إبحث عن:    
القائمة الرئيسيه
صفحة البداية
القصة القصيرة
القصص والروايات
دراسات و ابحاث
المقالات والترجمات
الكاتب يوسف العيلة
معرض الصور
شاركنا رأيك
English Site

تسجيل الدخول
إسم المستخدم:

كلمة المرور:


تسجيل
هل نسيت كلمة المرور

المقالات الأكثر قرائة
1 من الممات إلى البعث .... نظرة إسلامية تقليدية
2 تأملات - الفصل الخامس : موروثات
3 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المصادر والمراجع)
4 تأثير الرواية الجزائرية في الرواية الفلسطينية (المقدمة)
5 الإسلام دين الفطرة الإنسانية

الكاتب يوسف العيلة


جديد الروايات

 

صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في رام الله دراسة بحثية بعنوان " لسانيات الخطاب الشعري المعاصر ، ليليان بشارة - منصور نمرذجاً " للروائي يوسف العيلة . تضئ الدراسة بعضاً من واقع اللغة العربية في الداخل الفلسطيني . ويقع هذا الإصدار في مئة وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، وهو السابع عشر في سلسلة إصدارات يوسف العيلة النقدية والروائية .


قراءة المقاله



زمن المرايا - الطبعة الثانية (الفصل الخامس)
كتبت بواسطة: يوسف العيلة - el 30/10/2005 - 1131 زوار        


كانت عايدة تحزن على حكايات الماضي كلما سمعت صياح ديك "أم احمد " جارتها الذي يقف على حائط الحاكورة المقابل :" ما زالت حكاية ديك معلولة تعيش في نفوس أهل بلدتنا . كان صياحه يثير في آذانهم وعياً يحذرهم من ضياع قادم لكنهم تصورا بسذاجتهم أنهم لا يقفون على مفترق طرق .

