إبحث عن:    
القائمة الرئيسيه
صفحة البداية
القصة القصيرة
القصص والروايات
دراسات و ابحاث
المقالات والترجمات
الكاتب يوسف العيلة
معرض الصور
شاركنا رأيك
English Site

تسجيل الدخول
إسم المستخدم:

كلمة المرور:


تسجيل
هل نسيت كلمة المرور

المقالات الأكثر قرائة
1 من الممات إلى البعث .... نظرة إسلامية تقليدية
2 تأملات - الفصل الخامس : موروثات
3 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المصادر والمراجع)
4 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المقدمة)
5 الإسلام دين الفطرة الإنسانية

الكاتب يوسف العيلة


جديد الروايات

 

صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في رام الله دراسة بحثية بعنوان " لسانيات الخطاب الشعري المعاصر ، ليليان بشارة - منصور نمرذجاً " للروائي يوسف العيلة . تضئ الدراسة بعضاً من واقع اللغة العربية في الداخل الفلسطيني . ويقع هذا الإصدار في مئة وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، وهو السابع عشر في سلسلة إصدارات يوسف العيلة النقدية والروائية .


قراءة المقاله



تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (الفصل الرابع)
كتبت بواسطة: يوسف العيلة - el 05/11/2005 - 1647 زوار        


(التأثير والتأثر في بناء المكان ورمزية المرأة)
* المكان عند مستغانمي
- ذاكرة الجسد
- فوضى الحواس
- عابر سرير
* المكان عند العيلة
- غزل الزاكرة
- زمن المرايا
* رمزية المرأة في روايات مستغانمي
* رمزية المرأة فـي روايات العيلـة
* الخاتمة

