببعضها إلى حد كبير، في تناص ذاتي يكون "عندما تدخل نصوص الكاتب الواحد في تفاعل مع بعضها، ويتجلى ذلك لغوياً وأسلوبياً ونوعياً"( )، وليس تعالقاً عادياً، يكمل فيه الجزء الثاني أحداث الأول، بل هو تلاعب روائي، وحيل فنية، تميز نصوصها عن غيرها؛ إذ يتحول القارئ معها، إلى منتج للمعنى، وباحث عنه.
سنقتصر في هذه الجزئية، على التناص الذاتي لنصوصها في البنية السردية، لنلاحظ ما فيها من تلاعب فني، ونرى من ثم انعكاساته على "العيلة".
يتيح السرد في روايات "مستغانمي" إمكانات كبيرة للتلاعب في المادة الروائية؛ إذ ينهض السارد في رواياتها الثلاث، بدور المؤلف، الذي يكتب رواية وهو ما اصطلح النقاد وأولهم (بوث) على تسميته بالكاتب الضمني، واعتبروه الذات الثانية للكاتب، ذاتاً من ورق وحبر( )، متحدثاً عن تقنيات سردها، ليعود في آخرها حاملاً مخططها، فتندمج حكاية الرواية (قصتها) في حكاية تأليفها (سبب الكتابة)، بل "تشغل حكاية التأليف من هذا المنظور، الحكاية الأولى"( )، في ضرب من السرد الكثيف، الذي يشير فيه الراوي إلى نفسه كثيراً، بوصفه منتجاً للأحداث، مبدياً ملاحظاته حول كل شيء، ما يمزق الإيهام، ويكسر مقوماته( ).
ففي "ذاكرة الجسد"، يظهر كل من السارد والمسرود له مؤلفاً للرواية، وكاتباً ضمنياً لها؛ إذ يؤكد "خالد" أن "حياة" روائية تقتل أبطالها في روايات، ما يجعله يتساءل، بعد رؤيته لصورتها مع كتابها الجديد، فيما إذا كان هو محوره وموضوعه "متى كتبت ذلك الكتاب؟ أقبل زواجك أم بعده؟ أقبل رحيل زياد – أم بعده؟ أكتبته عني ... أم كتبته عنه؟ أكتبته لتقتليني به ... أم لتحييه هو؟ أم لتنتهي منامعاً، وتقتلينا معاً بكتاب واحد .. كما تركتنا معاً من أجل رجل واحد؟"( ). تساؤلات تلخص "ذاكرة الجسد" لا غير، وتؤكد محتواها، فقد قتلتهما معاً بعد أن تركتهما للزواج بثالث.
ولهذا يتردد في شرائه " فلا كان ممكناً يومها، بعد كل الذي حدث، أن أذهب للبحث عنه في المكتبات، لأشتري قصتي من بائع مقابل ورقة نقدية "( )، بيد أنه اشتراه على الرغم من تردده، ونعرف ذلك في "عابر سرير"، ربما ليعرف ما حدث معها بعد أن تركته، مشيراً بذلك إلى نوعية السارد في الرواية، الذي تحول في آخرها إل





تعليقات حول هذه المقاله
العنوانالكاتبوقت الإضافه

تصويت
ما رأيك بالموقع ؟
ممتاز
جيد
مقبول
سيء
نتائج التصويت

حجة بالوان العصر


لوحاتي




كتاباتي

غزل الذاكرة
زمن المرايا
وطن العنقاء
كثبان الذهب الأسود
أبو علي إياد
تأملات مصطفى صبري
الأولاد والشمس
إنشطار الذات
معركة النفق
مكانة القدس
جدار الفصل العنصري
وطني ليس حقيبة
إمبراطورية النفايات
قراءات أمنية
امرأة لا تغار
صراع لا يموت
أصحاب الملايين
صوت الذاكرة


الساعة

صدر حديثا


 
Qalqilia NetWork