." و تساءلت :" ِلمَ ورّثوني عبئا ثقيلاً لا اقوى على حمله ؟ انهزموا وتركوا خلفهم مستقبلاً متعثراً ومضوا إلى حال سبيلهم ، عاث بعضهم فساداً في نواحي العثمانية ثم امتطوا جياد النزاهة لتضليل ذواتهم وذواتنا، حتى الانقياء منهم اخفقوا في ايصال الراية لمن سيأتي بعدهم، كأنهم جميعاً يتساوون أمام مرآة معلولة . على تلك الأرض اليباب يتماثل زمان وجوه اهلها فلا يستطيع الناظر إليهم أن يفرق بين هذا وذك لأنهم نسخ متماثلة تأتي وتذهب من غير بصمات . عجنتهم النكبة فكانوا سلالة واحدة يحملون صفات متشابهة .
- أبو صياح هو حفيد ديكهم كما هي قلقيلية بنت ساحة معلولة .
- أرض العثمانية تتناسل كما يفعل بنو البشر .
أدارت ظهرها لمنطق مرآتها وهي تحاول اقناعها بالشبه القائم بين سلالة الطيور وعائلات العثمانية من البحر إلى النهر .
- ألم يكن العقيد ُيكنى بالصقر الجارح ايام الثورة ؟ ألم يكن حسين يعرف بالكاسر يوم مقتل العقيد ؟
- كان ذلك من قبيل التشبيه لا اكثر .
- إنه اسلوب تفكير ونسقاً اجتماعياً مقبولاً لدى الجميع .
كانت تتملكها رغبة جامحة في تثبيت صورة عوني وصورة الديك على غلالة المرآة تلك . ربما حاولت تشكيل هيئتها بعد ان اجهدتها حكايات جدتها والدكتور منذر وحسين وحتى جاد ! أي تاريخ ارادوا تدوينه على صفحة قلقيلية وسفر ايامها ؟ أي حكاية كاذبة تناقلها الخلف عن السلف دون معنى ! كانت حياتها جزاً من نسقهم المعلول : موجة غامرة من التضخيم تطغى على تفكيرهم على مدار قرون طويلة . كان الرجل فيهم يتلبس بلباس الزير وهو يسعى للثأر من جساس لمقتل اخيه . انثنت في لحظة عصبية إلى خزنة أبيها في جدار الغرفة الشرقية وفتحت بابها السميك. ارادت كنسها من كل محتويات الماضي لافراغ صدرها من ناموس قديم اوجعها فلم تعد تطيق معايشته .
في الركن الشرقي من الخزنة، وقعت يدها اليمنى على صرة من قماش ُمصّفر. امسكت بها، خضتها في الهواء، اصطكت القطع الذهبية ببعضها . تملكتها الدهشة، تناوبت عليها اصداء الذاكرة ثم فتحتها ، وجدت قلادة عسملية بكامل قطعها الاربع والعشرين. هتفت بدهشة:
- قلادة جدتي! وجدتها ! أهذه هي التي مات ابي من أجلها ؟
احتضنتها، جابت بها ارجاء الغرفة ثم جلست تسائل نفسها وهي ترتجف كأن مساً من جنون اصابها. اثار الحدث فضول سناء، جاءت تمشي على رؤوس اصابع قدميها، صامتة كأنها جثة من الماضي خرجت على حين غرة من مقابر العثمانية.
- أين هي؟ من قال لك إنها قلادة جدتك ؟ ربما لعايدة بنت ناجي ، اتذكرين قصتها مع ابيك؟
- القلادة لي ، لا يشاركني فيها احد !
- كلكم تّدعون أن معلولة لكم عندما تعطيكم من خيرها الذهب لكنكم تتبرأون من عبئها وقت الخطر ! في المغرم لغيركم وفي المغنم لكم ، أليس كذلك ؟ منذ متى كان الوطن سلعة مربحة ؟
نفضت عايدة الصغيرة يديها، قذفت بها ارضاً ، لسعتها أنياب الوعي الحادة. لم تعد تطيق ملامسة قلادة قتلت والدها. راغبة هي عن احتضان قلادة امرأة كانت سبباً في تعاستها وشقاء والدتها، انثنت على كتف امها وهي تبكي:
- هذه القلادة لعنة حلت على رؤوسنا جميعاً، خّربت بيوتنا! آه يا أمي، هذه الملعونة خذلتنا ، لم نستطع العيش معها أو بدونها مثل باقي البشر ، عقّدتنا من الناس والزمن وحتى انفسنا. بدي احرقها واحطمها ! بدي ابيعها واشتري فيها راحة وبسكوت ، كما كنت افعل وأنا طفلة في قلقيلية ! خليها تعف عنا يا شيخ !
كان سمور يقف خلف الباب يسترق السمع. جاءت ضربات سبابته على بابهم في وقت المكاشفة مع الذات والماضي . تأخرت سناء في فتح الباب فبدأ يهزه بكلتا يديه من اجل مشاهدة قلادة قضى سنوات عمره من أجل الوصول إليها . انشق الباب فاندفع إلى الداخل كأنه رأس موجة عاتية من امواج الطوفان الذي لف ارجاء معلولة ذات يوم وحوّل زمنها إلى غول مسخ ، مات نصفه هناك وبقي نصفه الآخر معلقاً بين حاضر ومستقبل.