التأثير والتأثر في بناء المكان ورمزية المرأة
لم يعد المكان* في الرواية الحديثة مجرد وعاء للأحداث وإطار لها، بل غدا عنصراً فاعلاً في بناء الرواية ونسج عناصرها، فهو العمود الفقري الذي يربط أجزاء الرواية ببعضها البعض، وهو الذي يسم الأشخاص والأحداث الروائية في العمق، والمكان يلد السرد قبل أن تلده الأحداث الروائية وبشكل أعمق وأبعد أثراً( ).
وللوقوف على ما بين "مستغانمي" و "العيلة" من تأثير وتأثر، نقف على تفصيلات بناء المكان عند كليهما، لنرى من يقدم لنا المكان ومن يرى مظاهره؟ من يرتبه داخل اللغة الروائية؟ وهل يتناسب بناء المكان عندهما مع بناء العناصر السردية الأخرى؟
المكان عند "مستغانمي"
يميز المكان روايات"مستغانمي" ويطبعها بطابع خاص؛ فلا يخرج القارئ إلا وقسنطينة عالقة في ذهنه وكأنها شخص فاعل فيها، فليس المكان مجرد (ديكور) للشخصيات ومسرح لتجوالها، بل تتلاعب "مستغانمي" في بنائه، كما تلاعبت في عناصر الرواية الأخرى، فتلجأ إلى تقطيعه وأنسنته وغير ذلك من تقنيات. وسنتوقف الآن أمام المكان في رواياتها رواية رواية.
ذاكرة الجسد
تكاد أحداث هذه الرواية تتوزع بين مدينتين هما قسنطينة وباريس، يتردد "خالد" على أماكن معينة فيهما، ويحدد من خلالها موقفه من هذه المدينة أو تلك. ففي قسنطينة، يطالعنا بيت العائلة الذي يقيم فيه "حسان"، أخو "خالد"، بنافذته المطلة على جسر "سيدي راشد"، وغابات الغار والبلوط إضافة إلى المآذن والأجهزة الهوائية( ). وفيها أيضاً قبر أم "خالد"( ) وسجن (الكديا) وزنزانته( )، بالإضافة إلى مزارات الأولياء "سيدي محمد الغراب"( )، وجسور قسنطينة وتحديداً قنطرة الحبال، ومطار المدينة ومقاهيها( )، وشوارعها والقنصليات الأجنبية فـيها( )، والماخور ودار "صـالح بـاي"( )، والغرفة الجامعية الـتي عاش فـيها "زياد"( ).
ولا تختلف الأماكن فـي باريس عنها فـي قسنطينة، وهـي قاعة عرض الرسومات (الرواق الفني)( )، وبيت "خالد"( )، بنافذته المطلة على نهر السين، وجسر (ميرابو)( )، ومقهى (ميرابو) المجاور له( )، ومدرسة الفنون الجميلة( )، ثم مطار باريس( ).
عدا هاتين المدينتين اللتين تجري الأحداث فيهما، ترد إشارات عابرة لأماكن أخرى ومنها باتنة المدينة الحدودية بين الجزائر وتونس( )، وتونس التي رحل إليها "خالد"، بعد إصابته، للعلاج وتحديداً المشفى الذي تعالج فيه، وغرفته البائسة فيها( )، ودار البلدية التي سجل فيها "حياة"، ثم بيت "حياة"( ).
كما ترد إشارة إلى غرناطة التي سافر "خالد" إليها لأعمال فنية( )، وبيروت التي يموت فيها "زياد"، وغزة مدينة هذا الأخير( ).
حضور المكان وغيابه
كما تراوح "مستغانمي" بين الحاضر والماضي، حتى لنخال الشخصية تحيا زمنين في لحظة واحدة، تفعل ذلك في المكان، وتراوح في نصها بين مكان حاضر ومكان غائب، ويبدو ذلك منطقياً إذا اعتبرنا أن حياة الإنسان مرتبطة بأمكنة مختلفة "بعد تجاوزها وتجاوز تاريخياتها تصبح أمكنة نفسية وشعرية لها جمالياتها ورموزها، ودلالاتها وارتباطاتها النفسية ولها الأجواء المغناطيسية النفسية التي تتشكل حولها حين ذكرها أو استخدامها"( ).
سنأتي على دراسة الأمكنة، الحاضرة والغائبة، في كل فصل، ونبين مدى تداخلها، وما تجريه "مستغانمي" من تقطيع في تصويرها، حيث تقيم الشخصية في مكان وتستحضر آخر، كما تنتقل الأحداث من مدينة لأخرى، انتقالاً حقيقياً أو ذهنياً تجريه الذاكرة.
تشـكل قسنطينة المكان المؤطر لأحداث الرواية؛ ففيها وتحديداً في بيت العائلة يسترجع "خالد" قصته مع "حياة" ويكتبها، فيستحضر في هذا المكان بقية الأمكنة. وتكون باريس المكان الغائب الذي تستحضره الذاكرة في الفصل الأول "تذكرت دون مجال للشك بأنني في مدينة عربية، فتبدو السنوات التي قضيتها في باريس حلماً خرافياً"( )، كما يستحضر "خالد" خط موريس المكهرب، المفروش بالألغام، الواقع على الحدود التونسية الجزائرية؛ إذ كان عليه أن يجتازه وهو ينزف بعد إصابته( ).
وتصبح قسنطينة ذاتها حاضرة وغائبة في آن، فإذ يقيم فيها "خالد" الآن وقد بلغ الخمسين من عمره، يسـتذكر حالها قبل ربع قرن، أيام حرب التحرير "تمتد أمامي غابات الغار والبلوط، وتزحف نحوي قسنطينة ملتحفة ملاءتها القديمة، وكل تلك الأدغال والجروف والممرات السرية التي أعرفها والتي كانت تحيط بهذه المدينة كحزام أمان، فتوصلك مسالكها المتشعبة، وغاباتها الكثيفة، إلى القواعد السرية للمجاهدين"( )، كما يستذكر سجن الكديا الذي دخله قبل ربع قرن( )، ويستذكر حال قسنطينة بعد خروجه من سجنه ودراسته اللغة الفرنسية في مدارسها( ).
وبينما تكون قسنطينة المكان الحاضر في الفصل الأول، تتحول إلى مكان غائب في الفصل الثاني، وتنتقل الأحداث إلى باريس؛ إذ يبدأ "خالد" في استرجاع القصة من بدايتها، حيث يلتقي بـ "حياة" في قاعة عرض لوحاته( )، وفي هذا المكان، المتذكر، يستذكر رؤيته لها للمرة الأولى في بيتها في تونس عام 1962، ومتابعته لعودتها إلى الجزائر( )، كما يستذكر مستشفى "الحبيب ثامر"، وإعطاء الممرضة له ثياب "سي الشريف"( )، حيث استمع في هذا المشفى لنصيحة الطبيب اليوغسلافي له بضرورة إعادة بناء علاقة مع العالم( )، فكان أن بدأ الرسم للمرة الأولى( ).
وبينما تونس مكان مستحضر، يستذكر "خالد" حاله فيها وحنينه لقسنطينة واستنجاده بدفء الأمومة الذي افتقده في تونس( ).
وتظل باريس وقاعة العرض المكان الحاضر في الفصل الثالث، بينما يستحضر "خالد" مدرسة الفنون الجميلة في باريس ذاتها، حيث رسم وجه (كاترين) ولم يستطع رسم جسدها العاري( ). وتظل قسنطينة، في هذا الفصل، المكان الحاضر على الرغم من غيابه، يراه "خالد" بعين ذاكرته؛ فبينما يطل من شرفته على نهر السين وجسر (ميرابو)( )، لا يرى سوى قسنطينة مؤكداً أنها تسكنه على الرغم من غيابه عنها، وبدل أن يرسم جسر (ميرابو)، يرسم جسر قنطرة الحبال " كانت عيناي تريان جسر ميرابو ونهر السين. ويدي ترسم جسراً آخر ووادياً آخر لمدينة أخرى"( ).. "وعندما انتهيت، كنت رسمت قنطرة سيدي راشد ووادي الرمال لا غير، وأدركت أننا في النهاية لا نرسم ما نسكنه. وإنما ما يسكننا"( ).
وتستحضر "حياة" في هذا الفصل أيضاً جسور قسنطينة( )، كما يستذكر "خالد" تونس وما قضى فيها من سنوات لتعلم العربية( )، والجزائر عقب تحريرها( ).
ويظل الحال " لخالد " كذلك في الفصل الرابع، إذ يقيم في باريس ويستذكر المهرجان الأفريقي الذي يقام في الجزائر للرقص والغناء( ). ويستمر في رسم جسور قسنطينة، معلناً عداوته لنهر السين لخلو قسنطينة من نهر مثله( ). وتكون قسنطينة مكاناً حاضراً " لحياة " التي تسافر إليها في إجازة الصيف.
تترك "حياة" قسنطينة، ويترك "زياد" بيروت، ويجتمعان مع "خالد" في باريس( )، وبينما يلتقي "زياد" و "حياة" في بيت "خالد"، يسافر الأخير لغرناطة، لأعمال تخص عرض لوحاته، وتغدو غرناطة مكاناً حاضراً بالنسبة له( ).
تحضر قسنطينة ثانية في الفصل الخامس، إثر عودة "خالد" إليها، بعد عشر سنوات من الغربة، لحضور زفاف "حياة". ولدى شعوره بالغربة في مدينة عشقها إلى حد التوحد، واكتشافه أنه استعاد المكان فقط دون الزمان، يستحضر أيام مجده فيها، في محاولة يائسة لاسترجاع الماضي، علّه يرى المدينة من خلاله، فتغدو المدينة، مرة أخرى، حاضرة وغائبة، يسير في شوارعها الآن، ويستذكر حالها قبل عشر سنوات، فتشكل الأماكن استفزازاً لذاكرته " تلك المدينة التي كانت تتربص بذاكرتي في كل شارع. وكنت تختبئين لي فيها خلف كل منعطف…"( ).
فيعيـده بيت العائلة، الآن، إلى حاله يوم وفاة والدته "أكاد أرى جثمان (أما) يخرج مرة أخرى من هذا الباب الضيق"( )، كما يستعيد طفولته في "البيت الشاسع المسكون بذكريات الطفولة المبتورة.. وشهوة الشباب المكبوت الذي مرَّ على عجل.."( ).
وتعيده مقاهـي الحاضر، إلـى المقاهي القـديمة (مقهى بـن يامينة) و (مقهى بوعرعور) التي كانت كبيرة بروادها، وكثرت اليوم لتسع بؤس المدينة( ).
ويعيده حال الماخور، الآن، وقد أغلقت أبوابه لتزداد المساجد( )، إلى صباه، يوم كان دخول هذا البيت حلماً وهاجساً. كما يستذكر "خالد"، لدى رؤيته لجدران سجن الكديا من الخارج، غرفه من الداخل يوم كان أحد نزلائه( ).
وتظل قسنطينة المكان الحاضر في الفصل السادس، تسكن "خالد" ولا يسكنها، على الرغم من كونه فيها، "لا تطرقي أبواب قسنطينة الواحد بعد الأخر.. أنا لا أسكن هذه المدينة .. إنها هي التي تسكنني"( ). ويسافر إلى باريس، وتصير قسنطينة مكاناً غائباً مستحضراً؛ إذ يتذكر بيت "حسان"، ويحاول التصالح مع الأشياء في باريس( )، بيد أن مقتل أخيه في العاصمة الجزائرية، يعيده إلى قسنطينة أشلاء رجل كما عاد أخوه جثة( ).
وعلى الرغم من عودة "خالد" إلى قسنطينة التي طالما أحبها واشتاق إليها، يظل مسكوناً بازدواجية الأمكنة، وتصر ذاكرته على استحضار مكان بينما يقيم جسده في آخر، وتكون باريس هنا هي المستحضرة، والمدينة التي يحن إليها ويجد صعوبة في نسيانها، كما بذل جهداً، ذات يوم، لتحمل فراق قسنطينة وغيابه عنها.
تكون قسنطينة المكان الحاضر، تقريباً، في الفصول: الأول والخامس والسادس، والغائب المستحضر في الفصول: الثاني والثالث والرابع. وتحضر باريس عندما تغيب قسنطينة، وتغيب الأولى عندما تحضر الثانية.
رؤية الشخصية للمكان عبر الأزمنة والأحداث
تتغير دلالة المكان وملامحه بفعل الزمن، كما يجسد اختلاف المكان الزمن الذي مضى في غفلة دون أن نفطن إلى مضيه قبل ذلك؛ ذاك أن "المكان في مقصوراته المغلقة التي لا حصر لها، يحتوي على الزمن مكثفاً"( )، فالعودة إلى المكان الماضي لا يصاحبها عودة في الزمن، ونتيجة لذلك تتغير نظرة الشخصية للمكان، وتتغير أيضاً بتغير الأحداث المرتبطة به؛ فلا تحمل أي من باريس وقسنطينة دلالة واحدة، بل تجمع كل منهما بين معاني الغربة والوطن، وتتغير من سالب لإيجاب وإيجاب لسلب وفق تموجات الزمن، واختلاف الأحداث.
يعشق "خالد" قسنطينة، ويفقد ذراعه من أجلها، ليوصم بعاهة أبدية، أيام الثورة، يوم كانت معقلاً للثوار ومدينة تحترم المجاهدين ومعطوبي الحرب، وعندما تسلم الجزائريون زمام أمورها، وغدا موظفاً وحارساً على نصوص المثقفين في مدينة تقمع حرية الكلمة، يقرر هجرها وتفضيل الغربة عليها.