- عايدة على حق ، خليها تبيعها ! نحن لانستطيع مقاتلة مستر كوك إلى ما لا نهاية . لا احد منا يستطيع مقاتلته، ولا أن يمسه بكلمة . ضعي عقلك برأسك يا سناء، إنت وبنتك! غيركم باعوا قلايدهم ومسابحهم وطناجر نحاسهم، حتى باعوا لحاهم ! أتعرفين ماذا كانت تعمل أم الدكتور منذر الذي اشبعكم مرجلة وفلسفة فاضية ؟ كانت تغسل لديفيد واولاده ملابسهم وتنظف مرحاضهم في مستعمرة " يوفال" كل يوم ! الله يعلم ماذا كان يحصل بينهم قبل الشغل وبعد الشغل! خليها على الله !
ردت سناء :
- ماذا نقول لجاد اذا علم ببيع قلادة أمه ؟ سيّدعي حتماً أنها له وحده ! حينها سنتصارع وعه من جديد ونحن نخاف مواجهته لأنه قاتل وعلى استعداد أن يقتل مرة ثانية . القانون يحميه لأنه من جماعة ديفيد .
- ما عليكم من جاد! سأقنعه أن بيعها هو افضل الحلول للخلاف القائم . ما في شيء مقسوم بين جاد وعايدة ، وانت تعرفين هذا !
قاطعته عايدة:
- ما بيننا ليس حباً بل وحدة حال ! انا واياه جئنا إلى هذا العالم نحمل وشماً واحداً كأننا توأمين.
- ايتام قلقيلية مثل وجوه معلولة ، يتشابهون في حياتهم وموتهم ! جاد زنديق : من ام عثمانية واب غريب . أما أنت فوالدك وامك من لب أهل العثمانية !
- لا معنى لما تقولين ! من هو ابي؟ اجيبيني؟ عوني أم سمور أم ...؟
- اخرسي يا كلبة !
وضع سمور حداً لحوارهما الجارح الذي خرج ذات يوم من صدر عايدة وحط في عنق امها كأنه قلادة من تنك . كان نبشاً لماض لا يرغبن في سماعه . امسى قلادة اخرى ،لا يهم لمن تكون ، الأهم من هو المستفيد ! كان الكلام عما مضى يتحول مع مرور الزمن إلى مخلوق مرعب يثير الاشمئزاز ويرسخ في نفوس اهل العثمانية القلق .
قال سمور:
- قرروا ! لِمَ لا تبيعوها ؟ لن يستطيع منذر تغيير واقع الانهيار الذي تسبب به الجميع !
اتصلت عايدة بمنذر، حددت له موعداً في اليوم التالي ، كما هاتفت اقاربها في منفى العربا . طلبت رأيهم في موضوع الخلاص من وجع القلادة ، ربما ادهشتها الفكرة تلك. سألت عنايات عن رأيها فلم تجب بصراحة . اما جاد فكان على بينة من الموقف بعد ساعة من مغادرة سمور لبيت سناء في قلقيلية . عارض منذر بيع القلادة، رفض الفكرة مشيراً إلى أن العثمانية ملك لكل اهلها، ثمنها لا ُيقّدر، عدد مجيدياتها ليس عشرين بل بعدد حصاها وذرات ترابها .
- لا تزايد علينا يا ابن الشغالة ! نحن أدرى منك في مصلحتنا ، صوتك نشاز !
- الحقيقة لا تنقلب إلى نشاز إلا في قلقيلية !
- ليس هنا فقط بل في ارجاء العثمانية !
- كيف تتنكرون لصفقة البيع وتطالبون ديفيد اعادة حقكم في قلادة معلولة ؟ لا ينسجم الأمران !
- وهل المطلوب منا أن نصبح سماسرة حتى نستعيد القلادة ؟
- ليس كذلك بالضبط ! عليكم أن تأخذوا من القلادة بقدر ما تدافعوا عنها التزموا بها في السراء والضراء .
اعاد سمور الكّرة ، اغرى عايدة بالثروة ، وشراء سيارة مرسيدس وهاتف وفيلا في مؤآب كخط رجعة لضمان مستقبلها هناك لأن استقرار الوضع غير وارد في قلقيلية . عقد المساومون على القلادة مؤتمراً سرياً خارج العثمانية . اتفقوا على بيعها إلى ديفيد، حددوا مكان وزمان مراسيم التوقيع ووجهوا دعوات لشخصيات عامة لحضور الحفل التاريخي.
في يوم من أيام كانون ثاني من تاريخ العثمانية اشرف مستر كوك بنفسه على التوقيع الصريح ، باعوها لديفيد ووضعت اموال طائلة للموقعين في بنوك بأرقام حسابات مكتوبة بالميلادية: كانت على نحو وضع في الاعتبار احتوائها لإشارات تدلل على وقائع تاريخية شكلت فيما مضى محطات مفصلية في مسيرة قلقيلية ومعلولة على حد سواء . كان حساب سناء مكتوباً على دفتر شيكات رأيته بأم عيني ويحمل رقم 1453/1918 ش ق. ولعايدة 1906/1991 ع ق . وكان حساب سمور موغلاً في الماضي 571/1924 ش ق. أما رقم حسين ابو شلحة فكان مزدوجاً في مضمونه مثل الآخرين 1516/1948 ح ق.
عند انتهاء فصل التطويب استبد بجاد احساس بهيج بالنصر، ربما انتصر لبعض دمه الغريب على بعضه القريب . كان وفّياً اكثر لسلالة أبيه منه إلى نسب امه المغتصبة مرتين. وقف على شرفة دير على رأس جبل من جبال العثمانية، اطلق صيحته المشهورة :
- يا أهل العثمانية...هل رأيتم كيف امست وقائع تاريخكم ارقام حسابات سرية ؟ منذ الآن فصاعداً احفظوا عني ارقامكم البنكية لا التاريخية ، شيكاتكم هي حقكم في القلادة وفي قلقيلية وفي معلولة ، هل فهمتم ؟
- هذا الزنديق يبالغ في الانجاز السياسي الذي حققه علينا !
- لأنه ليس نصراً سياسياً بل قانونياً ، أيها السذج ! انتم اغبى من ثوركم وديككم !
كانت الصفقة تلك الأخيرة في مسيرة الخذلان التي استبدت بمصير القلادة منذ أن وُجدت . وبحضور الاطراف المعنية ، تم اغلاق ملف القلادة رسمياً بعد التوقيع عليه بحضور الشهود العدول. الفارق الاساس بين المحاولات القديمة التي قام بها المختار وحسين ابو شلحة وبين ما تم في الدير مؤخراً على يد مختار المناضلين سابقاً هو أن الصفقة الأخيرة كانت علناً وتعلن عن ايمانها العميق بالسلام بين توأمين حبيبين .
كان اكثر المغتبطين من انجاز صك الاتفاق ديفيد، استحضر في تلك اللحظات المجيدة كيف اضحت القلادة ملكاً له بعد شقاء استمر الفي عام. احتضنها بذراعيه كما فعل ذات يوم بصاحبتها عايدة الأم ، هرول قافلاً إلى مستعمرة "ناتافا" وهو يهمهم :
- سأعيد سكبها ... سأخلقها من جديد ... نجمة لكل ابناء يعقوب القبطان .
غابت الاحداث عن مسرح العثمانية وعن اهلها في بلاد المنافي البعيدة ، اصاب الجميع وجوم وعلت قسماتهم حالة من الترقب لم يعايشوا مثلها منذ ضياع لحية الشيخ صادق في ليلة النصف من شعبان. مات زمن قلقيلية أو كاد ، لم يعد اهلها يحيون تاريخاً بنصف زمن بل تاريخاً جديداً يقبع خلف اسوار الزمن. كانت دهشتهم بمنطق الصلحة مع ديفيد اكبر من أن تُوصف . كانوا جميعاً على اختلاف فئاتهم ينتظرون حدثاً لم يخطر ببالهم أنه سيأتي . انتظروه من غير وعي وهم لا يعرفون موقفهم منه كيف سيكون ! هكذا كان زمنهم، وقت مشدود الأوتار يعيش في حناجرهم لكنه بلا صوت او صدى. أمست لغتهم متوترة ، مستفزة للذوق العام كأنما اصبحوا ُعمياً عن رؤية عربة التاريخ تتحرك خارج حدود العثمانية ، تلتقط زناة الليل وتدفع بهم نحو المقدمة لتحقيق حلم يغاير كل طموحات قلقيلية الصمود .
تململ فلاح بسيط من بين انقاض الناس، شد فأسه ومنجله واقسم ان يقطع رأس المساومين على ذاكرة ساحة الديك الشهيد ، هددهم بأنه سيفتح باب السجن بيده اليمنى ان تخلوا عن عسملية واحدة من قلادة زين النساء. كان يصرخ بين الفينة والأخرى:
- القلادة ليست لأحد منكم، حتى لو كنتم أحفاداً شرعيين! سواكم في قفار مؤآب احق منكم بها ولهم فيها اكثر منكم .
- نريد ترسيخ المصالحة بين عايدة وجاد ، ونحرص على الصلحة مع ديفيد ابن يعقوب حرصنا على بقائنا في قلقيلية لأنها مبرر وجودنا !
- إذا أردتم أن ينسى أهل قلقيلية حنينهم إلى معلولة انتقلوا إلى السكن في مستعمرة " يوفال" ! يرددون في امثالهم : " البعيد عن العين بعيد عن القلب !"
همس ديفيد ذات ليلة في أذن سمور ابو المعارك :