وعلى الرغم من ابتعاده عنها، يظل على وفائه العشقي لها، وتظل المدينة الأجمل التي تسكنه، والمكان الحاضر رغم غيابه، ولأن الغياب يزيدها سحراً، يتذكر تفاصيلها التي غابت عنه وهو فيها " أدهشتني هذه الفكرة التي ولدت في ذهني مصادفة، وأدهشني أكثر، كون هذه التفاصيل التي تشغلني اليوم بإلحاح، لم تكن تلفت انتباهي منذ ربع قرن.."( )، ويستعيد ملامحها رسماً، مخلداً جسورها في لوحات فنية جعلت منه فناناً عظيماً "كنت أريد أن أرضي قسنطينة حجراً حجراً، جسراً، جسراً. حياً.. حياً، كما يرضي عاشق جسد امرأة لم تعد له"( ).
وعلى الرغم من فقدانه لذراعه في وطنه،حيث قسنطينة جزء منه،تظل معقل أحلامه وذكريات طفولته ونضاله، ومكان الأمومة الحميمي، يستنجد بدفئها في شتاء تونس البارد " كدت أصرخ في ليل غربتي.. "دثريني قسنطينة .. دثريني.."( ). ويكون عشقه لها سبباً في كرهه لأي مكان يطؤه؛ فهي تطارده كما تطارد غزة "زياد" " لم يكن يفهم أن تطاردني تلك المدينة إلى درجة إخراجي من كل المدن. وها هو الآن يصل إلى كلامي من تلقاء نفسه، ويصبح بدوره مسكوناً بمدينة، مطارداً بها"،( ) ويؤكد "خالد" أن الفقدان هو المؤجج لشوقه "هنالك أشياء شبيهة بالسعادة لا ننتبه لوجودها إلا بعدما نفتقدها!"( )، لهذا تبرد حرارة وجده بقسنطينة بمجرد عودته إليها، وقد تغير كل شيء فيها بتغير الزمن ومروره. ولعل عودته الموجعة إليها رسخت صورتها القاتمة في ذهنه؛ حيث قدم لحضور زفاف المرأة الوحيدة التي عشق، فتصير مكان الفجيعة لا مكان الحب، مكان الفراق بعد أن كانت يوماً مكان لقائه بها طفلة "لتكن قسنطينة لقاءنا وفراقنا معاً.. فلا داعي لمزيد من العذاب"( ). ويتغير نتيجة لذلك شعوره بالمدينة وأماكنها، فيغدو مطارها بارداً وليلها موحشاً "بارد مطارك الذي لم أعد أذكره.. بارد ليلك الجبلي الذي لم يعد يذكرني"( )، يراها أماً متطرفة العواطف حباً وكراهية، حناناً وقسوة، تحترم الخونة وتعرض عن الشرفاء، تتأمل جواز سفره ولا تكترث بشخصه الذي عشقها وخلدها في فنه "هذه المدينة الوطن، التي تدخل المخبرين وأصحاب الأكتاف العريضة والأيدي القذرة من أبوابها الشرفية.. وتدخلني مع طوابير الغرباء.."( ).
ويســهم برودها في اســتقباله، في تغير دلالتها لديه، حتى غدا يتسـاءل دهشـاً عن ســبب حبه لـها "ما الذي أوصلني إلـى جنون كهذا؟ ما الذي أوقفنـي عند أبواب قلبها عمراً؟"( ).
فتتغير دلالة قسنطينة من إيجاب إلى سلب، وتصير مدينة لا تأبه بنفسها بقدر ما تأبه لما يقال عنها، مدينة تحترف الجنون( )، "هي مدينة لا يهمها أحد غير نظرة الآخرين لها، تحرص على صيتها خوفاً من القيل والقال الذي تمارسه بتفوق. وتشتري شرفها بالدم تارة.. والبعد والهجرة تارة أخرى"( )، فهي أكثر المدن نفاقاً وكذباً( )، تخفي خلف شوارعها "قصص الحب غير الشرعية، واللذة التي تسرق على عجل خلف باب.. وتحت ملاءتها السوداء الوقور، تنام الرغبة المكبوتة من قرون.."( ) فهي مدينة سادية تتلذذ بتعذيب أولادها( )، مدينة التناقضات والأضداد "هذه هي الجزائر يا حسان.. البعض يصلي، والبعض يسكر.. والآخرون في أثناء ذلك يأخذوا في البلاد!"( ).وتتغير دلالة المدينة في نظر "حسان" أيضاً، الذي يؤكد هجرة أهلها لها؛ إذ لا تترك لهم سوى خيارات السرقة أو الانتحار أو الانتظار( ). ويصير الوطن عارياً مشوهاً في نظر "خالد"، خالياً من كل جمالية أسبغها عليه " فتركته ليتحدث.. ويعري أمامي هذا الوطن الذي كنت كسوته حنيناً وعشقاً وجنوناً"( )، فيتحول إلى غريب فيه، يشعر بدوار على جسور أفنى عمره في رسمها" وإذا بي أشعر فجأة بالخجل من هذه المدينة.. وأكاد أعتذر لها. وحدهم الغرباء هنا يشعرون بالدوار"( )، وتكون المفارقة؛ إذ يقرر "خالد" الهرب من الجسر الذي قضى عمراً يرسمه( ).
وهكذا يسلب الاقتراب من المدنية القداسة التي منحها لها البعد، فيرى "خالد" الأشياء دون قناع " أتراه عشق هذا الوطن.. أم البعد عنه، هو الذي أعطى الأشياء العادية قداسة لا يشعر بها غير الذي حرم منه؟"( )، وكأن الاقتراب من الحلم يقتله، فيقرر الرحيل عنها؛ علَّه يسترجع بعض جمالها الذي كان. "تراني أطلت المكوث هنا، واقترفت حماقة الاقتراب من الأحلام حتى الاحتراق، وإذا بي يوماً بعد آخر، وخيبة بعد أخرى، أشفى من سلطة اسمها على، وأفرغ من وهمي الجميل .. ولكن ليس دون ألم؟"( ) ويشفى فعلاً من ولهه بها، ويكف عن معاملتها كمدينة فوق العادة( ).
يقطع "خالد علاقاته بقسنطينة، ويغيب عنها ست سنوات، لا تكون خلالها هاجسه، بل يحاول أن يصنع من غربته وطناً بديلاً، ولولا موت أخيه لما عاد إليها، الحادث الذي تتأكد به دلالة المدينة السلبية، فتغدو مكان الفاجعة بامتياز؛ يفقد فيها ذراعه أولاً، وحبيبته ثانياً، وأخاه أخيراً، الذي يعود مرغماً لدفنه، كما عاد مرغماً لدفن حبه "تلك الأم الطاغية التي تتربص بأولادها، والتي أقسمت أن تعيدنا إليها ولو جثة"( ).
وتكون المفارقة؛ إذ تتحول قسنطينة، في الذكرى الرابعة والثلاثين للثورة، إلى غربة موحشة، بعد أن كانت بلد الأمومة والحرية في الذكرى الأولى "فما أوجع هذه الصدفة التي تعود بي، بعد كل هذه السنوات إلى هنا، للمكان نفسه، لأجد جثة من أحبهم في انتظاري، بتوقيت الذاكرة الأولى"( ). وتنتهي المدينة الني كانت بطلاً فاعلاً، وطرفاً لا يمكن إهماله "سأحدثك عن تلك المدينة التي كانت طرفاً في حبنا، والتي أصبحت بعد ذلك سبباً في فراقنا، وانتهى فيها مشهد خرابنا الجميل "( ). تسقط بسقوط أخيه، ويرى المكان من خلال هذا الحدث " وأقف أنا وسطها وكـأنني أقف على تلك الصخرة الشاهقة، لأرقص وسط الخراب، بينما جسور قسنطينة الخمسة تتحطم وتتدحرج أمامي حجارة نحو الوديان "( ).
وربما خاف صديقه (روجيه نقاش) من العودة إلى هذه المدينة، لما أصاب "خالد"، خاف ألا يتعرف عليه المكان، وفضل الاحتفاظ بالحلم على مواجهة الواقع" ما يخيفني ليس ألا يعرفني الناس هناك، بل ألا أعرف أنا تلك المدينة.. وتلك الأزقة.. وذلك البيت الذي لم يعد بيتي منذ عشرات السنين"( ). الأمر الذي فعله كثير من الفلسطينيين؛ إذ رفض العديد منهم زيارة بيوتهم التي احتلت عام 1948م خوفاً من مواجهة الواقع، و "رفضاً للاقتراب من عالم الذاكرة، والتعاطي مع ألم لا يطاق، ولا يمكن تجنبه بعد زيارات كهذه"( ).
فبينما تكون قسنطينة، قبل الاستقلال، موئلا للأحرار، تغدو، بعد التحرير، وطناً للسراق، وبينما تكون، في أول الرواية، رمزاً للأمومة ودفئها، يستحضرها "خالد" على الرغم من غيابها، تغدو، في آخر الرواية، معقلاً لجراحه، وبؤرة لألمه يتمنى الهروب منها، ويفعل ذلك لكنها تعيده إليها مرغماً لدفن أحب الناس إليه.
خلافاً لـ "خالد"؛ لا تعشــق "حياة" قسنطينة، بل هي تكن لها كرهاً، وتراها مدينة لا تطاق، صالحة فقط لمـن أراد الانتحـار أو الجنون( )؛ فهي تعرف المدينة حقيقة لا حلماً كـ "خالد"، تراها دون تجميل، دون أن يصبغ عليها الحلم سحره، وترى أن خير علاج لـ " لخالد" يكمن في زيارتها، الأمر الذي تكلفت به، وكان سبباً في شفائه منها " إن من حسن حظك أنك لم تزر قسنطينة منذ عدة سنوات.. وإلا لما رسمت من وحيها أشياء جميلة كهذه، يوم تريد أن تشفى منها عليك أن تزورها فقط .. ستكف عن الحلم!"( ). فالحياة فيها صعبة لا تطاق، والإنسان فيها مراقب( ). كما أنها تكره الجسور التي يحبها "خالد" وأما جسور قسنطينة الحديدية المعلقة في الفضاء، فهي جسور مخيفة، حزينة. لا أذكر أنني عبرتها مرة واحدة راجلة، أو حاولت مرة واحدة النظر فيها إلى أسفل.. إلا شعرت بالفزع والدوار"( ).
تشكل باريس المعنى المقابل لقسنطينة، فتكون مكاناً للغربة، عندما تكون قسنطينة وطناً للدفء، وتغدو وطناً يحاول "خالد" اعتياد الأشياء فيه، بعد تحول قسنطينة إلى غربة؛ فلدى رحيله الأول إلى باريس، كان يراها غربة يضطر للسفر إليها نظراً لتغير حال وطنه الذي يعشق، فيعادي كل شيء فيها، يسكنها ولا تسكنه، يستحضر قسنطينة نكاية بها وكأنه بذلك يغيظها، ويثبت قصورها على احتوائه " غربة كنت أحاول أن أختصرها بعملية حسابية كاذبة، تتحول فيها السنوات إلى ثماني مفكرات لا غير.. "( )، وعلى الرغم من احترام المدينة لموهبته وفنه، تظل مدينة الثلج والصقيع والوحدة( )، ترفض جراحة التي أحدثتها هي( )، فيعلن عداوته لنهرها، وكرهه للعيون الرزق( ).
وعلى الرغم من كونها غربة، لا يبدو الرحيل عنها سهلاً، ولا يسهل عليه فراقها، فثماني سنوات جعلته يعتاد عليها " ليس من السهل على شخص سكنته الغربة أن يجمع أشياءه هكذا ويعود.. في الحقيقة المنفى عادة سيئة يتخذها الإنسان، قد أصبحت لي أكثر من عادة سيئة هنا.. " ( ).
وبعد زيارة "خالد" لقسنطينة لحضور زفاف "حياة"، واغترابه فيها، يقرر التعود على باريس وجعلها وطناً بديلاً، يعوضه عن وطنه الضائع" رحت أؤثث غربتي بالنسيان. أصنع من المنفى وطناً آخر لي، وطناً ربما أبدياً، علي أن أتعود العيش فيه "( ). ويعتاد عليها درجة صعوبة نسيانها "لا بد أن أتعلم الآن الوجه الآخر للنسيان. الغربة أمٌ أيضاً ليس سـهلاً أن نجتاز الجسر الذي سيفصلنا عنها .."( ).
وهكذا يغدو الوطن غربة، والغربة وطناً، ويعاني "خالد" من قسوتهما وصعوبة نسيانهما، ويظل مشرداً في كليهما.
كما يرتبط المكان بالأحداث، حتى ليرقى إلى مستواها، فتذكر "مستغانمي" المكان بذكر الحدث، فيتحول بيت "خالد " في باريس من جنة شهدت لقاءه بـ "حياة" إلى جحيم حين تخونه هذه مع "زياد"، وتتحول باريس من مولد للحب إلى منبع للخيانة( ).
ويصير المكان لعنة يحاصر صاحبه، يذكره بما جرى فيه يوماً، الأمر الذي أدركه "خالد" عندما قرر الالتقاء بـ "حياة" في مقهى مجاور لبيته، فصار، فيما بعد، عنواناً لذاكرته، يعيده كلما رآه إلى لقاء حميمي جرى بينهما ذات يوم "لم أكن أعرف وقتها أنني أختار عنواناً لذاكرتي مجاوراً تماماً لعنوان بيتي، وأنني بذلك سأمنح الذكريات حق مطاردتي"( )، الأمر الذي أدركه عندما أدخلها بيته " أي جنون كان أن آتى بك إلى هنا، أن أفتح لك عالمي السري الخاص، أن أحولك إلى جزء من هذا البيت"( ). البيت الذي يتحول إلى جحيم بعد سفرها إلى الجزائر "هذا البيت الذي أصبح جنتي في انتظارك، والذي قد يصبح جحيمي بعدك"( ).
المقارنة بين الأمكنة
كثيراً ما يداخل الروائي بين مكانين في سياق واحد، نتيجة تداعي الذكريات تارة، والموازنة بينهما تارة أخرى، ليكشف مدى المفارقة الشاسعة بينهما، الأمر الذي لجأت إليه "مستغانمي " من خلال " خالد "؛ إذ يقارن بين مدينتين وجد نفسه مقيماً فيهما ووجدهما مقيمتين فيه، تنشطر حياته بينهما غربة وحنيناً، مدينتين متناقضتين تتناوبان في ذهنه حضوراً وغياباً، يغريه اختلافهما بعقد مقارنة بينهما، مقارنة تطال السـكان والنساء والعادات من لباس وأكل.. فيطالعنا "خالد" في أول الرواية وقد عاد إلى قسنطينة، التي تحولت إلى غربة، عودته الأخيرة، كما تحولت باريس إلى وطن يصعب نسيانه، فيقارن بين عادات هذه وتلك في تقديم القهوة "في مدينة أخرى تقدم القهوة جاهزة في فنجان، وضعت جواره مسبقاً ملعقة وقطعة سكر"( ) "ولكن قسنطينة مدينة تكره الإيجاز في كل شيء إنها تفرد ما عندها دائماً. تماماً كما تلبس كل ما تملك. وتقول كل ما تعرف"( ).
ويقارن بين أناقة باريس، التي انعكست على شخصه فراح يهتم بمظهره، وقبح قسنطينة ولا مبالاتها، الأمر الذي انعكس عليه أيضاً " وكانت باريس مدينة أنيقة، يخجل الواحد أن يهمل مظهره في حضرتها"( ) "اليوم لا شيء يستحق كل تلك الأناقة واللياقة، الوطن نفسه أصبح لا يخجل أن يبدو أمامنا في وضع غير لائق!"( ).
وتطال مقارنته النساء، وتكون (كاترين)، التي لـم يستطيع حبها، حافزاً لهذه المقارنة "إن امرأة تعيش على "السندويشات" هي امرأة تعاني من عجز عاطفي، ومن فائض في الأنانية…"( ).
ويستحضر إذ ذاك أمه "وأما الزهرة" جدة "حياة" وطريقتهن في الحب "اكتشفت بعدها أنها طريقة مشـتركة لكل الأمهات عندنا. إنها تحبك بالأكل، فتعد من أجلك طبقك المفضل وتلاحقك بالأطعمة"( )، لهذا يحب "حياة" " ابنة قسنطينة " وجدت نفسي – ربما وفاء لهن – عاجزاً عن حب امرأة تعيش على الأكل الجاهز، ولا وليمة لها غير جسدها !"( ) ويدرك بعد رؤية "حياة " صقيع أيامه قبلها( ).
وتطال مقارنته الفكر ومظاهر الحضارة بين أوروبا والعالم العربي، من خلال معايشته لباريس وقسنطينة "وحدهم العرب راحوا يبنون المباني ويسمون الجدران ثورة. ويأخذون الأرض من هذا ويعطونها لذاك، ويسمون هذا ثورة"( ).
أنسنة المكان
تعقد "مستغانمي" علاقة وثيقة بين الشخص والمكان الذي يسكنه، إلى درجة أنسنة هذا المكان، وجعله شبيهاً بصاحبه، يأخذ منه ويعطيه، "فإن المرء كذلك بقدر ما ينظم الفضاء ينظمه الفضاء. اختراق متبادل. تفاعل يدخله المرء عبر سيرورة تجربته في الوجود وعبر اضطراد تشكل تصوراته وخبراته وتشييد معرفته"( ). الأمر الذي يؤكده "خالد" "كان زياد يشبه المدن التي مر بها. فيه شيء من غزة، من عمان.. ومن بيروت وموسكو.. ومن الجزائر وأثينا"( ). كما غدا مقهى (ميرابو) حيث يلتقي "خالد" "بحياة" يشبههما "وكيف أصبح تدريجياً يشبهنا، بعدما تعود أن يختار لنا زاوية جديدة كل مرة، تتلاءم مع مزاجنا المتقلب"( )، وتشبه الأشياء أهلها، كما هي جرائد قسنطينة " ألأن الجرائد تشبه دائماً أصحابها، تبدو لي جرائدنا وكأنها تستيقظ كل يوم مثلنا، بملامح متعبة وبوجه غير صباحي غسلته على عجل.."( ).
ويعشق الشخص المكان إلى درجة تصعب معها مغادرته، وإن فعل ظل المكان شبحاً يطارده ويعيده حنيناً إليه، كما طاردت قسنطينة "خالد" وغزة "زياد"( ).
ويطلب "خالد" من المكان أن يتعاطف معه، ويشعر بشعوره، فيعتبر، لهذا، استمرار الحياة على جسر (سيدي راشد)، يوم زفاف "حياة"، تجاهلاً من هذا الجسر لحزنه، وإعراضاً عن مشاعره وخيانة لها " وكان جسر (سيدي راشد) يبدو بدوره منهمكاً في حركة دائمة كامرأة تستعد لحدث ما.. مأخوذاً بهمومه اليومية، وبحماس نهايات الأسبوع"( ).
ونظراً لصعوبة " تجاهل آثار المكان السيكولوجية على الإنسان ودوره في تكوين المعاني العاطفية، للمواقع والأماكن، وربطها بالحياة التي عاشها الإنسان فيها "( )، يقيم "خالد" شبهاً بينه وبين قسنطينة كلها، وبينه وبين جسورها تحديداً؛ فهو مثلها لم يختر قدره والألم الذي أصابه، كما لم تختر هي تاريخها وجغرافيتها، وعلى الرغم من ذلك لا يستسلمان " فهل عجب أن أشبه هذه المدينة حد التطرف؟ "( ). وتشبه غرناطة "حياة" كما يرى( )، ويغدو البيت الذي أقام فيه شبيهاً بجسدها( ).
ويجعل "خالد" من جسور قسنطينة معادلاً موضوعياً له، يرسم نفسه من خلال رسمه لها، ويعبر عن حاله وما آل إليه وضعه، فقد كانت أول شيء رسمه، إثر إصابته وبتر ذراعه،حيث صار جسراً معلقاً بين الحياة والموت، لا ينتمي لأي منهما "ويخرجني من السرية إلى الضوء، ليضعني أمام مساحة أخرى.ليست للموت وليست للحياة. مساحة للألم فقط. وشرفة أتفرج منها على ما يحدث في ساحة القتال"( ).
ويؤكد "زياد" من خلال تفسيره للوحات "خالد" الإحدى عشرة، التي خلد عليها جسور قسنطينة خلال شهر ونصف، يؤكد ما نذهب إليه " لقد توحد مع هذا الجسر لوحة بعد أخرى في فرح. ثم في حزن متدرج حتى العتمة، وكأنه عاش بتوقيته يوماً أو عمراً كاملاً.."( ). فقد رسم نفسه من خلال الجسر، مؤكداً على تدرجه من مناضل من أجل استقلال وطنه، إلى مبتور الذراع والأحلام، يعاني الفقدان الذي يتعمق بزواج "حياة"، ويتكرر بموت أخيه، ولا يبقى منه في آخر العمر سوى شبح فاقد للسعادة والأمل، لتكون لوحة الجسر الأخيرة التي رسمها بمثابة تنبؤ بهذه النتيجة" في اللوحة الأخيرة لا يظل بادياً من الجسر سوى شـبحه البعيد تحت خيط من الضوء. كل شيء حوله يختفي تحت الضباب فيبدو الجسر مضيئاً، علامة استفهام معلقة إلى السماء.. كجسر"( ).
فهو معلق بين الأضداد منذ وجد،معلق بين الموت والحياة، بين الوطن والغربة، بين السعادة والشقاء، تماماً كجسر، لا ينتمي لأي منهما منذ وجد، ولم ينتم فعلياً إلى أي طرف "هناك أناس ولدوا هكذا على جسر معلق. جاؤوا إلى العالم بين رصيفين وطريقين وقارتين. ولدوا وسط مجرى الرياح المضادة، وكبروا وهم يحاولون أن يصالحوا بين الأضداد داخلهم.ربما كنت من هؤلاء"( ).
فهو جسر طرفه باريس والآخر قسنطينة " أين يقع البحر وأين يقع العدو؟ أيهما أمامي وأيهما ورائي؟ ولا شيء وراء البحر سوى الوطن..ولا شيء أمامي سوى زورق الغربة..ولا شيء بينهما سواي .."( ). فهو جسر معلق مثلها "ما زالت الطيور تعبر هذه الجسور على عجل، وأنا أصبحت جسراً آخر معلقاً هنا"( ).
وقد فعل الرسام الفلسطيني "عاصم أبو شقرا (1961-1990) " ما فعله "خالد" هنا، في جعل المكان وأشيائه معادلاً لساكنيه؛ إذ جعل شجرة الصبار معادلاً للفلسطيني، حيث رسم " مشهد المكان الفلسطيني من زاوية تبرز الغائب عنه، أي القرى والمناطق السكنية المدمرة في اللوحات الأولى لأبي شـقرا كانت أشـجار الصبار في بيئتها الطبيعية – تقوم مقام الحدود للقرية – لكن الفراغ المحيط بها يدل على وجودها كتذكارات باقية لحياة جمعية تعرضت للتصفية. وفي لوحاته اللاحقة فصلت أشجار الصبار عن بيئتها الطبيعية ووضعت في أواني الزهور. يعرض هذا "النزوح" القسري كمصدر للعذاب. ففي إحدى اللوحات، مثلاً، رسمت شجرة الصبار كقبضة سوداء من خلال الأشواك تندفع نحو سماء عاصفة،وفي لوحة أخرى يعزز ظل الآنية على حافة النافذة الإحساس بغياب القمر"( ) .
فتدرج "خالد" برسم الجسور من حالة إلى حالة، يعبر فيها عن مراحل عمره، يعيدنا إلى تدرج " عاصم " في رسم شجرة الصبار، وجعلها تمثيلاً للنكبة الفلسطينية ومراحلها.
ومن أنسنة "مستغانمي" للمكان. ما يفعله "خالد" مع قبر والدته؛ إذ يصير القبر وأمه واحداً، فهو قبر رخامي بسيط، بارد كقدر والدته،كثير الغبار كقلبه هو( ) "ها هي ذي (أمّاً) شبر من التراب، لوحة رخامية تخفي كل ما كنت أملك من كنوز صدر الأمومة الممتلئ.. رائحتها.. خصلات شعرها المحناة.."( ) .
فيغدو الحجر حنوناً كقلب أمه، أرحم من باقي البشر عليه "هذا الحجر الرخامي الذي أقف عنده أرحم بي منك"( )، يعكس القبر حنان صاحبته "لو بكيت الآن أمامه لأجهش بدوره بالبكاء. لو توسدت حجره البارد. لصعد من تحته ما يكفي من الدفء لمواساتي. لو ناديته (يا أما..) لأجابني ترابه مفجوعاً "واش بيك أميمه..". ولكن كنت أخاف حتى على تراب (أما) من العذاب، هي التي كانت حياتها مواسم للفجائع لا غير"( ). فالقبر إذن معادل لصاحبته، يخاطبه "خالد" ويعتذر له.
الإيقاع المكاني وعلاقة الأماكن المفتوحة والمغلقة بالأحداث
في الرواية إيقاع مكاني؛ إذ تبدأ وتنتهي في المكان ذاته، تقريباً، تبدأ بـ "خالد" جالساً في بيت "حسان"، وتنتهي به في المطار عائداً إلى ذلك البيت، كما تذكر النافذة في أول الرواية، بعد انتهاء الأحداث، إذ يطل "خالد" من خلالها على قسنطينة، وقد فقد عشقه لها، ليهرب من "حياة" فتنهال عليه ذاكرته( )، وهي النافذة التي يأتي عليها في آخر الرواية، تقريباً، يشرعها يوم زفاف "حياة" ليخرج منها طيفها، فتدخل قسنطينة منها " أدري فقط أن قسنطينة، دخلت من تلك النافذة نفسها. التي قلما فتحتها"( ).
وتكون الأماكن العامة أماكن للقاء "خالد " و "حياة "،وبعد بلوغ العلاقة ذروتها يدعوها لبيته، المكان الخاص، لتنتهي القصة في مكان عام، في حفلة زفاف "حياة" أمام حشد من المدعوين.
فبينما يلتقي "خالد" و "حياة" في صالة عرض للرسومات في باريس، ويتكرر هذا اللقاء مدة أسبوعين، ثم يلتقيان في مقهى (ميرابو) مدة ثلاثة أشهر، ينتقلان إلى بيت "خالد "، بيد أن علاقتهما لا تكاد تبدأ حتى تنتهي؛ إذ تسافر هي إلى الجزائر، وتقع في حب "زياد" لدى عودتها، لتلتقي به في بيت "خالد" أيضاً. وتنتهي علاقتها بـ "خالد" يوم زفافها في بيت يضم عدداً من المدعوين.
وهكذا تبني "مستغانمي" المكان في روايتها بوعي فني؛ حيث تظل الأماكن العامة أماكن اللقاء الأولى، وأماكن الفراق، بينما تكون حميمية العلاقة وخصوصيتها في مكان خاص بعيد عن عيون الفضوليين.
فوضى الحواس
تدور أحداث هذه الرواية بين مدينتين أيضاً، يبد أنهما جزائريتان، فلا وجود لفرنسا هنا؛ إذ تنشطر الأحداث بين قسنطينة والجزائر العاصمة.
وبينما تكون السـينما ومقهى العودة أمكنة القصة التي كتبتها "حياة"، في الفصل الأول، تغدو أمكنة الفصل الثاني؛ إذ ترتادها "حياة" بحثاً عن بطل قصتها القصيرة. ويضاف إلى هذه الأمكنة بيت "حياة" ( )، وبيت أمها( )، ثم بيت عم " أحمد " السائق الذي تزوره بعد مقتله حيث القرآن والعويل( ).
وتستخدم في تنقلاتها سيارة زوجها الضابط تارة( )،وسيارة الأجرة طوراً( )، يضاف إلى هذه أضرحة الأولياء التي تزورها لتنجب،بناء على طلب أمها، والجسر حيث يقتل عم"أحمد"( )، ثم المشفى العسكري الذي اقتيد إليه( )، والمخفر الذي استمعوا فيه إلى أقوالها( )، والمقبرة حيث قبر والدها( )، والحمام العام الذي تلتقي فيه نسوة المدينة( )، ومحل بيع القرطاسية.
أما الأماكن التي ترتادها "حياة" في العاصمة، فبيت شاسع على البحر( )، وبيت "عبد الحق " صديق "خالد" المصور( )، وتتوزع الأماكن العامة بين الشوارع التي تلتقي فيها بـ "خالد"( )، والمخبز الذي تشتري منه خبزها، وساحة " عبد القادر "( )، ثم المقهى الذي تلتقي فيه بـ "خالد"( ).
حضور المكان وغيابه