- ِلمَ لا تحتفلوا سنوياً بزواج عايدة من جاد ؟ المصاهرة تخفف العداوة لأن دمنا ودمهم يصبح دماً واحداً .
اعجبتهم الفكرة فهتفوا :
- يعيش شامشون ودليلة ! السلام عليهما يوم أحبا ويوم تزوجا ويوم ماتا !
ساد القاعة تصفيق حاد ، عظّموا مسيرة مختارهم حين اعلن عريف الحفل أن يوم جلوس المختار على كرسي الحكم أعظم من نزول نصهم المقدس .
- أي مختار يقصد ؟ مخاتيرنا كثر .
- مختار المناضلين طبعاً !
- استبدلوا عام النكبة بعام التعايش الأخوي بين ابناء العم بعد زوال دولة الشيخ كي يتحول إلى بداية لعصر تنوير ونهضة .
تمت تسوية أرضية المقبرة من قبل مقاول احضروه خصيصاً من مستعمرة "يوفال " . كان عماله يعملون ليلاً ويتوقفون عن العمل نهاراً ، كأنهم يتعاملون مع أيام أهل العثمانية على نحو نصفي يتركهم في عماهم طول الدهر. نقل جاد رفات الشيخ صادق سراً ، وضعها في عبوات نحاسية وشحنها إلى المستعمرة قبل انتقاله بثلاثة شهور . استخرج شهادة وفاة جديدة لرفات الشيخ، وختم الاسطوانة الأولى باحرف سامية قديمة لتؤكد أنها تعود إلى تاريخ قوم عبروا نهر الأردن قبل ألفي عام . زعموا أنها ايقونة تاريخية لا تُقدر بثمن كونها تعود إلى الوراء سحيقاً في التاريخ. حفروا على حوافها العليا والسفلى رسوم سريالية تشير أنها بقايا عظام "تصادق" مؤسس قرية "يوفال" القديمة .
مرت حادثة تحريف " يالو " إلى " يوفال " من غير ضجيج ُيذكر، ربما مهد بيع القلادة في وقت سابق لإسكات صوت الاحتجاج الممكن في صدور أهل العثمانية. تقبّل السواد الأعظم خبر التطويب باستهزاء ، مشيرين إلى أن جريمة خلع "يالو" من سياقها العسملي جاء نتيجة للفاجعة الأولى منذ سقوط الشيخ وسلطته اثناء الطوفان. فلسف القوم حادثة انقلاب الهوية التاريخية إلى ضدها بعبارة شهيرة قالتها احدى جداتهم في غير مكان من العثمانية :
- لا يضر الشاه سلخها بعد ذبحها !
- تقصد من ؟ عايدة ؟
- نعم ! تلبست بجلد جدتها دليلة .
- وماذا جرى لذاكرة جدتها الأصلية "أم عوني" ؟
- لم تعد تكترث بمستقبل اهلها الأحياء فهل تهتم بذاكرة الأموات !
- ماذا دهاها ؟
- تحولت إلى سواها .
- ما اسهل عليكم أن تنقلبوا على انفسكم !
لكن من يسمع او يستذكر عبارات جارحة قالتها امرأة ليست من صنف عنايات ؟ من يجرؤ منهم في طول المخترة وعرضها على التصدي لبرامج التحول دفاعاً عن راية الشيخ؟ في ذاك الوقت من الدهر: لا احد يتوفر على ارادة سياسية للوقوف منتصباً في وجه اعادة تشكيل تاريخ العثمانية التي احتلها مستر كوك واعطاها على مراحل لديفيد . اعترفوا به مالكاً شرعياً لها منذ أن كان ولم يكونوا ، فخرجوا من سياق التاريخ بمحض ارادتهم دون وخز من ضمير. كيف لهم ان يتذكروا ما قالته الجدات ؟
استظرف المتنفذون في قلقيلية انقلاب زمن عايدة ، لم تعد بهم رغبة في مواجهة أي تغيير كأنهم أمسوا جثثا تتحرك ولا تحركها جسامة الحدث حولها. بصموا على خطة لتحويل فرن الخطاب إلى بيت للفن . من يرسخ ثقافة سلام بدون وطن وكيف يستقبل غده من غير أرض ؟
كان أول برامجهم مسرحية بالابيض والاسود ، تدور احداثها في غير مكان من العثمانية. طلب "ابو زيتون" عرضها في الذكرى الثالثة لتأسيس بيت الفن : الفن بديلاً عن الوطن لأن الفن وطن من لا وطن له !
- آه ! تأخذوا منا وطناً وتعطونا فناً رخيصاً ؟
- ألم تقايضوا وطنكم بكيس طحين خلال الخمسين سنة الماضية ؟
- الوطن اغلى من الخبز والفن !
جلس "ابو صياح" امام التلفاز صامتاً، يرقب باهتمام ملحوظ حرباً دارت رحاها في قرية تقع بين جبلين شاهقين، يحيط بها خلاء من الارض المنبسطة ، يفصل بيوتها المهدمة عن جبال جرداء نافرة العظام . علا غبار تفجير الصخرة الأفق وتصاعد إلى أعلى ثم انساح بجنون جامح في كل الإتجاهات.
كان في باحة احد البيوت المُهّجرة طفل يصرخ الماً وخوفاً، طفل عارٍ يفترش ارضاً مغبرة ، يلتحف غطاءً من بقع حمراء جافة . تدافع مسلحون في أزقة القرية، انهمرت زخات من رصاص طائش ، اخترقت اشعة الشمس الملتهبة. بقيت الأم الثكلى تكتم صرختها براحتيها المتسختين وعلى وجهها ترتسم عينان جاحظتان يطاردهما الخوف على طفلها الوحيد . حبى مسلح شاب، عريض المنكبين، كبير الرأس، اسود الشعر صوب بيت عتيق . توقف، أخذ الارض ، تشقلب مثل ثعبان ارقط واضعاً يديه بين فخذيه صوب طفل يتيم يتقلب على اديم ارض لاهبة .
- مازالت قلقيلية تقاتل الغزاة والمأجورين . النساء يشجعن الصامدين بالزغاريد .
- ما أبقاك وحيدة في مدينة مهجورة ؟ ألا تخافين الموت يا امرأة ؟ قتلوا زوجك واخويك! ماذا تبّقى لك هنا ؟
- طفلي! ابن السنتين! كيف اتركه فريسة للذئاب؟
- اهربي بجلدك يا لاطمة ! الرصاص أعمى، يقتل الابرياء، ويثكل النساء .
قبل ثلاثين عاماً من سقوط قلقيلية ورحيله عنها وموته في مؤآب ، يرى " أبو صياح" الآن بأم عينه كيف قتلوا والده واخوانه ، يرقب اصرار والدته على انقاذه من براثن موت زوؤام لكنها تخفق في استعادته إلى صدرها. تصب الام جام غضبها على ابنها البكر صيّاح الذي باغت والديه بعرض شريط كاسيت في الذكرى الثلاثين لضياع وطنه أو سقوط جدته سعدة وهي تسعى لحماية والده عبدالله الذي يجري تجريده من ثيابه تحت وطأة الرصاص والشمس الحارقة على شاشة التلفاز . ينتصب غاضباً في وجه امه وهي تقرّعه على فعلته . تؤنبه رحمة بأبيه الذي يعاني من الضغط ومرض القلب.
- تختزنون حكايات ماضيكم وتخافون من مشاهدتها ؟ إن كنتم تعبتم منها فاهدموها وحطموا مرآة تلفازكم حتى تبنوا حاضركم ومستقبلكم .
- نحن ابناء الماضي واسراه ! لا تطلب المستحيل منا !
- اذهبوا للجحيم ، أنتٍ وسعدة وفاطمة ومعكن عايدة وقلادتها !
- هل بلغت بك الوقاحة إلى هذا الحد يا غضيب ؟
- اكره حاضركم واحتقر ماضيكم، ليس لديكم سوى القتل والحنين الزائف إلى زمن عاقر! تتباكون على تشريد أطفالكم واغتصاب نسائكم وأنتم أول من يغتال الطفولة في دواخلنا . كفوا عنا ! لا أريد أن احيا زمنكم . طّهروا انفسكم ، تصفوا ذاكرتكم !
تنهد ابو صياح مستحضراً قادم الأيام لا ماضيها:
- والله يا سعدة ما أنت سعيدة ولا من طلب السعادات نالها.
ثم اضاف بنبرة زاجرة محذراً من احداث ستعود :
- يتآمر ابو زيتون وحسين أبو شلحة علينا ، يسعون لاخراجنا من مؤآب كما فعلوا بنا في قلقيلية . اسطوانة حاضرنا لا تستذكر الماضي بل تستشرف مستقبلاً يأتي .
هّدأت ام صّياح من روعه قائلة:
- اذكر الله يا حاج ! من أين لك هذه الوساوس. الجماعة يحذروننا في الشريط من شرور الحرب التي مضت .
- يضحكون علينا ! الفيلم يصف احداثاً ستأتي إذا بقوا يتحكمون في رقابنا ! انا أعرف منك ومن ابنك وأفهم عقلية زعماء العثمانية. أسأتم فهم ماضيكم فغابت عنكم رسالة مستقبلكم ! ألا يكفيهم بيع القلادة لديفيد ، وتهويد عظام الشيخ صادق، وتحويل اسم معلولة إلى معالوت ، ويالو إلى يوفال ! ماذا يريدون اكثر ؟ أبو زيتون بوق شؤم ينفذ قرارات ديفيد واستراتيجية مستر كوك ومن لف لفهم، يركب موجه ثانية للطوفان كما ركب موجته الاول الخاسي " عوني أبو جميز". المشكلة أن الثاني سلاخي ابن سلاخي، اما "أبو زيتون" فهو متعلم ومن بيت علم، هذا الفرق الوحيد بين الاثنين! يا إلهي ! لماذا يتساوى الوجهاء والجهلة في انحاء العثمانية ؟
- الجماعة باعوا واخلصنا! لماذا النكد والهم ؟
اجابها هازئاً :