يتغلب المكان الحاضر، في هذه الرواية، على المكان الغائب، كما تغلب الزمن الحاضر على الزمن الماضي؛ فتقل وتيرة التناوب بينهما، وتكون الإشارة للمكان الغائب بهدف المقارنة.
تشكل قسنطينة في الفصل الثاني المكان الحاضر، حيث تلتقي "حياة" و "خالد" في السينما ومقهى "العودة" بداية، ثم مقهى "سيدة السلام"( )، كما تتنقل بين بيت أمها والجسور، حيث يقتل عم "أحمد"، بحثاً عن "خالد" المصور( ).
تجري الأحداث في الفصل الثالث في العاصمة حيث تلتقي "حياة" بـ "خالد" في الشارع، ثم تزوره في بيته الخاص ( )، وبينما يكون البيت الشاسع على الشاطئ مكاناً حاضراً تقيم فيه "حياة"( )، يكون غائباً مستحضراً في الوقت نفسه؛ "تستعيد "حياة" وضعه أيام الاحتلال( ). كما تكون قسنطينة المكان المتذكر للمقارنة بينها وبين العاصمة( ).
كما تغدو العواصم العربية بتماثيلها المختلفة مكاناً متذكراً، لدى مرور "حياة" بساحة الأمير "عبد القادر"، في أثناء زيارتها لبيت "خالد" ورؤيتها لتمثاله الصغير( ).
ويصبح مقهى(الميلك بار) حاضراً ومتذكراً أيضاً، فتستذكر"حياة"، لدى مرورها به، حاله أيام الاحتلال،قبل 40 سنة،يوم زارته "جميلة بوحيرد" وتركت شنطة متفجرات تحت طاولته( ).
ويستحضر "خالد" المصور الأماكن الغائبة التي وردت في "ذاكرة الجسد"؛ إذ يخبر "حياة" بنسيانه لرسوماته في مدينة أخرى، ويعني باريس التي ترك فيها "خالد" الرسام رسوماته " لقد تركتها في مدينة أخرى"( )، وحيث يكون بيت المصور حاضراً، تزوره "حياة"، يكون بيت الرسام في باريس غائباً متذكراً؛ حيث يعيد تشابه الأحداث بين الروايتين "خالد" المصور إلى زمن آخر، ومكان آخر، جرى فيه لقاء مشابه " لكن العجيب أن لي إحساساً ثابتاً بأنني قابلتك في بيت آخر، وقبلتك في زمن آخر.. "( )، فيحيله ما جرى بينهما، إذ قبل "حياة" أمام المكتبة، لما جرى في بيت الرسام في باريس، حيث قبل الأخير المرأة ذاتها أمام مكتبة أيضاً( ).
تعود الأحداث في الفصل الرابع، إلى قسنطينة حيث تزور "حياة" بيت عم " أحمد " في العيد، وتزور قبر والدها( )، ويغدو الحمام حاضراً ومتذكراً؛ إذ يعيدها منظره الآن، إلى وضعه يوم كانت طفلة تزوره رفقة والدتها( ).
وتظل قسنطينة مكاناً حاضراً في الفصل الخامس، وتكون مدينة مغربية صغيرة، حيث قضى " بوضياف " فترة إبعاده فيها بعد أن طرده وطنه، تكون مكاناً متذكراً( ).
وبعد عودة "خالد"، المصور من باريس، تسافر "حياة" مع والدتها إلى العاصمة، لتلتقي به في بيته مجدداً( )، ويتذكران معاً بيت الرسام في باريس( ).
وتحضر قسنطينة في الذاكرة؛ إذ يستذكر "خالد" حياته فيها، إثر اتصاله بصديقه " عبد الحق " المقيم فيها( ).
وبينما ينتقل الحاضر إلى قسنطينة في آخر الرواية، يغدو بيت "عبد الحق"، في العاصمة، غائباً ومتذكراً "هي التي عاشت في بيته، ونامت في سريره مع صديقه…"( ). فعلى الرغم من بعض الإشارات إلى أمكنة غائبة، واستحضارها، يظل المكان الحاضر هو المسيطر.
رؤية الشخصية للأمكنة والمقارنة بينها
لعل ما يميز أمكنة هذه الرواية ثبات دلالتها؛ فلا تتغير صورتها بفعل الزمن أو مرور الأحداث، كما هو الأمر في "ذاكرة الجسد"، فتلتزم كل من المدينتين دلالة ثابتة من أول الرواية لآخرها، دلالة تتضح من خلال المقارنة التي تعقدها "حياة" بينهما، فتطالعنا قسنطينة بصورتها السلبية التي اتخذتها في آخر رواية "ذاكرة الجسد"، بعد زيارة الرسام لها، ورؤية ما هي عليه من تناقض وتأخذ العاصمة هنا، دلالة باريس هناك.
فقسنطينة مكان الشرعية الزوجية التي تعتورها الرتابة والملل، حيث تعيش "حياة" مع زوج عسكري لا تحبه، وتكون العاصمة مدينة الحب والحرية " فالشرعية تناديني.. وقسنطينة تنتظرني.. والحياة التي استغفلتها وخرجت على قانونها، تعيدني إلى بيت الطاعة، متوجة ببريق الذكريات "( ).
وتظل قسنطينة مدينة مغلقة، تقمع حرية الأفراد وتخنق العشاق بمراقبتها لتصرفاتهم " ما أتعس العشاق في هذه المدينة التي يعيش فيها الحب ممسكاً أنفاسه، جالساً في عتمة الشبهات على كراسي مزقتها بسـكين أيدٍ لم تلامـس يوماً جسد امرأة"( )، هي"مدينة تلبـس التقوى بياضاً"( )، ويتباهى أهلها بازدياد عدد حجاتهم دون أن يكون لذلك علاقة بالدين( ). هي مدينة تحترف الإشاعات "هذه مدينة ترصد دائماً حركاتك، تتربص بفرحك، تؤول حزنك، تحاسبك على اختلافك"( ). وهي مخيفة بتضاريســها وجغرافيتها كما تراها "حياة"( )، كئيبة، تسجن روح "حياة" المحلقة، وتقتل أحلامها كما قتلت أحلام "خالد" الرسام، فصار يستعجل مغادرتها.
وتعد رؤية " حياة " للمدينة امتداداً لرؤيتها لها في "ذاكرة الجسد"؛ فلم تحب هذه المدينة يوماً " هذه مدينة، لا تكتفي بقتلك يوماً بعد آخر، بل تقتل أيضاً أحلامك "( ). يخاف أهلها عبور شوارعها، ولا يجرؤون على ارتياد مطاعمها أو دخول بيوتها( )، يصير الرحيل عنها، لشدة القتل فيها، أملاً وحيداً؛ فعلى الرغم من خوف "حياة" على أخيها "ناصر"، توافق على رحيله وتسعى لإقناع أمها بذلك( ).
وتشكل العاصمة المكان المقابل، على الرغم من كونهما مدينتين جزائريتين، فهي مكان اللقاء الحر الآمن بلا رقيب، يسيطر الهدوء على شوارعها وبيوتها "لا شيء كان يشبه هنا شوارع قسنطينة، المكتظة بالسيارات والمارة، وضجيج الحياة. كل شيء هنا جميل ونظيف، ومهندس بذوق، وكأنه ينتمي إلى مدينة أخرى، أو كأنه وجد خطأ هنا.."( ).
هي مدينة متحضرة لا علاقة لها بالفوضى التي تعج بها قسنطينة "فهذا الشارع يستيقظ وينام بهدوء، وبحضارة لا علاقة لهما بصراخ الباعة والأطفال ونداء المآذن التي تستيقظ عليها شوارع قسنطينة"( ). وتعشق "حياة" هذه المدينة، وتتوق إلى السفر إليها حيث الانعتاق من كل القيود، فهي مدينة الحلم "بيت أسميته بيت الحلم، فهنا كل شيء يصبح ممكناً كما الأحلام"( ).
علاقة الشخصية بالمكان
تقدم "مستغانمي" المكان، هنا أيضاً، من منظور الشخصية، ووفق إحساسها به؛ إذ تقيم الشخصية علاقة نفسية مع الأمكنة، تتأثر بها وتؤثر فيها، وهو ما يراه (فييليب هامون) من ضرورة انسجام الشخصية مع المكان فمن "اللازم أن يكون هناك تأثير متبادل بين الشخصية والمكان الذي تعيش فيه أو البيئة التي تحيط بها بحيث يصبح بإمكان بنية الفضاء الروائي أن تكشف لنا عن الحالة الشعورية التي تعيشها الشخصية بل وقد تساهم في التحولات الداخلية التي تطرأ عليها"( ) .
فمثلاً، ترفض "حياة" أن تكتب في مكان عام، مؤكدة أن لهذا الفعل خصوصيته " أن تجلس لتكتب في مكان علني، كأن تمارس الحب على وقع أزيز سرير معدني. وبإمكان الجميع أن يتابعوا عن بعد، كل أوضاعك النفسية، وتقلباتك المزاجية أمام ورقه"( ).
كما أن هناك بيوتاً تستحيل فيها الكتابة لسبب نفسي تجهله هي ذاتها "ثمة بيوت لا تستطيع أن تكتب فيها سطراً واحداً، مهما سكنتها، ومهما كانت جميلة، وهذا أمر يبقى دون تفسير منطقي"( ).
ويصير المكان وسيلة للتعرف على صاحبه، ومرآة تعكس مزاجه، فتلجأ "حياة" إلى استكشاف بيت "خالد " المصوِّر وذوقه في اقتناء أثاثه وكتبه، لمعرفة شخصه ونفسـيته ومزاجه " بينما أتأمل أنا تلك الغرفة التي يغطيها أثاث بسيط منتقى بذوق عزوبيّ، لا يتعدى أريكة كبيرة من المخمل، تشغل وظيفة الصالون وطاولة، ومكتبه…."( ). وتكون المكتبة دليلاً على طبيعة ثقافته ونوعها " فاجأتني شساعة المواضيع التي تضمنتها هذه المكتبة، والتي تفضح ثقافة عالية باللغتين، واهتمامات تاريخية وسياسية متشعبة، لم أتوقعها في هذا الرجل"( ).
بل يصير المكان أصدق تعبيراً من صاحبه..؛ فبعد اكتشاف "حياة" أن صاحب البيت الحقيقي هو " عبد الحق " تتأكد أنها عرفت هذا الأخير، ولم تعرف المصوِّر على الرغم من رؤيتها له وقيام علاقة حب بينهما" وأنني ما فتئت أعيش بمحاذاته منذ ذلك اليوم .. أشتم عطره، أطالع كتبه.. أستمع إلى موسيقاه، أجلس على أريكته.. أتحدث على هاتفه.. وأقع في حب بيته! وإذا بي أثناء وهمي باكتشاف رجل، كنت أكتشف آخر"( ).
ويعتاد الشـخص على المكان إلى درجة رفضه لمغادرته، كما رفضت أمُّ "حياة " مغادرة شقتها والعيش مع "حياة"، بعد رحيل "ناصر"( ).
وقد يصير المكان أهم من صاحبه؛ إذ يسعى رجال الشرطة لإنقاذ السيارة الرسمية، أكثر من سعيهم لإنقاذ عم "أحمد" الذي يحتضر( ).
وكما يفرض المكان عاداته وتقاليده على سكانه، يظهر بينهم من يتمرد على هذه العادات، كما فعلت "حياة"، التي سعت جاهدة للتخلص من قيود المكان والتمرد عليها، فراحت تعارض بتصرفاتها طبيعته، تذهب لحضور فيلم في السينما، في مدينة لا تفعل نساؤها ذلك "ولكنني كنت أعي تماماً أنني أرتكب حماقة غير مضمونة العواقب، بذهابي بمفردي لمشاهدة فيلم، في مدينة مثل قسنطينة، لا ترتاد فيها النساء قاعات السينما"( )، ولم تفعل لتجنب تعليقاتهم سوى الدخول قبل بداية الفيلم والخروج قبل نهايته بربع ساعة( ). كما تجلس وحيدة في مقهى، لتكون موضع استغراب الجميع( ).
ومن غريب تصرفاتها أن تخرج في سيارة رسمية للتفرج على جسر( ). وتظل كذلك إلى آخر الرواية، حيث تذهب لشـراء سـجائر في مدينة تسـتهجن أن تفعل النساء هذا "امرأة تجرؤ على اشتراء سجائر في قسسنطينة، لا بدَّ أنها على قدر مـن سوء الأخلاق.. أو على قدر من الجنون"( )، وعلى الرغم من استغراب البائع واستهجانه لفعلها ترفض أن تخبره بأن السجائر ليست لها( ).
أنسنة المكان
تؤنسن "مستغانمي" المكان هنا، كما فعلت في "ذاكرة الجسد"، وتجعله معادلاً للشخص، كما تشيِّىء الإنسان، فيوحد المصوِّر بينه وبين المكان حتى ليصير جزءاً منه، يسكن مدينة وتسكنه أخرى "أنا كالكتاب الذين يسكنون مدينة، كي يكتبوا عن أخرى. أسكن مدينة. لأتمكن من حب أخرى، وعندما أغادرها لا أدري أيهما كانت تسكنني وأيهما سكنت. أنـا حالياً شقة شاغرة. غادرت قسنطينة عـن حب.. وغادرتني هي عن خيبة"!( ) فيصبح الإنسان هنا شقة فارغة، وتصير المدينة شخصاً يسكنه.
فللمكان روح ومزاج قد يوافق مزاج صاحبه وقد لا يوافقه؛ فهو إنسان يشعر ويحس"أذهب لاكتشاف مزاج الأمكنة، وما تبثه روحها من ذبذبات. استشعرها منذ اللحظة الأول"( ). "أحببت هذا البيت: هندسته المعمارية تعجبني، وحديقته الخلفية، حيث تتناثر بعض أشجار البرتقال والليمون.."( ). فالبيوت معادلة للبشر "البيوت أيضاً كالناس. هنالك ما تحبه من اللحظة الأولى. وهنالك ما لا تحبه، ولو عاشرته وسكنته سنوات"( ).
وكما جعل "خالد" الرسام الجسر معادلاً له، تجعل "حياة" بيت الشاطئ في العاصمة معادلاً لها "هذا البيت يشبهني. نوافذه لا تطل على أحد. أثاثه ليس مختاراً بنية أن يبهر أحداً. وليس له من سر يخيفه على أحد"( ).