- لأنهم باعوها لن نسلم من شرهم ! المطلوب منا الرحيل عن مؤآب عاجلاً أم آجلاً كما رحلنا بالامس عن ساحة الديك البلدي . يريدون ترحيلنا جثمانياً كما رحلّوا عظام جدودنا من المقابر! علينا الخروج من جغرافيا العثمانية نهائياً كما اخرجوا سيرة الشيخ صادق من سياق تاريخها! ألم تسمعي زعمهم أنه تحول بقدرة قادر إلى "تصادوق" ؟
- تركنا لهم كل ارض العثمانية ويريدون اخراجنا من مؤآب ! أين نذهب ؟
- في مؤآب دفنوا موسى ولن نبقى فيها ، إنها محطة اخرى على طريق الرحيل الطويل .
- اخذوا مقابر اجدادنا في معلولة وقلقيلية ونبشوا عظامهم .لا اصدق ما تقول !
- سأقول لك سراً آخر : يخططون لتزويج عايدة بنت عوني من جاد ابن ديفيد العبري ! هل تصدقين ؟
- سرك بايت ! تزوجا منذ عدة شهور !
- لكنهما تزوجا بالسر يا شاطرة ! يخافون من الفضيحة ! سيختمون عليها بالعشرة كما ختموا على بيع القلادة !
- جاد لا يحتاج إلى بصمتهم ، عايدة وضعت طفلاً اسموه عوديد !
- من قال لك هذا ؟ كيف عرفت ؟
- صحيح يا "أبو صياح" ! مين أهم : زواج عايدة من ديفيد ام بيع القلادة ؟
- أمران احلاهما مر : من يوافق على احدهما يوافق على الآخر ولو بعد حين !
- وما العلاقة بينهما ؟
- اتعرفين ! مرة سألت الدكتور منذر نفس السؤال !
- بماذا اجاب ؟ يقولون أنه يفهم ما جري في قلقيلية وباقي انحاء العثمانية لكنه يخفق دائماً في اقناع الناس بوجهة نظره .
- قال :" عايدة هي القلادة والقلادة هي عايدة ، ينتظرهما مصير واحد !"
- لم افهم ! كيف يكون للشيء والإنسان مصير واحد ؟
- يقصد كما فهمت منه أن القلادة رمز شامل للوطن أما عايدة فهي رمز شامل لتجدد حياتنا خارج ارض العثمانية ! كيف يكون هناك حياة بدون وطن ؟ وكيف يكون هناك وطن بدون حياة ؟ وكيف تكون هناك حياة خارج حدود الوطن ؟ لا ادري !
- صحيح إذاً ! يريدون أن يجردوننا من كل شيء !
- عليك نور ! بدأت تفهمين سر المؤآمرة علينا منذ سقوط الشيخ صادق وحتى الآن ! اتعرفين ما هو الأنكى من هذا وذك ؟
- ما هو ؟
- لا أحد يصدقني ! يتهمونني بالثرثرة ! صرت مثل " أبو العز الشامي " الذي كذّب نفسه كي يصدقه الناس !
- وما قصته ؟
- فلاح من العثمانية كان يسافر إلى دمشق مرتين في السنة لشراء حاجيات العيدين . اثناء سفره خرج عليه جنّي وعرض عليه المساعدة المادية. قبل بعرضه لكنه احتار بالجني الذي جاءه من غير ميعاد . قال له: "اسمع يا مسعود! أنا جنيّ وعندي القدرة على التقمص ! سأتمثل للناس بصورة حصان جميل الطلعة ، متناسق القوائم والألوان. لدى وصولك إلى الشام تستطيع بيعي لأثريائها ." إستظرف مسعود الفكرة وما هي إلا طرفة عين حتى تحول الجنيّ إلى حصان ظريف لم تشهد بلاد الشام مثيلاً له.
وصل إلى دمشق وكم كان إعجاب الشاميين بحصانه الجميل وهو يخترق أسواق المدينة تجاه سوق الجمعة . صادف وصوله إلى السوق وصول أحد اثريائها المشهور بثرائه ورجاحة عقله وعظيم جاهه. وما أن رآى الحصان حتى قرر إبتياعه. دفع ثمنه لمسعود ومن ثم قاد الحصان من رسنه عبر ازقة دمشق. والغريب أنه لم يمتط صهوته طول الطريق الواصل بين سوق الحمير وقصره اعتقاداً منه أنه أرفع من أن يمتطيه بشر. دخل باحة قصره منادياً :" ائتوني بالنرجيلة والسجادة إلى المجلس !" عجبت من الحاحه في الطلب ! جلس على السجادة وبدأ ينقر على النرجيلة وعيناه ساهمتان في الحصان! بدا لها شارد الذهن فاعتقدت أنه مصاب بالكدر ! حملق فيه طويلاً ! فجأة تكور واستطال ثم دخل في ماسورة النافورة ! اختفى ولم يعد له وجود في المكان ! جن جنونه وأخذ يصرخ حزناً على ضياع حصانه الساحر! جاءته تسأله فقال : "الحصان دخل في الماسورة ! رأيته بعيني ، ألا تصدقين يا امرأة ؟ " طفقت تضرب أخماساً في أسداس وهي تهمس : "العوض على الله! جن الرجل!"
- ماذا قالوا عنه ؟
- مجنون ! قرروا أن به مس من جنون ومن ثم أرسلوه إلى مصحة عقلية تقع في أطراف عين الفيجة! ولما كان من أعيان دمشق فقد تحلق حوله أشهر نطاسي المدينة حتى يعيدوا له عقله ! كان يصرخ بهم كما افعل الآن قي وجه أهل العثمانية : " لست مجنوناً يا ناس ! اتقوا الله في أنفسكم وفي حالي ! لكنهم لم يصّدقوه . بعد لأي وسوء حال سمع صديقاً له قصته ! دخل عليه فوجده عاقلاً متزناً لكنه يفقد إتزانه عند الحديث عن الحصان الجميل الذي اختفى في الماسورة! طيب خاطره ونصحه بتغيير منهجه مع الناس البسطاء عند قول الحقيقة لأنهم لا يستوعبون الحقيقة لأنها خروج عن الفهم المألوف بين العامة الذين يألفون ما يعرفون وينفرون مما يجهلون حتى لو كانت الحقيقة بعينها والدليل أنهم ينتظرون زوال دولة ديفيد بدون عناء . طلب الصديق منه التراجع بلباقة عما يقوله بشأن الحصان . اقترح عليه اعتبارها نكتة وأن لا يكررها بين الناس خوفاً من سوء الفهم له .
- هل تّقبل من صديقه نصيحته ؟
- لم يكن قبوله بها اقتناعاً بل نكاية بقوم لا يستحقون سماع الحقيقة ! قام صديقه من فوره، بعد أن عقد الصفقة ، إلى الطبيب وأخبره بفرح غامر أن عقل "أبو العز" عاد إليه ولم يعد يردد ما كان يقول ! اغتبط الطبيب هو الآخر وقرر أن يسمع بأذنيه الخبر السار ! أوصى بالإفراج عنه بعد أن وافق بهز الرأس على أن ما كان يقوله ما هو إلا نكتة ليس إلا ! بعثوا رسولاً إلى "أم العز" يخبروها بعودته عاقلاً . زلغطت وملأت سماء عين الفيجة بالزغاريد. جاءها الأقارب والأصدقاء يشاركونها فرحتها بعودته معافى . نثرت الحلوى والسكاكر الشامية على رأس المستقبلين . صرخت بلهفة كبيرة متسائلة: "كيف خرجت يا حصاني من المصحة؟ أشار على الحاضرين بالهدوء ثم وقف حيث يترآى له الحصان : "عليّ الطلاق بالثلاث منك يا أم العز وكل ما حللتي تحّرمي أنني لم أر الحصان يدخل في الماسورة ولم أشاهده يطل من فوهتها! - هل صدقوه عندما تراجع عن قول الحقيقة ؟
- لِمَ لا يصدقونه ؟
- نفسي أن أسألك : هل صحيح صّدقت أن حصانه دخل الماسورة ؟
- لا أعرف !
- إذاً أنت لا تشبه "أبو العز " !
- هذا ما حدث لعاقل قال الحقيقة المرة في وجه من لا يستطيع ادراكها وتسألينني هل صدقته ؟
- اريد أن أعرف إن كانت قصتك عنه حقيقة أم خيال ؟
- لا أعرف ! صدقيني أنني لا أعرف ! نحن هكذا نردد حكايات ورثناها دون أن نعي معناها .
- إذاً كيف تأكدت أنهم زيفوا حكاية موت وطن على شاشة تلفاز؟
- هذه حكاية مختلفة ! استطاع سارقو الوطن أن يكتبوا سيرتنا على وجه طوفان اسمه "أبو زيتون " ورسموا قسماتنا على وجه اعصار اجتثنا من جذورنا وزعموا أننا أحببناه وعانقناه ! لا احد يسمع ما أقول ففي زمن الزلازل يختفي صوت الناي .
- وهل أنت الوحيد الذي يرى ماتخبؤه الأيام ؟
- هناك الكثير من الناس الذين يعرفون أكثر مني لكنهم لا يصرخون البتة !
- ماذا عساهم أن يقولوا أو يفعلوا وهم الضعفاء ؟
- ألا يستطيعون الصياح في وجه جلاديهم ؟
- سيصرخون وإن طال بهم زمن المرايا .






تعليقات حول هذه المقاله
العنوانالكاتبوقت الإضافه

تصويت
ما رأيك بالموقع ؟
ممتاز
جيد
مقبول
سيء
نتائج التصويت

حجة بالوان العصر


لوحاتي




كتاباتي

غزل الذاكرة
زمن المرايا
وطن العنقاء
كثبان الذهب الأسود
أبو علي إياد
تأملات مصطفى صبري
الأولاد والشمس
إنشطار الذات
معركة النفق
مكانة القدس
جدار الفصل العنصري
وطني ليس حقيبة
إمبراطورية النفايات
قراءات أمنية
امرأة لا تغار
صراع لا يموت
أصحاب الملايين
صوت الذاكرة


الساعة

صدر حديثا


 
Qalqilia NetWork