الإيقاع المكاني وعلاقة الأماكن المفتوحة والمغلقة بالأحداث
تمتاز هذه الرواية بالإيقاع المكاني، كما امتازت بالإيقاع الحدثي والزماني؛ إذ تبدأ هذه الرواية وتنتهي في المكان نفسه، تبدأ بذهاب "حياة" إلى محل لبيع القرطاسية لشراء دفتر وأقلام، وتنتهي بذهابها إلى المحل ذاته، لشراء الأشياء ذاتها( ).
وكما تبدأ أحداث الرواية بذهابها إلى السينما، ثم إلى المقهى بحثاً عن بطل قصتها، تذهب إلى المقهى ذاته في آخر الرواية بحثاً عن "عبد الحق" الذي تكتشف موته، ويصير المقهى مكاناً للفاجعة( ).
ويتشابه البناء المكاني، هنا، مع نظيره في "ذاكرة الجسد"؛ حيث الأماكن العامة هي أماكن اللقاء الأولى بين "حياة" و "خالد" المصوِّر، ينتقلان منها إلى أماكن خاصة، ليكون فراقهما في مكان عام أيضاً. فبينما تلتقي "حياة" بـ "خالد" المصور في السينما أولاً، ثم في المقهى، ثم تلتقيه مصادقة في شوارع العاصمة أمام بائع جرائد( )، ينتقلان إلى بيت "خالد"، المصور، الذي يشهد لقاءاتهما الحميمية، وتكون نهاية علاقتهما وآخر لقاء لهما في مقهى في العاصمة، على الرغم من امتلاك "خالد" لمفتاح بيته "بيننا وبين المتعة مفتاح شقة لا أكثر. ولكنني أرفض أن يتحكم هذا المفتاح فينا وإلا فسيكون في هذا إهانة للحب"( ).
وبينما تظهر مشاعر "حياة" تجاه عبد الحق، حين رأته أول مرة، في مقهى، تنتهي في المكان نفسه حيث تكتشف موته، وتشيعه للمقبرة.
عابر سرير
كما جمعت هذه الرواية بين شخوص الروايتين ""ذاكرة الجسد" و "فوضى الحواس"، وربطت بين أحداثهما، تجمع بين أماكن الروايتين، فبينما يكون التقاطب فيها بين باريس وقسنطينة، كما في "ذاكرة الجسد"، تطالعنا إشارة إلى بيت "حياة" على الشاطئ في العاصمة، الذي ورد في "فوضى الحواس"، ومحمية الصحافيين، حيث أقام "خالد" المصور، في الرواية نفسها( )، كما ترد إشارة إلى تونس من خلال استذكار الرسام لأيام إقامته فيها( )، وألمانيا التي سافر إليها "ناصر".
فيما عدا هـذا، تكاد أماكن المدينتين، باريـس وقسـنطينة، تكون هـي ذاتها التي في "ذاكرة الجسد"؛ إذ تجري الأحداث في باريس في بيت "خالد" الرسام، المطل على جسر(ميرابو) ونهر السين، ومقهى (ميرابو)، وقاعة عرض رسوماته والمقهى المجاور لها، والمطار، يضاف إليها شقة "مراد" صديق "خالد" المصور، وبعض الأحياء المغربية في فرنسا( )، والمستشفى حيث يرقد "خالد" الرسام" "زيّان". أما قسنطينة، فتكون القرية المنكوبة، التي التقط المصور فيها صورته، المكان الرئيسي فيها( ).
حضور المكان وغيابه
تنهج "مستغانمي" في بنائها للمكان هنا، النهج ذاته الذي نهجته في "ذاكرة الجسد"؛ إذ تراوح بين مكان حاضر وآخر غائب متذكر، وكما هناك تجري معظم الأحداث في باريس، وقليل منها في قسنطنية والعاصمة، ومع ذلك تظل قسنطينة المكان الحاضر على الرغم من غيابه؛ ذاك أن" المكان الذي نحبه يرفض أن يبقى منغلقاً بشكل دائم إنه يتوزع ويبدو وكأنه يتجه إلى مختلف الأماكن دون صعوبة، ويتحرك نحو أزمنة أخرى وعلى مختلف مستويات الحلم والذاكرة "( ).
فبينما تكون باريــس المكان الحاضر في الفصـل الأول، حيث يلتقي "خالد" المصور " بحياة " في بيت "خالد" الرسام، تكون قسنطينة المكان المتذكر، وتحديداً مقهى " العودة " الذي ورد في "فوضى الحواس"، حيث التقى فيه المصور بـ "حياة" لأول مرة، كما يستذكر سرير المرض الذي رقد عليه إثر إصابته عام 1988.
ويبدأ تسلسل الأحداث، في الفصل الثاني، لتكون قسنطينة هي المكان الحاضر، حيث بلغ المصور نبأ حصوله على الجائزة، وتكون القرية المنكوبة التي التقط فيها صورة لصبي هي المكان المتذكر( )، ويعيده حال القرية وغيرها من قرى جزائرية، الآن، إلى حالها في السبعينيات من القرن العشرين( ). ثم تتحول القرية إلى مكان حاضر، يعود إليها المصور بحثاً عن الصبي لكنه لا يجده.
وكما في "ذاكرة الجسد"، تكون قسنطينة حاضرة غائبة، فبينما يقيم فيها "خالد" المصور، يستذكر حالها في الزمن الماضي، حيث غرفة نومه مقابلة لغرفة نوم المرأة البولندية التي أحبها( ).
ولا تكون قسنطينة مكاناً حاضراً إلا في هذا الفصل؛ إذ تصبح باريس، بدءاً من الفصل الثالث، بعد سفر المصور إليها لنيل الجائزة، مكان الأحداث. وتكون العاصمة الجزائرية مكاناً غائباً مستحضراً؛ فبينما يقيم المصور في باريس، يستذكر محمية الصحافيين التي أقام فيها( ) وفيلا "حياة" على الشاطئ المقابل( ).
يغادر المصور، في الفصل الرابع، الفندق ويقيم في بيت "زيان" مع (فرانسواز)، وتظل الجزائر كلها المكان الغائب الحاضر؛ حيث تعيده وردة القرنفل، المعلقة في أســنان رؤوس الخنازير المذبوحة، إلى وطنه في السبعينيات، يوم كان الأوروبيون يقصدونه لاصطياد الخنازير( ).
ويزور "خالد" المصور، في الفصل الخامس، "زيان" ليؤكد هذا أن قسنطينة لا زالت حية داخله على الرغم من غيابها " كذلك الأشياء التي فقدناها. والأوطان التي غادرناها والأشخاص الذين اقتلعوا منا. غيابهم لا يعني اختفاءهم"( ). كما يستحضر "زيان" الحدود الجزائرية التونسية حيث خط موريس المكهرب( ). ويستحضر المصور جامعة قسنطينة، التي أصدرت فتوى بعدم دفن "ياسين" في الجزائر( ).
ولشدة غربة المصور في باريس، يستذكر بيته الزوجي في قسنطينة( )، وبيت " عبد الحق " الذي يهرب إليه من بيت الزوجية ( )، والبيت العربي الشاسع الذي كان والده يهرّب إليه عشيقاته( )، ومحمية الصحافيين( ).
ويتتبع في تنقله بين الأمكنة خطا الرسام؛ إذ ينتظر، في الفصل السادس، "حياة" في الرواق الفني، ويأخذها إلى مقهى (ميرابو)( ) ثم إلى بيت الرسام ( ).
وتظل قسنطينة المكان المتذكر، فرغد العيش في باريس يعيده دائماً إلى بؤسه فيها؛ حيث تضطر أم " ناصر " لمغادرتها كي ترى ابنها( ). كما تستذكر "حياة"، في الفصل السابع، لدى رؤيتها لبرج (إيفيل)، جسور قسنطينة وانتحار جدها من على جسر "سيدي راشد"( ).
ويعود المصور، بعد موت "زيان" إلى محتويات بيت "عبد الحق"( )، وأشياء والده وغرفة نومه( ). ويستحضر "زيان" قسنطينة، وتحديداً بيت ابن أخته الذي قتل فيه( ). ويكون بيت "زيان" حاضراً ومتذكراً في آن؛ حيث يستذكر المصور، لدى رقصه وسط الخراب في هذا البيت، ما فعله "زيان" في المكان نفسه( ).
وهكذا تظل قسنطينة حاضرة في روح أبنائها على الرغم من غيابها وسفرهم عنها، لا يشغلهم عن بؤسها جمال باريس.
رؤية الشخصية للمكان عبر الأزمنة والأحداث
تكاد كل من قسنطينة وباريس تحمل الدلالة التي حملتها في "ذاكرة الجسد"؛ ذاك أن المصور عاشق لقسنطينة كـ "خالد" الرسام، بيد أن عشقه لهذه المدينة لا يمنعه من رؤية قبحها، فيؤكد أنها مدينة القمع والفاجعة كبقية المدن العربية( )، لا يأمن فيها الصحافي على نفسه؛ حيث استشرى القتل بينهم( ). بيد أن الموت يصنع حياة، وبشاعة الجريمة تصنع جمال صورة تفوز في باريس( )؛ فتصويره للموت في وطنه قاده إلى المجد في باريس، كما كان الأمر بالنسبة للرسام.
وتكون قسنطينة مـكان الفاجعة بالنسبة لـ "خالد" المصور، يفقد فيها "حياة" الـتي اكتشف حبها لـ "عبد الحق"، فيقرر الانسحاب من حياتها، كما تفشل فيها علاقته الزوجية. بيد أنه، وعلى الرغم من فجائعة فيها، يظل وفياً لها، يشعر بالاغتراب بعيداً عنها، تظل أماً رغم قسوتها "قسمطينة.. آه الميمة جيتك بيه. صغيرك العائد من براد المنافي، مرتعداً كعصفور ضميه"( )، فتظل وطناً يزيده البعد قيمة( ).
وعلى الرغم من انتهاء أحداث "ذاكرة الجسد" بعودة "خالد" الرسام إلى قسنطينة لدفن أخيه، وعزمه على البقاء فيها، نجده قد غادرها إلى باريس، بعد تأكد دلالة الفاجعة لهذه المدينة، إثر مقتل ابن أخيه فيها على أيدي الإرهابيين، فلم يعد يزرها مفضلاً البقاء في باريس ولا يعود إليها إلا جثة " لم أعد أتردد على قسنطينة. لم يبق لي فيها أحد ولا شيء. آخر مرة زرتها منذ سنة ونصف لأحضر جنازة ابن أخي حسان، شعرت أنها مدينة لم تعد تصلح إلا صورة على بطاقة بريدية أو جسراً على لوحة. بدت لي جسورها هرمة تعبة، كأنها شاخت وتساقطت عنها حجارتها"( ).
ولا تختلف رؤية "ناصر" لها عن هؤلاء، بعد أن اضطر للرحيل عنها كي ينجو بحياته "تصور أن تتحمل عجوز في سنها مشقة السفر لترى ابنها، لأن وطنه مغلق في وجهه وعليها أن تختار أتريده ميتاً أم مشرداً"( ).
وتكون باريس مكاناً للقاء، يلتقي فيها "خالد" المصور بـ "حياة" بعد قطيعة دامت سنتين( )، كما يلتقي بـ "خالد" الرسام، ويتعرف عليه ويصادقه، ويلتقي فيها "ناصر" بأمه( ). ورغم ذلك تظل غربة يفتقد فيها هؤلاء أمان الوطن وحنانه "مدينة برغبات صاخبة تنتظرك، سـلالم معدنية تلاحقك لتقذف بك نحو قاطرات الميترو، فتختلط بالعابرين والمسرعين والمشـردين"( )؛ فرغم ما منحته باريس لـ "خالد" المصور من مجد لا يرى جمالها، بل بشاعة ما فعله أهلها بوطنه، فيكره نهر السين الذي لم يكن أميناً على أرواح الجزائريين في تشرين أول 1961( )، فلا يستطيع الاندماج فيها، وتظل قسنطينة شبحاً يطارده ويحيا داخله " يخطئ من يعتقد أننا عندما ندخل مدناً جديدة نترك ذاكرتنا في المطار. كل حيث يذهب، يقصد مدينة محملاً بأخرى، ويقيم مع آخرين في مدن لا يتقاسمها بالضرورة معهم، ويتحول في خراب وحده يراه"( ). كما يرى "خالد" الرسام أن باريس تؤكد اغترابه لا أكثر "الغربة ليست محطة .. إنها قاطرة أركبها حيث الوصول الأخير، قصاص الغربة يكمن في كونها تنقص منك ما جئت تأخذ منها. بلد كلما احتضنتك، ازداد الصقيع في داخلك. لأنها في كل ما تعطيك تعيدك إلى حرمانك الأول. ولذا تذهب نحو الغربة لتكتشف شيئاً.. فتنكشف باغترابك"( ).
وبينما يفضلها "مراد" على وطنه، مؤكداً أن لا خوف فيها علـى البريء( )، لا يرى "ناصر" فرقاً بين باريس وقسنطينة، فكلتاهما غربة تطارده " في الجزائر يبحثون عنك لتصفيتك جسدياً. عذابك يدوم زمن اختراق رصاصة، في أوروبا بذريعة إنقاذك من القتلة يقتلونك عرياً كل لحظة… أنت عار ومكشوف ومشبوه بسبب اسمك، وسحنتك ودينك.."( ). فالجزائري مطارد في نظره، وكل مكان يشكل موتاً بلون مختلف "نحن نفاضل بين موت وآخر، وذل وآخر، لا غير"( ).
وإذا كان الرسام قد حاول أن يصنع من باريس وطناً كما ذكرنا في "ذاكرة الجسد"، تظل في نظر المصور غير صالحة لذلك " أثناء تفضيلك لوطن بديل، تصبح الغربة فضفاضة عليك، حتى لتكاد تخالها برنساً. غربة كوطن، وطن كأنه غربة. فالغربة يا رجل فاجعة يتم إدراكها على مراحل"( ). ويظل المصور والرسام و "حياة" و "ناصر" غرباء مشردين في الأمكنة كلها.
وتتغير دلالة المكان بتغير الأحداث، فيتحول بيت "زيان" من مكان للقاء بين "حياة" و "خالد" المصور، بعد فراق سنتين "إلى مكان للفاجعة بعد موت "زيان" "في ذلك المكان. رأيت حياة لأول مرة بعد عامين من القطيعة. كيف لمكان أن يجمع في ظرف أيام، الذكرى الأجمل ثم الأخرى الأكثر ألماً؟ مرة لظنك أنك استعدت فيه حبيباً، مرة لإدراك في ما بعد أنك فقدت فيه وطناً"( ).
علاقة الشخصية بالمكان
تعنى "مستغانمي"، هنا أيضاً، بما يقيمه الشخص من علائق مع المكان، وبما يجري بينهما من تأثير وتأثر متبادل، فالمكان يشعر بصاحبه كما يشعر صاحبه به، ومن ذلك شعور المصور، رغم غربته في باريس، بدفء القاعة التي عرضت فيها رسومات جزائرية، وكأن اللوحات التي رسمت عليها أماكن من الوطن، حولت غربة المكان إلى دفء وألفة( ). ويغدو المكان بما فيه من أشياء، وسيلة للتعرف على صاحبه، فيلجأ المصور إلى قراءة الرسام من خلال أمكنته وأشيائه "كان السرير في ذلك الموعد الأول مزدحماً بأشباح من سبقوني إليه، ووحدي كنت أشعر بذلك محاولاً استنطاق ذاكرته"( )، ويكتشف من خلال لوحات الرسام، أنه ابن قسنطينة "إنه حتماً أحد أبناء الصخرة وعشاقها المسكونين بأوجاعها"( )، فيؤثر المكان في طريقة تفكير ساكنه وســلوكه، ويغدو تصرفه متوقعاً، ولأن المكان يؤثر في سـاكنيه حيث أن "مجرد الإشــارة إلى المكان كافيه لكي تجعلنا ننتظر قيام حدث مـا"( )، يؤكد المصور أن "خالد بن طوبال "بطل رواية" رصيف الأزهار لم يعد يجيب "لو لم يكن قسنطينياً لما فكر في الانتحار " شخص غيره كان فكر في طريقة أخرى للموت، لكن القسنطيني الذي أمه صخرة وأبوه جسر، يولد بعاهة روحية، حاملاً بذرة الانتحار في جيناته، مسكوناً بشهوة القفز نحو العدم، وتلك الكآبة الهائلة التي تغريك بالاستسلام للهاوية"( ). حتى ليغدو الحب القسنطيني مختلفاً عن غيره؛ فقد كان المصور متطرفاً في مشاعره كالجسر، لا يقبل الحلول الوسطى، يترك "حياة" قبل أن تتركه "أما كنت ابن قسنطينة حيث الجسور طريقة حياة وطريقة موت.. وحب!"( ).
وفي تراجيديا الحزن القاهر، وأمام فلسفة الموت، وتبدل الأشخاص العابرين في المكان الواحد، يرى المصور أن المكان أهم من الشخص وأكثر بقاء منه، فالشخص عابر والمكان ثابت، فيرى أن الأشياء شيأته "لقد شيأتني، وإذا بي الشيء العابر بها.. كغيري. وهي الكائن المقيم الثابت الشاهد علي"( ). وهو ما توصل إليه الرسام أيضاً( ).
وكما تشـيِّيء "مستغانمي"، في روايتها، الإنســان، تؤنـسن المكان، فيغدو تمثال (فينوس) معادلاً لـ "خالد" الرسام، فهي الأكثر عطباً منه، وعلى الرغم من ذلك هي الأنثى الأشهى، وكأنه يؤكد باقتنائه لهذا التمثال، أنه الأفضل رغم عطبه، كما يرى "خالد" المصور( ). فالمكان هنا كما في "ذاكرة الجسد" بطل يشارك في القصة كما يؤكد المصور "دوماً كانت الجسور ثالثنا.."( ).
الإيقاع المكاني وعلاقة الأماكن المفتوحة والمغلقة بالأحداث
تبدو حركة الأبطال في هذه الرواية موقّعة أيضاً؛ إذ يتردد "خالد" المصور على الأماكن ذاتها التي زارها "خالد" الرسام، ويمارس السلوك ذاته، تقريباً، وكأن للمكان سلطة على صاحبه " مقتفياً أثره في الأسرة والشوارع والمعارض والمقاهي. كنت أضاجع نساءه في سرير كان سريره. أعطي مواعيد في المقهى الذي كان يرتاده… "( ).
ومن ذلك أيضاً زيارته للرواق الفني وانتظاره مجيء "حياة" كما فعل الرسام في "ذاكرة الجسد"( ). ورقصه في صالون "زيان" وسط الخراب بعد موته، كما فعل "زيان" في المكان ذاته، إثر موت أخيه( ).
وكمـا في الروايتين الســابقتين يكون اللقاء فـي مكان عام؛ إذ يلتقـي المصور بـ (فرانسواز) في رواق فني، ويلتقي بـ "زيان" في مشفى، وعند بلوغ العلاقة ذروتها، تنتقل إلى مكان خاص، فيقيم المصور في بيت "زيان" ويضاجع (فرانسواز)، كما يلتقي في البيت نفسه بـ "حياة" التي التقاها لأول مرة، بعد سنتين، في رواق فني أيضاً، ويكون الوداع ونهاية لقائه بها في مكان عام، في مطار باريس.
المكان عند "العيلة"
غزل الذاكرة
يكون للمكان فـي روايات "العيلة" دور بطولي، أيضاً؛ فـلا يفرغ القارئ مـن قراءة "غزل الذاكرة" إلا ومدينة القدس وقرية العثمانية( )، الواقعة على مشارفها الغربية، عالقتان في ذهنه. كما يتشابه بناؤه للمكان مع بناء "مستغانمي" له، الأمر الذي سنعمل على تجليته.
أماكن الرواية
تكثر الأماكن، في هذه الرواية، ويتشعب الحديث عنها، وتكاد مدينة القدس وقرية العثمانية تستحوذان على الأحداث، التي تقع في أماكن محددة منهما، ففي القدس تطالعنا ساحة المحطة المركزية، في القدس الغربية( )، وساحة الجامعة الرئيســية( )، وكافيتيريا الجامعة وأسوارها( )، وعمارة (لاوترمان) حولها( )، وقاعة
المحاضرات،( ) وغابة الجامعة( ) ومعهد الآثار التابع لها( ). يضاف إليها المحكمة الشرعية( )، وبيت "نبيل" حول أسوار القدس( )، وفرن الخطاب، ومغارة "سليمان"( )، إضافة إلى أسوار القدس وأبوابها السبع والمسجد الأقصى( ). ويطالعنا في قرية العثمانية بيت "عايدة" والمستعمرة اليهودية المجاورة له( )، وبيت عم "مصطفى"( ).
ومن أماكن الرواية الأخرى، قلقيلية مدينة "نبيل" التي يسكن في إحدى قراها، حيث مقام النبي (اليشــع)( )، ومغارة رومانية يهاجرون إليها، وبيروت وأمريكا وكذلك اسـتنبول حيث هضاب الأناضول والقفقاس ودياربكر، وبحر (الدردنيل) أو (البســـفور)، وقصر (الدولمابهجة) وحديقته( )، وشاطئ بحر مرمرة. كما ترد إشارة عابرة إلى مدن فلسطينية أخرى مثل رام الله( )، وجنين( ).
حضور المكان وغيابه
يفتت "العيلة" المكان، ويلجأ إلى تقطيعه كما فعلت "مستغانمي"؛ فلا يلتزم بمكان واحد لأحداث روايته، بل يراوح بين مكان حاضر وآخر غائب تستحضره الذاكرة. وتبلغ ذروة تشابك الأمكنة وتقطيعها في الفصول الثلاثة الأولى التي كانت، كما أشرنا، هي الأكثر تداخلاً في بنائها الزمني، نظراً لعدم تسلسل الحاضر الروائي فيها.
تشــكل كافتيريا الشـروق المكان المؤطر لأحداث الروايـة، كما بيــت العائلة في "ذاكرة الجسد"، يستحضر "نبيل" فيها أمكنة الرواية الأخرى، بشكل متقطع وغير منتظم فـي الفصول الثلاثة الأولى، ثم يداخـل، بدءاً مـن الفصل الرابع، بين المكان الحاضر والغائب.
وتكون الكافتيريا مكاناً حاضراً وغائباً في الوقت نفسه، كما كان بيت العائلة، حيث يجلس فيها "نبيل" بعد عشرين عاماً على أخر لقاء جمعه بـ "عايده"، ويستحضر حالها قبل هذه السنوات " الكفتيريا بعبقريتها وعبقها شهدت ذات مرة لقاءنا العاصف "( ).
وتكون المحطة المركزية، في القدس الغربية، التي التقى فيها "نبيل" بـ "عايده" للمرة الأولى، المكان المستحضر هنا( )، كما يشير "نبيل" إلى استحضاره مع "عايده"، في لقائهما في الكافيتريا قبل عشرين عاماً، لأماكن مختلفة مثل استحضار"عايده"، في ذلك الزمن، لقريتها العثمانية في سني الخمسينيات موضحة من خلال ذلك حال القرى الفلسطينية في تلك الفترة( ). وتستحضر أمريكا، مكان طفولتها، حيث سافر والدها للدراسة( )، وتعود إلى (شكودرا) الموطن الأصلي لأهلها الذي هجروه إلى القدس( ).
ويستحضر "نبيل"، في الفصل الثاني، العثمانية وتحديداً بيت عم " مصطفى " الذي جعله محطة للوصول إلى "عايده"( )، ويعود بذاكرته إلى حواره مع جده واستحضار الأخير لأرضه وكوشانها الذي سرقه منه " أبو جميز "( )، كما يتذكر "نبيل" قريته التي هرب منها( ).
وتكون الجامعة العبرية والمحطة المركزية( )، وتحديداً مغارة " سليمان " التي زارها "نبيل" مع "عايده"، في الفصل الثالث( )، المكان المستحضر. ويستذكر "نبيل"، أيضاً، قريته قرب قلقيلية( )، وزيارة أمه وهي حبلى به لمقام النبي (اليشع)( ). ثم يعود مجدداً إلى الجامعة( )، والمغارة الرومانية التي رحل إليها مع أهل قريته( )، كما يأتي "نبيل" على ذكر بيروت التي سافر إليها لتلقي العلم( )، والسجن الذي سجن فيه( ).
تتسلسل الأحداث بدءاً من الفصل الرابع، وتكون الجامعة العبرية والمحطة المركزية في القدس، المكان الحاضر، المسترجع أصلاً من خلال الكافيتريا كما أشرنا، حيث رحلات "نبيل" الأولى للجامعة " أذكر زغللة تفاصيل رحلاتي الأولى من باب الزاهرة إلى مباني الجامعة في عين كارم "( )، ورؤيته لـ "عايده" في المحطة المركزية. وتكون ساحة الجامعة مكان لقائهما( )، كما يزوران معاً معهد الآثار التابع لها ومن ضمنه المتحف العبري( )، ويعود منها إلى بيته حول أسوار القدس( )، ويزور المحكمة الشرعية لتأصيل القلادة( )، وكذلك فرن الخطاب، الذي يغدو مكاناً حاضراً وغائباً يراه، الآن، لحظة تأصيل القلادة مهجوراً معتماً، ويستذكر حالة أيام " عمر بن الخطاب " الذي كان يوزع خبزه على الفقراء " اعتاد " عمر بن الخطاب " ارتياده لتوزيع الخبز الساخن على فقراء القدس وساكينها. أدلفه من تشققات بابه الخشبي المغلق منذ عقود. تنكشف لي حجرات من زمن حجري وهاج تعايش عتمة الراهن"( ).
وبينما تكون القدس، في هذا الفصل، مكاناً حاضراً، يستحضر "نبيل" استنبول آخر معاقل الخلافة، ويرتحل إليها بذهنه، لتصير مكاناً حاضراً في خياله، يتنقل بين أماكنها، ورغم ذلك تظل القدس حاضرة على الرغم من غيابها "استشرافي لبقعة أخرى في آفاق التاريخ لا يقودني إلى استبدال المقدس "( )، بل تسيطر عليه إلى درجة توحده معها في مدينة أخرى "أترك أسوار القدس حباً وشغفاً، أتوحد بها في مكان آخر غير مكانها، مكان لفه السواد الحالك منذ عقود"( ).
ويعاني من الغربة في استنبول، فيقرر العودة إلى القدس( ). فغياب المكان لا يعني اختفاءه من ذهن صاحبه؛ تظل القدس حاضرة في ذهن "نبيل" رغم ارتحاله إلى استنبول، كما ظلت قسنطينة حاضرة في ذهن "خالد"، في أثناء إقامته في باريس، مع فارق كون الارتحال هنا ذهنياً وليس حقيقياً كما هناك.
وتظل القدس المكان الحاضر، في الفصل الخامس، يبحث "نبيل" في شــوارعها عن "عايده" التي تسافر إلى أمريكا. وتغدو أمريكا مكاناً غائباً تستحضره "عايده" بعد عودتها، في لقائها مع "نبيل" في مقهى الشروق، " ونحن جالسان، بعد طول فراق، في مقهى أحببت فيه اسـمه وهدوءه، وذاكرته التي جمعتني بك غير مرة "( ) فتستذكر غرفة الفندق المجاور لجامعة (أوهايو)( ) حيث حلمت بـ "نبيل"( )، ومطار (هيثرو)( )، ومطار (بن غوريون) الإسرائيلي في رحلة العودة ( ).
وتظل القدس، في الفصل السادس، المكان الحاضر، وتغدو عمان مكاناً متذكراً، حيث ارتحل إليها والد "نبيل" ليحضر له تعويضاً مالياً عن سجنه وفصله من عمله( ).
وتكون القدس، في هذا الفصل، كما قسنطينة، مكاناً حاضراً ومتذكراً في آن؛ فعلى الرغم من وجود "نبيل" فيها الآن، يستعيد حالها سابقاً، أيام زياراته لـ " محمود الأقطش " المقيم في تل زعترة، الذي يستذكر بدوره جبال ترمسعيا حيث كان يخدم في جيش العسملي سابقاً( ).
كما يستذكر "نبيل" حجرة جدته في بلدته في قلقيلية( )، وتستعيد "عايده" ما جرى لها في مطار (بن غوريون)"( ).
وإثر اغتصاب "عايده" في مدينة القدس، على مشارف العثمانية، يغادرها "نبيل" لتصير بلدته في قلقيلية المكان الحاضر( ). ثم تنتقل الأحداث إلى مدينة السلام في بيت لحم حيث وضع فيها "جاد" طفل "عايده"( ). وتعود كافيتريا الشروق مكاناً حاضراً في آخر الرواية، يلتقي فيها "نبيل" و "نظام"، وتكون غرناطة المدينة التي نشأت فيها "عنايات" مكاناً مستحضراً( ).
وهكذا يتشابه "العيلة" في بنائه للمكان مع بناء "مستغانمي" له في "ذاكرة الجسد"؛ إذ ينتقل "نبيل" من مكان رئيسي مؤطر للأحداث، إلى أماكن الرواية الأخرى، التي تنقسم بدورها إلى مكان حاضر وآخر غائب مستحضر. فبينما تكون كافيتريا الشروق المكان المؤطر، تكون القدس مكاناً حاضراً، يعود من خلاله كل من "نبيل وعايده" إلى مكان ماضٍ، تعود هي إلى أمريكا مهد طفولتها، وقريتها العثمانية التي هي جزء من القدس. ويعود هو إلى بلدته قلقيلية حيث طفولته وزياراته لمقامات الأولياء، وإلى بيروت مكان دراسته.
فهناك مكان حاضر يجوب كل من "نبيل" و "عايده" في أرجائه، ومكان متذكر حاضر في الذهن والقلب لا يفارق صاحبه.
رؤية الشخصية للمكان عبر الأزمنة والأحداث
تتغير دلالة المكان عند "العيلة"، كما هو الأمر عند "مستغانمي"، وتختلف رؤية الشخصية له بمرور الزمن، وتبعاً لما يجري فيه من أحداث، فبينما يكون مصدراً للبهجة والسعادة ساعة اللقاء، يتحول إلى جحيم وعقاب للشخصية عند اقترانه بالغياب، فيصير المكان الواحد وطناً وغربة، نعيماً وجحيماً.
وتلقي القضية الفلسطينية، في روايات "العيلة"، بظلالها على المكان فيكتسب خصوصيته منها، ويكون ما فعله الاحتلال الصهيوني في المكان عاملاً أساسياً في تغير حاله، وبالتالي تغير نظرة الشخصية إليه. فكما غير الاحتلال الفرنسي معالم الجزائر وطارد أبناءها في وطنهم في "ذاكرة الجسد"، الأمر الذي لم ينته بعد الاستقلال، بل بات المطارد جزائرياً منهم، وازدادت غربتهم، ما دفعهم للرحيل، كما فعل "خالد"، يغير الاحتلال الصهيوني معالم المكان هنا، ليغدو شـاهداً على تحولات التاريخ والزمن كما يرى "نبيل" "كانت قريتك العثمانية التي تقع على مشـارف القدس غرباً شـاهداً على تحولات ثقافية وتاريخية أعمق"( )؛ فقد غير الاحتلال معالم هذه القرية وغيرها من القرى والمدن الفلسطينية عام 1948 "كانت سني الخمسينيات من هذا القرن النكد بأحداث عصيبة على قريتنا وباقي القرى والمدن الفلسطينية حيث أطنب الإسرائيليون في فرض حصارات مناطقية على كل قرية ومدينة بعد تهجير الكثير من سكانها"( ).
وقد أدى الاعتداء الصهيوني على المكان، بتهجير أهله وتوطين اليهود بدلاً من السكان الأصليين، أدى إلى مواقف متباينة لهذه القرى، فمنها من هادن وتعايش مع الاحتلال، خاصة بعد مذبحة "دير ياسين"، كما فعلت العثمانية، إلى درجة إغلاق مساجدها حفاظاً على مشاعر اليهود( ). ومنها من هجرها أهلها خوفاً، كما فعل أهل "نبيل"، ليعودوا إليها بعد شهر وقد تغيرت وآلت إلى أسوأ حال "عدنا إلى بلدتنا من رحلة منفى داخلي استغرقت شهراً ونيفاًً. وجدناها في أسوأ حال وأذله بعد مداهمتها من الغرباء، سرقوا كل شيء من بيوتنا إلا جثث الآدميين القتلى أو الحيوانات النافقة أو الطيور المتعفنة"( ).
فقد بذل اليهود قصارى جهدهم لتغيير معالم المكان الفلسطيني، لاجتثاثه من الذاكرة، ولم تسلم منهم حتى مقامات الأولياء التي أزالوا بعضها "وأنا أرى أن مسقط رأسي محاطاً بثلاثة مقامات اثنان مازالا قائمين وثالث اجتثته جرافات السلطة الإسرائيلية إثر قيامها"( ).
ويكمل العملاء ما بدأه اليهود، فيسرقون وينهبون كما فعل " أبو جميز "( ). ويتحول الوطن نتيجة لذلك إلى غربة، ويقرر "نبيل" الارتحال إلى بيروت، كما ارتحل "خالد" إلى باريس في "ذاكرة الجسد"، لإكمال دراسته، وبحثاً عن حريته التي افتقدها في وطنه؛ فقد كانت ملجأ للثوار كانت بيروت، كما قال محمود درويش بعد ذلك خيمتنا الأخيرة، نجمتنا الأخيرة، كنت أرى بها كل نساء الأرض وحواري السماء .. بيروت امرأة من ذهب ليس عسملياً، يطلبها حتماً كل محبي الحياة والحرية، تتسع كما حدث ذات يوم، لكل طيف سياسي أو اجتماعي يسعى إليها بحواسه أو عقله( ).
بيد أن هذه المدينة لم تزد الفلسطينيين إلا اغتراباً؛ فقد تأكد فيها اختلافهم وعريهم، وتعمق إحسـاســهم بالفقدان، الأمر الذي يشعر به "خالد" المصور و "مراد" في باريس في "عابر سرير"، "كانت المدينة يومها موئلاً للثورة والثوار، مرتعاً خصباً لشعاراتهم وشارتهم، وموقفاً فريداً أشعل لهم واقعاً مؤقتاً قربهم من نص الغياب"( ). وأمام غربته فيها يعود إلى وطنه لإكمال دراسته العليا في القدس، ليجدها تحولت من وطن عربي خالص إلى معقل للغرباء، الذين طغى وجودهم على وجود أهل المكان الأصليين، الذين رحّلوا قسراً، وصار من بقي منهم غريباً في وطنه، تلفه البرودة كما "نبيل"، "تداهمني الغربة بظلالها بفعل التلاشي الملحوظ للوجوه العربية والحضور المتكرر للقسمات اليهودية"( ).
فلا يكاد يرى في طريقه إلى الجامعة العبرية، مستخدماً باصات (ايجيد) الإسرائيلية، إلا اليهود " تجتاحني الظنون في خضم الغربة القاتلة، أعايشها وسط الزحام اليهودي الجارف. لا أنبس ببنت شفة بل أكتم أنفاسي خوفاً من تعاكس القسمات العربية مع اليهودية"( )، فيغدو، كما "خالد"، مقيداً في وطنه، فاقداً لحريته.
وتغدو المدينة منشطرة إلى جزأين، يسيطر اليهود على أحدهما ويلوثون أجواءه، ممثلاً بالجامعة العبرية وما حولها، ويحتفظ الآخر، الجزء الواقع حول أسوار القدس، بنقائه فيسعى إليه "نبيل" التماساً لدفئه، حيث يقع بيته، لتكون الأسوار هنا معادلة للجسور هناك، تعيش في ذهن البطل ويدور حولها التماساً لأصالتها. "أعود أدراجي إلى الأسوار حيث النبع الصافي والحجارة الزمردية التي شكلت لي ذات يوم قلادة القدس"( ). وكأن الجامعة وما حولها تمثل باريس، في "ذاكرة الجسد"، والأسوار وما حولها تمثل قسنطينة.
وكما يضفي عشق "خالد" لـ "حياة" في "ذاكرة الجسد" جمالية على المكان ويغير دلالته، يفعل عشق "نبيل" لـ "عايده" الشيء ذاته هنا، فبعد رؤيته لها يبدأ شعور الغربة داخله بالتلاشي، ويطغى وجودها على الملامح اليهودية، فيستعجل يوم الأربعاء حيث يلقاها في الجامعة "جئتك صوب المحطة المركزية محشو القلب. ملتهب الحواف كأنني أخرج لتوي من " فرن الخطاب "، ساخناً كرغيف خبز، متألقاً كبسمة طفل"( ).
بيد أن شعور الغربة يعاود "نبيل"، بعد سفر "عايده" إلى أمريكا، "عدت إلى بيتي في جوار الأسوار مثخناً بالجراح على فراقك المنتظر"( )؛ فتفقد الأماكن التي شهدت لقاءهما يوماً، جمالها وقيمتها ويصير المتحف العبري متحفاً للموت وعذاباً لا يطاق "أجوس محتويات المتحف العبري بنظراتي الغارقة في بحر من الصمت وموت الحركة. أتوقف خلف الباب الزجاجي، أحلق بسمعي في قاعات المتحف العديدة. أصعد وأهبط بغير روحية التواصل العذب الذي تملكني ذات يوم وأنا أصاحبك. تفقد الأشياء والأسماء معنى الحياة، وتتحول ذاكرتي إلى متحف للموت"( ). وتعود الجامعة غربة يهرب منها إلى بيته.
ويصير المكان، كما في "ذاكرة الجسد"، لعنه يعذب صاحبه نظراً لاقترانه بحدث ما، فتغدو أماكن لقائه بـ "عايده"، بعد سفرها أولاً، واختلافه معها الذي كان سببه "نظام" ثانياً، بؤرة ألم يوجعه، يحاول تلاشيها وعدم المرور بها "كنت أتحاشى الأماكن الني جمعتني بك، أجلس في طرف قصي من القاعة، لا أذهب إلى المكتبة إلا لمالماً"( )، وتعود الجامعة مكاناً معادياً يحاصره ويلاحقه " ضاقت بي الجامعة على رحابتها، أمست الوجوه تحاصرني، وملامح النسـاء ترقبني"( )، وتغدو غرفته ملجأ خيباته وألمـه، بعد أن كانت وعاء ســعادته، كما بيت "خالد"( ).
وكما سافر "خالد" إلى باريس التي خضعت لها الجزائر يوماً، يقرر "نبيل"، في خضم غربته وضياعه الذي ازداد بغياب "عايده"، يقرر السفر إلى الدولة التي ضمت القدس تحت لوائها يوماً " أقرر في عتمة الفقدان الرحيل من المكان، فما كان يربطني من عشق يتلاشى. أمتلئ بفكرة البحث عنك في أماكن أخرى، ولحظات متفرقات تخلو من زمن المتاحف والاحتفالات. زمن لا يحتويه الزمن العبري الضاغط على قلبي ونفسي "( ). وتظل القدس رغم رحيله عنها، مكان انتمائه والمدينة المقيمة في أعماق روحه( ). بيد أنه، وكما "خالد"، يكتشف خطأ رحيله، وضرورة عودته للقدس وأسوارها( ).
ويستمر الوطن في تعذيبه، وتكون القدس منبعاً للألم، ومكاناً للفقدان، كما كانت قسنطينة، ففيها يغتصب (ديفيد) "عايده"، وتحديداً على حدود قرية العثمانية، تغتصب لتحمل بطفل شاذ، كما ضاعت "حياة" في قسنطينة بزواج عدَّه "خالد" اغتصاباً، فيتنكر "نبيل" لهذا الوطن، ويتمنى لو لم يولد فيه "ربما تمنيت من قلبي ألا أكون عرفتك البتة، أن لا أكون فلسطينياً، وأن أكون ولدت في دغل من آدغال أفريقيا"( ).
وربما لصعوبة رحيله عن الوطن كله، يقرر "نبيل" مغادرة القدس على الأقل، إلى بلدته قلقيلية "دوختني حكايتك، فآثرت الابتعاد مؤقتاً من سطوتك، ذهبت إلى البلد علِّي أتنفس هواء غير هوائك، أو أشرب ماء غير مائك"( ). وتكون خسارته الأخرى؛ إذ يتحول بيته إلى جحيم، إثر معرفة زوجته بحبه لـ "عايده"، فتهجر البيت وتفشل محاولات الإصلاح بينهما، وينتهي الأمر بطلاقها ليصير "نبيل" غريباً في وطنه وبيته، كما "خالد" تماماً، "اختفت التي كانت زوجتي منذ عشر سنين، أخذت معها أمني النفسي في بيت عائلي أركن إليه كلما ادلهم خطبي منك وبك. يا إلهي ما أقسى أن يخسر الإنسان معركتين في جولة واحدة! أصبحت مسكوناً بنص الغياب والشك المريب"( ).
ويعد مقهى الشروق في طليعة الأماكن التي يغيرها الزمن والأحداث؛ إذ تحول من مكان للّقاء إلى مكان للش





تعليقات حول هذه المقاله
العنوانالكاتبوقت الإضافه

تصويت
ما رأيك بالموقع ؟
ممتاز
جيد
مقبول
سيء
نتائج التصويت

حجة بالوان العصر


لوحاتي




كتاباتي

غزل الذاكرة
زمن المرايا
وطن العنقاء
كثبان الذهب الأسود
أبو علي إياد
تأملات مصطفى صبري
الأولاد والشمس
إنشطار الذات
معركة النفق
مكانة القدس
جدار الفصل العنصري
وطني ليس حقيبة
إمبراطورية النفايات
قراءات أمنية
امرأة لا تغار
صراع لا يموت
أصحاب الملايين
صوت الذاكرة


الساعة

صدر حديثا


 
Qalqilia NetWork